بين همسات الظلال والنسيم(الجزء الأول)

مديرة الاستقبال في المكتبة كانت متأنقة كعادتها، عيناها المرسومتان بدقة تختفيان خلف نظارات رفيعة، وشعرها مرفوع في كعكة رسمية مزينة بمشبك ذهبي، ملابسها الرسمية ناسبت جسدها الأنثوي، وكأن تلك القطعة السوداء قد فُصِّلت لأجلها خصيصًا.

حقًا، يا لها من فتاة جميلة! يؤسفني أن إصبعها كان مسجونًا في خاتم ذهبي لامع، تبا لهذا الرجل الذي سبقني إليها!
اقتربت منها على مهل، شفتاها الحمراوان ابتسمتا لي، صوتها الرقيق بادرني:
“مساء الخير. بطاقة العضوية من فضلك.”
مددت لها البطاقة، فمررتها على الجهاز الماسح، ثم أعادتها لي ولا تزال البسمة على شفتيها:
“تفضل.”

تلكأت متعمدًا في وضع البطاقة في جيبي، رفعت بصري لوجهها الجميل، ثم قلت، لا بغرض السؤال، بل بغرض فتح موضوع:
“بالمناسبة، هل يوجد بالمكتبة كتب بلغة برايل يا آنسة؟”
“نعم، لدينا منها عدد محدود، ستجدها في الرف -هاء- على أول اليمين في التقسيم الثاني.”

هززت رأسي ببطء:
“حقًا. من الرائع أنكم تملكون منها. كما تعلمين، لقد تطوعت كمساعد في جمعية جديدة. سأعلم الأطفال العميان لغة برايل. لكن، أتظنين أني بإمكاني تعليم شخص لغة أجهل عنها أكثر مما أعرف؟”
ابتسمت لي مجاملة:
“بالطبع يا سيدي. يمكنك أن تفعلها، العلم لا محدود. إن أردت مساعدة، فيمكنك اللجوء دومًا لغرفة الحواسيب والحصول على ترجمة فورية. الإنترنت مجاني لأصحاب العضوية.”

مططت شفتي بهدوء، وأومأت برأسي كالأحمق مجددًا، دلف شخص من الباب، فاضطررت للانزياح مبتعدًا لكي أترك الشابة تقوم بعملها. توجهت إلى الدرج الحلزوني الذي يقود إلى الطابق الثاني، ألقيت نظرة على الفتاة، ثم تمتمت شاتمًا:
“غبي.”
أفضى بي السلم إلى قاعة فخمة ممتلئة بالطاولات الخشبية، إضاءتها بيضاء واضحة، ونوافذها واسعة، أهم ما يميزها هي تلك الأرفف الضخمة التي تمتد على طول القاعة في ترتيب منظم، يمكنك أن تشم رائحة النظافة مختلطة برائحة الأوراق.

قررت البحث عن الكتب التي أردت، اتبعت الإرشاد الذي حصلت عليه من الآنسة، مررت يدي على الكتب النظيفة:
“هه! قالت عدد محدود؟ هذه دفعة كاملة من الكتب!”
الرف بأكمله كان لكتب برايل! قصص أطفال، روايات مترجمة، نسخ عن كتب دينية، وكتيبات أذكار صغيرة، حتى إنني وجدت جرائد ومجلدات.
تصفحت هذا وذاك بشكل عشوائي، أجيد لغة برايل بشكل لا بأس به بسبب عملي المتواصل في جمعية التطوع، لكني لست واثقًا من قدرتي على تعليمها لشخص آخر.
بينما أدير أصابعي بين الكتب، لفتت نظري حافظة أوراق عادية محشورة بين كتابين ضخمين، سحبتها، فإذا بداخلها أوراق سميكة مجمعة بمشابك فضية، جميع تلك الأوراق كُتبت بلغة برايل.

كنت أستطيع تمييز اللغة من النقاط البارزة، لكن هذه الأوراق بدت قديمة قليلًا، والكتابة لم تكن واضحة، لذا احتجت لتمرير يدي عليها لأتبين الحروف، قرأت أول جملة:
“كنت أعمى لا يرى، لكنه علمني كيف أبصر.”
قطبت جبيني بحيرة، أعدت قراءة الجملة مرة ثانية، ثم انتقلت للسطر الذي بعده:
“علمني كيف أبصر بقلبي لا بعيني، معه أدركت أن الألوان لا تهم بقدر ما يهم الشعور، لذا تمنيت دومًا لو أنني رأيته بعيني، احتفظت بالصورة الوحيدة التي جمعتنا على أمل أنني قد أفتح عيني يومًا، ولو لثانية واحدة فأراه كما رآه الجميع، لكن الحلم لم يتحقق، وظلت الصورة أمام عيني مجرد ورقة بلا ملامح.. كانت تلك أمنيتي الوحيدة.”
توقفت للحظة عن القراءة، تفحصت الأوراق لعلي أجد اسم الكاتب أو دار النشر، أو أي شيء يحيلني لصاحبها، لكن عبثًا فعلت، لم أجد شيئًا.

أبعدت أول مشبك ووضعته في جيبي خشية أن يضيع، أمسكت ثاني ورقة ومررت يدي عليها ملتقطًا الحروف:
“قبله كانت حياتي هادئة كمحيط بحيرة رائقة تبدو لماعة من بعيد، لكن مياهها راكدة غير صالحة للشرب، وبعده صرت نهرًا يجري، كلما تحرك أصبح ماؤه أصفى وأعذب، علمني كيف أفتش داخلي عن معنى الحياة لا أن أبحث عنه خارج أضلاعي. لعل كتابتي لهذه الكلمات الآن عبث لا معنى له، لكني وددت أن أخلد هذه الذكريات البسيطة التي صنعتني من جديد، وأحفر صورة الشخص الذي أحببته في عقول الناس فيرونه كما رأيته، لا بعين الحقيقة بل بعين البصيرة!”
“هل ستقرأ هذا الكتاب يا سيدي؟”

انتفضت مرعوبًا، استدرت نحو أحد عمال المكتبة، وحدقت به كأني أرى شبحًا، فابتسم:
“هناك طاولة قريبة، إذا أردت عزلة هادئة. لكن الوقوف أمام الرفوف طويلًا ممنوع.”
أومأت بصمت، لم تخرج مني كلمة، هرولت نحو الطاولة ووضعت الأوراق عليها، أكملت القراءة بشوق:
“لعلي يجب أن أقدم نفسي أولًا؟ ليس للأسماء أهمية، مع ذلك دعني أقدم نبذة عني:
ولدت أعمى، لم تر عيناي الضوء يومًا، ولا الألوان لها معنى داخل رأسي، الأخضر والأزرق عندي سواء، ولا أعرف حتى ما هو الظلام. كثيرًا ما تساءلت: ما هو اللون الأسود الذي يظنني الجميع أراه؟ تقول لي أمي إنه عكس الأبيض، لكن ما هو الأبيض؟ كيف تبدو الألوان؟ أهي أشكال هندسية، أم صوت؟ أم رائحة؟ لا أعرف. عبثًا حاولت أن أشرح لمن حولي أني لا أرى ما يتحدثون عنه، بل إني لا أرى شيئًا أبدًا، لكنهم مصرون أني أبصر ظلامًا، كنت واثقًا أننا نعيش في عالمين مختلفين، لنا نفس اللغة، لكن لا أحد منا يفهم الآخر.
عشت هكذا، أمشي متنقلًا بين الأيدي، متلمسًا الحيطان، أحفر التربة وأستخرج الديدان العمياء. عماي لم يمنعني أن أكون ولدًا طائشًا، ثم حين بلغت السادسة عشرة انقلبت حياتي للمرة الأولى.

تعرضت لحادث سير أمام المنزل بسبب طيش طفولي دفعني للركض بعيدًا، فقدت على إثر الحادث القدرة على المشي، وبين ليلة وضحاها غدوت أعمى مشلولًا، ولأول مرة في حياتي شعرت أني حقًا معاق مقيد.

كانوا يضعونني في مكان واحد، ويضعون بين يدي شكلًا هندسيًا لا معنى له لألمسه، أو كتابًا برايل أقرؤه… لكن لا أحد ممن حولي كان يعلم أني أردت لمس ما هو أكثر من ذلك: أردت لمس الماء، التراب، العشب والزيت، أردت لمس الديدان وكل ما هو في الدنيا وكل ما قد تطاله يداي.. لكني حرمت من ذلك بأقسى طريقة ممكنة، وصرت أعيش لا كما أريد، بل كما يُراد مني.”

سحبت المشبك الثاني بسرعة ووضعته على الطاولة، والتقطت الورقة الثالثة على عجل:
“هيهات يا زماني، كيف لشاب بلغ العشرين أن يتمرد كالصبيان؟ كنت أساق إلى المدرسة فأسمع هراء عن الإيجابية والتفاؤل، أُحمّل بواجبات تثقل كاهلي، وأعود للمنزل لأستظهر على أمي غيبًا ما حفظته. أتقنت ثلاث لغات في ظرف وجيز، استطعت إتقان العزف على الكمان، وكنت سريع الكتابة على الآلة، حتى إنني كنت أعرف الحروف العربية وأقدر على كتابتها دون رؤيتها، رغم أن ذلك لم يكن مريحًا جدًا، برايل كانت مأنسي.”

المشبك الثالث سقط من يدي المرتجفة، أخذت بعض الوقت وأنا أبحث عنه بين قدمي الكرسي، ضربت رأسي في الطاولة، وشعرت بدماغي يهتز لقوة الضربة.

غضبت أيما غضب، فمددت يدي وفتكت بكل المشابك، وضعتها جانبًا، ووضعت جميع الأوراق أمامي، ثم عدت للقراءة:
“بالنسبة لي، كل تلك الإنجازات كانت واجبًا، قمت به لأثبت لنفسي قبل الجميع أني لست خشبة متعفنة لا فائدة لها، عدا أن أمي كانت تسعد بها، وكان أبي يخسر أموالًا طائلة على مدارسي وجمعياتي.

لكني لطالما شعرت أن حياتي تفتقد لطعم ما، مثل الطبخة التي بلا ملح، قد تؤكل وتُشبع آكلها، لكنها ليست لذيذة!
مضت بي الأيام هكذا في تلاحق، نهار يعقبه ليل، وليل يتولد منه نهار، حتى ساق الله لي من يقلب حياتي للمرة الثانية ويخرجني من الظلمات إلى النور.”

فذات يوم من أيام الخريف، دخلت أمي لغرفتي وهي تحمل بين يديها ورقة، وضعتها بين يدي، بدت متوترة للغاية، وقالت:
“الجمعية تدير مخيمًا خاصًا في غابة قريبة، سوف يستمر لخمس ليالٍ. ما رأيك بحضوره؟”
تحسست الورقة التي بين يدي، كانت ناعمة ودافئة بسبب يدي أمي، بل إنها مبتلة عرقًا.
“كما تشائين يا أمي.”

أكملت بنفس النبرة المترددة:
“لن أستطيع مرافقتك، ولا حتى والدك، أخوك في العمل. لكنهم أخبروني أنهم سوف يوفرون لجميع المشاركين مرافقًا خاصًا.”
“حسنًا.”

“ستكون فرصة رائعة لتغير الجو.. لكن.. أتريد الذهاب؟ إن لم ترد فلا بأس. سأبقى معك في المنزل، إذا أردت سنخرج للحديقة المركزية مساء السبت.”
لأكون واضحًا؛ عندما تخرجني أمي للحديقة، فهي تفعل ثلاثة أشياء: تلبسني حلة أنيقة بلا داع، تضعني في بقعة مشمسة حتى يكاد رأسي يُطبخ، ثم تضع بين يدي قصة بلغة برايل. بالنسبة لها، كنت بخير ما دمت أبدو جميلًا ومتأنقًا في ضوء الشمس.
صمتُّ قليلًا:
“سأذهب.”
“تريد الذهاب! أنت واثق؟”
“سأكون بخير.”

وهكذا انضممت للمخيم، يجدر بي القول إنه كان أول وآخر مخيم حضرته في حياتي، لأسباب عديدة.
سحبت نفسًا عميقًا، قلبت الورقة بسرعة وأخذت أخرى، لم أعد أذكر الرقم حقًا، لأني قرأت كثيرًا، لكن كان بداخلي شغف منعني من التنفس أو أخذ استراحة.

“أتى باص الجمعية الخاص ليقلني من المنزل صباح الخميس على الساعة الثامنة. أخذت معي كرسيًا خاصًا يصلح لأرض الغابة الصلبة، ولسوء حظي لم يكن كهربائيًا، ثانيًا أثقلتني أمي بحقيبة تزن طنًا، وكأني مسافر لجزر القمر. وهكذا انطلقت رحلتي.

لا داعي لأصف رتابة الرحلة ولا تعريفاتها، بمجرد أن وصلت أمطرونا بجدول عن المبيت في الغابة، وبعض الألعاب المسلية التي كانت تناسب من هم مثلي… نعم مثلي… معاقون لا يملكون من الحياة أملًا! ولعلي أبدو سوداوي القول، لكن هذا ما كنت عليه قبل نون.

من هو نون؟ لعلك تتساءل؛ نون الذي لم أره، نون الذي لا أذكر منه سوى صوته العميق الذي يحمل بحة رجولية خاصة، وعطره المزعج. نون الذي كان مرافقي في المخيم.
اقترب مني على غفلة وبادرني دون مقدمات:
“أليس الهواء عليلًا؟”
انتفضت لوهلة، كنت غارقًا في شرودي أحاول ترتيب أفكاري عن المخيم، أجبته بهدوء:
“نعم، بارد أيضًا.”
“هل تشعر بالبرد؟”
“قطعًا. هذا البرد يروقني، لا يسمح لي أن أشعر بالبرد دومًا.”
يمكنني أن أقسم أنه ألقى نظرة على كنزتي الصوفية التي ألبستني إياها أمي، حمل صوته رنة مرح:
“أرى!”
صمت قليلًا، ثم أضاف:
“إذًا، هل هذا أول مخيم لك؟”
“نعم.”
“لنأمل أن يكون الأول والأجمل إذًا!”
“سنرى.”

تحرك قليلًا من حولي، فميزت رائحة عطر قوية تفوح منه، رائحة ما زلت أذكرها ليومي هذا؛ مزيج قوي من القرفة والعود، رائحة يمكنها أن تصيبك بالصداع لحدتها.
قال:
“سنتناول الفطور أولًا في منتصف الغابة. هل تتبعني أم أدفعك؟”
يا للجنون، أتبعه وأنا أعمى؟ هذا الرجل مغفل.
“أنا معتاد على الكرسي الكهربائي فقط. ادفعني من فضلك.”
لم يضف كلمة على قولي، استدار من حولي فامتلأ أنفي بعطره، دفعني، وللغَرابة، رغم تعرجات الطريق، شعرت أني بين أيدٍ أمينة.

كنت واثقًا أننا نتقدم على الجميع، بل لقد تركناهم خلفنا وتحركنا. لم يعد بإمكاني سماع فوضى الناس في المخيم، ولا صياح بعض الأطفال الذين شاركوا في المخيم. سألته:
“إذًا، من أنت؟”
انفجر ضاحكًا، دوت ضحكته بشكل صاخب قوي فوق رأسي:
“آه! هل نسيت أن أعرف بنفسي؟”

“حسنًا؟”
“نادني: نون!”
نعم، اسمه لم يكن نون، بل كان له اسم بشري عادي لا يمت لحرف النون بصلة. مع ذلك، في هذه الأوراق هو سيكون نون، نون فحسب.
“إذًا، هل أنت مرافقي؟”
أجاب بلا مبالاة:
“أعتقد ذلك.”
رددت باستنكار:
“تعتقد ذلك؟”
“مرافق، خادم، بطة، قرد. هل للمسميات معنى؟ اعتبرني رفيقًا سيقضي معك المخيم وتأنس إليه.”
حل بيننا صمت قصير، طرقت على مسند الكرسي قليلًا، لم أجد موضوعًا يمكن مناقشته، قال بعد برهة:
“سيتأخر الآخرون كالعادة، هل تريد أن نقوم بنزهة صغيرة قبل مجيئهم؟ أعرف طريقًا مختصرًا، لكنه ضيق قليلًا.”
“أليس هذا تجاوزًا للجدول المرسوم؟”
“يا صاح، من يهتم للجداول والتخطيطات! الحياة تُعاش مرة واحدة.”

ابتسمت لقوله، لم أكن أبتسم كثيرًا، ليس تلك الابتسامة العفوية:
“حسنًا.”
قال ضاحكًا:
“تمسك جيدًا!”
بعث كلامه فيّ قشعريرة، غير نون اتجاه الكرسي، وشعرت بجسدي كله يهتز بعنف شديد، صرخت:
“سوف تسقطني!”
لكن نون اكتفى بضحكة، اندفعت الرياح نحو وجهي بقوة، واختلطت رائحة التراب بعطر العود القوي، بغتة استقرت الأرض تحتي قليلًا، توقفت الاهتزازات العنيفة. قال:
“أخفض رأسك.”
“لم… أوه!”

شقت ضحكته الهدوء:
“أخبرتك. إنها شجرة ذات أغصان حانية.”
صفعني غصن آخر في وجهي، رفعت يدي بعشوائية وقبضت على الغصن بغضب، لوحت بيدي فخرجت محملة بالأوراق.
أطلق نون صفيرًا طويلًا، ثم قال:
“هيه! أنت ناري المزاج، تجاوزنا الشجرة، لا تقلق.”
تجاهلت قوله، لا تزال كومة الأوراق المبتلة بين يدي، بدأت أفككها ببطء، وأتحسس الندى العالق بها مسحورًا كطفل لم ير ورقة في حياته قط، بغتة شعرت بحركة غريبة على إصبعي، مثل قطرة باردة تنزلق. قال مشاكسًا:
“هل تدرك أن فوق يدك دودة خضراء سمينة؟”
مددت إصبعي نحو الدودة، كالأحمق بدأت أديرها بين أصابعي وأضغط عليها برفق، متحسسًا جسدها المنفوخ، أخشى قتلها. ربما هي بحجم إصبعي الصغير. رفعتها نحو نون:
“خذ.”
“لا، شكرًا، لست جائعًا.”
“لم أطلب منك أكلها، ضعها في مكان ما.”
“ولم لا تفعل بنفسك؟ صدقني، آخر ما أريده هو أن أمسك دودة!”

بدا صوته متقززًا، تركت الدودة في كفي، قلت:
“هذه أول مرة ألمس دودة، منذ خمس سنوات.”
صمتُّ لحظة، وأعقبت:
“حين كنت أمشي، كان يحلو لي إمساك مختلف الأشياء، لم تكن أمي تنتبه لي إلا بعد فوات الأوان، فقدت هذه المتعة الآن.”
“هذه أول مرة أرى شخصًا يحب الدود، أنت فريد من نوعك.”
ابتسمت، هذه أول مرة يتجاهل شخص كآبتي ويتحدث عن حبي للدود، مررت يدي على ظهر الدودة الناعم، قال متهكمًا:
“امنحها اسمًا، ربما روبي، وضع حول عنقها طوقًا.”
أجبته بهدوء:
“هذه دودة وليست جروًا.”
انفجر من جديد ضاحكًا، وانتهى الحديث عند تلك النقطة.
تناسيت تمامًا أمر الطريق المتعرج، وألم ظهري بسبب اهتزاز الكرسي. بعد برهة من المشي، أوقفني نون على جانب الطريق وطلب مني أن أضع الدودة على صخرة، كانت الصخرة ساخنة جدًا، وضعت الدودة فوقها برفق، ثم غادرنا، ظللت أتلفت ورائي بتردد، فقال:
“لا تبك، ستلتقي بدودة أخرى.”

“كف عن التفوه بالهراء.”
اكتشفت في تلك اللحظة شيئًا مميزًا، نون يحلو له أن يجعل من كل حدث نكتة.
أغمضت عينَي قليلًا، أعتقد أني لم أرمش منذ دقائق، مضت مدة طويلة منذ وجدت شيئًا أغرق فيه لهذه الدرجة.
تلفتُّ حولي، فرأيت الناس قد بدأت تغادر، الساعة كانت تشير للخامسة والنصف، والمكتبة تغلق في تمام السادسة.
حملت الأوراق، وضعت كومة المشابك في جيبي، وركضت خارجًا من بين الرفوف.
توقفت أمام عاملة الاستقبال، لم أحدق في وجهها هذه المرة:
“أريد استعارة هذه الأوراق.”
مدت يدها نحوي، تطلب مني الأوراق، وللحظة شعرت بحمية شديدة حتى كدت أرفض طلبها، ارتخت أصابعي في النهاية وأعطيتها إياها، بدأت تحرك الأوراق بين يديها:
“هل تعرفين الكاتب؟”

“لا أذكر وجود أوراق كهذه في المكتبة، وهي لا تحمل ختم المكتبة الخاص.”
رفعت عينيها نحوي:
“لا نسمح باستعارة الكتب التي لم تُختم بعد، يجب أن أراجع المدير.”
سقط قلبي في معدتي، قلت بصوت خفيض:
“من فضلك! سأعيدها غدًا.”
“هذه سياسة المكتبة، أنا آسفة.”

“من فضلك! أنت تعرفينني حق المعرفة، لم يسبق أن استعرت شيئًا ولم أرجعه. أقسم أني سأعيدها قبل أن ينتبه أحد.”

بدت مترددة للحظات، حركت عينيها بيني وبين الأوراق، ثم تنهدت:
“فقط لأنك زبون منتظم ولديه سجل نظيف، سأسمح لك بأخذها. من فضلك، احرص على إعادتها قبل الثانية عشرة ظهرًا، سيد حسام.”
تمتمت بسرعة:
“حسنًا.”
ناولتني الأوراق وابتسمت:
“يبدو أنها قصة مشوقة.”
التقطت الأوراق بلهفة، ابتسمت:
“ليست مجرد قصة، بل حياة.”

-انتهى الجزء الأول-
-الجزء الثاني-

خلعت حذائي على عجل عند الباب، توجهت إلى المطبخ ففتحت الثلاجة، ودسست في فمي أطعمة عشوائية باردة: موزتان، ملعقة مربى، وقطعة كعك أعدتها أختي.
نادتني أمي:
“حسام، تركت لك الطعام في الفرن.”
فتحت الفرن فوجدت أرزًا بالدجاج، حملت الطبق وملعقة، وهرولت لغرفتي.
لم يكن طعم الأرز البارد جيدًا، واللحم قد فقد مذاقه واحتاج تسخينًا، زهدت في الطعام، رميت جسدي المتيبس فوق السرير، وغرقت في الأوراق من جديد:
“أوقف نون الكرسي تحت شجرة ظليلة، تخللت برودة الرياح عظامي، سألته:
“هل هناك بحر قريب من هنا؟”
“نعم، ألا تعرف أن غابة الرميلات متصلة بالبحر؟”
“لم يسبق أن زرتها. لم قررتم تفعيل المخيم ها هنا؟”
“لأنها غابة محمية، واستطعنا حجزها. كما أن بها منظرًا رائعًا وقصرًا خلابًا!”
“هل سنقضي أيامنا في القصر؟”
شخر ساخرًا:
“هذا يحتاج ملايين. لا، القصر مغلق. حصلنا فقط على الغابة.”
“أين سننام إذًا؟”
“في الخيم، أيها المدلل.”

شعرت به يجلس على بعد خطوات مني، دوى صوت سحاب الحقيبة في هدوء الغابة، ثم عقعقة كؤوس، ووصلت لأنفي روائح خافتة لمختلف الأطعمة. قلت بحدة:
“أنت لم تقل إننا سوف نتناول الفطور منفردين؟”
أجابني بهدوء:
“اليوم الأول يكون مزعجًا جدًا، إذا ما عدت فسأعلق في مهام مزعجة جدًا أنا في غنى عنها.”
“مثل ماذا؟”
“نصب الخيم، إخراج عدة الطبخ، وترتيب المجموعات. اعتبر نفسك تسدي معروفًا لهذا العبد الفقير.”
بدأ يفتح عبوات مختلفة، ازدادت رائحة الطعام حدة، ثم وصل لأنفي عبير قهوة شديد:
“قهوة أم شاي؟”
“شاي.”

صوت فتح آخر، ثم امتزجت رائحة النعناع بالقهوة، طبطب على فخذي في حركة تلقائية، فمددت يدي وأمسكت الكأس الساخن، أخذت رشفة وقلت:
“ينقصه مزيد من السكر.”
“السكر مضر بالصحة.”
“يدهشني أن هذا الكلام صادر عنك.”
قهقه بمرح، ناولني صحنًا، تلمست ما فيه فغرقت أصابعي في كعكة منفوشة مسقية، رفعت القطعة إلى فمي وميزت الطعم فورًا:
“إذًا شاي بدون سكر، وبسبوسة حلوة؟ أنت تخادع نفسك.”
حمل صوته نغمة مرحة:
“الحياة تُعاش مرة واحدة.”

أغرقني بالطعام حتى شعرت بالتخمة، مرت مدة طويلة جدًا منذ أكلت لتلك الدرجة، ربما كان الهواء السبب، ربما الغابة السبب، ربما نون السبب، وعجبت كيف أنست إليه في تلك السرعة الشديدة.

تبادلنا مواضيع عشوائية خلال الفطور، علمت منها شيئان: يتكلم نون كثيرًا، لكنه لا يتكلم عن نفسه ما لم يُقدَّم له سؤال مباشر، بل لقد كان يدفعني بطريقة غريبة للحديث عن نفسي، فرويت له عن حياتي، عن حادث السير الذي أودى بساقي، وعن عماي.

“عيناك صافيتان كالبلور، أتدري هذا؟”
ألجمني قوله، ابتسمت ابتسامة خافتة، قلت بهدوء:
“نعم، إنهما جميلتان، هذا ما يقال لي.”
شخر ساخرًا:
“لكنهما لا تعملان للأسف.”
لعجبي، ضحكت، نعم ضحكت! كان يسخر من عماي، من عينَي، لكني ضحكت.
“نعم، هذا صحيح!”
زفرت نفسًا عميقًا وقلت:
“لكني لا أبالي، أتعرف؟ لا فرق لدي إن أبصرت أم لم أفعل. لقد تألمت عندما شُللت فقط، أما قبلها، كنت أستطيع إيجاد الأشياء حتى وسط ظلمتي.”

حمل صوت نون هدوءًا عجيبًا:
“لا يشعر بالحرمان من فقد شيئًا لم يملكه.”
رنت كلماته في ذهني طوال ذلك اليوم، وأدركت أن قوله أصاب كبد الحقيقة.
عدنا أدراجنا للمخيم إثر اتصال من المدير، ولأول مرة هذا الصباح حمل صوت نون بعض الضجر، تنهد في الهاتف:
“فهمت، فهمت. أنا لم أختطفه. أوه، كف عن الصراخ بأذني! سأعيده لك فورًا، جهز مسطرتك لتقيس أطرافه.”
زفر نفسًا قويًا:
“بالله عليك! إن كنت ستكون بهذه الحساسية، لم يكن عليك أن تؤمنني مسؤوليته! إلهي العزيز، حسنًا! فهمت! اغرب عن وجهي.”

صمت بغتة، استعاد صوته مرحه المعتاد:
“لنعد للمخيم.”
“هل يتم توبيخك دومًا لأنك تختطف مرضاك؟”
أكد لي بصوت مرح:
“دومًا.”
ضحكت… وهكذا عدنا.

تركني نون وسط المخيم، وسط ضجيج الناس والثرثرة اللامتناهية، غادر وسمعت شخصًا يوبخه، ثم ابتعدا فلم أعد أستطيع التقاط الكلمات.
كنت وسط الضجيج، لكني لم أكن جزءًا منه، استندت على ذراعي وأغمضت عيني متنعّمًا بهذه الراحة التي مُنحت لي، وتصاعد بداخلي نعاس حلو لذيذ.

تناهى صوت نون إليّ وسط خمولي، ففتحت عيني، كان صوته الوحيد الذي تعرفت عليه، ربما لأني لم أتعرف إلى شخص جديد بعد.
تُركت وحيدًا لمدة طويلة، طويلة جدًا. لم يكلمني إلا بعض المشرفين في أمور أساسية. حدثنا المشرف الأساسي عن جدول التخييم الذي يستمر خمسة أيام بلياليها، أكد لنا أننا سنحظى بالرعاية اللازمة، كل حسب وضعه، وأن في طاقم العمل ممرضين أكفاء وطبيبًا، أخبرنا أن الشرطة تقوم بدورية ليلية بشكل يومي، ولا خوف علينا من أي خطر خارجي، هذا عدا أن كل شخص كان يملك مرافقًا يقف على احتياجاته.

في المجمل، أظن أننا كنا خمسة وخمسين شخصًا: خمسة وعشرون مشاركًا، خمسة وعشرون مرافقًا، والخمسة الباقون طاقم إداري.
ورغم أن عدد المرافقين ضخم، لكن اختفى أغلبهم في منتصف النهار وعلقوا في زحمة التجهيزات، بقي معنا القليل فقط ممن لاعبوا الصغار أو وقفوا على احتياجات بعضنا.. أما أنا فقد ربضت في مكاني كحجر.
نون المسكين اختطفني ليهرب من العمل، لكن العمل كان ينتظره.

غذاء اليوم الأول كان شواءً على الفحم، أشعل الطاقم نيرانًا للطبخ، ثم قسمونا لمجموعات، قُدمت لنا قفازات وأسياخ، ثم طلبوا منا أن نملأ الأسياخ باللحم.
دهشت، لم يسبق أن طُلب مني المشاركة في مثل هذه الأعمال، وجدتني متحمسًا، بدأت ألتقط قطع اللحم اللزجة، أتحسس طرف السيخ وأدس القطعة برفق، أتحسس مجددًا القطع المتراصة، وأحمل سيخًا آخر وأملؤه
.
رائحة التوابل ملأت أنفي، وشعرت ببلل التتبيلة يصل لمرفقي متجاوزًا القفازات، لذا حين انتهينا واستلمني نون لم أندهش من ضحكته الصاخبة، صاح في رفاقه:
“لدينا بشري متبل ها هنا، جاهز للشواء!”
ارتفع الضحك من حولي، نقرت بلساني، فقال:
“مد يدك، سأفرغ عليك الماء.”

دلق علي ماءً باردًا غسلت به يدي، ثم عدنا للخيمة التي خُصصت لنا.
منحني قميصًا نظيفًا وطلب مني أن أغير، ثم خرج من الخيمة وتركني.
رمشت منذهلًا، اعتادت أمي أن تضع ملابسي على الوجه الصحيح كي لا أرتديها بالمقلوب، لكن نون لم يفعل، لقد أعطاني إياه كيفما اتفق.

يتبع….

تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.

0 0 الأصوات
Article Rating

رنا رشاد

المغرب

مقالات ذات صلة

5 تعليقات
المَلِكَةُ فِكْتُورْيَا
المَلِكَةُ فِكْتُورْيَا
3 شهور

يا الله.. صدقًا تحفة فنية يا غاليتي رنا جميلة فوق الخيال اسلوبك.. وحروفك كم هي بسيطة وجميلة.. قرأنا ثلاث قصص في قصة واحدة, الاولى داخل العنوان , والثانية حياة حسام , والثالثة الفتى الاعمى والمخيم!
والأجمل من كل هذا موجودة بكل اجزاءها فلن انتظر إلا الوقت المناسب لقراءتها 😄.

موفقة غاليتي ودام تألقك ونبض قلمك🌷

Last edited 3 شهور by المَلِكَةُ فِكْتُورْيَا
نوار
نوار
3 شهور

سأنتظر باقي الأجزاء بفارغ الصبر.. ولي عودة عند نهاية القصة..
تحياتي لكِ🌷

رنا رشاد
رنا رشاد
3 شهور

أريد أن أشكر العزيزة أزيز للجهد الذي بذلته في قراءة وتحرير هذه القصة الطويلة المجهدة، واختيار هذا العنوان الرائع❤️❤️

أسماء - مديرة التحرير والنشر والإشراف بقسم الادب
الادارة
أسماء - مديرة التحرير والنشر والإشراف بقسم الادب
3 شهور

فقط؟ اين التكملة🤭؟؟
اكمليها رجاء انغمست مع الاحداث بشكل كبير، سلمت يداك على هذا الإبداع، أنتظر الجزء الثاني بشوق😌

رنا رشاد
رنا رشاد
3 شهور

سعيدة لأنها أعجبتك يا عزيزتي❤️🤭
لقد بذلت فيها جهدا كبيرا لذا يسعدني انها وجدت جمهورا.
سوف تنشر باقي الأجزاء بالتتابع إن شاء الله

زر الذهاب إلى الأعلى