المعلمة الطيبة و شبح الغراب

بقلم : حسين سالم عبشل – اليمن

بالقرب من شاطئ جزيرة سانت سيمونز الأمريكية (1) و بمحاذة الطريق السريع يقبع لوح من الرخام على الأرض تكسوه الحشائش و قد نُحت عليه عبارة “المعلمة المحبوبة” ، حيث يتداول سكان الجزيرة قصة معلمة تم إعدامها ظلماً بتهمة السحر و الشعوذة..

تعود القصة إلى ما قبل 200 عام و تحديداً في بداية القرن 19 ، عندما قرر ملّاك مزارع الأرز أن يستأجروا معلم لتعليم أطفالهم في المدرسة التي تم بناءها بالقرب من الغابة ، و بعد بحث طويل وجدوا ضالتهم في ولاية أوهايو عندما قبلت السيدة مارجريت عقد العمل و قررت السفر إلى تلك الجزيرة ، فهي تعشق السفر و قد سافرت في رحلات كثيرة بين أوروبا و أمريكا.

المعلمة الطيبة و شبح الغراب
وافقت المعلمة مارجريت على القدوم للجزيرة لتعليم اطفالها

على الجزيرة أستعد الأهالي لاستقبال المعلمة الجديدة بتزيين المدرسة و تحضير الطعام و الشراب . و في المرفأ حضر العمدة و أعيان الجزيرة برفقة بعض الأهالي لاستقبال السيدة مارجريت و قام العبيد بنقل أغراضها و حقائبها إلى منزلها الملاصق للمدرسة و هناك شرح لها العمدة طبيعة عملها و أكد عليها أن التعليم حصراً على أولاد الأعيان و ملاّك المزارع دون أولاد العبيد الكادحين فهؤلاء ليس لهم الحق بشيء سوى العمل بالحقول و خدمة أسيادهم. اعترضت مارجريت على كلام العمدة و نشب بينهما خلاف شديد فتدخل أحد الحاضرين و قدم اقتراح أن تقوم المعلمة بتدريس أبناءهم بالصباح و تعليم أولاد العبيد بالمساء ، فوافقت مارجريت على هذا الاقتراح ، و قبل أن يغادر العمدة المدرسة أخبرها أنه لن يدفع لها المال مقابل تعليمها لأولاد العبيد.

المعلمة الطيبة و شبح الغراب
رغم معارضة الاعيان .. استمرت مارجريت بتعليم اطفال العبيد بالليل

أستمرت مارجريت بتعليم أطفال الأغنياء بالنهار و في المساء كانت تقوم بتعليم أطفال الفقراء و العبيد على ضوء الشموع و الفانوس الصغير المتدلي من سقف غرفة السقف ، لقد كانت السيدة مارجريت بالنسبة لهم ذلك المصباح الذي ينير الطريق وسط ظلمات العبودية و القهر ، وبالبرغم من عملها المتواصل ليلاً و نهاراً إلا أنها استمدت الإصرار و روح المثابرة من جوشوا ، الصبي الأسمر الذي رغم ظروفه الصعبة و حياة العبودية التي يعيشها إلا أنه لم يتغيب يوماً عن أي درس من دروسها المسائية ، و لشدة شغفة بالعلم كان يتسلل نهاراً خلسةً إلى نافذة الصف حيث يسترق السمع إلى القصص و القصائد التي كان مارجريت تلقيها على الطلاب ، لقد كانت مارجريت تلمحه أثناء تلصصه عليها و تتعمد رفع صوتها حتى يسمع ما تقول ، و في أحد الأيام نادته بعد انتهاء الدرس و قالت له : “أرى أنك تحب العلم و تعشق الشعر فما هو السر وراء هذا الشغف ؟ و كيف توفّق بين تعليمك و عملك في حقول الرز ؟”.

فأجابها جوشوا : “كما ترين فأنا عبد و التعليم هو مفتاح تحرري من هذه العبودية ، أما عملي بالحقول فسيدي رجل طيب و يسمح لي بمغادرة الحقل باكراً ” .. ثم أبتسم و أنطلق للعب مع الأطفال.

المعلمة الطيبة و شبح الغراب
كان جوشوا اكثر الطلاب تعلقا بالدراسة والتعلم

جلست مارجريت تفكر فيما قاله جوشوا ، و كيف أن الظروف الصعبة قد تشكل شخصية الإنسان و تجعله ينسى طفولته و يتحدث بحديث أكبر منه ، ثم ضحكت و قالت في نفسها : ربما يصبح لهذا الصبي الصغير شأن عظيم بالمستقبل فالعظماء و المخترعون كانوا فقراء معدمين .

بعدها تغيب جوشوا عن الدراسة لعدة أيام و افتقدته مارجريت و تسألت عن سبب تغيبه عن الدراسة و تفاجأت بخبر مقتل جوشوا أثر نزاع عنيف دارت أحداثه على الجزيرة ، فبعد مقتل أحد ملاك الحقول على يد أحد العبيد بحقل الأرز قام الرجال البيض بالقبض عليه و شنقه و لم يشفي ذلك غليلهم و تجمعوا بالمساء حاملين الفؤوس و المشاعل و هاجموا أكواخ العبيد و كانت ليلة مرعبة حيث قُتل عشرات العبيد و أُحرقت أكواخهم ، و من بيت تلك الأكواخ كوخ جوشوا الذي حطم المهاجمين بابه و اقتحموه و قاموا بالاعتداء على أسرته ، بينما كان جوشوا يراقب ما يحصل برعب من خلال شق بالستارة و شاهد منظر الدماء و لكنه أستجمع شجاعته و حاول الدفاع عن والدته التي حاول أحد المهاجمين الاعتداء عليها ، لكنه تعرض لضربة فأس مباغته على رأسه و قُتل على الفور فيما قام المعتدون بأحراق كوخه كما فعلوا بأكواخ العبيد الأخرين.

المعلمة الطيبة و شبح الغراب
قاموا بحرق منزل جوشوا بعد ان قتلوه مع عائلته

حزنت مارجريت عند سماعها بما حصل لجوشوا المسكين و أصيبت بالاكتئاب و لم تعد تكلم أحد إلا أثناء تعليمها للأطفال و صارت تذهب إلى الغابة و تقضي وقت طويل بالتأمل.

و في أحد الأيام و بينما كانت عائدة كالعادة من الغابة شعرت بمن يراقبها و سمعت صوت رفرفة فوقها و نظرت إلى السماء فرأت غراب ضخم يحلق فوقها ، و كأنه يتتبعها ، تكرر هذا المشهد عدة مرات و نشأت علاقة ودية بين مارجريت و ذلك الغراب و صار الغراب يرافقها في طريقها حتى تصل إلى المدرسة ، حتى أن ذلك الغراب أصبح يزورها في المدرسة و يقف على النافذة و كأنه يستمع للشرح ، تذكرت مارجريت صديقها الصغير جوشوا ، و كيف كان يتلصص عليها من النافذة لسماح القصائد الشعرية . و بعد انتهاء الحصة اقتربت مارجريت من ذلك الطائر و قرأت عليه بعضاً من القصائد و لاحظت تفاعله معها بطأطأة رأسه.

المعلمة الطيبة و شبح الغراب
تعلقت المعلمة بالغراب واصبح يأتيها كل يوم

أصبح الغراب يأتي كل يوم و هي تقوم بقراءة القصص و الشعر له ، حتى جاء اليوم الذي عاد فيه طالبان إلى المدرسة من أجل استعادة أغراضهم التي تركوها هناك و قد شاهدوا المعلمة مارجريت تتحدث و تضحك مع الغراب و أسرعوا بالعودة إلى أهاليهم ليبلغوهم أن معلمتهم ساحرة و تلقي التعويذات على الغراب ، راقب الناس تحركات مارجريت و فعلاً وجدوها تجلس مع ذلك الغراب ، و بتحريض من العمدة و بعض الأغنياء المعترضين على تعليمها لأطفال العبيد ، قامت الشرطة باقتحام المدرسة ليلاً و اعتقالها ، و بالرغم من عدم وجود الأدلة الكافية لأدانتها سوى حديث الناس عن تحدثها مع الغراب فقد حُكم عليها بالإعدام بتهمة ممارسة السحر في محاكمة سريعة و لم تعطى لها فرصة الدفاع عن نفسها.

المعلمة الطيبة و شبح الغراب
قاموا بحرقها .. ذنبها الوحيد كان طيبتها

رغم بكاءها و توسلها فقد تم إعدامها شنقاً و تركت جثتها معلقة على الشجرة و مُنعت من الدفن في مقبرة الكنيسة بحجة أنها ساحرة و سوف تدنس المقبرة ، لكن أشفق على حالها أحد الأغنياء و قام بدفنها بأرض تقع ضمن مزرعته و وضع على قبرها لوح من الرخام و قد نُقش عليه عبارة المعلمة المحبوبة.

بعد هذه الحادثة بأشهر لأحظ الناس أن النباتات و الأعشاب لا تنمو على قبرها ، مما عزز شكوكهم أنها كانت ساحرة فيما أصر البعض على أنها كانت أمرأة صالحة حاولت تعليم الأطفال و رفضت نظام العبودية التي كان قائماً في ذلك الوقت مما تسبب لها بالكثير من المتاعب حيث تأمر العمدة و من معه من الأغنياء و لفقوا لها تهمة السحر ليتخلصوا منها كونها شكلت تهديداً لمجتمعهم حسب اعتقادهم لأن تعليمها لأولاد العبيد ربما يدفعهم للمطالبة بالحرية.

و منذ ذلك الحين أصبحت قصة تلك المعلمة المسكينة التي دفعت حياتها ثمنا لرفضها لتقاليد ذلك المجتمع المنغلق من القصص الفلكلورية لتلك الجزيرة و يتناقلها الناس جيل بعد جيل .

المعلمة الطيبة و شبح الغراب
جزيرة سانت لويس حيث وقعت القصة

ربما كانت قصة المعلمة مارجريت مجرد قصة فولكلورية لا أساس لها من الحقيقة كون الأسماء التي في القصة بدون ألقاب بالرغم أن شاهد قبر المعلمة المحبوبة لا زال موجود إلى يومنا هذا بالقرب من طريق لورنس في شمال تلك الجزيرة وقد كسته الأعشاب والنباتات.

هامش :

1- جزيرة سانت سيمونز : جزيرة واقعة بالقرب من شواطئ ولاية جورجيا الأمريكية.

المصادر :

Seeks Ghosts: A Beloved Teacher
A Beloved Teacher : Ghost Stories, Southern U.S.A Culture

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

34 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
علاوي
علاوي
1 سنة

قصه غير حقيقه تلفيق الغرب المتغطرس المحتل المجرم

القلب الحزين
القلب الحزين
5 سنوات

قصة حزينة ومؤثرة للغاية أحسنت.

Someone
Someone
5 سنوات

ربما لم يكن هناك غراب ولا غيره من الاساس لكن تم تلفيق تلك القصة ليقتلو المسكينة

غراب البين
غراب البين
6 سنوات

حدثت هذه القصه في حوالي الثلاثينات او الاربعينات من القرن الماضي حيث توجد قريه كبيره في منطقه جبليه في بلدنا يعمل اهلها بالزراعه والرعي واعمال اخري وهم من الاحرار ولقد اشتروا خدم من السفن العابره الي موانيء الخليج العربي ….وفي ذلك الزمان يباع العبيد بارخص الاثمان …واشتروا اهل تلك البلده الكثير منهم …وذكور واناث …ولقد تزاوج العبيد وانجبوا اولاد وكثر عددهم …فخاف الاحرار منهم وقالوا لقد كثروا وتوالدوا وصاروا ذو قوه ونحن نريد ان نسيطر عليهم ونريدهم ان يكونوا ضعفاء ….فاعدوا خطه وقالوا لهم غدا سنذبح ثيران ونطبخ غداء للجميع فالكل يحضر للمساعده ..وفي اليوم التالي حضروا الناس تحت الاشجار امام البيوت ….وبينما كانوا يذبحون ويسلخون ويقطعون اللحوم ويوقدون النار تحت القدور ….كان الاحرار قد جهزوا بنادقهم بالرصاص وانتقوا العبيد الكبار الاقوياء وفجاءه اطلقوا النار عليهم وقتلوا من قتلوا ….والبقيه هربوا مساكين وطاردوهم الي ان قتلوهم ….واولادهم ونساءههم يبكون … ولما جهز الغداء جلس اهل القريه ياءكلون اللحوم والشحوم ….والرجال صرعي في كل مكان …لا اعلم متي دفنوهم …. ارايتم يا اخواني ظلم الانسان للضعفاء الذين جعلهم الله تحت سلطتهم ….اقسم ان القصه واقعيه وحدثت في بلادنا بلد خليجي والناس اهلهم باقين ويعرفون القصه كامله …لا اله الا الله …شفتوا الظلم والجبروت والقسوه والظمير الميت ….قنلوهم لانهم خافوا من كثرتهم وكان الاولي لهم ان يطردوا من لا يريدوه يعيش في القريه …ويكفي انه يسافر الي محافظه اخري ….قتلوهم امام النساء والاطفال …يعني امام نساههم واولادهم …اليسوا بشر مثلهم…رباه ارحمنا يارب انت خلقتنا رحماء فارحمنا يا ربنا الرحيم ….المقتولين ماتوا والقتله من روؤساء القوم ظلوا عايشين ويتمتعون وفرحين …وبعد ذلك ماتوا بعد ان كبروا في السن وانشاء الله انهم بيلقوا جزاءهم العادل في المحكمه الالاهيه ……وكان في ذاك الوقت لا يوجد مراكز شرطه والقانون بس في العاصمه وبعض المدن الاخري… والبلده التي حدثت فيها المجزره في الجبال وهي ناءيه وبعيده ..ولم يتجرا باقي الخدم ان يعترضوا اويشتكوا او حتي يرفعوا نظرهم في وجه اسيادهم .حيث الخدم مجرد عبيد ليس لهم ادني قيمه عند اسيادهم وعليهم ان يخدموهم ليل نهار.ولا يحق لهم التعليم او العلاج او السفر او لبس الجديد او التمتع باي شي

زر الذهاب إلى الأعلى