أخر الأخبار

معجزة الأنديز.. 72 يومًا بين الموت والحياة عندما رفض الإنسان الاستسلام..

في صباح الثالث عشر من أكتوبر عام 1972 صعد خمسة وأربعون شخصًا إلى طائرة صغيرة في العاصمة الأوروغوايانية مونتيفيديو ، كانوا يعتقدون أنهم في طريقهم إلى رحلة عادية نحو العاصمة التشيلية سانتياغو ،كان معظم الركاب من أعضاء فريق أولد كريستيانز للرجبي برفقة أفراد من عائلاتهم وأصدقائهم إضافة إلى طاقم الطائرة ، كانوا متجهين لحضور مباراة رياضية يحملون معهم الحماس والضحكات وخططًا للأيام القادمة ، فلم يعلموا أن ساعاتًا قليلة ستفصلهم عن واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها الإنسان ، تحولت تلك الرحلة لاحقًا إلى واحدة من أشهر قصص النجاة في التاريخ ، عرفت باسم معجزة الأنديز ، واجه مجموعة من الشباب الجوع والبرد والعزلة والموت. لكنهم تمسكوا بالحياة لمدة اثنين وسبعين يومًا في قلب جبال لا ترحم ، بسبب سوء الأحوال الجوية فوق جبال الأنديز اضطرت الطائرة إلى التوقف في مدينة مندوزا الأرجنتينية قبل استكمال الرحلة في اليوم التالي ، وفي أثناء عبورها السلسلة الجبلية الضخمة كانت الغيوم الكثيفة والرياح القوية تجعل الرؤية صعبة للغاية ، أخطأ طاقم الطائرة في تقدير موقعهم. اعتقدوا أنهم تجاوزوا الجبال وأصبحوا قريبين من الهبوط نحو سانتياغو ، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. كانت الطائرة لا تزال تحلق بين القمم المرتفعة. وعندما ظهرت الجبال أمام الطيارين حاولوا الصعود بسرعة لتجنب الاصطدام ، إلا أن المسافة لم تكن كافية ، اصطدمت الطائرة بجبل ، فانفصل ذيلها أولًا ثم فقدت جناحيها ، قبل أن ينزلق جسم الطائرة فوق الثلوج بسرعة كبيرة ليستقر في وادٍ ناءٍ على ارتفاع يزيد على ثلاثة آلاف وخمسمائة متر فوق سطح البحر.

blank

لم يكن الاصطدام نهاية المأساة بل كان بدايتها ، توفي اثنا عشر شخصًا فورًا نتيجة الحادث ، بينما أصيب آخرون بجروح خطيرة. وكان من بين المصابين ناندو بارادو الذي دخل في غيبوبة بعد إصابته بجروح خطيرة ، وعندما استيقظ اكتشف أن والدته وشقيقته سوزانا كانتا من بين ضحايا الحادث ، إذ توفيت والدته في الأيام الأولى بينما فارقت شقيقته الحياة لاحقًا متأثرة بإصابتها ، ليصبح ناندو واحدًا من الذين فقدوا أقرب الناس إليهم ، لكنه قرر لاحقًا أن يجعل من نجاته هدفًا للعثور على طريق العودة ، أما بقية الناجين فوجدوا أنفسهم أمام واقع قاسٍ ، طائرة محطمة تتحول إلى مأوى جبال جليدية تحيط بهم من كل جانب ، ودرجات حرارة تهبط إلى مستويات قاتلة ليلًا ، استخدموا أجزاء الطائرة ومقاعدها لصنع حواجز تحميهم من الرياح ، حاولوا تنظيم حياتهم داخل الحطام بقدر الإمكان.

blank

في الأيام الأولى بدأت عمليات البحث عن الطائرة المفقودة ، كانت الطائرات تمر فوق المنطقة باستمرار ، لكن لون الحطام الأبيض اختفى وسط الثلوج فلم يتمكن أحد من رؤيته ، وبعد مرور أحد عشر يومًا تمكن الناجون من تشغيل جهاز راديو صغير ، وهناك تلقوا الخبر الذي حطم آمالهم. تم إيقاف عمليات البحث رسمياً ، وأعلنت السلطات أن فرص العثور عليهم أحياء أصبحت شبه معدومة في تلك اللحظة أدرك الناجون أنهم لم يعودوا ينتظرون الإنقاذ ، بل أصبح عليهم أن يصنعوا فرصتهم بأنفسهم

blank

مع مرور الأيام بدأت المؤن القليلة التي وجدوها داخل الطائرة بالنفاد ، لم تكن هناك نباتات أو حيوانات يمكن الاعتماد عليها للحصول على الغذاء ، وكانت العاصفة الثلجية تمنعهم من البحث لمسافات بعيدة ، واجه الناجون أزمة إنسانية لا يمكن تخيلها ، بعد نقاشات طويلة ومؤلمة اتخذوا قرارًا اضطراريًا باستخدام أجساد الذين توفوا في الحادث كمصدر للغذاء. باعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة التي تمنحهم فرصة للاستمرار أكد الناجون لاحقًا أن القرار كان مؤلمًا نفسياً ،لكنه جاء بدافع البقاء وأنهم رأوا فيه ضرورة للبقاء على قيد الحياة حتى يتمكنوا من العودة إلى عائلاتهم.

blank

بعد سبعة عشر يومًا من الحادث تعرض موقع الحطام لكارثة جديدة ، فقد ضرب انهيار جليدي هائل الطائرة أثناء نوم الناجين ، فَدفِنَ الحطام بالكامل تقريبًا تحت الثلوج ، أدى إلى وفاة ثمانية أشخاص آخرين ، اضطر الباقون إلى حفر طريق للخروج من الثلج. ثم عادوا إلى محاولة تنظيم حياتهم رغم الخسائر الجديدة ، تعلموا كيفية إذابة الثلج للحصول على الماء ، صنعوا نظارات شمسية بدائية من أجزاء الطائرة لحماية أعينهم من انعكاس الضوء القوي على الثلوج ، حاولوا الحفاظ على طاقتهم بأي طريقة ممكنة.

blank

بعد مرور أسابيع طويلة أصبح واضحًا أن البقاء في موقع الحطام يعني انتظار الموت. قرر ناندو بارادو وروبرتو كانيسا محاولة عبور الجبال بحثًا عن الحضارة ، جهزا نفسيهما بما توفر لديهما. وصنعا كيس نوم بدائيًا من مواد عازلة داخل الطائرة لحمايتهما من البرد ، انطلق الرجلان في رحلة استمرت عشرة أيام تقريبًا. واجها خلالها الجوع والإرهاق والمرتفعات القاتلة.وفي النهاية وصلا إلى منطقة مأهولة. حيث التقيا راعي المواشي التشيلي سيرخيو كاتالان ، لم يكن التواصل سهلًا بسبب وجود نهر يفصل بينهم ، لكن كاتالان تمكن من إرسال قلم وورقة مربوطين بحجر ، ليكتب الناجون رسالة تخبره بأن هناك أشخاصًا ما زالوا على قيد الحياة في الجبال ، كانت تلك الرسالة بداية النهاية للمأساة.

blank

في يومي الثاني والعشرين والثالث والعشرين من ديسمبر عام 1972 وصلت مروحيات الإنقاذ إلى موقع الطائرة بعد تحديد مكان الناجين. تمكنت فرق الإنقاذ من إجلاء ستة عشر شخصًا من أصل خمسة وأربعين راكبًا كانوا على متن الطائرة. كانت لحظة وصول المروحيات نهاية واحدة من أقسى التجارب الإنسانية في القرن العشرين. وبداية فصل جديد في حياة الناجين الذين أصبحوا رمزًا عالميًا للصمود.

blank

بعد عودتهم إلى العالم واجه الناجون اهتمامًا إعلاميًا ضخمًا ، كما أثار قرارهم بالبقاء على قيد الحياة باستخدام أجساد المتوفين نقاشًا واسعًا حول حدود الإنسان في مواجهة الموت ، وتحولت القصة بعدها إلى كتب وأفلام ووثائقيات عديدة. وكان أبرزها فيلم أحياء عام 1993 وفيلم مجتمع الثلج عام 2023 الذي أعاد سرد القصة من منظور الناجين وعائلات الضحايا.

الخاتمة :

لم تكن معجزة الأنديز مجرد قصة تحطم طائرة ، بل كانت اختبارًا قاسيًا لكل ما يعنيه أن يكون الإنسان متمسكًا بالحياة ، فوسط الجبال المتجمدة حيث بدا الموت أقرب من النجاة ، أثبت الناجون أن الأمل يمكن أن يتحول إلى قوة حقيقية ، وأن التعاون والإرادة قد يصنعان طريقًا حتى عندما تختفي كل الطرق. بعد أكثر من خمسين عامًا ما زالت قصة الرحلة 571 تذكر العالم بأن الإنسان قد يصل إلى حدود لا يتخيلها. لكنه قادر أحيانًا على تجاوزها عندما يرفض الاستسلام.

تحرير وتدقيق: ‏Be happy

مراجعة وإشراف: روميساء طارق البدري

5 2 الأصوات
Article Rating
المصدر
nationalgeographic.History

مقالات ذات صلة

guest
3 تعليقات
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
2 ساعة

أي أحد يقرأ المقال سينبهر بالنهاية .. لقد وصل ناندو ورفيقه إلى الراعي أخييييييرًا .. لكن من وجهة نظري أرى أن المأساة بدأت بعد إنقاذهم من الموت .. يعني لكم أن تتخيلوا حالهم وهم على مائدة الطعام مع عائلتهم يتناولون الطعام .. ويحملون في ذاكرتهم طعم أصدقائهم الذين التهموهم من أجل البقاء .. بالنسبة لي نجاتهم لم تكن جائزة بقدر ما كانت بداية لمعاناة طويلة ..

شكرا على المقال الاكثر من رائع لقد أبدعتم في سرد التفاصيل ..

Wave Manipulator
Wave Manipulator
2 ساعة

مبارك غرسكما في قسم غرائب وعجائب 👏🌺
ها قد انتحيتما الى خارج أدب الرّعب والعام وقدّمتما لنا نموذجًا للعودة من رماد الثّلج! قلم، منتج صغير، أنقذ من أوشكت طائرة على قتلهم 🤩

وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
1 ساعة
ردّ على  Wave Manipulator

لفتتني عبارتك عن القلم وكيف صوّرتها لنا .. والله فعلا مين كان يتوقع أن أداة عادية نستخدمها كل يوم ستكون سببا في إنقاذ أناس كانوا على وشك الهلاك ..
لقد منحت المقال بعدًا أخر .. فشكرا لك على هذه الإضافة ..

زر الذهاب إلى الأعلى
3
0
Would love your thoughts, please comment.x