أين الجميع؟ ساعة الصفر في مقبرة الحضارات

في صيف عام 1950، داخل أسوار مختبر لوس ألاموس، حيث كانت أصداء انفجارات هيروشيما لا تزال تتردد في ضمائر العلماء كذنبٍ لا يُغفر، اجتمع أربعة رجال حول طاولة غداء. كانت محادثتهم تدور حول الأطباق الطائرة، خفيفة وعابرة، كأي حديث صغير بين عباقرة يحاولون نسيان أنهم صنعوا للتو السّلاح الذي قد ينهي كل شيء.

ثم عندها فجأة تمتم الفيزيائي إنريكو فيرمي بسؤال لم يكن يقصد به أن يثقب جمجمة البشرية لعقود قادمة: “حسناً… أين الجميع؟”

لم يكن سؤاله مجرد فضولٍ عابر. بل كان تناقضاً حاداً، شفرة غُرِست في خاصرة منطقنا ولا تزال تنزف حتى اللحظة. التناقض بين الرقم الهائل الذي يقول “يجب أن يكون هناك آخرون” وبين الصفر المطلق الذي يقول “لا أحد”. أحد الرقمين يكذب. والمشكلة أن كلاهما يبدو صادقاً.

لنتأمل هذين الرقمين معاً: في مجرتنا وحدها مئات المليارات من النجوم. حول كثير منها كواكب. وفي الكون المرئي تريليونات المجرات. الأرقام هنا تتجاوز قدرة الدماغ البشري على الإحساس بها؛ ومع هذا الكمّ المهول من الفرص، من التذاكر المسحوبة في يانصيب الحياة الكوني، ماذا نسمع حين نوجّه آذاننا العملاقة إلى السماء؟ لا شيء.

صمت تام. رهيب. فاجر في هدوئه. كأن تدخل قصراً مهجوراً وجدت بابهُ مفتوحاً، تجد على الطاولات أطباقاً نصف ممتلئة، كؤوس نبيذ لم تفرغ بعد، وشموع لا تزال تذرف شمعها. كل شيء يشير إلى أن أحداً كان هنا منذ لحظات. لكن لا أحد. لا أحد على الإطلاق. كيف يكون الكون هكذا… فارغاً؟ أين ذهبوا؟ ولماذا تركوا كل هذا الطعام يبرد؟

معادلة دريك: معادلة العزلة

blank

في عام 1961، حاول فرانك دريك أن يهدّئ من روعنا. حاول أن يروّض الرعب بالرياضيات كما يفعل البشر دائماً حين يخافون، يلوّحون بالأرقام كتعويذة. صاغ معادلته الشهيرة.

سبعة متغيرات مرتبة بأناقة رياضية. سبعة أبواب يجب فتحها لنعرف كم حضارة ذكية ينبغي أن تكون موجودة في مجرتنا، قادرة على التواصل معنا. ضع في المعادلة أرقاماً متفائلة، تحصل على ملايين الحضارات. ضع أرقاماً واقعية، تحصل على الآلاف. ضع أرقاماً متشائمة… تحصل على واحد. نحن.

والساخر في الأمر، أن كل هذا البناء الرياضي، وكل هذه المتغيرات السبعة، تتوقف في نهايتها على سؤال بسيط: كم تعيش الحضارات قبل أن تنهار؟ والإشارات التي نلتقطها من السماء تخبرنا، بصمتها المُهين، أن الإجابة، كما يبدو، ليست طويلة.

المعادلة، في جوهرها، ليست معادلة أمل. بل هي صكّ عزلة موقّع بلغة الجبر. الطريقة المهذّبة التي يقول بها العلم: “ربما أنتم وحدكم، أوالأسوأ من ذلك، رُبما لستم وحدكم.”

المرشح العظيم: حيث تموت الحضارات

blank

الفكرة التي طرحها الاقتصادي روبن هانسون في التسعينيات، بسيطة وفظيعة بما يكفي لتجعلك تفقد شهيتك لبقية حياتك.

تخيل سباقاً للحياة. ملايير المتسابقين انطلقوا من خط البداية قبل مليارات السنين. لكن بين خط البداية والنهاية، توجد بوابة ضيقة. بوابة لا يمرّ منها إلا واحد من كل بليون.

هذا هو المرشح العظيم: منشارٌ ضخمٌ، صدئٌ، معلّقٌ في مكان ما على طول مسار التطور الكوني. كل حضارة، كل خلية وكل حلم بالنجوم، يجب أن يمرّ تحت أسنانه، وهذا المنشار هو الحاجز الذي يسحق الأغلبية الساحقة قبل أن تصل إلى مرحلة تستطيع فيها أن تطرق باب جيرانها الكونيين.

والسؤال الوحيد الذي يهمّ في هذه اللحظة هو: هل الحاجز خلفنا، أم لا يزال أمامنا؟

السيناريو الأول: المرشح خلفنا ونحن المعجزة السعيدة/الملعونة

ربما، فقط ربما، تجاوزنا بالفعل المرحلة شبه المستحيلة. ربما كانت أول خلية حية – تلك القفزة المجنونة من الكيمياء إلى البيولوجيا، من الموت إلى الحياة – حدثاً نادراً إلى درجة أنها لم تتكرر في أي مكان آخر، حدثاً كونياً يحدث مرة كل تريليون كوكب. أو ربما مرة في كل عشر مجرات. أو ربما مرة واحدة فقط، في الكون كله. ونحن تلك المرة.

ناجون من احتمالية إحصائية تجعل الفوز باليانصيب مئة مرة متتالية يبدو أمراً روتينياً. ربما نحن الشذوذ. الخطأ الجميل في معادلة الكون. الجنين الذي لم يكن يجب أن يولد، لكنه وُلد.

وهذا قد يبدوا كخبر سار، لكن الخبر الكارثي هو أننا هنا وحدنا. وحدنا لدرجة أن الكلمة “وحدنا” تحتاج إلى اختراع لغة جديدة لتوصيفها. كأن تستيقظ من غيبوبة لتجد نفسك الناجي الوحيد من جنس بشري كامل. ثم تخرج إلى الشارع. فتصرخ في الميكروفونات. ولا أحد يجيب. ثم تكتشف أن الشارع نفسه يمتد إلى ما لا نهاية. وأن كل المدن فارغة. وأن صداك لن يصل إلى أحد، لأنه ببساطة، لا يوجد أحد.

نحن المعجزة، نعم. لكن المعجزة، حين تكون وحيدة، تصبح أشبه بلعنة.

السيناريو الثاني: المرشح أمامنا والمنشار يصرّ

هذا السيناريو، يا صديقي، افتراضه بسيط للغاية. ماذا لو لم نعبر البوابة بعد؟ ماذا لو كانت البوابة لا تزال أمامنا، تنتظر، بصبر من شهد ملايين الضحايا قبلنا؟

ماذا لو أن كل الحضارات التي وصلت إلى مستوى تِقني مشابه لمستوانا؛ تلك القدرة المخيفة على شطر الذرة، تطوير ذكاء اصطناعي، تعديل الجينات واستكشاف الفضاء، كل حضارة تبلغ مستوانا التقني تَفني نفسها خلال قرون قليلة. ليس لأن الكون قاسٍ. الكون لا يكترث أصلاً. بل هو لا يكرهنا حتى، الحضارات تموت لأنها، عند مرحلة معينة من التطور، تطوّر القدرة على قتل نفسها قبل أن تطوّر الحكمة لتفادي ذلك. لأن كل حضارة، على ما يبدو، تصل إلى نفس المفترق: ذكاء يكفي لصنع السكين، ولا يكفي للامتناع عن غرسها في حلقها. القوة والحكمة لا تنموان بالضرورة بنفس المعدل. القوة تنمو أسرع دائماً.

تخيّل فقط: حضارة تطوّر قنبلة هيدروجينية، ثم تستيقظ ذات صباح على رئيس مصاب بنزلة برد ومزاج سيئ. حضارة تطوّر ذكاءً اصطناعياً يفوقها ألف مرة، فيقرر بعد سبع ثوانٍ من التفكير أن البشر مشكلة. حضارة تعدّل جيناتها لتعيش أطول، فتخلق فيروساً لا يستثني أحداً. وكل حضارة تظنّ أنها ستكون الاستثناء. كلها. حتى آخر صرخة.

وحين نرفع رؤوسنا إلى السماء ونسأل “أين الجميع؟”، فلا تستغرب إن كان ردها: “كانوا حيث أنتم الآن. كانوا تماماً حيث أنتم الآن.”

حلول أخرى: كلها تفتح باباً إلى هاوية مختلفة

إذا لم تقتنع بفرضية المرشح العظيم، فلا بأس بذلك. هناك أبواب أخرى يمكنك أن تفتحها. كلها تفتح على هاويات. اختر هاويتك المفضلة.

فرضية حديقة الحيوان: نحن لسنا وحدنا. نحن مُراقبون

blank

تخيل أن حضارات متقدمة جداً تعرف بوجودنا. تعرفنا منذ آلاف السنين. لكنها لا تتواصل معنا، تماماً كما لا نتواصل نحن مع النمل في حديقة المنزل. تراقبنا من مسافة آمنة، تماماً كما تقف أنت أمام مربى زجاجي، تراقب النمل وهو يحمل فتات الخبز ويبني إمبراطورياته الصغيرة المثيرة للشفقة، دون أن تشعر بأدنى رغبة في إجراء محادثة فلسفية معه. لسنا أعداءهم. ولسنا أصدقاءهم. هُم فقط، قرروا — بحكمة نتخيلها راقية وربما هي مجرد برود متعجرف — أننا “غير مؤهلين” للتواصل.

تخيل الإهانة بكامل أبعادها، كل إنجازاتنا ليست في نظرهم إلا نملة تجرّ فتاتاً أكبر منها بقليل. ليست المسألة عداوة. بل أسوأ: غير مُهمّين بتاتاً. نحن لم نجتز اختبار القبول الذي لا نعرف حتى أنه يُعقد.

حضارتنا بكل صخبها — ثوراتها وجوائزها للسلام التي تُمنح بين حربين — تُعرض هناك، خلف زجاج كوني، تحت لافتة صغيرة ربما كُتب عليها: “نوع فتيّ، عدواني، واعد بحذر شديد. يُرجى عدم إطعامه.” والمضحك أننا نموّل المتحف بأنفسنا؛ نبني التلسكوبات ونوجهها نحو الزوّار، فيسجّل أحدهم في دفتره: “انظروا، بدأت تنتبه. كم هذا مؤثر.”

فرضية الانتحار الكوني: العدم بالإجماع

blank

ماذا لو أن الوعي، حين يبلغ عمقاً كافياً من الإدراك، ينتهي دائماً إلى النتيجة ذاتها؟

الفرضية: كل الحضارات الذكية عندما تصل إلى مستوى كافٍ من الإدراك تصطدم بحقيقة وجودية كافية لإغلاق الباب من الداخل. إما أنها تكتشف أننا في محاكاة رخيصة. أو انها تكتشف أن الوعي نفسه مرض، طفيلي يلتصق بالمادة ويسبب لها الألم. أو تحسب مصير الكون وتسأل: لماذا أصلاً؟ أو شيء آخر لم نبلغ بعد مستوى الألم اللازم لتخيّله.

نحن نتحدث عادةً عن الانتحار كأزمة نفسية فردية. لكن ماذا لو كان في الطيف التطوري للوعي نقطة تنتهي عندها كل الحسابات؟ ربما، حين يتطوّر الوعي الجماعي بما يكفي، يفكّر ويقرّر بهدوءٍ وبإجماع — كحكم منطقي بارد، لا كانهيار عاطفي — أن اللاوجود أفضل. أن الاستمرار في اللعبة، وقد عُرفت نهايتها، نوع من العذاب الذي لا يليق بكائن عاقل.

ليس انتحاراً جماعياً صاخباً. بل انسحاباً هادئاً، مهذباً، شبه أنيق. كضيف يدرك أن الحفلة لم تكن مقصودة له، فيغلق الباب خلفه بلطف، دون أن يلتفت.

ونحن؟ نحن لا نزال نصخب. وهذا ربما دليل على أننا لم نصل بعد إلى المستوى الكافي من الفهم. أو ربما هو دليل على شيء أسوأ، أننا أغبياء جداً لكي نقلق.

فرضية المحاكاة: الكون كخلفية منخفضة الدقة

blank

الفكرة نفسها ليست جديدة، لكنها تكتسب وجهاً جديداً حين تطبّقها هنا. الفكرة التي صاغها الفيلسوف نيك بوستروم بشكلها الحديث؛ نحن نعيش داخل محاكاة حاسوبية. ليس مجازاً بل حرفياً.

ولأن موارد المعالج محدودة، فالمحاكاة لا تحاكي إلا “نحن” فقط. بقية الكون – تلك المليارات من المجرات – مجرد خلفية منخفضة الدقة، ورق جدران رخيص مرسومة عليه نجوم، يكفي لإيهامنا بالاتساع. لماذا تحسب مجرةً كاملة بدقة عالية؟ إذا كان المستخدمون — نحن — لن يغادروا حيّهم أبداً. النجوم البعيدة؟ بكسلات.

مفارقة فيرمي؟ ليست مفارقة، بل توفير في الذاكرة. لم يصمم المُبرمج كائنات أخرى لأنه ببساطة لم يكن مهتماً. ولهذا السماء صامتة. لأنه لا يوجد أحد هناك. لا توجد “هناك” أصلاً.

حين توجّه تلسكوبك نحو النجوم، فأنت كطفل يفتح ظهر التلفاز باحثاً عن الناس الصغار الذين رآهم على الشاشة. وحين لا تجدهم، تظنّ أنهم اختبأوا. لكنهم لم يكونوا هناك قطّ.

فرضية العزلة المقصودة: بروتوكول الصمت الكوني

blank

الحضارات المتقدمة تعزل نفسها عمداً. ليس خوفاً بالضرورة، بل لأنها اكتشفت، بعد ملايين السنين من التجارب الفاشلة، درساً دفعوا ثمنه غالياً… أن التواصل بين الحضارات سمّ. ربما جرّبوه في ماضيهم السحيق، فحصدوا حروباً أبادت أنواعاً كاملة، أو أفكاراً معدية تنتقل عبر الرسائل وتأكل العقول المستقبِلة من الداخل كالسوس.

تخيّل رسالة أتت من حضارة أخرى. تخيّل أن هذه الرسالة تحتوي على شيء فهمه كل من استمع وأودى بهم جميعاً. أو ببساطة أكثر: ربما مجرد الاتصال يحفّز ديناميكيات لا يمكن السيطرة عليها. وفي هذه الحالة، يظهر الصمت كحل وليس كجُبن. كمعيار. اتفاقية كونية غير مكتوبة — عمرها مليارات السنين — كتبها من تعلّموا الدرس بأثمان باهظة جداً. بأثمان لا نملك المرجع لتقديرها.

“اتركوا الصغار. دعوهم يكبرون. أو يموتوا وحدهم. لكن لا تتدخلوا.”

ونحن، الأطفال الذين يطالبون بالاهتمام، الذين يطلقون البالونات الراديوية في كل اتجاه ويصرخون “انظروا إلينا!”، لا ندرك أن الكبار يتجاهلوننا عمداً. ليس قسوة. بل رحمة. رحمة من نوع لا نفهمه بعد.

فرضية الغابة المظلمة: يُعدم فيها من يعطس

blank

هذه الفرضية يا صديقي هي الأكثر إقناعاً. والأكثر إرعاباً. وهذا ما يجعلها مزعجة بشكل حقيقي.

تخيل غابة. مظلمة. لا تكاد ترى يدك أمام وجهك. وأنت تعلم – تعلم يقيناً – أن في هذه الغابة صيادين آخرين. مسلحين. جائعين. صيادون لا يعرفون من أنت، ولا يستطيعون أن يثقوا بك حتى لو أرادوا. ماذا تفعل؟ تصمت. تصمت بكل قواك. تكتم أنفاسك. تُطفئ كل ضوء. لأن أي صوت وأي ومضة، أي إشارة، ستكلفك وجودك.

هذا هو قانون الغابة الأساسي، كما صاغه ليو تسيشين ببراعة قاسية في ثلاثيته “مسألة الأجسام الثلاثة”: أي حضارة تكتشف وجود حضارة أخرى يجب عليها تدميرها فوراً. ليس لأنها شريرة. بل لأن الاختيار العقلاني الوحيد في غياب الثقة هو الضربة الاستباقية.

منطق صارم ومُريع يقوم على ركيزتين باردتين:

  • أولاً: لأن الثقة بين حضارتين غريبتين مستحيلة بنيوياً، أنت لا تستطيع، تحت أي ظرف، أن تعرف نوايا الكائن الآخر. الآخر مختلف عنك بيولوجياً، معرفياً، ثقافياً. اختلافاً قد يجعل مفهوم “التعاون” غير موجود في قاموسه أصلاً. إذا تركته ينمو، وكانت نواياه عدائية، فستكون قد وقّعت حكم إعدامك. إذا دمّرته الآن، فلربما قتلت حضارة كانت ستصبح حليفة. لكنك على الأقل لا تزال حياً لتندم.
  • ثانياً: انفجار التكنولوجيا غير متوقع. الحضارة التي تبدو متخلّفة اليوم قد تتجاوزك خلال قرن واحد. وحين تتجاوزك، ستفعل بك ما كنت أنت ستفعله بها لو امتلكت القوة.

لذا، في هذه الغابة الكونية، الجميع صامت. الجميع يختبئ.

ونحن؟ منذ عقود، نبثّ موقعنا في كل الاتجاهات. موجات راديو، رسائل موجهة عمداً إلى تجمعات نجمية، أقراص ذهبية عليها خرائط تشير إلى كوكبنا بالضبط. في غابة الصيادين الصامتين، نحن الطفل الذي يركض بين الأشجار يحمل مصباحاً، يقرع طبلاً ويصيح بأعلى صوته: “أنا هنا! أنا هنا! تعالوا العبوا معي!”

في غابةٍ صيادوها يقتلون على الهمسة، نحن نقيم حفلاً صاخباً بالألعاب النارية ونوزع دعوات تحمل إحداثياتنا. فإذا كانت الغابة حقيقية، فالصمت الذي نسمعه ليس فراغاً. إنه أنفاسٌ محبوسة. أنفاسُ من يراقب الأحمق الراقص في العراء، ويتردد فقط في أمر واحد: هل يستحق رصاصة، أم أن غباءه سيتكفل بالمهمة مجاناً؟

خاتمة: الباب الذي فُتح منذ زمن طويل

كل هذا الوقت، كنا نحدّق في السماء. نثبّت أطباقنا الراديوية باتجاه النجوم. نرسل رسائل محفورة على أقراص ذهبية، أقراص ستطفو في الفراغ حتى تنطفئ آخر شمس. ندفع مليارات الدولارات لتلسكوبات حتى تنظر إلى أبعد نقطة في الكون. ونسأل بسذاجة: “أين الجميع؟”

وقد رأينا الإجابات الممكنة: إما أننا وحدنا؛ معجزةٌ وحيدة في قاعة فارغة. أو أن الحاجز أمامنا والعدّ التنازلي قد بدأ. أو أننا نملةٌ خلف زجاج، أو بكسلٌ في محاكاة، أو طفلٌ يصرخ في غابةٍ صيادوها صامتون.

ولنسمح لأنفسنا الآن، في السطور الأخيرة، بشطحة خيالٍ خالصة؛ لا فرضية علمية، بل سؤال يليق بقصة رعب أكثر مما يليق بورقة بحثية، ماذا لو كان السؤال الذي يجب أن يسأله كل عاقل ليس “أين الجميع؟”… بل: “إذا كانوا قد مروا هنا بالفعل… فلماذا تركونا أحياء؟”

انشغلنا بالنظر للأعلى ونسينا أن ننظر إلى الأسفل. نسينا أن ننظر حولنا. نسينا أن نتفحص جدران غرفتنا، ما إذا كانت تلك الظلال على الحائط هي ظلالنا حقاً، أم ظلال شيء آخر يقف خلفنا.

blank

ماذا لو كانت زيارتهم السابقة لم تكن ودية كما تروي الأساطير؟ ماذا لو كانت تلك “الآلهة” التي نزلت من السماء في كل أسطورة قديمة، ليست آلهة على الإطلاق؟ ماذا لو كانوا هنا، نظروا إلينا، ثم قرروا أننا لا نستحق البقاء؟ ثم غيّروا رأيهم؟ … أو لم يغيروه.

أو ربما الأسوأ، ماذا لو كانوا لا يزالون هنا؟ يراقبون. يسجلون. يدوّنون. ينتظرون، ينتظرون أن نصل إلى مستوى معين من التطوّر… مستوى يكون فيه تدميرنا أكثر… متعة؟ أو أكثر فائدة؟ أو أكثر لذة.

نحن ننظر إلى السماء ونسأل، بصوت متهدّج: “أين أنتم؟” ربما الإجابة تهمس من تحت أقدامنا:

“كنا هنا طوال الوقت. وأنتم لم تلاحظوا. والسؤال الآن ليس أين نحن. السؤال هو: متى سنقرر أن نكشف عن أنفسنا مرة أخرى؟”

وهذا، يا عزيزي القارئ، حديثٌ آخر. سؤال آخر يستحقّ مقالاً كاملاً وحده، بأدلّته وأساطيره وألغازِه.

تنسيق وإشراف: رنين.

5 2 الأصوات
Article Rating
المصدر
britannicasciencealertwikipediaويكيبيديا فرضة الغابة المظلمةويكيبيديا فرضية المحاكاة

mehdi ontiti

المغرب

مقالات ذات صلة

guest
6 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
احمد علي
احمد علي
5 ساعة

توقعت ان من كتب مقالا كهذا شخصا مميزا صادفته هنا من قبل ، المملكة المغربية بها بشرا مميزون وخارقون للطبيعة ايضا، مثلك تماما صديقي المهدي، صراحة لقد فسرت الامر كثيرا في مقالك وبشكل اكثر من رائع، بالنسبة للموضوع لدي فرضية ونظرية خاصة تبناها العطار هنا من قبل من خلال احد مقالاتي..

تلك الكائنات لا تعلم بوجودنا ولم تكتشف وجود الارض بعد، لان مجرة درب التبانة لاتوجد فيها حياة عاقلة سوي البشر فقط، الفارق بيننا وبينهم ليس كواكب، بل مجرات كونية، لهذا يصعب الوصول الينا، انت تعرف كيف تسير الامور وتعرف جيدا كمميز فريد ماهي الابعاد الكونية، الوصول لمجرة اخري مستحيلا للغاية بالنسبة للبشر، وامرا شاقا للغاية بالنسبة للكائنات العلوية الاخري، لهذا كوكبنا في أمان من غزو خارجي، لكن بالتاكيد لو حدث هذا الوصول ، او لو فكرت تلك الكائنات في الامر ستكون الامور كارثية للغاية علي الارض، وسينقرض البشر، هذا لانهم علي السلم الغذائي الكوني مجرد فريسة لا حول لها ولا قوة امام مفترسات عاقلة اخري لو وصلت للارض عن طريق الصدفة ستبيد البشر بكل تاكيد وربما تنسف الكوكب برمته لو ارادت.. عمت مساءا مهدي

بنت بحرى
بنت بحرى
20 ساعة

لا احب الفيزياء وكانت السبب الرئيسى فى تغير مسارى من القسم العلمى للقسم الادبى…كنت اذاكر نظريات نيوتن على مضض قائلة (كان لازم تقعد تحت شجرة التفاح.. وكان لازم التفاحة تسقط عليك 😂)فثمرة تفاح واحدة كانت سببا فى صداع فيزيائى لا ينتهى 😥

ولم يكن نيوتن وحده عدوى اللدود بل جاء بعده أينشتاين نظريته النسبية ليقضي على ما تبقى من سلامى النفسي..كنت أدرس معادلاته وأنا اردد قائلة (​ياعم روح دور على مشط سرح شعرك الاول المتمرد على قانون الجاذبية بدل المنظر دة)😏
أينشتاين بشعره المنفوش الذي يتحدى المنطق و الجاذبية وملابسه الفوضوية كان يثبت لي يوميا أن الفيزياء تصيب صاحبها بالعته وما يشبه المس ..لذا حزمت حقائبي وقررت الفرار الى الأدب.. حيث الشعراء لا يصففون قصائدهم فقط بل شعرهم ايضا وهذا هو المهم 🥰

كثيرا ما تخيلت اننا بالفعل داخل قفص زجاجي كبير ضخم يسمى الكرة الأرضية…وأن هناك كائنات بالاعلى فى مكان ما…تجلس مرتدية ملابس مريحة…بيجامة فضائية مثلا.. وأمامها طبق يشبه الطبق الطائر لكن ممتلأ بالفشار الفضائى.. تجلس وتشاهد بذهول بؤسنا اليومى …وصراعتنا.. والجرائم التى نرتكبها فى حق بعضنا البعض..كيف ستكون نظرة تلك الكائنات الينا…اعتقد انها ستكون نظرة اشمئزاز واحتقار… وتعجب من نظرة البشر لأنفسهم بأنهم متميزون وهم فى الحقيقة لا شئ.. هؤلاء المشاهدون الفضائيون لن يشعروا بالملل ابدا (مع سكان الأرض مش هتقدر تغمض عنيك) جرائم على كل الاشكال والالوان…مجرمون من كافة الفئات والجنسيات…يكفيهم ان يتابعوا تويتات الرجل البرتقالى ليشعروا بالإثارة وتنتابهم نوبات من الضحك الهستيري ☹️

سلمت يداك اخى الكريم
فى انتظار جديدك 🌹
سلام 🌹

mehdi ontiti
mehdi ontiti
15 ساعة
ردّ على  بنت بحرى

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بنت بحرى، اسمك وحده يوحي أنك هربتِ ليس فقط من الفيزياء بل من اليابسة نفسها، فالفيزياء يا صديقتي تحاول أن تقنعنا أن الكون مفهوم بينما الأدب يعترف من الباب أنه ليس سوى ضجة جميلة فوق بحر من اللا معنى. أما الفضائيين الذين ذكرتي وهم يرتدون بيجامات ويتفرجون علينا بالفشار، فهو ليس هروباً من الفيزياء بل هو الفيزياء الحقيقية بعينها، الجاذبية التي تجذب الفشار إلى أفواههم بينما تجذبنا نحن إلى حماقاتنا كأننا في مسرحية لا أحد كتبها. أعتقد أن الفضائيين لن يشعروا بالملل أبداً، لكنهم سيتعبون من كثر الضحك لدرجة أن أحدهم سيقترح قائلا “فليطفأ أحدما التلفاز، ذلك البرتقالي سيصيبني بجلطة”، فيرد عليه زميله ممتلئاً بالفشار “أنت محق في هذه سريليون، لو كان الجحيم له باب، هههه لكان هذا أول من يطرقه بسؤال: هل هناك أطفال هنا؟”.
شكرا لوقفتك وتعليقك ودمت آمنة سالمة.

بنت بحرى
بنت بحرى
8 ساعة
ردّ على  mehdi ontiti

🌹🌹🌹🌹🌹

Wave Manipulator
Wave Manipulator
20 ساعة

The wanted is within 🙀
آخ يا عقلي ان هذا المقال تقرأه بثلاث؛ العينان والقلب والعقل، نحتاج فعلًا أن نصفع قلوبنا كي نعمّق بحثنا داخل كوامِنِنا، سأكون سعيدًا لو تطوّع فضائيّون لإنقاذ البشريّة مثل بروميثيوس!

مقال رائع وساحر إنّه مُلهِم جِدًّا 🥹✨️🌹

mehdi ontiti
mehdi ontiti
15 ساعة
ردّ على  Wave Manipulator

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
شكراً لتعليقك الكريم الذي لو تمعنت فيه قليلا، لأدركت أن الفضائيين لو تطوعوا لإنقاذنا حقا، كما تأمل، فسيكون رد فعلهم أشبه برد فعل كولومبوس حين وطئت قدماه الشاطئ الجديد0 ابتسامة عريضة تليها قائمة طويلة بأسماء مقابر لا تحصى. متحمسون لفكرة أنهم سيأتون حاملين الحلول، لكن التاريخ علمنا أن الحل الوحيد الذي يقدمه القادمون من مكان بعيد هو حل لمشكلة وجودنا ذاته. يا له من مكان لطيف، يا لها من موارد، يا لها من فرصة رائعة لإبادة السكان الأصليين بدافع ‘حمل الحضارة” ثم يشعرو بقليل من الندم، لكن الندم هنا لن يكون على قتلنا بل على أنهم لم يأتوا مبكراً.
المهم يا صديقي، الفارق الوحيد أن كولومبوس احتاج إلى بضع سنوات ليُفني ما يُفنى، أما هم فقد ينهو المهمة خلال ربع ساعة.
دمت آمنا سالما، وشكرا لتعليقك الطيب مرة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى
6
0
Would love your thoughts, please comment.x