أَشْلاء مَشْرُوعَة

“الضحية العاشرة “
” حياتنا عبارة عن مسرحية قد تكون حزينة أو سعيدة، حيث يتحول مشفى لمحكمة دموية يقودها ‘الجراح الأسود’ لينتقم بمشرطه البارد، جراح أسود بقلب أبيض محطم، في وسط هذا الكابوس تبدأ فتاة بريئة ومحقق ذكي سباقاً مع الزمن، كي لا يتحول الجميع لأشلاء مشروعة “
الوعي لا يعود دفعة واحدة، بل يتسلل كقطرات ماء بارد على جرح عميق.
فتحت هند عينيها ببطء شديد، لتقابل فراغاً مظلماً كئيباً، يختلط مع رائحة أدوية متعفنة، أول شيء لمحته وجعل عيناها تغمضان رغماً عنها، هو مصباح طويل أبيض اللون يضيء ويطفئ، فوقها تماماً يشبه الخاصة بالمشفى، لكنه مخيف أكثر. حاولت النهوض، لكنها لم تستطع، ثقل كبير عند قدميها ويديها، أجل إنها مكبلة على سرير! نظرت برعب حولها، الكثير من الأسرة الطبية القديمة، كان المكان قديماً، مخيفاً، موحشاً، شعرت بخوف وفزع وبدأت بالبكاء، تحاول استيعاب ما يجري وما الذي جاء بها لهنا. أدركت أنها مختطفة، لكن جميع الأفكار السوداوية خطرت في بالها، هل يريد فدية؟ هل سيقتلها؟ هل هم عصابة؟ وما زاد قلقها، هل يعقل أن يكونوا تجار أعضاء؟
صوت خطوات تسير في الممر، خطوات ثابتة جداً، تسارعت نبضات هند كطبول الحرب التي تعلن الهزيمة قبل الحرب، شعرت أن أنفاسها تضيق مع كل خطوة يخطوها، أجل هو متوجه نحوها، بدأ مقبض الباب يدور ببطء، وكأنه يتعمد أن يخيفها أكثر ممَّا هي خائفة. دخل الحجرة وخرج قلب هند بدخوله، قبل ساعات كانت برداء المدرسة، تقرأ رواية اشترتها من المكتبة، لكن عقلها كان مع ما حدث منذ أسبوع أثناء زيارتها للمشفى، شعرت بشيء يكتم نفسها ويسحبها للخلف بقوة هائلة، حاولت المقاومة لكن كل شيء أصبح باللون الأسود.
دخل رجل بملابس أنيقة، معطف أسود طويل يشبه الخاص بالأطباء لكنه أسود فخم، قميصه كان أبيض ناصع البياض، شعره الأسود مثل سواد الليل بلا نجوم، وعيناه الزرقاوان كانت مثل البحر ليس سطحه بل عمقه، كان شاباً بملامح هادئة، باردة، مخيفة، حجمه الكبير أثار فزع هند وهالته المخيفة تحيط به، كان قادماً نحوها بخطوات ثابتة، بدأت هند بالبكاء متوسلة حتى قبل أن يصل إليها، كان يتأمل مشرطه، يلعب به بأصابعه، حتى وصل عند أقدام هند عند آخر السرير.
نظرت له هند بتوسل، قالت بنبرة متأملة ومتلعثمة:
- أرجوك دعني، أرجوك هذا سوء تفاهم، لستُ من تريد، صحيح؟
لم يعرها أي اهتمام، بدأ يدور حولها، ويلاعب مشرطه الذي يلمع مع ضوء المصباح، بدأ يتحدث بنبرة ثابتة لا تتزعزع: - ” هند موسى، فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، تعاني فقراً في الدم، تحب قراءة الكتب والروايات، حساسة، عفوية، هادئة، وخجولة أيضاً، لونك المفضل هو الأزرق وأيضاً الأرجواني، وجبتك المفضلة هي البطاطا المقلية، أممم وماذا أيضاً، صحيح لديكِ أخت كبيرة، ما هو أسمها؟ ما هو؟، أوه هالة “
صدمت هند، لقد كانت هي المرادة، فقدت الأمل، بدأت دموعها تنهمر، تنظر إليه على أمل أن يشفق على حالها البائسة، لكنه بكل برود تقدم نحوها، وضع مشرطه البارد عند دموعها، وكأنه يواسيها بأسلوبه الخاص.
قال بنبرة لا تخلو من أي مشاعر: - ” لا أحب البكاّءات “
صوت صرخة مخيفة هزت جدران المكان، تجمدت أطراف هند حاولت الصراخ هي الأخرى، لكنه وضع يده على فمها، قائلاً بلا مبالاة: - ” ولا أحب كثيرات الصراخ “
وضع مشرطه على الطاولة التي بجوار هند، ورحل بعد غلق الباب، كانت هند في حالة صدمة، لم تستيقظ منها إلا بعد أن سمعت صوت الرعد عند أحد النوافذ المكسورة، نظرت للمشرط، بدأت تحرك أناملها باتجاهه، حتى أَمْسَكَتْهُ بعد جهد، فكت عقدة يدها ولم تكترث للدماء التي نتجت عنه، فكت جميع قيودها، حاولت النهوض لكنها شعرت بدوار، بدأت تترنح مكانها، لكن سرعان ما استقامت، اتجهت باتجاه الباب بلا تفكير، أمسكت المقبض، شعرت أن هناك أحداً قادماً، تسارعت نبضات قلبها، اختبأت تحت أحد الأسرة، وليس السرير الذي كانت مقيدة به، ترتجف من الخوف.
فتح الباب وبدأ بالسير، كانت هند تنظر له من تحت السرير، ترى بوطَهُ الأسود وهو يسير بثبات، وضعت يديها على فمها، محاولة كتم أنفاسها المتسارعة، بينما هو بالفعل اكتشف أمرها، لكنه يحاول ملاعبتها، كالقط الذي يلعب بالفأرة قبل التهامه، ظل يتجول ويتجول في الغرفة، معطيها أملاً زائفاً آخر بعد أن اتجه عند الباب، لكنه حنى رأسه ليقابل وجهها الشاحب الذي امتَلأ بالدموع، كان يبتسم لها ابتسامة شيطانية، أمسكها من شعرها بعنف وأخرجها رغماً عنها وسط صراخاتها المتألمة: - ” إذن فأرتي الصغيرة تريد اللعب، لنلعب إذن “
هند تحاول أن تفك نفسها من قبضته: - ” دعني دعني أرجوك “
أفلتها بقوة عند الباب، وقال بنبرة لعوبة: - ” هيا يا ضحيتي العاشرة هيا اركضي، وائنجي بحياتك، إذا أمسكتك ستموتين، اركضي ولا تجعليني أمسكك “
لم تشعر هند بقدميها وهما يركضان، تركض بهستيريا مرعبة، دموعها لم تجف وقلبها لم يهدأ، كانت تسقط وتنهض، تتعثر تارة وتارة أخرى تصدم بجدار، تنظر حولها بفزع، كراسي ملقاة وأوراق مبعثرة، رسومات على الجدران، قلب مكسور، جماجم، دماء جافة، كان الممر بارداً جداً وكأنه وحش على وشك الافتراس.
في أحد المكاتب يجلس شاب على كرسي، عيناه الخضراوان تنظران للملفات بعمق شديد، بينما يمسح على خصلات شعره حتى تظهر ندبة صغيرة كانت مختبئة، دخل رجل في الخمسينيات من عمره حاملاً ملفات أخرى: - أخيراً عم صبري أخيراً، منذ متى وأنا أنتظر.
- خذ هذه هي الملفات التي طلبتها، جمعتها لك بدون علم الإدارة، إذا علم والدك السيد مختار سيقتلني، أنت لازلت شاباً ليس لك في أمور التحقيق هذه.
نظر له الشاب بانزعاج: - عم صبري أنا لست طفلاً، أنا في الثانية والعشرين من عمري، أيضاً ما قصدك بليس لك في أمور التحقيق، أنا الآن أدرس في كلية الحقوق للعلوم الجنائية والإجرامية في إحدى جامعات بريطانيا، حيث كان شارلوك هولمز، إذا كنت تعرفه يا عم صبري.
ترنح العم صبري بانزعاج: - عليك على الأقل احترامي، أنا أحد مساعدي والدك.
نظر له الشاب وابتسامة لعوبة ارتسمت على شفتيه: - أنت أيضاً أصبحت مساعدي على ما يبدو.
وقعت عين الشاب على صورة هند، تأملها بتمعن شديد، ثم ألقى بنظره للعم صبري، الذي فهم قصده تماماً وشرح له: - هذه طالبة تدعى هند موسى، رفعت عائلتها شكوى من يومين تبلغ عن اختفائها، وليس لها علاقة بسلسلة الجرائم التي معك.
أعاد الشاب نظره للملفات، وقعت عيناه على اسم ” الجراح الأسود “، ثم نظر لصورة هند والملفات التي معه، قائلاً بنبرة هادئة: - الضحية العاشرة.
اقتحمت رجال بملابس أنيقة رسمية، توسطهم رجل ذو هيئة قوية، وصرخ بصوت أرعب الجدران نفسها: - فاااااارس!
نظر له فارس بلامبالاة، بينما العم صبري كاد أن يصاب بأزمة قلبية.
اقترب الرجل ذو الهيئة، ونظر لفارس بحدة، قائلاً بصوت رجولي تقشعر له الأبدان: - متى ستكبر يا ولد، أتعبتني وأتعبت أمك، أتيت في الصباح من السفر والآن تفتش في أشياء لا دخل لك بها، ركز على جامعتك، واترك هذه الأمور لأصحابها، واذهب للمنزل فوالدتك تريد رؤيتك.
أمسك فارس صورة هند، ووضعها في جيبه دون علم والده وغادر، تاركاً العم صبري كالمعتاد.
صوت الصرخة مخيفة، عاد من جديد وكأنها امرأة تحارب للخروج بهستيريا مرعبة، جثت هند على ركبتيها، لم تعد قادرة على السير، الخوف ينهشها ببطء، ضمت ركبتيها فزعة، وضعت يديها على أذنها، تبكي بصمت تام، وصوت الصرخات يعلو ويعلو.
تصببت هند عرقاً، شعرت بدوار في رأسها، ألم في معدتها، سَقَطَتْ على الأرض تاركة أمرها مستسلمة تماماً، بينما هو انخفض على ركبتيه، يبتسم بخبث بينما هي مغشي عليها والعرق ظاهر على جبينها، حملها بين كتفيه، وسار بها في الممر المظلم حتى اختفى تماماً.
” ملائكة خلف ستار السجن “
فتحت هند عينيها ببطء، تسللت أشعة الشمس لغرفتها، وجدت نفسها في غرفة جيدة، مريحة لحد ما، اعتدلت في جلستها. فتح الباب ودخل عليها ببطء، بينما هند انكمشت على نفسها خوفاً، انتهت لحظة الراحة بعد دخوله، سحب الكرسي وجلس عليه كالمحققين. نظرت له هند بشك وريبة، شعرت أنها تعرفه من قبل، شعرت أنها رأت هذا الوجه، لكنها لا تذكر، لا تذكر! حاولت عصر مخها لكنها لم تفلح، جمعت شتات أمرها وشجاعتها، لكن نبرة الخوف والتلعثم كانت أوضح له:
- ل-لماذا اختطفتني؟
قال بدون أن يغير ملامح وجهه: - لأنك رأيتِ شيئاً، لم يكن عليك رؤيته.
قلبت هند رأسها وعينيها معاً، بينما هو مكتفٍ بالنظر لها.
” تذكرت عندما ذهبت لأسبوع من أجل فحص روتيني في المشفى، لمحته وهو يتحدث مع أحد الأطباء بنبرة غضب غريبة، هي لم تسمع ما يقوله، ظنت أنه شخص قد خسر شخصاً عزيزاً عليه ويعاتب الطبيب، لكن التقت عسليتها بعينيه الزرقاوان، لتشيح نظرها عنه بخجل، وتجلس بجوار والدتها “
استيقظت هند من شريط ذكرياتها على صوت طرقعة أصابع، نظرت له حاولت تبرير موقفها بسرعة: - كنت أظن أنك خسرت شخصاً عزيزاً وقتها، صدقني لم أسمع شيئاً.
نظر لها باستغراب شديد، أحقا لم تسمعه وقتها؟، لكن ماذا ينفع الآن لقد اختطفها.
نهض من الكرسي، ورفع ثلاثة أصابع، قائلاً بنبرة كسرت هند كلياً: - ” أما أن تموتي أو تبقي أو تخرجي “
شعرت هند بغرابة، أي عاقل سيختار الخروج؟ لكنه أكمل موضحاً وكسر أملها للمرة المليون: - إذا اخترتِ البقاء فيعني أنكِ ستبقين معي هنا، أما الخروج فلديه ثمن غالٍ، إذا أردتِ الخروج من هنا، فعليكِ التضحية بإحدى عسليتيكِ، أو كليتيكِ، أو و أو والكثير منها.
شعرت هند بعجز كلي، توقف هو عن الحديث قائلاً: - معكِ اليوم بطوله لكي تختاري.
قالها ورحل، رحل وجعلها في حيرتها وحزنها.
دخل فارس منزلاً فخماً، دخل وأغلق الباب ببطء. - فااارس!
قالتها فتاة واقفة على السلم، بدأت تنزل مسرعة نحوه.
سقطت صورة هند من جيب فارس، لتلتقطها الفتاة، نظرت له وعلى وجهها ابتسامة خبيثة: - من هذه؟
نتش فارس الصورة منها، ونظر لها بغضب وتهديد مبطن: - فرح، إياك ولمس شيء يخصني، هذه قضية أعمل عليها.
فتحت فرح فمها غير مصدقة: - القضايا تحتاج لصور هاه، يمكنك إخباري هل هي…
رمقها فارس بنبرة أخرستها، لكنها لمهتم لتهديده وصاحت على والدتها: - أمي، أمي، فارس أتَى!
أتت والدة فارس غير مصدقة، قامت باحتضانه بقوة: - بني أين كنت؟ لقد أتيت من السفر أمس.
- عند صديقي يا أمي.
ردت والدته عليها، وقالت بنبرة هادئة: - أسمع، عمتك ومعها بسمة آتيتان، لذلك…
قاطعها فارس: - أمي، أتيت لرؤيتك، علي عمل أعدك أني سأتصل بك.
قبل فارس رأس والدته، نظر لفرح بتهديد، ثم غادر المنزل، وفي طريقه لسيارته نزلت عمته وبسمة من سيارة أخرى، صرخت عمته باسمه لكنه توارى عنهم وشغل المحرك، وغادر: - سأجن من هذه العائلة، دائماً يأتون في الأوقات غير المناسبة تماماً.
ذهب فارس لمدينة مجاورة التي تعيش بها هند، استعلم عن منزلها من صورتها، طرق الباب، فتح له رجل مثقل بالهموم: - من أنت؟
- فارس مختار عبد الرحمن، وأنا محقق أتيت لأسأل بعض الأسئلة إذا سمحت.
فتح له الرجل الباب، وطلب إحضار كأس شاي، رفض فارس لكنه أصر. - متى آخر مرة رأيتها؟
- عندما أوصلتها للمدرسة.
- هل كان واضحاً على ملامح وجهها الخوف أو شككت أنها غير طبيعية؟
- لا.
- وآخر كلمة قالتها لك؟
- سلام، قالتها وهي تودعني، مضى ثلاثة أيام وهي غائبة عنا.
نهض فارس، ربت على كتفه، قائلاً: - ستعود أعدك.
ابتسم له والد هند ابتسامة مكسورة.
خرج فارس من المنزل، قاصداً المكتبة التي تشتري هند منها الكتب دائماً. - فارس: إذاً هي تشتري الكتب دائماً بعد المدرسة؟
- صاحب المحل: أجل، دائماً ما تأتي بزي المدرسة وتشتري كتباً من هنا.
- فارس: آخر مرة رأيتها؟
- صاحب المحل: تقريباً من ثلاثة أيام.
- فارس: شكرا.
- صاحب المحل: على الرحب والسعة دائماً.
خرج فارس من محل الكتب،
” إذاً اختطفت هند بين المحل والبيت عند العودة بحكم أنه يستغرق نصف ساعة للوصول للبيت “
صعد سيارته وأراح رأسه، يقلب الأوراق والملفات بعقله، يعد جميع المختطفين:
أولاً الطاقم الطبي:- - عادل ثروت (طبيب تشريح، اختفى من سنتين، أول المختطفين)
- سليم راضي (طبيب تخدير، اختفى عقب الدكتور عادل بفترة قصيرة)
- حبيبة فؤاد (ممرضة وتعمل مساعدة للطبيب عادل)
- جميلة فؤاد (ممرضة والشقيقة التوأم لحبيبة، اختفتا قبل سنة)
أما المدنيون:- - يسري توفيق (رجل أعمال ثري، اختفى من سنتين، بعد مقتل زوجته، واتهم أنه من قتلها وهرب خارج البلاد)
- يوسف سيد (رجل يحب السفر كثيراً، اختفى من سنة)
- لطفي حسن (كان لديه اتصال وصداقة مع يوسف سيد، اختفى بعده بفترة وجيزة)
- رضوى عبد العزيز (امرأة في الأربعين، اختفت من سنة ونصف)
- باسم شريف (يسكن في نفس حي رضوى، اختفى بعدها ببضعة أيام)
نظر فارس لصورة هند، مكملاً كلامه: - هند موسى (وآخر المختفين)
بدأ فارس يقود سيارته وسط الظلام بعد ما حل عليه الليل، وانتهاء المدة التي حددها الجراح الأسود لهند.
دخل عليها وفي يده صينية طعام، وضعها على الطاولة وجلس بهدوء وبرود، بينما هي منكمشة على السرير تنظر للفراغ.
فتح فمه يريد التحدث، لكن هند كانت أسرع منه: - سأبقى.
ابتسم لها ابتسامة جانبية، وعلق على قرارها: - إذن سيصبح لي رفيقة سكن، آمل ألا تموتي من الخوف هنا، أيضاً منزلي واسع يمكنك استكشافه، فأنتِ لم تري سوى واحد بالمئة منه هذا المكان.
لم تنظر له هند: - ومتى سأبقى هنا؟
- إلى أن أنتهي من عملي، لا أريد المخاطرة بإخراجك.
ذهب ولم يعد لغرفتها.
كان ينزل وينزل عبر السلالم ويصفر بهدوء قاتل، نزل لطابق أرضي تحت المشفى المهجور، طابق لتشريح الجثث، فتح غرفة كئيبة مليئة بخزانات الموتى، كانت غرفة كبيرة وطويلة مليئة بالخزانات، الأضواء باهتة، رفع كلتا يديه وبدأ يسير في الغرفة وسط الجثث، كأنه نجم أسود يحيي جمهوره من الجثث بكل وقار وسادية، نطق بجنون سيكوباتي: - ” هل اشتقتم لي؟ “
كانت إحدى الأدراج مفتوحة، يظهر الطبيب عادل ثروت منها بوضوح، بدأ عادل بالصراخ عليه وهو مكبل في الدرج الخاص بالموتى المفتوح. - الطبيب عادل: أخرجني من هنا أيها المجنون الوضيع! أنا الطبيب عادل ثروت، ألا تعرفني يا ولد، أخرجني لقد ساعدتك، ماذا تريد مني الآن؟
نظر له من الأعلى، كأنه الموت بعينه، عيناه الزرقاوان أصبحتا بدل بحر بارد لحمم بركانية، لكنه محافظ على هدوئه قائلاً بنبرة باردة غير مبالية، واضعاً سبابته على فمه: - ” إشششش.. لا شيء سوى جثتك، هل تسمح بذلك؟ “
بدأ في السير في الحجرة، لم يستطع الطبيب عادل رؤيته، بل سماع صوته الذي يملأ المكان، كان مرعوباً خائفاً، أما هو فيسير بهدوء ويفتح الأدراج ويغلقها، كان يتلاعب به نفسياً: - ” لقد فشلت، فشلت في حمل لقب الطبيب ولقب إنسان “
أخرج مشرطاً من جيبه وبدأ يتأمله، مكملاً كلامه: - ” عادل ثروت طبيب تشريح، كنت دائماً تقول بدم بارد أن الجثث لا تشعر بالبرد تحت مشرطك، لأنها بلا روح، جئت لأمنحك تجربة فريدة؛ ستشهد كيف تتجمد جثتك، وأنت تملك روحاً، أحضرتك هنا لأنه مكانك المفضل، من المؤسف أنك لم تبق هنا سوى ساعة “
فتح أحد الأدراج بقوة، ثم نظر للطبيب قائلاً بنبرة سخرية سادية: - ” صديقك هنا يشتكي، سأشغل التكييف حتى تصبحان في نفس درجة الحرارة “
التفت ببرود وشغل أجهزة التبريد والتكييف في الغرفة لأقصى حد، وسط صراخ عادل المستغيث، بينما هو خرج وترك أطرافه تتجمد، سيموت في غضون ساعة لساعتين، يتعذب وسط الجثث، الجثث التي يشرحها بيديه، أصبح الآن جثة مؤجلة.
مضت تقريباً بضعة أيام، شعرت هند بالملل فلا يوجد شيء في هذه الغرفة، سوى كرسي وطاولة وسرير ومرايا مكسورة.
شعرت داخلها بخوف شديد، إلى متى ستظل حبيسة هذه الجدران؟ إذا بقيت هكذا ستجن خاص أن صوت الصراخ يملأ المكان ليلاً، كان صوتاً مرعباً، كانت هند تغلق أذنيها كلما صرخت، وهذا يفقدها النوم، النوم الذي يهربها من هذا الكابوس.
قررت هذه المرة أن تغامر، فهي الآن في الصباح، في النهاية لن تخطو خطوة واحدة في الليل.
أدارت مقبض الباب وفُتح لها، أخرجت رأسها ببطء من الباب تنظر يميناً ويساراً، ثم خرجت، كانت تسير وتنظر لكل زاوية، بدأت ترتعب أكثر، لامت نفسها أنها خرجت، صوت أتى من خلفها جعلها ترتعش وتتكلم بعنف وغضب تتمتم بكلام غير مفهوم: - أرى أن فضولك سيطر عليكِ، غريب لم أركِ تتجولين هكذا.
التفتت هند ببطء وأطرافها متجمدة من الخوف، رأته هذه المرة بوضوح، أشعة الشمس تتخلل من النافذة وتعكس على عمق عينيه الزرقاوين، كأنها البحر يحمل أسراراً، كان شاباً وسيم الملامح، قوي البنية، يستطيع أن يأسر أي فتاة تنظر له، لكنها لم تهتم، فقد كانت خائفة منه، كان الخوف هو من يسيطر عليها، جمعت شجاعتها المتناثرة وسألت بفضول: - هل هل هذا مشفى؟
نظر إليها، ثم تقدم ونظر من النافذة معطياً إياها ظهره، ينظر لتلك المباني المهجورة حول المكان، والمقبرة الكبيرة بجوار المشفى، تحدث بصوت رخيم يوحي بهيبته، صوته الرجولي الذي تقشعر له الأبدان بسبب ثبات نبرته وفصاحة لسانه: - ” هذا المكان كان مصحة قديمة معزولة للأوبئة من مائة وثمانين عاما، تم تجديده وبناء طوابق عدة عشر طوابق وطابقان أسفل المشفى واحد لركن السيارات قديماً وواحد للمشرحة والجثث، لكنه سرعان ما هجر من حوالي ستين سنة، قائلين إنه مسكون بأرواح أولئك المرضى، حيث يطل على مقبرة، أيضاً هجر الناس منازلهم من زمن بعيد، صدقني أنها متاهة يصعب عليكِ الخروج منها، أصبحت مدينة للموتى فقط، أنا الملك، والموتى هم شعبي، وهذا المشفى هو قصري، مملكتي المحرمة على الأحياء “
ابتلعت هند ريقها بعد ما قاله، محرمة على الأحياء، سألت بسرعة: - وأنا؟
نظر لها بسخرية، قائلاً: - أنتِ فأرة تسللت لمملكتي.
أعاد النظر للنافذة معطياً إياها ظهره، أرادت معرفة اسمه، أرادت معرفة خاطفها، لكن الخوف كان المسيطر ويساعد الخوف الشك الذي ينتابها، لربما يقتلها أو يحتجزها للأبد. - ما أسمك؟
صمت قليلاً من هذا السؤال غير المتوقع، ظن أنها قد تسأل عن ماهيته، وماذا يريد؟ وماذا يفعل؟ أو من أنت؟، ابتسم ابتسامة جانبية دون أن تراه هند التي ظنت أنها نهايتها لأنها سألت هذا السؤال: - ” سيف طارق “
أخبرها باسمه، كانت هند في حالة صدمة، لقد أخبرها حقاً، كانت هند مذهولة، لكنه تركها في ذهولها ورحل. عادت هند لغرفتها حائرة، لماذا أخبرها باسمه؟ وما زاد خوفها، أنه لربما يقتلها لأنه أخبرها باسمه، ظلت هكذا تجول حول الغرفة حتى حل الليل الساكن، استلقت على السرير تضم الوسادة وتنظر للأعلى، لسقف حجرتها.
تحرك بخطى هادئة، ثابتة، بطيئة، كان يعبر الممرات المظلمة، بدأ بصعود درجات السلم الحجري المتهالك، كان صعوده بعد سؤالها يشبه ترتيلة جنائزية صامتة، كان صدى بوته الأسود يضرب العتبات الواحدة تلو الأخرى، فيرد عليه صدى الممرات الخاوية كأن جدران المشفى تعزف له لحن السيادة المطلقة، مع آخر درجة سلم، دفع باباً خشبياً ثقيلاً يؤدي للسطح، لينفتح المدى أمام عينيه، كلوحة بصرية تقطع الأنفاس من فرط وحشيتها وجمالها الأسود الخاوي من البشر، كان السطح واسعاً كساحة معركة منسية فوق مدينة الموتى، وقف سيف على الحافة ينظر للأفق البعيد واضعاً يديه داخل جيب معطفه الأسود الذي يطير خلفه وكأنه يريد التحرر، في الزوايا الكثير من خزانات المياه التي لعب بها الزمن، شعره الأسود يتطاير بعبثية، بينما كانت السماء السوداء تختبئ خلف الغيوم الرمادية، والبدر يحاول التسلل لينير المكان، ويسلط الضوء على عينيه الزرقاوين وكأنها البحر الهائج، حنى رأسه، كأنه لا يريد أن يراه القمر، سقطت لؤلؤة من عينه، دمعة حارة قد نسيها من زمن بعيد، كأن نطق اسمه أمامها كان مفتاحاً فتح دموعاً قد خذلها الزمن، ولكن كيف؟ وكيف؟ له أن ينسى، أن ينساهما، تلك الملائكة التي تحوم حوله عندما يعود ومعه أكياس الحلوى والطعام، كيف ينسى تلك اليد الحنونة التي تمسح شعره الأسود؟ كيف ينسى ذاك الصوت الذي يطلب منه ألا يرهق نفسه من أجلهم؟، كيف ينسى عائلته؟، عاد به الزمن لسبع سنوات للوراء:
” رجل قد أهلكه المرض، جالساً على كرسي، شاب في ريعان شبابه، جالس أسفل عند الكرسي ممسكاً يده، يبكي بحرقة شديدة. - سيف يا بني.. الأيام انقضت، والمرض أكل حطامي، أمك ونورة، والصغيران أحمد ورنا.. كلهم في أمانة عنقك الصغير، لا تخذلهم.
بدأ الرجل بالبكاء ينظر لابنه، ابن السابعة عشرة، بتحسر وانكسار، يعرف أنه عبء على شاب مثله، شاب ينبغي الآن أن يدرس ويرفع رأسه ورأس عائلته، يعرف أنه يحمله فوق طاقته، لكن رد ابنه جعله بدل أن يبكي بانكسار، يبتسم بانكسار مختلط بفخر وبما أنجب.
أمسك سيف يد والده قبلها ووضعها على جبينه، وكأنه يقسم له أنه لن يخذل الأمانة، كان رجلاً في جسد صبي: - أبي العزيز.. سأحملهم بين عيني، لن أتذمر ولن أتهرب، أقسم لك بذلك، لكن أرجوك، أرجوك يا والدي لا تفقد الأمل سنجد علاجاً إن شاء الله.
ابتسم والده وربت على كتفه، كان فخوراً به بمعنى الكلمة، واثقاً به كل الثقة.
دارت عجلة الزمن عاماً كاملاً، سيف يذهب في الصباح بابتسامة بريئة يلقي التحية على جيرانه، يعود في المساء متعباً لكنه ينسى كل التعب عندما يحوم حوله أحمد ورنا، يقبل رأس والدته ويساعد أخته، لم يتذمر من كونه عامل نظافة في مشفى أو يتهرب من مسؤوليته، بالعكس هو يسعد عندما يرى تلك الابتسامات حوله، وكلام أخيه أحمد الصغير أنه عندما يكبر سيصبح مثله، أو حضن أخته الكبرى نورة، وصوتها الذي يطلب منه كل ليلة عدم إرهاق نفسها، فهي تعمل في خياطة الملابس كي تساعد أخاها، حتى عندما تمسح أمه على رأسه، تقول له كلاماً يجعله يقبل رأسها ويدها ويضمها، ينسى كل التعب ويتحفز للعمل في اليوم التالي، لكن في أحد الأيام، كان عائداً سعيدا اشترى ألعاباً لإخوته وهدايا.
فتح الباب الخشبي، أصدر صوتاً، كأن الباب يصرخ من الألم، كان المنزل مبعثراً، بقع دماء داكنة تلون الأرض، كأن إعصاراً دخل المنزل وأخذ أرواحه، سقطت الأكياس من يده بدأ يركض في أنحاء المنزل بهستيرية، يفتح باباً ويغلق آخر، يصرخ بأسمائهم، لا أحد، لا صوت، فقط الجدران الفارغة، ترسل صدى صوته عبر الغرف، وكأنها في حداد، خرج من المنزل يسأل الجيران يصرخ بهستيرية، اقتحم أحد مراكز الأمن، طلبوا منه الهدوء، مضى يومان على اختفاء عائلته، كان سيف في وضع صعب جداً، مرهقاً لم ينم، لدرجة أنه يذهب ويبحث عنهم بنفسه، حتى أتى، أتى ذلك الخبر الصادم، خبر لم يكن مستعداً له، ولم يتخيله في أسوأ كوابيسه، خبر لم يتمنه لعدوه:
‘ تم العثور على أربع جثث في مكب النفايات القريب من أحد المستشفيات، جثة لامرأتين بالغتين وطفلين ‘
كان الخبر على التلفاز، سقط على ركبه، بدأت عيناه ضائعتان، ليتها جثث عادية، ليتها جثث سليمة، كانت مشوهة، لا أحد يستطيع النظر إليها حتى قوي القلب والصلب كالحجر، حتى الحجر نفسه كان لن يتحمل رؤية هذه الجثث، التي يعجز الوصف عن وصفهم، هرع بسرعة بعد أن أفاق من صدمته، لكن الشرطة اقتحمت المكان، وألقوا القبض عليه، لم يكن في حالة تسمح له بالدفاع عن نفسه، بدأ ينظر لأهالي قريته طالباً مساعدة، طالباً دفاعاً، طالباً على الأقل شرحاً، لسانه لم يكن معه، أزاح الجميع نظره عنه، وكأنه مجرم، قاتل، لا ينبغي أن يعيش، منهم من رمقه بشفقة وانكسار، كأنهم يقولون لماذا قتلتهم؟
وضعته الشرطة في السيارة، كان يحني رأسه، ليس خذياً أو عاراً أو حتى اعترافاً، بل يحنيه كي لا يراه أحد مكسوراً ضعيفاً، لأن وجهه كان مليئاً بالفراغ، أجل فراغ لن يحل أحد مكانه أو يملئه أو يعيد تلك الابتسامة البريئة له. “
جلس سيف على أحد كراسي التحقيق، أمامه محقق يضع سيجارة في فمه، ينظر له باستحقار، وكأن كل شيء ثبت ضده: - المحقق مراد: اسمع يا هذا ليس لدي وقت لأمضيه مع شاب يشرب، اعترف وخلصني.
- أقسم بالله يا سيادة المحقق أنني لم أفعل شيئاً كنت أعمل فقط، وما دافعي لأقتلهم؟
ضرب المحقق رأس سيف: - لا تلعب معي لعبة البريء، كنت تعمل عامل نظافة في مشفى، والمكب الذي وجدنا به الجثث كان بجوار المشفى الذي تعمل به، أيضاً هناك شهود شهدوا أنك فعلت هذا، رأوك تحمل أكياساً كثيرة، حتى أن لديك صديق يتعاطى، وشهد عليك أنك مثله، أنت مجرم قتل عائلته، لا تحاول، فعلت هذا لأنك سئمت منهم، وأردت المال.
رُمي سيف في السجن، كأنه قطعة خردة، ألقى بها الزمن، سنتان بين المجرمين، يتعذب نفسياً وجسدياً، كره نفسه وكره الحياة، سأل قلبه لماذا تنبض؟ أجابه لأني وقود انتقامك، سأل الحزن لماذا تلازمني؟ أجابه لأني الصديق الذي يذكرك بمن خذلوك، سأل روحه لماذا تتحملين؟ أجابته لأني أشهَد على برائتك.
خرج سيف بعد سنتين لعدم وجود الأدلة الكافية ودوافعه، لقد نسوه في السجن، لم يكترث له أحد كأنه ظل منسي اختلط مع الظلام، قال بنبرة هادئة غامضة: - ” سنتان في العلن.. عشتهما كظل، حتى ظنوا أن السجن كسرني، سأدرس خطواتكم في النور، وأرتب موتكم في العتمة “
يتبع …..
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
لديك اسما مميزا، ونمطا من العبقرة والتفرد، اسلوبك وطريقة سردك مرتبة ورائعة، لكن توظيفك رقيق بعض الشيء ولايملك النزعة السادية التي احبها، لكن صراحة لازلت تمتلكين نمطا مميزا في السرد وترتيب الاحداث، اتمني ان اري شخصيا نزعة موضوعية اخري اكثر قوة منك في المرة القادمة.. عمت مساءا