فجر الحضارة المصرية -3-: الملك توت عنخ آمون.. لغز الحياة، أسرار الموت

هل كان حقاً مجرد مراهق عندما وافته المنية؟ ، وهل كان ضعيفاً في حكمه لإمبراطورية مصر العظيمة؟ هل كان الوريث الأخير لعائلة قوية و طواه النسيان؟ مات مقتولاً؟ حادث صيد؟ كثرة الأسئلة تثير الشك حول أحد أشهر فراعنة مصر ( توت عنخ آمون ) .
الاكتشاف الأول لتوت عنخ آمون ..

العام ١٩٢٢ ، صحراء واسعة تخفي ألف سر و سر . لهيب شمسٍ ملتهبة . رياح غاضبة . و هوارد كارتر . العالم الذي شوه دون قصد ، كما اكتشف دون قصد ، أعظم مقبرة ملكية متكاملة لملك قيل بأن النسيان قد طواه .
دخل كارتر المقبرة المخفية بحرفية في ( وادي الملوك ) . ذُهِل الرجل مما رآه ، غرف ممتلئة حتى سقفها بالذهب الخالص ، وثلاث توابيت تخفي داخلها مومياء الفرعون توت عنخ آمون .
و لأجل عدم السماح للصوص الآثار بسرقتها ، قام لربما بأغبى تصرف على الإطلاق ، المومياء كانت ملتصقة بالتابوت الثالث بسبب الراتنج الذي صُب عليها . مومياء ترتدي أساور و قلادات من الذهب .
و عليه تحريك المومياء بأي طريقة ، وضع المومياء بداية على رمال الصحراء الملتهبة ، و انتظر مطرقة الشمس الملتهبة التي نصل لدرجة 149° حتى تذيب الراتنج الذي تصلب ملصقاً المومياء بقاع التابوت .
لكن دون فائدة ، فاضطر لنشر المادة المتصلبة من تحت الجذع و الأطراف قبل أن يتمكن من رفع جثمان الملك الشاب ، و قاموا بفصل الرأس عن الجسد و فكوا كل الأربطة الرئيسية تقريباً . وبمجرد أن انتهوا أعادوا تركيب بقايا المومياء فوق طبقة من الرمل داخل صندوق خشبي مزود ببطانة هي التي أخفت نوعا ما ما حدث للمومياء . و بعد التفتيش الهمجي للمقبرة ، سجل كارتر ملاحظاته عنها و أغلقها و رحل .
إقرأ أيضا: أبو الهول .. وحش من حجر يشهد على تاريخ مصر !
الاكتشاف الثاني لتوت عنخ آمون ..

العام ٢٠٠٥ ، وادي الملوك مرة جديدة ، وسط همسات السياح عن لعنة الفراعنة ، ستنزلق أشهر مومياء داخل جهاز الأشعة المقطعية ( CT ) للمرة الأولى منذ اكتشافها . لُفَّ رأس و قدمي غطاء التابوت بالحبال و رفعوه خارج المقبرة .
وهنا داخل صندوق خشبي متواضع ، كان يرقد الملك توت ، محاطاً بلفائف من القطن و الكتان المُصّفَر بسبب الراتنج . وجه وديع به جرح بالخد الأيسر ، صدر بارز ، يدان و قدمان بالغتا النحافة ، جميعها مسودة من أثر الراتنج الذي صُب عليها أثناء طقوس الدفن .
يقول زاهي حواس .. المومياء بحالة سيئة للغاية بسبب ما فعله كارتر في عشرينيات القرن الماضي ، و لكنه على الأقل قدم للبشرية أول مقبرة غير منهوبة لأحد ملوك مصر .
المقبرة المتكاملة ..

كان الملوك في عصر توت يعيشون في ثراء فاحش ، و قد ظنّوا أو أملوا ، أنهم يستطيعون أخذ ثرواتهم معهم للعالم الآخر . وتفاصيل المقبرة الملكية كالتالي ، و ذكر مكوناتها مهم باعتبارها المقبرة غير المنقوصة حتى اليوم ..
لوحة اللعب ، شفرات حلاقة من البرونز ، ملابس داخلية من الكتان ، خزانات للطعام و النبيذ ، قلائد و أساور مطعمة بالذهب و بعضها كان من الذهب الخالص ، خواتم و تمائم ، صديريات رسمية ، صنادل ، كستبانات لأصابع قدميه و يديه ، التابوت الداخلي و القناع الذهبي ، عربات الصيد و أسلحة للدفاع عن النفس ، كتاب الموتى ، و كلها من الذهب الخالص .
إقرأ أيضا: غرائب من التاريخ -1- : الحضارة الفرعونية
نظريات الحكم – هل كان ضعيفاً ؟ ..

كان موت الملك توت حدثاً عظيماً ، حتى بالمعايير الملكية . فقد كان الأخير في تسلسل عائلته ، و كانت جنازته بمثابة إعلان عن موت أسرة ملكية . و لكن رحيله مازال غامضاً . يقول حوّاس .. هذه الفترة تشبه مسرحية ، جزء منها مكتوب ، و لكن المشاهد النهائية غير معروفة .
بداية لنعد بالزمن قليلاً ، لعهد الملك ( أمنحتب الثالث ) ، جد توت أو والده ، الفرعون القوي الذي حكم لأربعة عقود تقريباً في ذروة العصر الذهبي للاسرة الثامنة عشرة . و بعد رحيله حكم ابنه أو شقيق توت الأكبر ، أمنحتب الرابع ، الذي قام بثورة غيرت كل مقاييس الحكم في مصر .
فقد غير الفرعون الشاب نظرية العبادة و الديانة بإنهاء عبادة آمون و بدء عبادة آتون ( قرص الشمس ) . غير اسمه الملكي من أمنحتب إلى ( آخناتون ) . و زاد الطين بلة عندما نقل العاصمة الدينية من طيبة إلى تل العمارنة ، و قام بإغلاق كل معابد آمون و تهميش صوره . و حسب عالم الآثار راي جونسون أن الأسرة التي حكمت لقرون كانت مقبلة على نهايتها حين تولى العرش آخناتون .
إقرأ أيضا: أحاجي الفراعنة :جرائم غامضة وألغاز مظلمة
بعد رحيل آخناتون ، تولى العرش لفترة قصيرة فرعون يدعى ( سمنخ كارع ) ثم رحل دون أي أثر يذكر . و هنا تولى العرش فرعون صغير يدعى توت عنخ آمون ، و رحل فجأة بعد حكم دام لتسع سنوات ، و لكن هل كان ضعيفاً إلى هذا الحد ؟
الملك توت أعاد عبادة آمون و غير اسمه الملكي و أفتتح المعابد و شيد معابد إضافية ، و نقل مركز حكمه إلى طيبة مجدداً . وقام ببضع غزوات بسيطة ، و كل هذا و قد حكم – كما يقال – لمدة أقصر من حكم آخناتون . كل هذه الأحداث في تسع سنوات فقط ، و حقاً كان مريضاً .
يُصُور الملك توت في رحلات صيد و غزوات عديدة ، مما يدل على أن توت لم يكن مريضاً و لم يكن المرض سبب وفاته . أما بالنسبة لأصحاب نظرية العُكاز المرافق له ، لربما كان موضة حاول إدراجها بين علامات الحكم ( مثل الصولجان و مفتاح النيل ) .
هل قُتِل ؟ حسب التشريح المقطعي للمومياء لم يُعثَر على أي أثر لعلامات قتل أو ضربات في الجسد ، فقط علامات طبيعية مثل فتحة في الرأس و الأنف لاستخراج الدماغ و الاعضاء الداخلية .
إذاً ما سبب وفاة الملك ؟ قيل أنه في عصر توت عنخ آمون ، ضرب وباء ما مصر . – لم يحدد ما هو – و لربما كان هذا الوباء سبباً في وفاة الملك . خاصةً أن الأبحاث الجديدة منحت الفرعون عمراً يتجاوز ال٢٥ عند رحيله ، إما بالنسبة لعدم إنجابه ، فقد صرح أطباء بإن السبب قد يكون عقماً و خاصة أن الملوك حينها كانوا يتزوجون من أخواتهم أو بناتهم للحفاظ على الدم الملكي مما أظهر بعض التشوهات الجينية .
إقرأ أيضا: أسرار فجر الحضارة المصرية -2- : أبو الهول .. أحجية مغلفة بسر غامض
ما بعد توت ..

أزمة الخلافة التي أحاطت بالبلاط الملكي ، أظهرت ( عنخ سن آمون ) أرملة توت – و يقال أخته غير الشقيقة – في واجهة الحدث . و قد حاولت باستقدام أمير من الحيثيين أن تُعيد لنفسها مكانة في البلاط . و لكن محاولتها فشلت بشدة و أدت لمقتل الأمير ( زنانزا ) .
محاولة عنخ سن آمون ليست غريبة ، بل أنها منطقية في حال عرفت أن جدتها هى الملكة ( تي ) و أمها هي ( نفرتيتي ) لا غير . و كلتاهما حكمتا كآلهة حية وشهد عصرهما القوة و السيطرة على البلاط الملكي . و لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السُفن.

وصل لسدة الحكم فيما بعد رجل عجوز يدعى ( آي ) و حكم كفرعون لمدة ثلاث أو أربع سنوات . ليسيطر بعدها قائد الجيش ( حور محب ) على الحكم . و لكن الفرعون الجديد لم ينجب وريثاً ذكراً . فمنح ولاية العهد لزميل السلاح القديم و الذي أصبح فيما بعد مؤسساً لأسرة ملكية جديدة – الأسرة التاسعة عشرة – الفرعون الذي نال هو و من بعده من الفراعنة ، نصيبهم من الشهرة و المجد و القوة – رمسيس – حاكم مصر الجديد .
ملاحظة : جميع حقوق المقال محفوظة لموقع كابوس . لا يحق لأي شخص كان النقل الحرفي أو المرئي للمقال المنشور دون إذن مكتوب من إدارة الموقع . وتترتب المسائلة القانونية المنصوص عليها على كل مخالف للتنبيه المذكور .
روعة 👍🏻
مقال مميز وممتع، أبدعت …
كل التوفيق لك 💫
تحياتي
شكرا لقراءتك المقال
كامل الاحترام والتقدير
التعليق الرابع: أعجبني في سردك يا أستاذ علاء التطرق للنواحي الفنية مثل مادة الراتينج ووصف ما فعله العالم كارتر (الذي أقدم له التحية) لصبره الشديد حتى إيجاد المقبرة.
أما شخصية توت والألغاز حولها- ومع حب القدماء للكتابة- وتقدمهم الجلي- فكيف لم يجد المكتشفون برديات تحكي عن الملك توت داخل مقبرته الخاصة!!
كيف لم يذكر في برديات المقبرة عمر الملك وقت وفاته!! زواجه من عدمه!! انجازاته!!
تحياتي
ربما نهبت أو ( أخفيت عن قصد ) ، فالغرب يحاول طمس حضارتنا مهما كلف الأمر
كامل الاحترام والتقدير
التعليق الثالث: ملامح الملك توت بالكمبيوتر عن طريق قناع الوجه.. ملامح مصرية خالصة تخص أهل صعيد مصر حتى لون العيون الخضراء العسلي.. ولون البشرة المتأثرة قليلاً بالشمس الساطعة في الصعيد.
صحيح ملامح مصرية كاملة و جميلة جدا
كامل الاحترام والتقدير
التعليق الثاني:
غير مستغرب أن الأشياء مصنوعة من الذهب الخالص.. لإننا في مصر نمتلك منجم ذهب لم ينضب منذ عهد الفراعنة.. اسمه منجم السكري.. وتصنيفه يقترب من العاشر على العالم.
طبعا هذا الأمر معروف
و لكن تعتبر مقبرة توت عنخ آمون هي أكثر المقابر كمالاً آثار الحضارة المصرية .
مرحباً.. علاء
أول ملاحظة: يتزوجون من أخواتهم نعم.. وليس المصريين فقط
لكن بناتهم.. لاااا.. إلا إذا بناتهم بالتبني الخالص
كانت بداية الخلق آدم وحواء فقط.. ثم الأبناء الذكور والإناث يتزوجون بعضهما
مع كثرة عدد الناس.. والمعروف أن زواج الأقارب ينتج نسل ضعيف جسدياً وأبناء لديهم أمراض وراثية وتشوهات.. فبدأت هذه العادة تقل مع مرور الزمن وتم تحريمها بعد ذلك في الأديان.
حتى في عالم القطط.. الأم عندما يبلغ القط الابن تقوم بالابتعاد عنه.. القط عندما يبلغ يأتي قط آخر من الخارج ويقوم بمطاردة هذا القط حتى يطرده من المكان بشكل نهائي.. فتزاوج القطط الإخوة ينتج عنه قطط مشوهة.
احترامي سارة
نعم هذه الممارسة لدى جميع العوائل الملكية في الحضارات القديمة للحفاظ على الدم الملكي .
كامل الاحترام والتقدير
زواج الابن للأم.. أو الأب للابنة هذا شيء وهمي وترفضه جميع الديانات.. وهذا محرم منذ بدء الخليقة
حتى مرفوض في عالم الحيوان
على موقع كابوس قرأت عشرات القصص عن المجرمين والسفاحين وقصص أخرى عن الجن والشياطين واحداث أخرى غامضة ولكن لم أجد مقال واحد يتحدث عن أشجار السماء العملاقة او منظمة scp وكياناتها الغامضة وما يسمى بالغرف الخلفية وغيره من القصص المنتشرة بكثرة على الانترنت واليوتيوب مع ان الموقع مختص في هذه القصص الغريبة
تحياتي
سأحاول البحث عن الموضوع في الفترة المقبلة بإذن الله
كامل الاحترام والتقدير
ممتار
شكرا لك
كامل الاحترام والتقدير
إسمه الأصلي توت عنخ أتون
تحياتي صديقي
نعم في بداية توليه الحكم بعد اخناتون كان يحمل الاسم الملكي ( توت عنخ آتون ) ، باعتبار انه كان ولي العهد بعد اخناتون ، و لكن بعد إعادة عبادة آمون ، غيّر اسمه للأسم المعروف به اليوم ( توت عنخ آمون ) .