التبخر الصامت.. أين يذهب من يختفون دون أثر؟

لطالما استوقفتني حوادث الاختفاء، لكنني لا أقصد هنا الحالات التي تُحل بعد أيام أو تلك التي تنتهي بتبادل اتهامات، بل أقصد تلك الحكايات التي تنتهي بجدار أسود صامت وممتد عبر السنين. شخص خرج من بيته ذات صباح عادي جداً ليشتري شيئاً بسيطاً، أو امرأة أغلقت باب غرفتها ليلاً وهي تخطط لغدها.. ثم اختفوا. تمر السنوات، وتتحول العقود إلى تاريخ، وتجف دموع الأمهات، وتتغير ملامح الشوارع والمدن، وإلى الآن لم يُعثر لهم على أثر. لا جثة أُكرمت بالدفن، ولا خيط يواسي المنتظرين، ولا حتى دليل واحد صغير يمنح الإجابة.
عندما نصل إلى حدود العقل البشري أمام لغز كهذا، نجد أن عقولنا تبدأ في التخبط، لأنها مجبورة غريزياً على البحث عن “إغلاق للقصة” (Closure). العقل لا يتحمل الفراغ، لذلك يبدأ بطرح احتمالات تتدرج من الواقعية الباردة، إلى النفسية المعقدة، وحتى الغيبية والماورائية.
هذا الغموض يثير في نفسي تساؤلاً غريباً ومخيفاً يمتد لأبعد من مجرد حادثة جنائية: كيف يمكن لإنسان كامل، يملك تفاصيل، وصوتاً، وحضوراً, وذكريات، وضحكة مميزة، أن يتبخر من الوجود فجأة وكأنه لم يولد قط؟ أين تذهب تلك الأجساد، وأين تتبدد تلك الأفكار والأحلام في تلك اللحظة المفصلية التي يفصلها خيط رفيع بين الوجود والعدم؟
الأمر يشبه أن هناك “ثقوباً صامتة” ومرعبة في عالمنا، يبتلع فيها الأشخاص فجأة في ثانية واحدة، ثم يُغلق كل شيء وراءهم ويمضي العالم في طريقه وكأن شيئاً لم يكن. هذا الغموض الشامل يفتح الباب لأسئلة لا تجرؤ العقول على تأملها لفترات طويلة: هل انتهت حياتهم في بقعة معزولة لم يطأها بشر? هل قرروا طواعية الانسلاخ من حيواتهم القديمة وبدؤوا من الصفر بهويات مجهولة في قاع مدينة بعيدة لا يعرفهم فيها أحد؟ أم أن هناك تفاصيل غيبية وما ورائية في هذا کون لا نملك الأدوات لفهمها بعد؟
الانتظار في هذه القصص بالذات هو أشد أنواع العذاب قسوة؛ لأن الموت برغم جلاله وفاجعته يمنح العقل إجابة، ويضع نهاية واضحة للقصة ويترك مساحة للنسيان والتعافي. أما الاختفاء المستمر لسنوات طويلة وعقود ممتدة، فهو وضع معلق في المنتصف، يترك المقربين يعيشون في رعب يومي ودائم، ممزقين بين أمل كاذب يعيد فتح الجرح مع كل دقة باب، وبين يأس مرير يجلد الضمير. إنه عيش مع “شبح” حاضر في الذاكرة وغائب في الواقع.
برأيكم:
ما أكثر تفسير ترونه منطقيًا في حالات الاختفاء التي لا تُحل؟
وهل ترون أن عدم معرفة المصير أشد قسوة من معرفة الوفاة؟ ولماذا؟
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
الاختفاء صدمة انتقاليّة، والإنسان رمز.
الحبّ هو ما يُمِدُّ العظم والجلد بالمعنى والقيمة.
عقولنا لها مزاج، اِن نحنُ الّا هي، تبكي بواكيها على فِراق ولا يعزّيها الغموضُ يُشجِبُها.
ولكن! توظيف الغياب والاختفاء أمر فعّال بالنّسبة للسّاديّة الاجتماعيّة 😁 كأن تتخلّى عن فريق علاج السّرطان في ذروة النّجاحات والصّداقات ولا تترك لهم أدنى رسالة، اللهم الّا أجرهم وخطّة ارشاديّة تعينهم من بعدك، أمّا انتَ فتُريهم أو لا تُريهم عرض الأكتاف. ذلك برأيي هو حُلوى الاختفاء.