بين همسات الظلال والنسيم(الجزء الأخير)

غرفة مكتبية فاخرة، رف ممتلئ بالملفات المرقمة ترقيما أبجديا، ملفات زرقاء وحمراء، طابعة أوراق، مكتب خشبي مصقول يشغل حيزا كبيرا فوقه حاسوب وسلة أقلام سوداء، ومزهرية بها ورود بيضاء.
صورة الملك معلقة على حائط جانبي، وهناك رسم جداري لكتاب تطفو منه الحروف.
أشعرني هذا المكتب المتكامل بالهيبة، وازداد توتري بسبب الشخص الجالس على الكرسي، لديه ابتسامة عملية تشعر الناظر إليها بالاطمئنان والخوف في آن، ثيابه أنيقة ورائحة عطر رجولي صارخ تفوح منه، على عينيه الخضراوتين نظارات ذات إطار أسود، تتقد عيناه حدة وذكاء. أشار للكرسي المقابل للمكتب.
«تفضل بالجلوس»
انحنيت وجلست، ضممت ساقاي لبعضهما ووضعت الأوراق على حضني، حدق بي بابتسامته الرسمية منتظرا مني أن أبوح بأمري، نظفت حلقي، وضعت الأوراق على المكتب:
«علمت من مديرة الاستقبال أن هذه الأوراق ليس ملكا للمكتبة. لذا أريد شراءها»
التقط الأوراق وقلبها باهتمام، تفحصها:
«قد كتبت بلغة برايل، هل تجيد هذه اللغة؟»
«نوعا ما. أنا مهتم بهذه الأوراق»
وضع الأوراق وضم قبضتيه أمامه، حدق بي بشكل مباشر:
«عادة يترك بعض الأشخاص كتبا خاصة بهم داخل المكتبة ثم يعودون لها لاحقا. دوما ما يجد مشرفي المكتبة كتبا أو حافظات أوراق بين الأرفف والطاولات، نحن نتركها في مكانها عسى أن يعود مالكها للبحث عنها. بهذا الصدد لا يمكنني منحك هذه الأوراق وأتسبب في إتلاف أمانة وضعت في المكتبة»
«صدقني، مالك هذه الأوراق لن يعود لأخذها»
«ما حملك على هذا القول؟»
«لأني قرأت الأوراق. إنها مجرد سيرة ذاتية عن شخص أعمى مع أحد أصدقائه»
«إذا ألا تعتقد أن صاحب الأوراق أراد أن يخلد هذه الذكريات في عقول الناس، قد يجدها غيرك ويقرأها. ربما هذا الهدف من ترك هذه الأوراق»
ضممت شفتاي بقوة، تمتمت يائسا:
«من فضلك يا سيدي. سأدفع أي ثمن ممكن، ثلاثمئة درهم، بل سبعمئة وحتى ألفا! صدقني»
حدق بي للحظات، تفرس في ملامحي كأنما يحثني على الاستنطاق، قال:
«إنك تعرض مبلغا مغريا جدا لمجرد حفنة من الأوراق، حتى أغلى الكتب قد لا يتجاوز ثمنها مئتا درهم. فلم؟»
زفرت نفسا عميقا:
«إنها مجرد قصة أثرت بي. وأنا قارئ شغوف»
«سوف يتلاشى الأثر بعد يوم أو يومين وسيعتريك الندم لأنك دفعت مبلغا طائلا ثمنا لأوراق لا يستطيع غالبية الناس قراءتها. حتى لو حاولت بيعها من جديد فلن تجني ربع الثمن»
رفعت عيناي إليه، ابتسمت:
«أنت تملك مكتبة واسعة يا سيدي، كل كتاب هنا يملك قصة محددة، لا شك أن لديك قصة معينة قد استولت على قلبك، قصة مهما قرأت بعدها ستبقى متربعة على عرشك. مهما قرأتها ستشعر بنفس الفرحة ونفس الصدمة، قصة ستبقى حية في قلبك حتى مماتك. هذه الأوراق التي بين يديك قصتي»
لم تحمل ملامح وجهه تعبيرا محددا، بل أبقى عيناه في عيني، فك تشابك كفيه وقال:
«سوف نضع إعلانا في موقعنا الخاص نستفسر عن صاحب الأوراق. إن لم نتلقى بلاغا في ظرف أسبوع فلك أن تأخذها، يمكنك أن تدفع مئة درهم فقط ثمنا لها»
أومئت برأسي ممتنا، انتظرني لأنهض فنهضت على مضض وعيناي على الأوراق، خرجت من المكتبة فدخل شخص آخر من بعدي.
غادرت ذلك اليوم وقلبي معلق بأوراقي، ماذا لو أخذها غيري، ماذا لو لم أحصل عليها، وهكذا عشت أسوأ أسبوع طوال مسيرتي، أسبوع يتآكله القلق خوفا، حتى أنني فكرت في كتابة الأوراق من جديد لأخزن كل كلمة أذكرها قبل أن أنساها في حال لم أسترجع الأوراق.
يوم الأحد التالي كان أول ما فعلته منذ استيقظت هو الهروع للمكتبة في تمام الساعة الثامنة، حين وصلت وجدتها مغلقة وتذكرت أنها لا تفتح أبوابها أيام الاحاد حتى الساعة العاشرة، لذا ظللت أحوم حول المكان كذبابة زرقاء تبحث عن جثة، أدور وأدور، اشتريت بعض الأشياء لاكلها فرميت نصفها، لعبت مع قطة خربشت يدي، وجلست ساهما على كرسي في الشارع أنظر لأبواب المكتبة، حتى أتى الحارس وفتحها فكنت أول من دلف.
بدا المكان واسعا ضخما مرهبا، فارغا من الناس نظيفا يلمع، حتى مديرة الاستقبال لم تصل بعد، وكان علي الانتظار ساعة أخرى حتى تصل.
هرعت نحوها وهي لا تزال ترتب حقيبتها فوق مكتبها، سألتها بلهفة:
«هل يمكنني أخذ الأوراق؟»
ابتسمت برفق:
«صباح الخير سيد حسام. هل تقصد أوراق برايل. دعني أتفقد الموقع، إن لم يكن هناك رسالة عنها فسوف أعطيك لها وستدفع ثمنها»
وقفت على رؤوس أصابعي، انتظر حاسوبها اللعين ليشتغل، أنتظر الموقع ليحمل، أنتظر الشبكة اللعينة لتستقيم، قد كان بالنسبة لي كل شيء ملعونت ذلك الصباح، حتى أنني شعرت أني مستعد للقتل.
مررت عيناها على شاشة الحاسوب، تفقدت بعض الأماكن، لم تبد أي مشاعر فزفرت أنفاسي باهتياج.
ابتسمت لي:
«لقد تواصل معنا المالك وقال أنه لا يمانع بيعها»
تنهدت بارتياح شديد، أخذت الأوراق، نقدت ثمنها واندفعت خارج المكتبة، سرت شارعا كاملا يتملكني الزهو والفخر، ركبت الحافلة ثم رنت كلمات المديرة في رأسي، مهلا! هل قالت المالك؟ المالك؟
بئسا!
طرقت على زجاج الحافلة في إلحاح شديد:
«دعوني أنزل هذه محطتي، دعوني أنزل!»
«لا يمكن إيقاف الحافلة قبل المحطة القادمة»
صحت بغضب شديد في السائق:
«ماذا تقول أيها اللعين! أنزلني، قلت أنزلني. الان، فورا»
تجاهلني السائق تماما، كنت مستعدا لافتعال شجار فذهبت نحوه وأنا أصيح وأزبد، في لحظة احتدم الأمر بيننا وبدأ الناس يصيحون بي وبه، اشتعلت الاجواء واختلط الحديث بالسباب واللعن والشتم، لكنهم لم يتركوني أنزل حتى المحطة التالية، قفزت من الحافلة وأنا أشتم السائق، ثم بحثت عن سيارة أجرة لتعيديني للمكتبة، دخلت المكان مقتحما وكدت اقذف بالفتاة التي تقف أمام مديرة الاستقبال من النافذة.
هرعت أخيرا نحوها فحدقت نحوي بابتسامة:
«نعم سيد حسام ما هو طلبك؟»
«قلت أن مالك الأوراق تواصل معكم؟ هل يمكنني الحصول على عنوانه؟ من فضلك»
«نحن لا نوزع عناوين عملائنا يا سيدي، لكن إذا كنت مهتما يمكنني أن أفتح لك غرفة دردشة خاصة لتحادثه»
اندفعت الكلمة من فمي دون تفكير:
«افعلي»
حمحمت محرجا، الصراخ على سائق حافلة لا يشبه الصراخ على آنسة جميلة مؤدبة وظريفة:
«أقصد: سأكون ممتنا، لو سمحت»
هزت رأسها:
«اذهب لقاعة الحواسيب من فضلك. ادخل الموقع بحسابك الرسمي وسوف أفتح لكما دردشة خاصة»
أومئت بسرعة، هرعت نحو القاعة مهرولا، لم أهتم بالتفاصيل، لا الرسومات الجدارية ولا الصبيان الذين يستغلون الحواسيب للعب الألعاب خفية عن المشرف، أخذت حاسوبا وشغلته، دخلت الموقع على حسابي الخاص وانتظرت بفارغ الصبر أن تفتح الدردشة، استغرق ذلك خمسة عشر دقيقة ثم وجدت نافذة جديدة تفتح أمامي.
وصدمت حين أخبرتني المديرة أنه يطلب محادثة صوتية بدلا عن دردشة كتابية لأن قارئ الشاشات لدى العميل يرهقه، شعرت بالتوتر مثلما شعرت بالغبطة، لقد وجدت الرجل الصحيح.
أعطيتها رقمي وقلت أني أفضل الاتصال المباشر للخصوصية، ثم خرجت من القاعة نحو الممر الواسع، تلقفت هاتفي وانتظرت على أحر من الجمر أن يردني اتصال.
لم أمنح الهاتف فرصة للرنين، ضغت زر الإجابة بمجرد أن وصلني الاتصال، حتى شركة الاتصالات قد تسجل هذه كأسرع إجابة في العالم، بادرت:
«مرحبا»
وردني صوت رجولي هادئ النبرة، ناعم أكثر مما هو خشن غليظ، صوت أشعرني أني أحادث رجلا لين الطباع حلو المعشر.
«السلام عليكم ورحمة الله. أهلا سيد حسام، علمت أنكم طلبتم التواصل معي»
«اه، في الحقيقة نعم»
ما بي مرتبك؟
«يسرني أن أحدا قرأ أوراقي وطلب اقتناءها. لا تقلق لن أطلب استعادتها أثق أنك رجل شغوف، حدثني المدير عن اصرارك على اقتناء الأوراق. هنيئا لك بها»
«أنا لم أتصل لأني أخشى أن تأخذ مني الأوراق»
«وضح مقصدك من فضلك»
لذت بالصمت للحظة، حدقت من زجاج النافذة نحو الناس التي تغدو وتجيء في الشارع، حافلة جديدة توقفت أمام المحطة، امرأة عجوز تركض لتلحق بالركب، وفتاة صغيرة أسقطت مثلجاتها على الأرض حين جرتها أمها لداخل الحافلة.
«هل يمكنني أن أعرف ما حصل بعد ذلك يا سيدي، بينك ونون؟»
«أنت حقا قارئ شغوف. لم نلتق أنا ونون قط بعد ذلك»
«ألا تشتاق إليه؟»
وصلني صوت حفيف خفيف، حمل صوته ابتسامة خفيفة:
«أشتاقه في كل لحظة. لكنه كان مجرد مصباح أضاء عتمتي ذات يوم، لا يمكنني احتكار النور لنفسي، سأحتفظ فقط بذكراه الجميلة داخلي ولأطول مدة»
قلت بعد برهة:
«ماذا لو ساعدتك في البحث عن نون؟»
حل صمت طويل من طرفه، حتى أني بالكاد التقطت صوت أنفاسه:
«أتعلم كم مر منذ التقيت نون يا سيد حسام؟»
«لا»
«ثماني سنوات. هل تعتقد أنك تستطيع أن تجد شخصا بعد ثماني سنوات من الغياب وأنت لا تعرف عنه شيئا سوى صوته ورائحته؟!»
صمت للحظة ثم أعقب:
«نون في ألمانيا»
يا لهذا الإحباط الشديد الذي يغلف صوته، هل فتحت لتوي جرحا بالكاد اندمل. قلت بتأسف:
«أنا آسف، لم أقصد..»
«أنا أتفهم نواياك الطيبة سيد حسام. لكن بعض الأشخاص مصابيح تضيء الطريق فقط، مصابيح لا يمكننا الإمساك بها وبمجرد أن تذهب لا تعود»
«آنا آسف حقا»
ابتسم صوته لي، قال:
«لا تتأسف. يبدو أنك رجل شديد لا يليق به التاسف. بالمناسبة هل أنت مهتم بتدبير موعد معي سيد حسام؟ إنني مهتم برأيك حول قصتي»
أخذ قلبي يخفق بصخب داخل أضلعي، اهتاجت أنفاسي، صحت بحماس شديد:
«بالطبع! أين ومتى؟»
«سأزورك غدا في المكتبة. أنا عميل دائم هناك، هل تناسبك الساعة العاشرة صباحا؟»
حسنا، لدي محاضرة في العاشرة صباحا غدا لكن لتذهب المحاضرة للجحيم، قلت بجدية:
«اتفقنا»
«سأحضر قبلك وأجلس في آخر طاولة في القاعة، قرب مخرج الطوارئ، إنه مكاني المفضل»
«فهمت»
ترددت في قفل الخط، أضاف هو:
«أنا أتشوق للقائك سيد حسام. أشعر أن لقاءك يحمل لي مفاجاة عظيمة»
سايرته ممازحا:
«نعم، قد أحضر السيد نون معي»
ندت عنه ضحكة مرحة:
«مثل هذه المعجزات لا تحدث في عالمنا. إذا أراك غدا، دمت بخير»
«أنت أيضا»
انتهت المحادثة وقطع الخط، سحبت الهاتف عن أذني وحدقت به للحظات، عصف بي نسيم بارد ورأيت حافلة جديدة تقف في الموقف، بدت لي حركة السيارات بطيئة، ولاحقت عيناي عصفورا يحلق في السماء الزرقاء الواسعة، تمتمت:
«نسيت أن أسأله عن اسمه»
…
كانت المكتبة في صباح اليوم التالي لا تزال شبه فارغة، وصلت في تمام التاسعة وأربعين دقيقة.
لا تزال بعض الطاولات مبتلة بسبب التنظيف الصباحي، ولا تزال رائحة مطهر الجو تفوح في القاعة الفسيحة.
بالنسبة لي، كان من السهل جدا أن أجد شخصي المنشود، فقد كان بالضبط كما وصفته الأوراق وكأنه لم يتغير قط.
شاب ناعم الملامح، شعره البني مقصوص بعناية وله غرة صغيرة تلامس أذنيه، عيناه بندقيتان وبشرته تكاد صافية، له لحية مشذبة بعناية فائقة، يرتدي قميصا زرقاء مخططة بالأبيض وصدرية زرقاء غامقة، سروال رمادي، وبين يديه كتاب يمرر أصابعه عليه.
بدا منغمسا تماما في عمله، لكني ما إن بدأت أقترب منه حتى رفع رأسه نحوي، ترك كتابه وحدق نحوي مباشرة بعينيه البندقيتان، رسم على شفتيه ابتسامة مرحبة أدخلت السرور لقلبي:
«مرحبا يا حسام»
لم تصفه الأوراق بهذا الهدوء، شعرت أنه أكثر وقارا مما مضى، أهدأ وأنضج، بطريقة غريبة لم أدري أي النسختين منه أحببت.
كفه كانت دافئة، صافحني وكأنه يعرفني منذ أمد بعيد
ولا كأنني أراه للمرة الأولى.
«أهلا بك، اعذرني لا أعرف اسمك»
ابتسم، سحبت كرسيا قريبا وجلست قبالته.
«اعذر تقصيري، أدعى معاوية»
رمشت مرتين بصدمة، ابتسم وكأنه يراني:
«معاوية عبد الله الراشدي»
ضحكت:
«ما توقعت هذا الاسم!»
«صحيح؟ ربما لأني أحطت نفسي بغموض مبالغ فيه في قصتي»
«كما فعلت مع نون؟!»
ابتسم، كرر كلامي بهدوء:
«كما فعلت مع نون»
مد يده فدفع غرته عن أذنه:
«كنت شابا أحمقا، لا أدري لم كتبت القصة بذلك الغموض ولا لم وضعتها في المكتبة، لم يهتم بها أحد قط قبلك، لهذا تفاجأت تماما حين سمعت أنها مطلوبة»
سحبت الأوراق من محفظتي ودفعتها نحوه، تلمستها أصابعه للحظات وارتسم على وجهه تعبير حنين.
«مضت ثلاث سنوات منذ تخليت عنها. من الغريب أن أمسكها بين يدي مجددا»
فتحها وبدأ يقرأ، انغمس للحظات فمضيت أتأمل التعابير التي توالت على وجهه، سألته:
«أ حقا لم تلتق بنون بعد ذلك؟»
«لا. قد تبدو هذه النهاية غريبة لقصة، لكن كما أخبرتك ليس كل من نلقاهم سيبقون معنا، البعض منا محطات في حياة أشخاص آخرين، بعضنا نعمة وبعضنا ابتلاء. نون كان نعمتي»
مرر يده على الأوراق:
«لم يصلني خبر منه قط لمدة خمس سنوات، ثم تلقيت منه رسالة بعد ذلك، رسالة وحيدة من أحد فنادق ألمانيا»
استنفرت حواسي:
«رسالة؟!»
«نعم، رسالة وحيدة، ثم اختفت أخباره بعد ذلك. وصلتني عن طريق الجمعية فقط، وليس على عنواني المباشر»
«ماذا ذكر فيها؟»
التوت شفتاه في ابتسامة مرحة:
«كتبها نون بالحروف الأبجدية العربية وليس بلغة برايل. لست واثقا لم فعل ذلك، لم أملك بعد الشجاعة لأعطيها لأمي كي تقرأها لي، ولا لأي أحد آخر صراحة. حاولت وضعها على قارئ شاشات لكن أظن أن خط نون قبيح، لم أنجح في قراءتها»
أظنني حدقت به بلهفة شديدة جدا، أكثر من اللازم لانه مد يده نحو حقيبته الجلدية وأخرج مغلفا ضخما، ناوله لي:
«حين علمت أنك قرأت الأوراق شعرت أنني أملك أخيرا شخصا أقدر على منحه الرسالة ليقرأها لي»
ابتسم باعتذار خفيف:
«أعتذر لاستغلالك. بدت لي فرصة ذهبية لا تعوض»
تلقفت الأوراق بين يداي بلهفة شديدة:
«أنا أكثر من سعيد بهذا الشرف يا معاوية»
وضع يده تحت خده وحدق نحوي:
«اقرأها لي من فضلك يا حسام»
حدقت بعنوان الفندق بهدوء، لم أكن لاعرف مكانه أصلا لم أزر المانيا من قبل، لم تكن هناك ملاحظات أخرى في الغلاف، فضضته وأخرجت منه رسالة ضخمة ومنديلا صغيرا مطرز باسم معاوية.
«هل علمت بوجود المنديل؟»
«نعم»
صمت وقال بلطف وإن كان صوته يحمل اصرارا نافذ الصبر:
«اقرأ لي الرسالة من فضلك»
ابتسمت، لقد انتظر طويلا، فضضت الورقة الطويلة، عجبا، إنها حقا مكتوبة بخط اليد، يا لهذا الجو الشاعري، من لا يزال يكتب رسائلا بخط اليد في وقتنا هذا؟
مررت عيناي على الحروف وشرعت بالقراءة بصوت منخفض، بما يكفي ليسمع معاوية فقط.
«السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
أتدري يا معاوية لم أكن أتوقع قط أني سأكتب رسالة بعد هذا الوقت الطويل، لقد جرفتني الدنيا، غرقت في العمل وفي محاولة يائسة لتعلم اللغة الألمانية، وربما البحث عن الفتيات الشقراوات ها هنا، لكن صدقني ما زلت أفضل العربيات منهن.
إن عملي كممرض ها هنا ليس بالسيء إطلاقا، كنت مرتبكا في البداية كقط مبلل بالماء، لكن سريعا ما اكتشفت أن الناس المرضى سواء، المرض ليس حكرا على العرب، جميع البشر هنا متشابهون، يصرخون من الألم مكتئبون أو صابرون متجلدون، هم فقط لا يثرثرون كثيرا كما يفعل مغاربتنا؛ ربما لأني كنت في البداية أجهل اللغة؟!
حسنا أستطيع الان مجاراة الناس وبعض الأصدقاء في هذه اللغة المزعجة، التي تزخر بحرف الخاء والشين، وقد قررت مؤخرا فقط أن أعود للتطوع في الجمعيات، ربما لأحارب شعور الغربة الذي بدأ يخنقني بعدما تخلصت من نظراتي المشدوهة بالمباني والناس، بدأ لمعان ألمانيا يخبو في عيناي وصار كل ما حولي باهتا بلا معنى حتى أني شعرت أني أختنق من هذه الغربة، وكأن سلسالا من الحديد يطوق رقبتي، ما شعرت يوما بهذا وأنا بين أهلي، رغم التعب ورغم الروتين، شعرت دوما أن كل يوم هو نعمة.
اليوم وأنا أمرر الصور القديمة في هاتفي مدفوعا بحنين جارف، وجدت صورا للمخيم الذي جمعنا، من بينها صورة لك، التقطتها خفية لك وأنت تجلس تحت شجرة، ترتدي ملابسك الأنيقة، شعرك ممشط وبشرتك تلمع بيد أن عيناك تائهتان والعبوس يكتسح ملامحك.
ما زلت أذكر كل لحظة من مخيمنا، أذكر أني أحببتك أكثر مما فعلت أي شخص رافقته سابقا، فبغض النظر عن القيود التي كبلت حيويتك كانت روحك لا تزال ملتهبة كجمرة تحت الرماد.
تمنيت لو أني تلك الأيام الخمسة صارت خمسونا، ولو أن الدنيا منحتني مزيدا من الوقت لأتعرف إليك، أحببتك كأخ وكثيرا ما شعرت أننا كنا لنكون أعز صديقين لو أن الدنيا أمهلتنا مزيدا من الوقت، لكن كلانا كان محطة في حياة الآخر، جعلتني -أنا المحبط من حياته- أشعر بالقوة لمجابهة مصاعب هذا العالم، وأملي أني بعثت فيك شعورا مماثلا.
معاوية، لدي شعور عميق أنك لم تتخل عن تسريحة شعرك المرتبة بعد هذه السنين الخمس، ولا تزال تقطب جبينك بعبوس وكأن لا شمس تضيء سماء دنيانا، لكني مع ذلك أثق أنك صرت محاربا يمتلك قرارات نفسه، أصبحت معاوية الرجل لا معاوية الدمية الذي يحركه الجميع كيفما شاء.
وإني أتمنى أن تجد صديقا يفهمك ويحتويك، رجلا يرى خلف هدوئك نارا مشتعلة، ويعرف كيف يمسك يديك ويشرح لك معنى الألوان أو يضع دودة خضراء مقززة بين يديك، صديقا يكون لك كما أردتني أن أكون…وحسنا لا بأس في أن تكون فتاة أيضا، النساء ماهرات في وصف الألوان…عن تجربة.
وأتدري لم كتبت لك هذه الرسالة بالحروف العربية بدلا عن لغة برايل؟ ثق أني ما فعلت ذلك مزحة مني، بل لأني أثق أنك رجل أحمق لم يمنح هذه الكلمات لأي شخص، لذا فإن الشخص الذي سوف تأتمنه على قراءة هذه الكلمات…أيا كان، لهو صديق جيد فتشبث به.
معاوية الذي أعرفه يخجل من أن يعري نفسه أمام أي كان…وحسبي أنك لازلت كما أذكرك.
إني أكتب هذه الرسالة لك لأذكرك أن صديق عزيز ومناي أن نجتمع يوما ما على كأس شاي بالنعناع وحتى يحين ذلك الوقت كن بخير.
*ملاحظة: كتبت هذه الرسالة أيضا لأن مشاعري جياشة مرهفة بسبب الغربة..آمل ألا تبكيك.
إلياس حداد»
رفعت عيناي نحو معاوية فإذا بابتسامة حلوة ترتسم على شفتيه، وبدون مقدمات وجدتني أقول:
«معاوية، هل تسمح لي أن أكون نون الجديد؟»
كل منا محطة في حياة الآخر، فلنحسن المرور.
تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.
أتعلمين ما يعبها, سأخبركِ ولا تحزني مني وتنزعجي..
انتهاءها صدقا جميلة واحببتها وعشت معها.
لم أقرأ الجزء الاخير اخشى ان تنتهي سريعًا ولدي شوقًا كبير لأرى إبداعك!
رنوشتي الكبيرة أريدك أن تعلمي رنا الصغيرة, اريد ان اصبح مثلك كاتبة مبدعة!😘.
دام الله نبض قلمك وسأنتظر قصصك على أحر من الجمر فانتِ اصبجتِ كاتبتي المبدعة رغم انكِ سرقتي اسمي لكن لا بأس سامحتك😁
يالله ما احلاها وما أجملها يا ماشاءالله يبدو انني مثل حسام هههه شكرا يارنا قصتك لا مست سويداء قلبي
أهلا بالعزيزة لمى.
يشرفني أنك كنت من القراء الأوائل لهذه القصة، وسعيدة لأنني حصلت على قارئة جديدة تقدر أعمالي المتواضعة.
بالنسبة لسؤالك الاول فإني أجبت عليه في سؤال الاخت نوار تحت، يمكنك تفقده..، وربما هي مدة مبالغ فيها فعلا، وربما لو كانت أقصر كانت لتكون أجمل لكني احببت فقط أن أمنح معاوية الوقت الكافي ليتطور مع مرور السنين.
ما الذي ألهمني؟
يوجد في مدينتي غابة ضخمة اسمها بريدكاريس، اخطط لكتابة مقال عنها عما قريب.
هذا الغابة تحتوي قصرا ساحرا، وانا من محبي الامور التاريخية.
كنت قد كتبت قصة رومنسية تدور داخل هذا القصر، حيث يلتقي شاب اعمى بفتاة وينشب بينهما سوء فهم وبعدها يتضح أن القصر عالم سحري، حيث ينقل كليهما فقط لعصر فكتوري سابق ويكون عليهما أن يتعاونا لحل لغز القصر والعودة لعالمهما الصحيح.
ومن هنا تنشب بينهما قصة حب صغيرة، ولكني لم أجد بهد فكرة ألغاز منطقية وقمت بتاجيل المسودة الاصلية ليوم اخر تكون فيه أفكاري أكثر صفاء.
ثانيا أعمل على رواية أساسية تتطلب مني إبراز العلاقة بين شابين، ولخشيتي من أن أقع في مربع اللبس وسوء الفهم بدأت أركز على كتابة قصص صغيرة تحتوي علاقة بين شابين، لحد الساعة التدريب كان مثمرا جدا، اول تدريب كان قصة علقة، وهذا ثاني تدريب لي في نفس المجال، واتضح أنني يمكنني التحكم في العلاقة دون أن أقع في مربع سوء الفهم.
ومن هنا أتت الفكرة لهذه القصة التي تفتقر للكثير.
حين أريد الكتابة وأعجز، أتوقف دقيقة وأتأمل الفراغ، أتخيل الفكرة التي أريد كما لو أنها حية، حقيقة فإني أشاهد فلما مصورا داخل عقلي، ثم اكتب ما شاهدته…يبدو سهلا، لكنه مرهق قليلا، لأنني أحيانا لا أجد ترابطا منطقيا بين ما اراه وما يجب أن يصل للقراء.
(اضطر حقا للبحث عن المعلومات والتخطيط والبحث عن الأسماء والشخصيات، لكن عادة أفعل ذلك في الروايات الاساسية أكثر، القصص القصيرة احب أن اكتبها بحرية لهذا استعمل ذكرياتي الحقيقية كمرجع)
يسعدني مرورك حلوتي.
عزيزتي لمى.
لربما أنا مقصرة جدا في الردود، لكني حين أجلس إليها وأعزم على الرد فإني أحب أن أرسل ردا كافيا ليظهر جزءا من الامتنان الذي احمله للمعلق.
ضيعت الكثير من الردود ولا اعد اني سوف أكون الكاتبة المثالية التي تجيب على الجميع، خصوصا أن كابوس لا يرسل اشعارات وأنا ادخل له بشكل قليل جدا مقارنة مع أيامي الاولى فيه، لكني ما زلت أحاول.
شكرا لك يا عزيزتي لانك قرات وعلقت.
العزيزة رنا رشاد.. قصة رائعة، والجميل فيها أنكِ لم تظهري فاقدي البصر أشخاص معاقين بل بطل القصة لم يشعر بالإعاقة إلا بعد أن فقد قدرته على المشي.. أعجبتني الرسالة التي أردتِ إيصالها.. ليست القيود بالجسد بل بالروح..
أول سطور قرأها حسام ظننتها ستكون قصة حب بين معاوية وفتاة ما.. لكن الموضوع أعمق من ذلك بكثير والرسالة أسمى..
فقط بعض الملاحظات التي لا تغير من روعة العمل:
– أردت أن تجعلي من نون شخصية مميزة وملهمة وغير عابرة بحياة الآخرين، لكن بالنسبة لي هذا الشيء لم يصلني..
– نون.. كيف استطاع أن يبقي على غموض اسمه بالنسبة لمعاوية، إذا كان قد طلب من معاوية مخاطبته بلقب نون، فهل من المعقول أن يناديه أفراد المعسكر أيضا بهذا اللقب؟
– لم أستسغ أن يحتمل معاوية ثلاثة سنين دون أن يقرأ الرسالة الوحيدة الموجهة إليه من نون، فقد تكون تستوجب الرد عليها مثلا! .. أعرف أنك ذكرت السبب ونون أيضا توقع ذلك لكني لم أقتنع.
لكنها تبقى قصة جميلة شدتني منذ السطور الأولى لمعرفة النهاية، وأجمل ما فيها أن التقى حسام بمعاوية.. أما عن الأسلوب فليست المرة الأولى التي أقرأ لكِ فيها.. لطالما امتلكتِ قلما مميزا يعرف كيف يصوغ العبارات بكل جمال وإتقان.. تحياتي لكِ🌷
أهلا عزيزتي
أعتذر منك ومن كل من علق على قصتي للتأخر في الرد، كنا نستقبل مولودا جديدا في العائلة وانجرفت مع موجة الأشغال، عدا عن عملي.
لكني قرأت كل حرف وعدت للرد، فآمل أن يصلك ردي ولو كان متأخرا.
نون، لم يطلب من أحد أن يناديه بهذا اللقب، لو لاحظت فإن نون نفسه لا يعلم بوجود المذكرة، هذه المذكرة كتبها معاوية لنفسه لأنه أراد أن يخلد ما حدث معه باعتبارها نقطة تحول في حياته، ولأنه شخص منطو وخجول لم يذكر اسمه ولا اسم صديقه في المذكرة، وبدلا أن يكتب اسم صديقه الكامل كتب نون (في هذه المذكرات سيكون نون) كتبت شيئا كهذا في النص.
اذا نون، لا يعلم بوجود المذكرات، وكان يتم مناداته في المعسكر بطريقة عادية باسمه، معاوية من غير الاسم في المذكرات لنون ليبقي على غموض الشخصية.
لم يقرأ معاوية الرسالة لأنه لم يملك شخصا يفهمه، عاش دوما كوردة في الدفيئة وعيشه تلك الايام في المعسكر او المخيم كانت شيىا خاصا جدا ولم يستطع أن يحدد كيف ستكون ردة فعل العائلة عليه، لذا لم يقرأ الرسالة، لكنه حاول بشتى الطرق مثل وضعها على قارئ شاشات بالذكاء لكن االذكاء لم ينجح في قراءة الرسالة كاملة بل أجزاء متفرقة، ولما التقى معاوية بحسام وجدها فرصة فاستغلها.
يسعدني أنها أعجبتك، كتبتها في غمرة احباط وكان لدي توقعات عالية لها، لكني أهملتها في النهاية
شكرا لتعليقك الجميل الذي بعث بعضا من الدفئ في قلبي.
دمت بخير.
أولا مبارك المولود الجديد، جعله الله قرة عين والديه..
يبدو أني لم أركز جيدا في جزئية لقب نون، وبأن معاوية هو من أطلق عليه هذا اللقب في المذكرات فقط..
على كل حال أعيد بأن قصتكِ رائعة لكن ربما لنشرها على أجزاء أو لطولها لم تنل التقدير الذي تستحقه من التعليقات والتفاعل.. دمتِ بخير وبانتظار جديدك🌷🌷🌷
امين يا اختي بارك الله فيك، ورزقك من فضله ما تقر به عيناك.
لا عليك، قصة بهذا الطول، كما انها مجزأة لا بد أن ينسى القراء بعض تفاصيلها.
نعم، كنت حزينة لأني توقعت أن تأخذ حيزا كبيرا، على الأقل من الذين كانوا حاضرين في قصصي سابقا.
ولهذا أجدني مترددة قليلة من تجربة كتابة قصة طويلة أخرى.
شكرا لدعمك عزيزتي، أسعدني مرورك بقدر لا يوصف.
رائعةة بكل ماتحمله الكلمة من معنى
انا بلعادة لما بشوف قصةة مجزأة مابحب اقرأها الا لما تكون. بالكامل واجزاءها موجودة والا الفضول سيقتلني لمعرفة باقي الاحداث 😅
دمتي بخير ♥️
أهلا يا حلوة، هذا التعليق بمثابة شرف لي، كتبت قصة طويلة ومن أربع أجزةء ولقيت احباطا كبيرا بسبب تجاهلها، حتى أني خلت أنها ستكون قصتي المجزأة الاخيرة هنا.
يسعدني أنه كان لدي قارئ صامت أحب كل جزء وتطلع لكل كلمة.
وكما يقول لقبك، كوني سعيدة من فضلك أينما كنت وحللت.
رائعة.. شكرا جدا..
رائعة.. عادتي اقراء وامضي لا اتذكر اسماء اشخاص او اماكن او تفاصيل او او او .. لكن هنا مع هذة المشاركة اتذكر وسوف اتذكر كل التفاصيل.. شكرا جدا.. رائعة
أهلا يا صديقي، إن أكثر ما يحبه الكاتب هو أن يتذكر القارئ شخصياته بقدر ما يتذكرها هو، يحبها ويحب تفاصيله ويكاد يلمسها في خياله كما لو أنها حية ترزق.
إني دوما أبذل جهدا في الشخصيات لأني أحبها، ونجاحي في غرس هذا الحب فيك يجعلني أشعر بفخر شديد.
شكرا لك ولكلمتك الطيبة، وشكرا لأنك ستتذكر❤️