ابنك سيعود قريبا

هل هناك ألم يفوق ألم فقدان الابن؟
نعم… هناك ما هو أشد قسوة.
أن يضيع منك ابنك، فلا تعرف أين هو، ولا ماذا يفعل به الزمن، ولا بين يدي من يعيش؟
فحين يموت الابن، ورغم مرارة الفاجعة، فإن قلبك يعلم أنه بين يدي الله… ومن أرحم بعباده من الله؟ أما حين يختفي، فإن العذاب لا يعرف نهاية. تصبح أسيرا لأسئلة تنهش روحك كل دقيقة.
هل ما زال حيا أم فارق الحياة؟ هل يبكي الآن وينادي أمه فلا يسمعه أحد؟ هل وجد من يطعمه إذا جاع، أم أنه نام و الجوع ينهش جسده الهزيل، بينما عيناه تترقبان وجها مألوفا لن يأتي ؟ هل وجد من يغطيه إذا اشتد البرد، أم ارتجف حتى تجمدت أطرافه؟ هل خاف في الظلام كما يفعل عادة؟ وهل مد أحد يده ليمسح على رأسه ويطمئنه كما تفعل أمه؟
إنه عذاب لا يعرفه إلا من عاشه… فالأمل لا يموت، لكنه يتحول إلى سكين يطعن القلب في كل لحظة.
هذا بالضبط ما عاشته أسرة الطفل ربيع، ذو الأعوام العشرة، في شتاء عام 2010.

خرج الصغير من منزله ليقضي طلبا بسيطا لشقيقته من محل لا يبعد سوى خطوات عن البيت. لم يكن يدرك أن تلك الخطوات القليلة ستكون الأخيرة في حياته، وأن الباب الذي أغلقه خلفه لن يعبره مرة أخرى.
مرت دقائق… ثم ساعة… ثم حل الليل، لكن ربيع لم يعد.. بدا وكأن الشارع قد ابتلعه، أو أن الأرض انشقت تحته واختفى دون أن يترك خلفه أثرا واحدا.
راح الأب والأم يركضان بين الجيران، يطرقان الأبواب ويسألان كل من صادفاه: “هل رأيتم ربيع؟”. لم يكن أحد يملك إجابة. وحين تبددت كل الآمال، توجها إلى قسم الشرطة، ثم لم يجدا في النهاية سوى الإعلام أملا أخيرا، فتواصلت الأم مع برنامج “المسامح كريم” علها تجد من يساعدها في الوصول إلى طفلها.
وما إن علمت عمة ربيع بقرارها، حتى سارعت إليها ترجوها ألا تظهر في البرنامج حتى لا تتحول المأساة إلى فضيحة عائلية، ثم قالت لها بثقة غريبة: “لا تقلقي… ربيع سيعود قريبا.”
ظنت الأم أنها مجرد كلمات مواساة، لكنها لم تكن تعلم أن تلك الجملة البسيطة ستتحول لاحقا إلى واحدة من أكثر العبارات إثارة للرعب في القضية بأكملها!
لكن الأم المكلومة لم تستمع إلى توسلاتها. لم يعد يشغلها حديث الناس أو سمعة العائلة؛ كل ما كانت تريده هو أن يعود صغيرها إلى حضنها، ولو بمعجزة. ظهرت في إحدى حلقات برنامج “المسامح كريم”، وروت بحرقة كيف اختفى ربيع دون أن يترك أثرا، وتحدثت أيضا عن الخلافات القائمة بين زوجها وبعض أفراد عائلته، على أمل أن يتعرف أحد المشاهدين على الطفل أو يمتلك معلومة تقود إليه.
أحدثت الحلقة صدى واسعا في الشارع التونسي، وتحولت واقعة اختفاء طفل صغير إلى قضية رأي عام، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية إلى تكثيف عمليات البحث في كل مكان.
لكن بعد أسبوع كامل، انهار آخر خيط من الأمل.

ففي منطقة نائية تبعد نحو 17 كيلومترا عن منزل العائلة، لفت كيس كبير انتباه بعض المارة. اقتربوا منه بدافع الفضول، ولم يكن أحد منهم يتخيل أن فتحه سيكشف عن مشهد سيظل عالقا في ذاكرتهم إلى الأبد.
في الداخل كانت ترقد جثة طفل تعرضت لتشويه بالغ، حتى إن ملامح الوجه اختفت تماما. وعندما استدعت الشرطة والدي ربيع للتعرف على الجثمان، عجزا عن معرفته للوهلة الأولى، ولم يحسما الأمر إلا من خلال علامات خاصة كانت في جسده.
أما تقرير الطب الشرعي، فجاء صادما بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. تبين أن الطفل تم تقييده وتعذيبه وضربه ضربا مبرحا وهو على قيد الحياة، واستمر هذا التعذيب والضرب حتى بعد أن فارق الحياة. والأمر الأكثر رعبا الذي كشفه التقرير أن الوفاة لم تحدث بسبب الطعن أو الضرب، بل مات (ربيع) نتيجة استنزاف دمه بالكامل من جسده وهو ما زال ينبض بالحياة ولتحقيق ذلك.. قام الفاعلون بعمل 17 ثقبا غريبا ونافذا في أنحاء متفرقة من جسمه، ووصفها الأطباء بأنها كانت واضحة ومتسعة ..حيث مرروا عبرها خراطيم لسحب كل قطرة دم منه.. ولم ينته الكابوس عند هذا الحد، بل واصل الجناة تمثيلهم بالجسد فتعرض الطفل لـ 34 طعنة في مختلف أنحاء جسمه. كما قاموا باقتلاع إحدى عينيه، وبتر أعضائه التناسلية بالكامل، وتركوا نقوشا وحروفا مبهمة وغير مفهومة محفورة على رقبته.. كل هذا التشويه المتعمد وبتر الأعضاء كان يهدف إلى طمس هوية الطفل تماما، وجعل من المستحيل على قوات الأمن أو أي شخص يرى الجثة أن يتعرف عليها أو يحدد ما إذا كانت تخص ولدا أو بنت!

أثناء تشييع الجثمان، لفت انتباه والد ربيع انهيار رجل يدعى جيلاني، خطيب إحدى شقيقات الوالد. كان يبكي بصورة هستيرية، ويلقي بنفسه على الأرض، في مشهد رآه البعض دليلا على شدة تأثره، بينما أثار في نفس الأب شكوكا قديمة لم تغب عنه يوما.
فقد كانت العلاقة بينهما متوترة منذ فترة، بعدما رفض الأب تزويج شقيقته له لأنه كان متزوجا من امرأة أخرى، وهو ما لا يسمح به القانون التونسي. وتردد أن جيلاني غادر يومها وهو يردد عبارات تهديد ووعيد، متوعدا بأن يدفع الأب ثمن موقفه.
ورغم تلك الشكوك، لم تجد الشرطة آنذاك دليلا يربطه بالجريمة، خاصة أنه شارك مع الأسرة في البحث عن ربيع طوال أيام اختفائه، وكان ينقلهم بسيارته من مكان إلى آخر، وكأنه واحد من أكثر الناس حرصا على العثور على الطفل.
ومرت السنوات… وبدا أن القضية بدأت تفقد خيوطها، حتى جاءت مصادفة لم يكن أحد يتوقعها، داخل برنامج “المسامح كريم” لتعيد فتح الملف من جديد، وتقلب مسار التحقيق رأسا على عقب.

دخل جيلانى السجن في قضية أخرى، قرر بعد خروجه الظهور في برنامج “المسامح كريم”، طالبا مواجهة أسرة ربيع، ومؤكدا أمام الجميع أنه بريء من دم الطفل، بل وأقسم أن يده لم تمتد إليه بسوء، وانهمرت دموعه على الهواء، في محاولة لإسقاط الشبهات التي لاحقته لسنوات.
لكن ما لم يكن يعلمه انه بهذا الظهور يفتح على نفسه أبواب جهنم ، تلك الحلقة كان يشاهدها رجل يدعى عبد الستار!
تجمد الرجل أمام شاشة التلفاز، فقد تعرف على الوجه والصوت في اللحظة نفسها. لم يكن جيلاني غريبا عنه، بل كان رفيق زنزانته في أحد السجون التونسية.
في اليوم التالي، توجه عبد الستار إلى والد ربيع، وأخبره أنه يمتلك معلومات خطيرة، لكنه لن يدلي بها إلا أمام رجال الشرطة. وهناك، كشف رواية قلبت القضية رأسا على عقب.
قال إنه خلال فترة وجوده مع جيلاني داخل الزنزانة، لاحظ أنه كان يستيقظ مذعورا في كثير من الليالي، يصرخ بكلمات مبعثرة، ويردد عبارات غامضة مرتبطة بالجريمة، الأمر الذي أثار فضوله. وبعد فترة من التقارب بينهما، صرح أن جيلاني اعترف له بتفاصيل صادمة عن مقتل ربيع، وروى له أمورا لم تكن معروفة للرأي العام آنذاك.
كما ادعى عبد الستار أن جيلاني أخبره بأنه لم يكن وحده، وأن زوجته، وهي عمة الطفل، شاركت في استدراج ربيع، إلى جانب شقيقة أخرى للوالد وشخص كان يمارس الدجل والشعوذة، بعدما أقنعهم بأن تقديم طفل قربانا سيمنحهم القدرة على استخراج كنز أثري مرصود.
وتقول الروايات المتداولة إن هذه الشهادة تضمنت تفاصيل دقيقة عن الجريمة، وهو ما دفع جهات التحقيق إلى إعادة فتح الملف واستجواب المشتبه بهم من جديد، لتنكشف، بحسب تلك الروايات، خيوط مؤامرة عائلية صادمة!
وهكذا، كانت المفارقة التي يصعب تصديقها… فالبرنامج الذي قصدته الأم ذات يوم باكية، علها تجد خيطا يقودها إلى طفلها المفقود، أصبح بعد سنوات، وبمحض الصدفة، سببا في ظهور الشاهد الذي أعاد القضية إلى الواجهة، وكشف ما ظل مدفونا لسنوات.
ومع توالي جلسات التحقيق، بدأت الصورة تزداد قتامة..لم يكن اختيار ربيع عشوائيا، بل لأنه كان الحلقة الأضعف في خطة نسجتها الثقة قبل أن تنسجها الجريمة. فالطفل لم يهرب مع غرباء، ولم يخطف بالقوة من شارع مزدحم، بل استجاب لنداء عمته بكل براءة. كيف لطفل في العاشرة أن يشك في امرأة اعتاد أن يناديها “عمتي”؟ وكيف يخطر بباله أن اليد التي أمسكت بيده في ذلك اليوم لم تكن تقوده إلى منزل العائلة، بل إلى مصيره الأخير؟
أن الدافع لم يكن الانتقام وحده، بل امتزج بأوهام السحر والشعوذة. فقد أقنع دجال المتهمين بأن كنزا أثريا مرصودا لن يفتح إلا إذا قدموا قربانا بشريا، وأن دم طفل صغير هو الثمن الذي يجب دفعه لفك الرصد واستخراج الذهب.

ولعل أكثر ما أثار الرعب في هذه القضية، ليس فقط بشاعة ما يقال إنه حدث لذلك الطفل، بل هوية من اتهموا بالضلوع فيها. فالخطر، بحسب هذه الرواية، لم يأت من شخص غريب اختطف طفلا من الشارع، وإنما من أشخاص كان من المفترض أن يكونوا مصدر الأمان له. أشخاص فتح لهم قلبه قبل أن يفتح لهم باب منزله.
وبعد سنوات طويلة من التحقيقات والمحاكمات، صدرت أحكام بالإعدام بحق المتهمين في القضية. ورغم ذلك، لا يزال والدا ربيع يطالبان، حتى اليوم، بأن ينال كل من شارك في قتل طفلهما القصاص الذي يرونه عادلا،لأن عقوبة الإعدام فى تونس تصدر ولا تنفذ عمليا!

الخاتمة:
مثل تلك الجريمة ليست حكرا على مجتمع بعينه، ولا ترتبط بدولة دون أخرى. فحين يغيب الضمير، وتسيطر الأطماع أو أوهام الدجل والانتقام، تتحول صلة الدم نفسها إلى سكين يطعن أصحابها.
ففي مصر، هزت قضية الطفل يوسف العربي الرأي العام، بعدما كشفت التحقيقات أن والده كان من بين المتورطين في قتله بمعاونة آخرين، بدافع أوهام استخراج كنز أثري أوحى بها أحد الدجالين.
وفي الجزائر، صدمت جريمة الطفلة نهال سيلاوي الجميع، بعدما اختفت الصغيرة قبل أن يعثر عليها مقتولة، وتبين أن الجاني كان جار الأسرة، في جريمة أثارت موجة غضب واسعة وأعادت الحديث عن جرائم استهداف الأطفال.
أما في العراق، فقد تحولت قضية الطفل عدنان القيسي إلى مأساة هزت المجتمع، بعدما تبين أن من أنهى حياته كان أحد أقاربه، مدفوعا بخلافات عائلية ورغبة في الانتقام، لتصبح الجريمة دليلا آخر على أن الخطر قد يأتي أحيانا ممن نمنحهم أكبر قدر من الثقة.
تختلف الأسماء… وتختلف البلدان… لكن يبقى المشهد واحدا؛ طفل خرج من منزله مطمئنا لأنه وثق بمن حوله، فعاد إلى أسرته جثة، أو لم يعد إليها أبدا. ولعل أبشع ما في هذه الجرائم، أن القاتل لم يكن غريبا في كثير من الأحيان… بل كان شخصا يناديه الضحية يوما: أبي، أو عمي، أو قريبا من العائلة!
مثل تلك الجريمة يعجز الكلام عن وصف بشاعتها، جرائم لا تقتل إنسانا فحسب، بل تقتل أسرة بأكملها، وتدفن معها أحلاما ومستقبلا وعمرا كان من المفترض أن يمتد لعقود. طفل كان ينتظر أن يكبر، وأن يتعلم، وأن يحقق أحلامه، فإذا بيد آثمة تقطع كل ذلك في لحظة واحدة.
إن مثل هذه الجريمة تجعل أي عقوبة دون الإعدام عقوبة منقوصة. فمن أنهى حياة إنسان عمدا، وبتر عمره ومستقبله، وترك خلفه والدين يعيشان بقية حياتهما على قبر صغيرهما، لا يمكن أن يتساوى جزاؤه مع سنوات يقضيها خلف جدران السجن، مهما بلغت مدتها.
قد يحكم على الجاني بالسجن المؤبد، لكنه يظل يتنفس، ويأكل، ويشرب، ويرى شروق الشمس وغروبها، بينما الضحية حرم إلى الأبد من أبسط حقوقه في الحياة. لذلك فأن القصاص في الجرائم التي تبلغ هذا القدر من الوحشية لا يكتمل إلا بعقوبة الإعدام، لأنها العقوبة الوحيدة التي تتناسب مع فداحة الجرم، وتمنح ذوي الضحية شعورا بأن العدالة قد أخذت مجراها، حتى وإن كان ذلك لا يعيد إليهم من فقدوه، ولا يمحو الألم الذي سيلازمهم ما بقوا أحياء!
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
مجرد مزاح.. 😄🌹
بنت بحري.. أنتِ لا تنتظرين التعليق حتى يُراجع.. أنتِ تريدينه أن ينتقل من لوحة المفاتيح إلى الموقع مباشرة.. 😂
مجرد أن يتأخر دقيقتين.. تكونين قد دخلتِ في المرحلة الثالثة من التحقيقات.. ويظهر صوتك..
“فين تعليقي لباسم؟!!!!!” 😂
وبعد خمس دقائق إضافية تبدأ المرحلة الرابعة..
“أنا متأكدة إن في حد قاعد على زر النشر ومستني يغيظني!” 🤣
وأنا كل مرة أضحك وأقول.. اطمئني يا بنت بحري.. التعليق لم يختطفه الفضائيون.. ولم يتآمر عليه أحد.. فقط لجنة المراجعة أبطأ قليلًا من سرعة حماسك الجميل! 😄
أنا بدأت أقتنع أن إدارة كابوس أول ما تشوف إشعارًا منك تقول..
“يلا بسرعة انشروا تعليقها.. قبل ما تكتب: فين تعليقي لباسم؟!!!!!” 😂
أنتِ لا تعطين نظرية المؤامرة حتى فرصة أن تولد.. تختصرين الطريق عليها من أول دقيقة! 🤣🌹
مجرد مزاح يا بنت بحري.. فلا تكتبي بعده مباشرة..
“فين ردي لباسم؟!!!!!” 😂🌹
لا تفقدي هذه العفوية أبدًا.. فهي جزء من شخصيتك الجميلة.. حتى لو أرعبتِ بها لجنة المراجعة كل يوم! 😂🌹
مش بقولك اوفر
ربنا بكون فى عون الجميع 👆
عزيزتي بنت بحري.. تحية من القلب
أغلقت المقالة.. لكنني لم أستطع أن أغلق ذلك الثقل الذي تركته في القلب.. وهذا في رأيي هو الفارق بين من يكتب عن جريمة.. ومن يجعل القارئ يعيشها بكل ما فيها من ألم
أكثر ما يميز قلمك أنك لا تبدئين بالجريمة.. بل بالإنسان.. قبل أن نعرف من هو القاتل.. جعلتنا نعيش مع أم فقدت ابنها وهو ما زال مجهول المصير.. وجعلتنا نتخيل تلك الأسئلة التي لا تنتهي.. هل جاع؟.. هل برد؟.. هل بكى؟.. تلك البداية وحدها كانت كفيلة بأن تجعل القارئ يدخل إلى المقال بقلب أب أو أم.. لا بعين متابع يبحث عن تفاصيل قضية
وهذه هي بصمتك التي أجدها دائمًا في مقالاتك.. العاطفة عندك ليست وسيلة لاستدرار المشاعر.. بل روح النص نفسه.. حتى في أكثر الجرائم قسوة.. يبقى الإنسان هو بطل الحكاية.. ويبقى الوجع هو أول ما يصل إلى القارئ وآخر ما يغادره
كما يعجبني كثيرًا حسن انتقائك للموضوعات.. فأنت لا تكتبين عن قضية لأنها مشهورة.. بل لأن وراءها رسالة تستحق أن تُروى.. وهذا ما يجعل مقالاتك تحمل قيمة إنسانية قبل أن تكون مجرد سرد لوقائع مؤلمة
أما الخاتمة..
فقد كانت بالنسبة لي أجمل ما في المقال كله.. لأنها لم تغلق القصة.. بل فتحت بابًا للتأمل.. أخذتِ القارئ من مأساة ربيع إلى مآسٍ أخرى في بلدان مختلفة.. لتقولي في هدوء موجع إن الشر لا يعرف جنسية.. وإن الطفولة حين تصطدم بالطمع أو الانتقام أو أوهام الدجل.. تكون النتيجة واحدة مهما اختلفت الأسماء والخرائط.. ثم جاءت جملتك.. “تختلف الأسماء.. وتختلف البلدان.. لكن يبقى المشهد واحدًا”.. لتختصر كل الفكرة في كلمات قليلة تحمل وجعًا كبيرًا.. إنها من تلك الجمل التي لا تُقرأ فقط.. بل تبقى عالقة في الذاكرة
وأعرف أن الوصول إلى هذا المستوى لا يأتي مصادفة.. بل يقف خلفه بحث طويل.. وقراءة في المصادر.. ثم جهد في ترتيب الأحداث وصياغتها حتى تخرج بهذا التسلسل الذي يشد القارئ من أول سطر إلى آخر كلمة
أحييك على هذا المجهود.. وأحييك أكثر على قلبك الذي يسبق قلمك دائمًا.. فما يميز كتابتك ليس أنك تروين الجريمة بإتقان.. بل أنك تعيدين للضحايا إنسانيتهم بعد أن سلبتها منهم الجريمة.. وهذه موهبة لا يمتلكها كل كاتب
دمتِ متألقة.. وأرجو أن تواصلي هذا النوع من المقالات.. لأن لكل مقال جديد منك بصمة خاصة.. وصوتًا لا يشبه إلا بنت بحري 🌹
باسم
(أغلقت المقالة.. لكنني لم أستطع أن أغلق ذلك الثقل الذي تركته في القلب) الف سلامة 💚
تتلمذت على يد العطار ويدك عزيزى باسم..وتعلمت منكما أن الحرف ليس مجرد رسم على الورق وأن الكلمة ليست مجرد صوت يقال … وأن اجمل ما في الكتابة ليس كثرة الكلمات
بل صدقها وأن العبارة حين تخرج من قلب صاحبها تعرف طريقها إلى قلوب الآخرين دون استئذان. .كل ما أكتبه اليوم يحمل شيئا من أثركما.. وكل خطوة أخطوها في درب الحرف تدين لكما بفضل البداية..شكرا لكما 🌹
دمت بخير وسعادة 💚
سلام 🌹
عزيزتي بنت بحري..
قبل أي شيء.. اسمحي لي أن أصحح عبارة جميلة قلتِها.. لكنها حملتني أكثر مما أستحق
أنا مثلك تمامًا.. ما زلت أتعلّم في المدرسة الأدبية التي أسسها أستاذنا الكبير إياد العطار.. وما أنا إلا طالب في هذا الصف.. لا يختلف عنك إلا بأنه سبقك وجلس على مقاعده قبل سنوات قليلة.. أما أن أُوضع إلى جوار قيمة أدبية كبيرة مثل إياد.. فهذا شرف لا أدّعيه ولا أستحقه..
فلكل مدرسة معلمها.. ونحن جميعًا.. مهما كتبنا.. سنظل نتعلم من ذلك القلم الذي علّمنا أن الحرف روح قبل أن يكون كلمة
أما كلماتك فقد أسعدتني أكثر مما تتصورين.. وأشكرك عليها من القلب
لكن اسمحي لي أن أختلف معك في شيء واحد.. فالمعلم قد يفتح الباب.. لكنه لا يستطيع أن يخطو الخطوات بدلًا من تلميذه.. وما وصلتِ إليه اليوم هو ثمرة موهبتك.. واجتهادك.. وإحساسك الصادق الذي لمسته في كل كتاباتك
ربما اياد أهدنا شمعة في بداية الطريق.. أما النور الذي أراه الآن في مقالاتك.. فهو من زيت قلمك أنت يا بنت بحري
ولذلك أقولها بكل صدق.. حين أقرأ لك لا أبحث عن أثر العطار.. ولا عن أثر اخر .. بل أجد بنت بحري.. بأسلوبها.. وعاطفتها.. ولمستها الإنسانية التي أصبحت تُعرف بها قبل أن أصل إلى توقيعها ..
استمري كما أنت.. ولا تسمحي لأحد أن يغير هذه البصمة الجميلة.. فالكاتب الحقيقي هو من يترك شيئًا من قلبه بين السطور.. وأنت تفعلين ذلك في كل مرة.
دمتِ قلمًا يكتب بالعقل.. ويصل إلى القلوب.
كلامي حلو ؟ طبعا حلو ده باسم هو اللي كاتبه هههههه تبا لتواضعي
باسم
فين تعليقى لباسم؟!!!!!
اما عن العاطفة التى اشرت اليها
فأنا تماما كما وصفتنى احداهن (انتى اوفر)
ظنا منها أنها ألقت علي كلمة تزعجني أو تنتقص مني.. ولا تدرك أنها وصفت أكثر ما أعتز به في نفس🙂
نعم.. أنا أوفر… أوفر في عاطفتي التي لا تعرف الفتور..أوفر في اهتمامي بمن أحب..أوفر في احترامي لنفسي.. أوفر في إخلاصي… اوفر فى غضبى وثورتى.. أوفر في ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت اليها الكثيرون.
انا لا أعيش بنصف قلب.. ولابنصف مشاعر..ولا أمر على الأشياء مرور العابرين…إذا منحت…منحت بسخاء مفرط وإذا اعتنيت.. بالغت في العناية..وإذا كتبت جعلت المداد من دمائى.
قد يرى البعض هذا إفراطا… وأراه أنا حياة بكامل الروح ..فأسوأ ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يكون أوفر… بل أن يصبح باهتا.. باردا.. كجثة ملقاة على منضدة داخل مشرحة ..شكرا على ملاحظتك 🌹
سلام 🌹
عزيزتي بنت بحري..
ابتسمت وأنا أقرأ كلماتك.. لأنني تذكرت مقولة قديمة تقول.. إن أكثر الصفات التي يهاجمها الناس فينا.. هي غالبًا أكثر الصفات التي يعجزون عن امتلاكها
لا أرى في كلمة “أوفر” أي انتقاص.. بل أراها دليلًا على أنك ما زلت تحتفظين بشيء نادر في هذا الزمن.. قلب لم يتعلم الاقتصاد في المشاعر
الكتابة الحقيقية لا يكتبها الباردون.. ولا أولئك الذين يمرون على الحياة مرور السائح.. بل يكتبها من يتألم أكثر.. ويحب أكثر.. ويلتفت إلى التفاصيل التي يراها الآخرون عابرة
ولهذا تبدو مقالاتك مختلفة.. لأنك لا تكتفين بسرد الحدث.. بل تنقلين نبضه.. ولا تصفين الدموع.. بل تجعلين القارئ يشعر بحرارتها
أعجبتني عبارتك.. “إذا كتبت جعلت المداد من دمائي”.. لأنها لخصت فلسفة الكاتب الصادق.. فالورق قد يحتمل الحبر.. لكنه لا يخلّد إلا ما كُتب بشيء من الروح
فحافظي على هذا “الإفراط”.. ما دام إفراطًا في الإنسانية.. وفي الصدق.. وفي الإحساس.. لأن العالم لا تنقصه العقول البارعة.. بقدر ما تنقصه القلوب التي ما زالت تنبض كما ينبغي
وأختم بعبارة كانت أمي ترددها كلما أرادت أن تصف قلب البنت وحنانها.. كانت تقول.. “البنت تتولد شايلة أخوها على كتفها”.. ولم أكن أفهمها صغيرًا كما أفهمها اليوم.. فبعض البنات يهبهن الله قلبًا خُلق ليحتوي.. ويحنو.. ويحمل هموم الآخرين قبل همومه.. وأظن أن شيئًا من هذا المعنى يسكن بين سطورك أيضًا
دمتِ كما أنتِ.. كاملة الشعور.. فبعض الناس يعيشون أعمارًا طويلة.. لكن قلة منهم فقط يعيشون بقلب كامل
باسم
🌹🌹🌹🌹🌹
الإعدام هو حل للقاتلين
نعم بالفعل هو العقاب الامثل لمثل تلك الجرائم
لكن هناك بعض الدول توقف تنفيذ عقوبة الاعدام..شكرا لمرورك 🌹
سلام 🌹
نعم نعم فالسجن لا يوازي ما حدث ولا يعكس أبدًا فداحة ما اقترفوه .. فالضحية وان مات لكن الأثر يمتد ليلازم عائلته .. تعليقك متزن مثل اسمك 🌹.. تحياتي ..
الإعدام هو “وَن واي تيكِت” للجحيم 🌚.
فيه حقن لمشاعر المنكوبين فعلًا، لإن لو كان هدفنا مجرّد تبويب الخطر والتّأهيل، كان استعنّا بغسيل الأدمغة ويِبْئا الدّماغ متكلّف ومنزّه عن الجرائم. الإنسان عنده شهوة للعدل، شهوة بدائيّة ما بيرضيهاش غير الإعدام بالغاز.
كلامك صحيح رغم أنني لم أفهمه في البداية ..
نعم لكن على فرض أننا منحناه تذكرة الذهاب تلك لنشفي غليل المنكوبين .. نكتشف أن العدالة وهمية .. غاز الإعدام ينهي الجاني .. لكنه لا يعيد الضحية .. ولا يمحو المشهد من ذاكرة الأحياء ..القصاص يمنحنا الحياة والأمان .. لكنه يتركنا نقف أمام حقيقة مريرة .. وهي أن بعض الجروح تظل حية حتى بعد موت فاعلها ..
دمت بخير ..