صفية.. فتاة الجسر الهندية

أن تكون فقيراً، يعني أن تكون خياراتك في الحياة ضيقة كخرم إبرة، و مكبلة على جدار الحاجة،هناك مثل مصرى عبقرى يلخص هذا المعنى فى كلمتين (الحوجة مرّة)، فالعوز مذاقه مر فى حلق الفقير وقد تجده يمتد احيانا ليعتصر قلوب الفقراء من الآباء وهم يرون فلذات أكبادهم أمامهم خارج اسوار الأمان، خارج نطاق الآدمية!

هذه الحوجة قد تدفع الفقراء احيانا إلى خوض طرق قاسية مجبرين على السير فيها و اجتيازها ظنا منهم أنها طوق نجاتهم ، بينما هى فى الحقيقة طريق فناء لا رجعة فيه!

ومن رحم تلك المرارة المصرية نرتحل الى أقصى الشرق إلى أرض العجائب (الهند) لنرى كيف افترست تلك (الحوجة) طفلة بريئة؟.كيف كانت كالمقصلة الشرسة التي أطاحت برأس فتاة غضة لم تقترف ذنباً سوى أنها ولدت في بيتٍ العوز، لتثبت لنا هذه البلاد أن عجائبها لا تقف عند حدود الأساطير، بل تمتد لتصنع من جرائمها كوابيس تفوق قدرة العقل البشري على الاستيعاب.

ففي عام 2006، وفي قرية “أكيرباد” التابعة لمنطقة “ماديكيري” بولاية كارناتاكا، كُتب الفصل الأول من هذه المأساة .

عائلة معدمة يتجرع عائلها الأب “محي الدين” والأم “عائشة” مرارة “الحوجة” يومياً

حتى ضاقت بهما السبل وأُجبرا على إخراج ابنتهما الوحيدة “صفية”، ذات الثلاثة عشر عاماً، من مدرستها لعدم القدرة على تكاليف التعليم. في تلك اللحظة الحرجة، ظهر المقاول الثري “حمزة” وزوجته “ميمونة”، اللذان لم ينجبا أطفالاً، وقدما عرضاً للعائلة يبدو كطوق نجاة سحري، التكفل بتعليم صفية ورعايتها في مدينتهما مقابل منح أهلها مبلغاً مالياً كل شهر. بالطبع وافق الأبوان ظنا منهما أن هذا الخيار الأفضل لمستقبل ابنتهما،

ودعت صفية والداها دامعة العينين فهى لم تفارقهما يوما منذ ولادتها.

blank

مرت الشهور الأولى بسلام زائف ،وفجأة، حصل حمزة على مشروع بناء ضخم في ولاية “كيرالا” المجاورة،وبقرار سري اتخذه الزوجان خوفاً من رفض أهل صفية، أُخذوها بعيداً دون علم والديها. وفي المنزل الجديد، سقط القناع الإنساني؛ فتحولت الطفلة من تلميذة إلى خادمة تتحمل كل أعمال المنزل الشاقة طوال اليوم ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل انضم للعيش معهم “عبد الله”، الشيطان المتخفى فى هيئة بشر، شقيق ميمونة، رجلاً في العقد الخامس من عمره، يبلغ من العمر 42 عاماً، لكن الشر الذي يسكن قلبه جعله يبدو أكبر سناً وأكثر تجعداً. كان طويلاً ونحيلاً، ذو بنية قوية وقاسية، تعكس قسوة روحه وجفاف مشاعره. والذي اتخذ من تعذيب صفية وسيلة لتفريغ ساديته، فكان يحبسها في الحمام لساعات ويحرمها من الطعام وتبين في التحقيقات بعد ذلك أنها كانت تتعرض للحرق بأواني الطبخ الساخنة في أنحاء متفرقة من جسدها الغض. ولمنعها من الاستغاثة، قُطعت عنها كل وسائل الاتصال ووُضع الهاتف تحت قفل ومفتاح، بينما كان والداها في القرية يظنان أنها بين الكتب والدفاتر!وفي ديسمبر من عام 2007، كانت صفية تقف في المطبخ تُعد طعاماً ساخناً يغلي في طنجرة ضخمة، وتحت وطأة استعجال “عبد الله” وصراخه، قام بدفعها بقوة لتسقط الطفلة، وينسكب السائل المغلي بالكامل على بطنها وفخذيها. وبدلاً من الإسراع بها إلى المستشفى، وضعتها ميمونة في غرفتها واكتفت بوضع الماء والثلج. ثلاثة أيام كاملة ظلت فيهم الطفلة تتلوى على الأرض، ترتفع حرارة جسدها إلى الأربعين، وبدأ لحمها يتعفن وهي حية وتصدر منه رائحة كريهة، والباب مغلق عليها كي لا يسمع الجيران صراخها. وعندما عاد حمزة ورأى حالتها، وبدلاً من إنقاذها، خاف من المسؤولية القانونية وأن دخولها المستشفى بهذه الحالة سيكشف الجريمة ويهدد علاقاته بسياسيين كبار، فاتفق الثلاثة على القرار الأكثر بشاعة:قرار لا يجرؤ حتى ابليس على اتخاذه! إخماد أنفاس صفية نهائياً!دخل حمزة إلى الغرفة، وبدم بارد، كتم أنفاس الطفلة العاجزة المريضة وخنقها بيديه وهو ينظر في عينيها حتى فارقت الحياة. ثم تحول البيت إلى مسلخ بشرى أحضر حمزة وعبد الله ساطور المطبخ وبدأوا في تقطيع الجثة. ولأن العظام الطويلة كانت ستكشف أكياس الدفن، استخدما مطرقة حديدية لتحطيم عظام أطراف الطفلة ومنطقة الصدر بالكامل وتفتيتها، انهوا مهمتهم فى الثالثة فجراً، استغل حمزة كونه المقاول المسؤول عن بناء جسر وسد مائي فوق نهر “تشاندراجيري”، وتوجه للموقع الخالي، وألقى بالأكياس في عمق أساسات البناء، بل ووضع رأس الطفلة المفصول داخل كتل الإسمنت اللين، لتُصبَّ فوقها أطنان الخرسانة المسلحة والتراب.

blank

وفي مساء اليوم نفسه، كان حمزة وزوجته يقيمان حفل عشاء باذخاً لأصدقائهما في المنزل وكأن شيئاً لم يكن! ولكي يطمس الجريمة، دفع رشوة كبيرة لضابط شرطة لتضليل التحقيق. ولم يكتفِ بذلك، بل زار قرية صفية بعد أسابيع وقدم لوالدها ساعة يد ولوالدتها ثوباً، مدعياً أنها هدايا من صفية لتؤكد لهما أنها سعيدة، في الوقت الذي كانت عظامها تتحلل فيه تحت خرسانة الجسر، ثم أدعى لاحقاً أنها هربت!

لكن وكما نقول قلب الأم لم يصدق هذا،قادت الأم اعتصاماً شعبياً ونصبت الخيام أمام مخفر الشرطة، فتحولت القضية إلى رأي عام، حتى أمر رئيس الوزراء بنقل التحقيق لجهات عليا. وتحت الضغط والاستجواب انهارت الزوجة “ميمونة” واعترفت بما حدث..واستمر الحفر الشاق وسط الخرسانة المسلحة لمدة 15 يوماً حتى استُخرجت بقايا الجمجمة والعظام .

وفي عام 2015، حكمت المحكمة بالإعدام شنقاً للمجرم الرئيسي (حمزة)، والسجن المؤبد لشقيق زوجته (عبد الله) لمشاركته في القتل وإخفاء الأدلة، والسجن لمدة ثلاث سنوات للزوجة (ميمونة) لتدمير الأدلة والتستر،مع سجن ضابط الشرطة المرتشي.

بقيت العظام محتجزة في المختبر الجنائي طوال سنوات الاستئناف كأدلة ، وبعد 16 عاماً كاملة من الفراق المأساوي، استدعت السلطات الوالدين لتسليمهما صندوقاً خشبياً صغيراً يحتوي على ما تبقى من رفات ابنتهما.

blank

الخاتمة:”لكِ أن تتخيل شعور أمٍّ تحمل بين يديها صندوقاً يحتوي على بعض العظام، هي كل ما تبقّى من فلذة كبدها.. بكت حتى تبلل الخشب الجاف للصندوق، بكت وهي تحتضن رفات ابنتها المغدورة لتشكو إليها مواجع ستة عشر عاماً من القهر الصامت!

(الآن فقط شعرت بالسلام.. الآن أصبح لابنتي قبرٌ أستطيع الذهاب إليه، لأبكي وأتذكرها، وأدفنها كإنسانة).. هذا ما قالته عائشة، والدة صفية؛ تلك الأم الصابرة التي لولا جسارتها ووقفتها الأبية في وجه المال والنفوذ والرشوة، لكانت صفية ما زالت حتى يومنا هذا جثةً منسية، مدفونةً داخل الكتل الإسمنتية الصماء لجسد الجسر!

كثيراً ما نظن واهمين أننا استمعنا إلى أبشع ما اقترفه البشر من آثام، ليأتي أحدهم من خلف الجحيم ليفاجئنا بأننا لم نصل القاع بعد، وليخبرنا بأن الهوة سحيقةٌ أكثر مما نتخيل!

أيُّ بشرٍ هذا الذي يرى طفلةً تحترق وتتعفن لثلاثة أيام، ثم يجهز عليها خنقاً، ويدفنها تحت الإسمنت، ويقيم في الليلة ذاتها حفلاً صاخباً؟ إنها الحقيقة المرعبة؛ بأن أشرس الكائنات على وجه الأرض لا تعيش في الغابات والأدغال الوعرة، بل تسكن الشقق الفارهة، وتملك نفوذاً وسلطة، وتتغذى بلا رحمة على دماء وجوع الضعفاء الذين سحقتهم (الحوجة)!

إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري

0 0 الأصوات
Article Rating
المصدر
Facebook
guest
6 تعليقات
باسم الصعيدي
عضو
باسم الصعيدي
5 دقيقة

اهلا بالاخت بنت بحري .. تسلم الايادي التي حركت مشاعرنا 🌹

ما أقسى أن يتحول الفقر من مجرد ضيق في العيش.. إلى وحش يلتهم أثمن ما يملك الإنسان.. أبناءه.. فالفقر لا يسرق الخبز فقط.. بل قد يسرق الطفولة.. ويجبر بعض الآباء على تسليم فلذات أكبادهم وهم يظنون أنهم يدفعونهم نحو النجاة.. بينما كانوا ـ دون أن يشعروا ـ يسلمونهم إلى الذئاب.

وأنا أقرأ مأساة صفية.. لم أرها فتاة هندية بعيدة عنا.. بل رأيت وجهاً يمكن أن يكون وجه أي طفلة في هذا العالم.. وكلما قرأت قصة عن طفلة تعرضت لهذا القدر من الظلم والوحشية.. ازداد خوفي على ابنتي.. حتى إن قلبي يظل معلقاً بها إن تأخرت قليلاً في المدرسة.. أو عند الدرس.. أو أثناء زيارتها لعماتها أو خالاتها.. لأن هذه الجرائم المرعبة لم تعد تبدو بعيدة.. بل صارت تذكرنا في كل مرة بأن أخطر الوحوش ليست التي تعيش في الغابات.. بل تلك التي ترتدي هيئة إنسان.

رحم الله صفية.. وأنعم على روحها بالفردوس.. حيث لا قتل ولا ظلم ولا دموع.. ولعل عزاءنا الوحيد أن عدالة الأرض قد تتأخر.. لكنها لا تستطيع أن تحجب عدالة السماء.

شكراً لك يا بنت بحري.. لقد أوجعتِ القلب بهذه المقالة المؤلمة والإنسانية.. فقد جعلتنا لا نقرأ مأساة صفية فحسب.. بل نشعر بها.

باسم

وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
2 ساعة

سبحان الله قصتها ذكرتني بالطفلة كوزيت في رواية البؤساء .. نفس البراءة التي جرى استغلالها ونفس العذاب والظلم والعمل الشاق الذي قاسته .. لكن الفرق أن كوزيت وجدت من ينقذها في الرواية .. أما في عالمنا الحقيقي ماتت صفية وحيدة ومظلومة ..
لكن هناك نقطة لم يوضحها المقال وهو لماذا اخذوها من أهلها ولم يبين كيف بدأ الأمر من الاساس .. وأيضا ملاحظة صغيرة اتمنى ان تتقبليها بصدر رحب .. تمنيت لو أنك اختصرتِ تفاصيل الجريمة أكثر لأن هذا النوع من الوصف قد يكون ثقيلا على بعض القرّاء .. بينما الفكرة كانت ستصل دون الحاجة الى التوسع فيها .. هذا فقط🌹..
أخيرًا شكرا لكِ لأنكِ منحتِ صفية صوت يسمعه الجميع .. وجعلتِ من قصتها – بعد أن كادت تُنسى – صرخة توقظ الضمائر لعلنا بسبب هذا المقال نلتفت لكوزيت أخرى تعيش بيننا خلف الأبواب المغلقة ولا يشعر بها احد ..

بدر
بدر
1 ساعة

لا اضن بنت بحرى تحتاج أن ترد علي بعد هذا وكلها آراء بالنسبة لي لا استطيع القراءة عن طفل يتعذب ولا اقرا تلك المواضيع ولا اطيق النظر في صور وجوهههم ولا ارى داعي لاجترار الماضي فهم ابرياء وفي جنة الخلد إن شاء الله سعداء، وعندما قرأت ربع المقال لبنت بحرى ادركت انني تورطت في نوع مزعج فلم اكمله

باسم الصعيدي
عضو
باسم الصعيدي
8 دقيقة
ردّ على  بدر

أخي بدر.. انا ارد عليك .. لا أحد يُلزمك بقراءة هذا النوع من المقالات.. ومن حقك أن تنفر منها إن كانت تؤلمك.. لكن المختلف معك هو اعتبار أن عدم القراءة هو الحل.

تقول إن الأطفال الآن في جنات النعيم.. ونحن جميعًا نرجو لهم ذلك.. لكن هل دخولهم الجنة يعني أن نصمت عن الجرائم التي ارتُكبت بحقهم؟.. لو اتبعنا هذا المنطق لما دوّن التاريخ مأساة واحدة.. ولا تعلمنا من خطأ.. ولا حذرنا من خطر.

هذه القصص لا تُكتب لإحياء الألم.. بل لمنع تكراره.. ولتذكير الناس بأن هناك وحوشًا تمشي بيننا بملامح بشر.. وأن الفقر.. والجهل.. والطمع.. قد تصنع مآسي لا ينبغي أن تُنسى.
ثم إنك تقول إنك لم تكمل سوى ربع المقال.. فكيف أصدرت حكمًا على نص لم تقرأه؟.. الإنصاف يقتضي أن نقرأ العمل كاملًا أولًا.. ثم نختلف معه إن شئنا.

ليست كل الكتابات خُلقت لتمنحنا الراحة.. فبعضها خُلق ليوقظ ضميرًا قد ينام.. وما دام هناك طفل واحد يمكن أن تنقذه قصة.. أو أب واحد قد يعيد التفكير قبل أن يسلّم ابنه أو ابنته لغيره.. فإن كتابة هذه المآسي ليست اجترارًا للماضي.. بل حماية لما قد يحدث في المستقبل.

تحياتي

بدر
بدر
3 ساعة

لماذا اخذها من والدها؟!؟ لاجواب!! وما فائدة القصة غير مرض في القلب؟!؟ شكرا بنت بحرى بانتظارا كتابات مشرقة فيها معاني كابوسية كالغموض والمغامرة الخ، دون مسلخ متعفن مريض.
شكرا

باسم الصعيدي
عضو
باسم الصعيدي
10 دقيقة
ردّ على  بدر

أخ بدر..سؤالك: «لماذا أخذها من والدها؟»

ليس اعتراضًا على القصة بقدر ما هو تجاهل لجوهرها.. لأنه ببساطة لم يكن أمامه خيار شريف .. الفقر والجوع والعجز قد يدفعان الإنسان إلى ما لا يريده.. وهذه هي المأساة التي تكشفها القصة. لو كان الأمر بيده لما حدثت الجريمة أصلًا..

أما قولك: «ما فائدة القصة غير مرض في القلب؟»

فهذه نظرة تختزل الأدب في التسلية فقط. الأدب ليس مطلوبًا منه أن يريحنا دائمًا.. بل أن يواجهنا بما نحاول الهروب منه.. لو لم تُكتب القصص المؤلمة لما عرفنا شيئًا عن جرائم التاريخ.. ولا عن الاستعباد..ولا عن الأطفال الذين سُلبت طفولتهم.

نعم، بعض القصص تؤلم، لكنها تؤلم لتوقظ لا لتُفسد.
نحن لا نعرض الدم من أجل المتعة، بل نكشف واقعًا موجودًا سواء أعجبنا أم لا. تجاهل هذه القصص لا يمحوها، بل يترك الضحايا وحدهم مرتين: مرة حين وقع عليهم الظلم، ومرة حين نقرر نحن أن نصرف النظر لأن الحقيقة مزعجة.

لك أن تفضّل قصص المغامرة والغموض كما تشاء، لكن لا تجعل ذائقتك معيارًا للحكم على قيمة النص.. هناك من يكتب ليُسلّي.. وهناك من يكتب ليكشف، ويُحذّر، ويوقظ الضمير.

وصلت ؟

باسم

زر الذهاب إلى الأعلى
6
0
Would love your thoughts, please comment.x