هيباتيا العَالِمة التي قتلها علمها

بقلم : مروة على – مصر
للتواصل : happymame94@gmail.com

 
الاسكندرية في العصور القديمة كانت منارة للعلم ،وذلك قبل وبعد ميلاد المسيح عليه السلام ، فكان يأتيها العلماء والفلاسفة من كل حدب وصوب وبخاصة من اليونان لغلبة الثقافة الهلينستية في هذه المدينة ، من هؤلاء الفلاسفة هيباتيا وكانت تُعرف أيضا بهيباشيا ، الفيلسوفة وأول امرأة تصبح عالمة رياضيات وفلسفة وأيضاً فلك ، رغم شهرتها إلا أن نهايتها أليمة بسبب كونها عالمة أو بسبب كونها امرأة تجرأت على تقاليد المجتمع الجديدة .
وفي هذا المقال عزيزي القارئ سنتعرف أكثر على هيباتيا المرأة والفيلسوفة.

حياة هيباشيا :

هيباتيا العَالِمة التي قتلها علمها
كانت عالمة و فيلسوفة فائقة الجمال

ولدت هيباتيا بالأسكندرية سنة 350م وقالت المصادر التاريخية أنها مصرية المولد ، ذات أصول إغريقية ، وأباها الفيلسوف وعالم الرياضيات ثيون ، ومن أشهر علماء الفلسفة في ذلك الوقت ، فبرعت هيباتيا في الفلسفة مثل أبيها ، ودرست وتثقفت على يد نخبة من علماء هذا العصر ، مع أن الفتيات كن ممنوعات من التعليم وفُضِّل لهن ملازمة بيوت أهلن حتى الزواج.

ارتبط اسم هيباتيا بالفضيلة والأخلاق والعلم ، والجمال حيث قيل بأنها من أجمل نساء زمنها ، مما عُرف ورصده التاريخ أنها برعت وكانت فذة في تدريس فلسفة أفلاطون وأفلوطين على وجه الخصوص ، مما جعل طلاب العلم من الوثنيين والمسيحيين للهروع إليها للتعلم ونالت شهرة واسعة آنذاك وتخطت هذه الشهرة مدينة الاسكندرية.

هيباتيا العَالِمة التي قتلها علمها
وقع في حبها العديد من طلابها لكنها صدتهم

نالت العلم على يد والدها ثيون theon العالم وأمين مكتبة الأسكندرية في وقتها وزملاءه في مكتبة الاسكندرية ، حيث اعتبرت مكتبة الاسكندرية نبراساً للعلم وهدى ينهل منه الراغبون ، فإلى جانب شتى الكتب في مجالات العلم والمعرفة من طب وفلسفة وفلك إلى وجود علماء متميزين ، قد شكل كل ذلك شخصية هيباتيا العالمة والمُعلمة التي شغف بها طلابها ، فكما تقول بعض المصادر قد وقع في حبها بعض من طلابها ، إلا أنها صدت الجميع ونحن لا نعرف إذ كان هذا كرهاً في الزواج أم حباً في العلم.
وهناك مصادر أخرى أو بالأحرى روايات تؤكد زواجها من أحد زملائها الفلاسفة ، ولم تتضح بعد صحة هذه الرواية !

وما يشغل بالي هنا أثناء كتابة المقال : كيف ترفض امرأة جميلة الزواج؟
وإن رفضته حقاً كما قيل تاريخياً ، فسيكون هذا عجيب في زمن كانت العائلات تتحكم في مصير فتياتها من زواجٍ وغيره.
ومصادر تروى أنها عزباء بإرادتها ، وقد قالت عندما سألوها عن الزواج : لقد تزوجت الحقيقة .

كل يوم يمر على هيباتيا كانت تزداد ثقة في علمها ، ويزداد طلابها عدداً إلى جانب التفاف المثقفين حولها ، لكن يبدو أن هناك من كان يرفض أفكارها حول الدين وطبيعة فكرها عن الإله ، فاتهمت بالكفر والوثنية وأنها من أتباع أفكار فلاسفة لا يؤمنون بالله ، مع هذا ظل الطلاب المسيحيون يترددون على حلقتها العلمية ، فأشع العلم شعاعه واقترب منها الناس في الطرقات ليسألوها عن شرح الكتب الفلسفية المُعقدة .
مع كل مؤلفاتها لم يصلنا منها إلا النذر اليسير ، وهي عبارة عن مقتطفات قد نُقلت عنها من علماء أو كتاب آخرين .

هيباتيا العَالِمة التي قتلها علمها
ظل الطلاب يتوافدون على حلقتها رغم محاربتها

برع تلامذتها ومنهم سنيسيوس الذي أصبح أسقفاً على قورينة في برقة غرب مصر ، ومع أنه كان مسيحياً إلا أنه عشق الفلسفة و أستاذتها وقد شهد عصر الاضطهاد الوثني في أواخر القرن الرابع الميلادي حيث تم إحراق كتب العلماء الوثنيين ، و قد أكد أن هيباتيا معلمة قديرة تتفوق بعلمها على مدارس أثينا اليونان وبخاصة في الفلسفة، وأما أوريستوس أشهر تلامذتها فأصبح الوالي على الاسكندرية وكان في صدام مع الأسقف كيرلس الأول ، وقد أرجعوا هذا الصراع السياسي بين الوالي والأسقف ، لهيباتيا وأن الحاكم أوريستوس يستمع لأفكارها وينشد منها الآراء ويقدرها ويعظم دورها باعتباره تلميذاً سابقاً لها .

موت هيباتيا :

هيباتيا العَالِمة التي قتلها علمها
أخرجوها من عربتها و قتلوها بوحشية

خرجت هيباتيا كعادتها بعربتها تخترق شوارع الاسكندرية ولم تكن تعلم أن ساعتها قد حلت ، فهي ترى جمع غفير من أناسٍ قد التفوا حول عربتها فجأةً ، ليُخرجوها منها بعنفٍ بعد أن انتهت من إلقاء إحدى محاضراتها ، ثم جرودها من ملابسها فأصبحت عارية الجسد ، وكأنه تأويل لتجريدها من أفكارها الوثنية والأفلاطونية المُحدثة ، وواصلوا جرها بحبل قد لٌف حولها ، ليتمزق جسدها الضعيف بلهيب تعذيبه على يد الغوغاء وقد قيل بأن أحدهم كان راهباً صغير السن يُدعى بيتروكان مقربًا من الأسقف السكندري كيرلس الأول ، و بعد ذلك سلخوا ما تبقى من جلدها وهي حية حتى وقعت جثةً هامدة وقد شهدت طرقات الأسكندرية آهات هيباتيا وشربت من دمائها الحارة في هذا اليوم غير العادي في تاريخ هذه المدينة.

كان اليوم حاراً ، وازدادت حرارته بإحراق جثة هيباتيا عقب جرها وقتلها في كنيسة القيصروم caesarium سنة 415 م.

هيباتيا العَالِمة التي قتلها علمها
فيلم Agora مستوحى من حياتها

هيباتيا ملهمة الكتاب والفنانين على مر العصور ، فقد اختزل الجميع قصتها في كلمات شفقة ومنهم من سرد وقائع موتها الشنيع والسينما قد التفتت لموتها وسردوا فيه سيناريو مبدع تاريخي درامي يجسد حياتها المليئة ببعض الألغاز المحيرة ومنها سبب موتها ، ولحظة من ألم باعتقادي لم يجسد ألمها الحقيقي ، ويبقى فيلم أجورا Agora ، فيلماً عن شخصية ماتت بسبب علمها أو ربما اختلاف فكرها عمن حولها.
هكذا ماتت هيباتيا وحيدة تعلو شهقتها تساؤلات : هل سبب موتها الصراع السياسي بين الحاكم وأسقف الأسكندرية واليهود ؟ أم كانت ضحية التنافس بين العلم والدين؟
وهل موتها قد غير من مفاهيم الحياة ، في أن ليس كل علم بوثنية؟ وأن الدين يحض على العلم الذي يأخذ بيد الإنسان لرفاهيته؟
وهل فاق الجهل في مجتمعها لدرجة أن من قتلوها قد أفلتوا من العقاب؟
وقد أعجبتنى مقولة ” إن الدين ليس بديلاً من العلم والحضارة. ولا عدواً للعلم والحضارة. إنما هو إطار للعلم والحضارة، ومحور للعلم والحضارة، ومنهج للعلم والحضارة في حدود إطاره ومحوره الذي يحكم كل شئون الحياة”

وفى الختام ماتت هيباتيا وأياً كان سبب موتها ، فقد بقي منها مأساتها التي تُحكى مع كل الأجيال .

المصادر : 

1 – هيباتيا – ويكيبيديا
2 – كتاب تاريخ مصر في العصر البيزنطي تأليف د/ صبري أبو الخير سليم

5 1 تصويت
Article Rating

مقالات ذات صلة

53 تعليقات
القلب الحزين
القلب الحزين
6 سنوات

إن جهلنا هو العدو الأول لنا.

كنداكة....
كنداكة....
6 سنوات

ورد ذكراها في الرواية الواقعية (عزازيل)

غاده بوالكرطيه
غاده بوالكرطيه
6 سنوات

سلام كنت أود ان ٱصحح شئ سينيسيوس الذي أصبح اسقفاً علي قورينا وليس قورينه في ولايه برقه الليبيه وهيا مدينتي وشگرا

مروة على
مروة على
7 سنوات

انرت ابو اللوق برأيك ولك كل الاحترام
ولكن لا امجد هيباتيا بقدر ما ارفض طريقة قتلها
وغرض المقال تثقيفى تنوير للقراء الاعزاء
الشكر لحضرتك ولرأيك الذى نحترمه

مروة على
مروة على
7 سنوات

ملاك الليل كل ماذكرته صحيحا جدا
والانسان الناجح له اعداء
والمرأة الجميلة ايضا لك اعداء مستترين
واخرين معلومين
الشكر لك على حضورك
والتحية لاهل اسكندرية

مروة على
مروة على
7 سنوات

اشكرك نورا على مشاركتك
وقراءة المزيد عن هيباتيا فى مقالى

مروة على
مروة على
7 سنوات

انرت المقال بوجودك lily

مروة على
مروة على
7 سنوات

صحيح عزيزتى مارك نهاية هيباتيا فى فيلم اجورا ارحم كثيرا مما حدث لها فى الحقيقة
سعيدة جدا بمشاركتك
تقديرى

مروة على
مروة على
7 سنوات

الشكر العميق لكى جوليا
ولم اسهب فى المقال حقيقة حتى لا يتسرب الملل للقارئ واضفت المصادر للتزود منها
وعلى الرغم من توافر الكثير عن حياة هيباتيا الا انه هناك بعض الالغاز كزواجها من عدمه وعدم معاقبة قتلتها

مروة على
مروة على
7 سنوات

نور الهدى شرفتينى بتواجدك
تقديرى العميق لكى

مروة على
مروة على
7 سنوات

تمام كما ذكرت عزيزتى التى لقبت بالمخبولة ان العقل قد اعطاه الله للناس ليحكموا جيدا على الامور من بواطنها لا من ظواهرها فقط
شكرا على مرورك الطيب

مروة على
مروة على
7 سنوات

فعلا مروه عزيزتى وهذا ماجعلنى اكتب المقال
مع اضاقة المصادر التاريخية لمن يود الرجوع اليها للمزيد من القراءة
سعدت جدا بحضورك الغالى

مروة على
مروة على
7 سنوات

قطعا كل ماحدث لهيباتيا يشير للجهل بين العامة الى جانب الصراع السكندرى بين الحاكم واليهود وغيرهم من الفئات
الى جانب حقد الطبقة التى تدعى ان العلم كله محض كفر
والى جانب ذلك اتفق مع ما قلتيه
اسعدنى مرورك عزيزتى هدوء الغدير

مروة على
مروة على
7 سنوات

كان طلابها من فئات مختلفة وايضا التف حولها المثقفين
واجتذبت انظار الناس حتى فى بلاد اليونان نفسها
اشكرك عزيزتى نيون على اضافتك وعلى تعليقك

مروة على
مروة على
7 سنوات

اكيد عزيزتى بيرى الهمجية مرفوضة لانها قطعا تخرج الانسان من ادميته
اسعدتنى مشاركتك

مروة على
مروة على
7 سنوات

اشكرك يسرى الدبشة على اضافتك ففى ذلك الزمن لم يكن مسموح للمرأة ان تنافس وبخاصة فى العلم وان تحوز شهرة واسعة

مروة على
مروة على
7 سنوات

العفو مها اشكرك عزيزتى على كلماتك المشجعة

مروة على
مروة على
7 سنوات

الوحشية وليدة الجهل
بالاضافة للحقد فى حالة قتل هيباتيا
شكرا على مرورك وحيد على شاطىء مظلم

مروة على
مروة على
7 سنوات

فعلا عزيزتى دلال فكل ماقيل عن هيباتيا مهما طال عناوينه فهو لا يشبع فضول القراء لمعرفةتاربخها حياتها وتذكر علمها الذى فقد معظمه
شكرا لك على مرورك

مروة على
مروة على
7 سنوات

فعلا محمد لكن المرء يموت وتبقى افكاره
مثال الكتاب ماتوا وتركوا كتاباتهم ليقتبس منها الناس
شكرا لك على حضورك الطيب

مروة على
مروة على
7 سنوات

الشكر لك عزيزتى رحاب انرت المقال
بالفعل هيباتيا تحملت العذاب وفى النهاية القتل بطريقة بشعة ومن وجهة نظرى هى وقعت ضحية صراع كبير جرى فى هذا الزمن البعيد
اسعدنى مرورك

مروة على
مروة على
7 سنوات

انرت الجبل الاخضر الليبى المقال واوضحت ان اقليم برقة يقع فى ليبيا فى شرقها تحديدا ويتبع ليبيا اداريا وسياسيا وجغرافيا وهو يقع غربا حيث حدود مصر الغربية مع ليبيا
الشكر موصول لك على تواجدك

مروة على
مروة على
7 سنوات

فعلا فيلم اجورا حاول تسليط الضوء على حياة هيباتيا وطريقة موتها ولكنه لم يجب على الكثير من الاسئلة المطروحة
شكرا جزيلا اروى لؤلؤة نادرة على مرورك

زر الذهاب إلى الأعلى