عالم الفصام في داخلي

أَقِفُ هُنا، فِي المَسَافَةِ الضَّيِّقَةِ مَا بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالسَّرَابِ، حَيْثُ يَنْسَلُّ العَالَمُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِي كَحُفْنَةِ رَمْلٍ نَاعِمَةٍ. لَا تَسْأَلْنِي مَنْ أَنَا، فَأَنَا لَسْتُ «وَاحِدًا» بِالمَعْنَى الَّذِي تَعْهَدُهُ، وَلَسْتُ «جَمَاعَةً» كَمَا تَظُنُّ؛ أَنَا مُجَرَّدُ سُكُونٍ صَاخِبٍ، وَمِرْآةٍ تَشَقَّقَتْ فَصَارَتْ تَعْكِسُ وُجُوهَ العَابِرِينَ وَأَصْدَاءَ حِكَايَاتٍ لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ.
يَقُولُونَ إِنَّهُ «انْفِصَامٌ»، وَأَقُولُ إِنَّهُ «انْهِمَارٌ». انْهِمَارُ الأَصْوَاتِ فِي وَقْتٍ جَفَّ فِيهِ الكَلَامُ، وَازْدِحَامُ الوُجُوهِ فِي غُرْفَةٍ لَا يَسْكُنُهَا سِوَايَ. هَلْ جَرَّبْتَ يَوْمًا أَنْ تَسْمَعَ هَمْسَ الجُدْرَانِ؟ أَوْ أَنْ تَرَى فِي عُيُونِ الغُرَبَاءِ شِيفْرَاتٍ مُقَدَّسَةً كُتِبَتْ لَكَ وَحْدَكَ؟ فِي عَالَمِي، الصَّمْتُ لَهُ حَفِيفٌ، وَالنَّظَرَاتُ لَهَا أَنْيَابٌ، وَالوَاقِعُ مُجَرَّدُ قِشْرَةٍ رَقِيقَةٍ يَسْهُلُ خَدْشُهَا لِتَطِلَّ مِنْهَا عَوَالِمُ مُوَازِيَةٌ لَا يَسْكُنُهَا إِلَّا الخَوْفُ… وَالدَّهْشَةُ.
أَحْيَانًا، أَشْعُرُ كَأَنَّنِي أَجْلِسُ فِي قَاعَةِ سِينِمَا كُبْرَى، شَاشَتُهَا هِيَ عَيْنَايَ، لَكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ جِهَازَ التَّحَكُّمِ. تَمُرُّ المَشَاهِدُ مُشَوَّشَةً، تَتَدَاخَلُ فِيهَا ذِكْرَيَاتُ الطُّفُولَةِ بِبَرِيقِ النُّجُومِ، وَتَخْتَلِطُ فِيهَا ضَحِكَاتُ العَائِلَةِ بِصَرَخَاتٍ تَأْتِي مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ. أُحَاوِلُ أَنْ أَمُدَّ يَدِي لِأُمْسِكَ بِـ«الآنِ»، لَكِنَّ «الآنَ» يَهْرُبُ مِنِّي، وَيَتْرُكُنِي وَحِيدًا فِي مَمَرَّاتِ ذِهْنِي المُظْلِمَةِ، أُفَتِّشُ عَنْ فَتِيلِ شَمْعَةٍ يُسَمَّى «المَنْطِقَ».
أَنَا لَا أَعِيشُ فِي عَالَمَيْنِ، أَنَا أَعِيشُ فِي «تَشَظِّي» العَالَمِ الوَاحِدِ. أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أُخْبِرَكُمْ أَنَّ وَرَاءَ هَذَا الشُّرُودِ الطَّوِيلِ، وَهَذَا الذُّعْرِ المُفَاجِئِ مِنْ أَشْيَاءَ لَا تَرَوْنَهَا، قَلْبًا يَنْبِضُ بِصِدْقٍ، وَرُوحًا تُقَاتِلُ كُلَّ يَوْمٍ لِتَسْتَعِيدَ حِصَّتَهَا مِنَ الضَّوْءِ. أَنَا لَسْتُ مَرَضًا يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْنِ، أَنَا حِكَايَةٌ تَعَثَّرَتْ فِي طَرِيقِهَا نَحْوَ الوُضُوحِ، وَمَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنْ خَيْطِ الحَقِيقَةِ الَّذِي يَرْبِطُنِي بِأَيْدِيكُمْ، كَيْ لَا أَضِيعَ تَمَامًا فِي زِحَامِ ظِلَالِي.
لَا تَخَافُوا مِنْ صَمْتِي، وَلَا تَفْزَعُوا مِنْ حِوَارِي مَعَ الفَرَاغِ… فَالفَرَاغُ فِي عَالَمِي مُمتَلِئٌ جِدًّا، لِدَرَجَةٍ أَنَّهَا تَضِيقُ بِيَ الأَرْصِفَةُ. أَنَا فَقَطْ مُسَافِرٌ أَضَاعَ خَرِيطَتَهُ، وَيَحْتَاجُ لِيَدٍ دَافِئَةٍ تَهْمِسُ لَهُ فِي كُلِّ حِينٍ: «أَنْتَ هُنَا… أَنْتَ حَقِيقِيٌّ… وَأَنْتَ لَسْتَ وَحْدَكَ».
حرر بجهود مشكورة لرئيس قسم الشعر والخواطر: صخر ( الظل الأخير ).
مراجعة وإشراف: أزيز الصمت.
واووو، تغيير كبير جدا في مواضيع الموقع، حتي تلك المتعلقة بالاقسام الجديدة، تلك الفترة دافءة للغاية ومن افضل الفترات التي حضرت فيها في كابوس، تحوي اشخاصا مميزون ولبقون للغاية، انا سعيدا جدا لانني بينكم حقا.. عمت مساءا
جميل جدآ أبداع احسنتم 😭انا ابكي لااحد يسالني لماذا أبكي:شكرآ
يا الله جميل جدا
ماشاء الله موضوع شيق الغوص في الذات موضوع يحتاج لكثير من التحليل من مختلف الجوانب لان النفسىالبشرية من اعقد ما خلق الله احسنتما الطرح والنشر صخر وازيز.
اتوقع كلنا نعاني من متلازمة جمع الاضداد في عقل واحد ف لازم نكون كذا حتى تكتمل بشريتنا،،،،