زائر الفجر: رؤية جدي في المنام

بقلم: BDOOR – المملكة العربية السعودية

في عام 2020، وتحديداً في ثالث أيام شهر رمضان المبارك، بالتزامن مع أزمة الوباء العالمي، توفي جدي نظراً لكبر سنه ومعاناته مع المرض.

كيف وصلني خبر وفاته؟ كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً عندما تلقيت اتصالاً من أخي الأكبر. في البداية اعتقدت أن اتصاله مجرد مكالمة عادية، فنحن نادراً ما نتواصل عبر الهاتف. قال لي بالحرف الواحد، ولم يمهد لي الطريق أبداً، بل أعطاني الخبر المفجع دفعة واحدة: “جدي في ذمة الله، لقد توفي اليوم بعد صلاة العصر ودُفن قبل ساعة، لذا أريدكِ أن تخبري أمي عن وفاة والدها”.

أتذكر جيداً كيف أنني ظللت صامتة ولم أقل شيئاً، كنت فقط أنظر إلى السماء وأنا واقفة في فناء البيت حتى أكمل أخي الحديث قائلاً لي: “هل أنتِ معي؟”. أجبته بصوتٍ هادئ، حتى إنني لم أبكِ كما قد تتخيلون أو كما يفعل الأشخاص الطبيعيون في مثل هذه المواقف، قلت له: “نعم أنا معك، ولكنني أعتذر منك لن أخبر أمي بهذا الخبر، يجب أن تخبرها أنت لأنك الابن الأكبر”، ثم أغلقت الهاتف.

كنت خائفة جداً على مشاعر والدتي، فقبل أسبوع واحد فقط كانت تقول لي: “أريد أن أرى والدي”، لكن الإجراءات الاحترازية لأزمة كورونا كانت تمنعنا من ذلك، خاصة وأن بيته يبعد عنا مسافة تتراوح بين 80 إلى 90 كيلومتراً. اتصلتُ بأختي الكبرى في تلك اللحظة وأخبرتها بالخبر، فبدأت تهدئ من روعي لأنني كنت خائفة جداً على أمي، فالخبر لا يقوى أحدٌ على احتماله.

وبعد الانتهاء من المكالمة دخلتُ إلى البيت، وبينما كنتُ أمشي في الممر رأيتُ أمي جالسةً على الأريكة في الصالة وهي تتحدث في الهاتف. علمتُ فوراً من ملامح وجهها أن الخبر قد وصلها بلا شك، فتوقفتُ في مكاني وأنا أرتجف. ثم نظرتْ أمي إليّ بنظرةٍ ستظل محفورةً في ذاكرتي؛ نظرة الانكسار والقهر لأنها كانت تريد أن تراه قبل أن يموت.

أتذكر جيداً كيف كان أخي الصغير وأختي الصغيرة، التي تصغره بكثير، يلعبان بجوار أمي وهما يضحكان. تقدمتُ نحوها بخطواتٍ ثقيلة جداً حتى توقفتُ أمامها مباشرة. أنهت أمي الاتصال ثم رفعت نظريها إليّ وقالت: “إذن لقد وصلكِ الخبر، صحيح؟”. ثم أردفت بكلمة جعلتني أبكي بشدة مثل طفلة صغيرة، أكملت حديثها قائلة: “كل ما أردته يا بدور هو أن أراه قبل أن يموت، كنت أشعر بأنه سيذهب قريباً”.

جثوتُ على ركبتي ووضعتُ رأسي على فخذها وقلت لها: “أنا آسفة يا أمي لم أستطع أن أخبركِ، لم أستطع على ذلك”، وبدأتُ أبكي بحرقة، أصبحتُ أمامها كطفلة صغيرة. بدأت أمي تواسيني، فبدلاً من أن أكون أنا من يواسيها، أصبحت هي التي تخفف عني، وكان إخوتي الصغار ينظرون إلينا وهم لا يعلمون ما الذي يحدث بالضبط. ثم أكملت حديثها وقالت: “لقد ذهب إلى مَن هو أرحم منا يا بدور”، ثم أجهشت بالبكاء، لتمر تلك الليلة علينا جميعاً بصعوبة بالغة.

وفي اليوم التالي ذهبنا لتقديم واجب العزاء في بيت جدي، كان الوقت وقت المغرب. سلمنا على الجميع ثم بدأ الضيوف يدخلون من الباب وينهارون بالبكاء. بدأتُ أتأملهم وأنا أقول في نفسي: “كان يجب عليّ أن أبكي مثلهم، هل أنا متبلدة المشاعر أم ما الذي دهاني؟”؛ فأنا لستُ من النوع الذي يبكي بسرعة ونادراً ما أذرف الدموع.

بدأتُ أحدق في الجميع ووقعت عيني على زوجة جدي، لم تكن تبكي بل كانت تضحك، حتى إنها قالت كلمةً أمام الجميع جعلتني أنصدم من قسوة قلبها. هي معروفة بقسوتها ومنزوعٌ من قلبها الرحمة، حيث قالت بالحرف الواحد: “اسمعوا، ستكون هذه آخر زيارة لكم في بيتي ولا أريد أن أرى وجوهكم مرة أخرى، ها أنا قد قلتها لكم الآن”.

أنا صُدمتُ من ردة فعلها وكانت غاضبة جداً، نظرتُ حينها إلى أمي وكأنني أقول لها هل سمعتِ ذلك؟ في الحقيقة هي لم تكن تحبنا فعلاً ولا أعلم لماذا تعاملنا هكذا، شخصيتها صعبة جداً ومن الصعب أن تقرأها، ومزاجها متقلب للغاية. أنا منذ أن كنتُ طفلة صغيرة وحتى الآن لا أفهمها، وكانت تكرهني بشدة بلا سبب، وأنا من النوع الذي لا يحب افتعال المشاكل مع أي أحد كان، فقد تغاضيتُ عن الأمر وقلتُ لنفسي: “أنا سأؤدي واجبي نحوها ثم يذهب كل واحد منا في طريقه”.

رأيتُ خالي الذي يصغرني بسنة يدخل إلى غرفته وأخته أيضاً، ومعه أخي الذي يكبرني بثلاث سنوات، فدخلتُ معهم إلى الغرفة وسلمتُ على الجميع. بدأنا نتحدث عن مواقف مضحكة لجدي وهو والدهم، ثم نطق خالي فجأة قائلاً لي: “أنتم لم تقصروا مع أبي في شيء، نحن أبناؤه مَن قصرنا في حقه كثيراً”. حاولتُ أن ألطف الجو قليلاً ولكن دون فائدة.

وبعد ثلاث ساعات بدأ الضيوف ينصرفون واحداً تلو الآخر وحان وقت انصرافنا. ذهبت أمي لتسلم على زوجة جدي، ثم حان دوري لأسلم عليها لكنها جلست على الأرض ورفضت مصافحتي أمام الجميع! فهمتُ فوراً أنها لا تريد السلام عليّ، وفي الحقيقة لقد أحرجتني كثيراً أمام الحاضرين، حتى إن بقية الضيوف لم يسلموا عليّ، فوقفتُ وسطهم كالجدار، لذا انصرفتُ وعدنا إلى البيت.

وبعد ذلك دخلتُ في دوامة من الاكتئاب استمرت معي لمدة خمسة شهور، لأنني أعاني بشدة مع أي موقف صعب أو صدمة تمر بي ولا أتحملها. أعان الله الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب، وأرجو أن يمدّهم بالقوة لكي يتجاوزوه.

وبعد مرور شهر على وفاته جاءني في المنام، لكنه ظهر لي هذه المرة بمظهره الشبابي. كنتُ في فناء منزلهم وكان الجميع متواجدين هناك، بينما كنتُ أنا الأقرب إلى الباب. وفجأة دخل من الباب رجلٌ طويل القامة يرتدي ثوباً ناصع البياض ووجهه بشوش للغاية، مرّ بجانبي مباشرة. وفي تلك اللحظة لم أعرفه في البداية، لكنني تذكرته فوراً عندما استحضرتُ صورة قديمة رأيتها له من قبل تشبه تماماً ملامحه ومواصفاته في الحلم.

وعندما رأته إحدى بناته، والتي كان يحبها كثيراً، شعرت بالذعر وشهقت بقوة. ثم جلس متربعاً هناك على أرضية الفناء وكان يواجه زوجته وأمي، حيث كان يتحدث معهما عن شيء لم أتبينه، لكن ما جذب انتباهي حقاً هو وجود أثر يشبه كف اليد على كتفه من جهة الظهر، وكان هذا الأثر يشع باللون الأحمر من تحت الثوب. وفي الحقيقة كان جدي يعاني في أواخر أيامه من ألم مبرح في كتفه الأيسر.

ساورني الفضول وأردت أن أتأكد إن كان هو جدي في المنام، فتوجهت نحوه وسرت خلف أمي بكل هدوء، ثم أحنيت ظهري إلى الأمام وركزت نظري عليه. كان يبتسم لأمي وزوجته، وعندما تأكدت أنه هو، استيقظت من النوم وأنا مرعوبة جداً. كان الوقت يقترب من صلاة الفجر، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم ثم ذهبت لتأدية الوضوء وصليت الفجر.

وبعد ساعات من رؤيتي للحلم، وتحديداً بعد العصر في تمام الساعة الرابعة تقريباً، زارنا أخي الذي يكبرني بثلاث سنوات، فحكيت لهم عن موضوع رؤيته في المنام وشرحت لهم كافة التفاصيل، وبالذات أمي فقد كانت سعيدة جداً لأنها كانت تتمنى أن تقابله قبل وفاته، ورأت أن تفاصيل الرؤيا تبشر بالخير. وفعلاً كان جدي قبل أن يتوفى قد أخبر الجميع بأنه راضٍ كل الرضا عن أمي وأوصاهم قائلاً: “أوصلوا سلامي لها”، لهذا السبب شعرت أمي بالطمأنينة.

لكن ما يجول في خاطري ويشغل تفكيري هو: ما الشيء الذي كان يتحدث عنه جدي أمام أمي وزوجته وجعله يبتسم بتلك الطريقة؟

تحرير، تدقيق وإشراف: رنين.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

guest
0 تعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x