أقصوصتا اغتيال طاغية و الإثم من الظن

إغتيال طاغية

الطفل المبتور وجفافُ الماء في الصّنبور، وشَظَفَ الأُمور، وقنبلة فسفور قتلت أم غندور.

تلك أمور خَبِرتها كما خَبِرت الدّم وأنا الذي لم يُجرَح، وخَبِرت أيضًا ما يشتدُّ أمامه كل ليّن، ويَسخُنُ أمامه كل فاتِر.
تعلّمنا أنّ حرارة الإنسان ٣٧، لكن ماذا عن حرارة الرّغبة
الطّاغية؟ أمنية مصهورة سكنت فؤادي أُضْمِرُ لها رَشَّ رذاذٍ لا يعيقني عن الإحتفال مع الطفل المبتور وخَلَف أم غندور!

وريثَما بَلغتْ، إحترق الفؤاد.
أردتُ الحرية! إنّها قطعًا لا تُقاسُ بالفدّان بل بالإمكان، فلو كان تحقيق أمنيتي، زرعُ رصاصة في وريد الطّاغية التّاجي، إلّا بِزُقاق ضيّق أو قاعة مؤتمر أصغر من حظيرتنا، فالحرية إذن في ذلك المَوضِع. ولا يدخل في القِياس هواءٌ طَلق، فما أجملَ الحرّيّة وهي متدثّرة بِدُخانِ المَدافِع وعودِ البارود!

إمتطيت صهوةَ حِماري وانطلقتُ إلى البرلمان السرئلولي، فرئيسهم نَتانوهَوْهَوْ على ميعاد مع خِطاب سِلمي مكتوب بحبر مكتوب برحيق البارود المكتوب بطبشور كَتَبَ توقيعات على قنبلة الفسفور، المكتوب بِدَمِ أم غندور.

وفي الطّريق، تشاغلتُ عن الأشلاء والنّائحات، بتفكُّري بنكتة لا تَفسُدُ طرافتها، هذا القانون الديمقراطي الفاضِل الّذي يُجرّم سلب حياة أي إنسان مهما بلغ بصاحبها فجورُ القتل، وفي عينِ الآن يمنحُ ذاك القاتل، أسفل طاولات المفاوضات، قنبلة فسفور.

بحسبِ ذاكِ القانون الفاضل ومُشَرِّعيه الفاضلين، فأنا إن أتممتُ اغتيالي مجرم، أمّا نَتانوهَوْهَوْ فصانِعُ سَلام.

على أنّ اولئك الفاضلين، في مفارقة قلّما تُنتِجُ خيرًا، على حقٍّ من حيثُ المبدأ، إذ لا سُلطانَ لإنسان على روح إنسان.
لكن ماذا لو كان ذلك الإنسان نَتانوهَوْهَوْ؟ أليس العدل أن يُستَلَبَّ لُبُّهُ لأنّه خرق القانون الفاضل، وتسلّط على الأبرياء؟

ووصلتُ في الموعد رغم تلكّئِ حِماري، وجهّزتُ القوس والنّشّاب مُصَوِّبًا إيّاه من بينِ أُذُنَي الحِمار، وانتظرتُ قلبَ فريستي.

أحسستُ بِثِقَلِ المُقدَمِ عليه، إنّ هذه اللحظة أكبر منّي وأكبر من ولي عهد النّمسا، إنّها انتصرت داخل نفسي ولا مجال للإحجام، ولو قُدِّرَ أن يتغيّر الإقليم أو على أقلّ تقدير كابينةُ الأعداء لدركِ الرّماد، لزيدَ النّصرُ نصرًا.

أزِفَتِ السّاعَةُ وحَضَر الباغي العاتي المُسَمِّماتي لحياةِ الآمِلاتِ وصِبيةٍ ماتوا تحت العَماراتي.

قبّحه الله وضيّقَ عليه ثَراه، بدأ أسطوانته المشروخة، أنّهم.. أنّهم.. أنّها ها ها هُم.. حقنوا دم أم غندور وصانوا عِرضَ الآملات وعزّوا صِبيَةَ العَمارات! وأنّ رصاصهم الذي اخترق جسد طفلة بالمئات لم يعرف من اخترق، بل ربّما كان اسفنجًا يريدُ اللعب مع التي صرخت حتّى بُحّت استنجادًا بذويها القتلى، من داخل مندوحة مغلقة أبت الذئاب إلّا أن تخدشها.

شُدَّ نَشّابي وتقوّس قوسي، وددتُ لو كانَ معي رصاص لكنّي وللفقر والحِصار اكتفيتُ بالحُلُمْ.

واحد.. “تساهِل يَرحيب ات فعولوتاف كاخ شِيِخْلِلو ات روب هرتسوعا” اثنان.. “أفال زه مديوك بديوك”.. إثنان ونصف.. “ننتسَح عل ها تِرور” ثلاثة!

مات. ماتَ الطّاغية كما أماتْ. وحدثت الشّوشَرة التي لا بدّ منها وهرع لإسعافه المُسعِفونَ ينزعون عن وريده التّاجي السّهمَ، ويتلفّتون ويرتفعون بأبصارهم فلم يجدوا غير زجاج مكسور.

وأسرعتُ على حِماري، لا زِلتُ تحت سطوةِ الأدرينالين، وتركت التفكير بالإنقلابات للرّباح، فالمهم الآن أنّي… إغتلتُ طاغِية.

الإثمُ مِنَ الظّنِّ

كان يحسب أحكامه عدلًا بالفُسطاطْ، إلى كانت الحادثة التي جرت، وتبين منها صدق الآية الكريمة: إن بعض الظن إثم.

فبينما كان يُزاوِلُ مهنته الأليفةَ إلى طبعه، ويبحلق في غانِية فتصيرُ عاهرة، ويمحِصُ في شحّاذٍ فيستحيلُ كذّاب، ويصبح لعينيه الشّكوكَتَينِ مُصَلٍّ يُرائي؛ وذلك أمام كُشكِ البوظة، رأى طِفلًا من ذوي الحاجة.

وعبس وتولّى هو وصاحب الكُشك، فكلاهما، على اختلاف نظراتهما للطفل ما بين تكذيب للحالة وتأنيب على الحالة، لا يُعينان هذا المِسكين ولو ليومٍ واحد ربّما لن يروا بعده مُحَيّاهُ.

نُهِرَ الطِّفلُ بلا شفقة، وشيءَ له بقدرة القادر أن لا يغادر لحياته البائسة التي بالكاد يستطيع تدبّر نفسه بها فما بالك برئيسه ومستغلّيه؟

على الأقل، وما أقساها من على الأقل، قبل أن تأتي المعجزة المؤقّتة، مُصَوَّرَةً على هيئة رجل شهم يغطّيه اللّباس بالكامل.

فما لبث الطفل أن يسبق دموعه المنهمرة ويجري لمصيره، ما لبثت العَبَراتُ أن سقطت، حتّى جاء الرّجل.

والرّجل لم يسلم، دونَ أن تنطلق كلمات مسموعة، من ظُنون السّيّءِ الذي يُراجع هذا الإسترجاع الفنّي وهو حاسِرُ الرّأسِ في طُرُقاتٍ غلّفتها العتمة إلّا ضوءَ قَمَرْ.

فقد ظنّه حينها مستعرِضًا، وظنّه ولا ريب سيستعيد هذه الدنانير التي دسّها في جيب الطّفل، أو أنّه اتّفق مع صاحب الكُشك على إعطاء الفقير عَفَنَ المُثَلّجات.

وتطوّرت الشّكوك وتضافرت معًا نحو شيءٍ أكبر، واشتبه السّيّءُ بالرجل أكثر، لأنّه الآن اشترى ما يُقارب عشرين كيلوغرامًا من المثلّجات.. مستحيل أن يكون هذا كُلُّهُ عفنًا.

لكن الكرم أو أي صفة نبيلة كان يستحيل أن يعتبرها السّيّء، لذا لعبت الظّنون في رأسه، وتخلّى عن دوره في الطّابور ليلحق الرجل الكريم والطّفل، خِشيةَ أن يقع المُتَوَقّع وتَضُجَّ الصّحف يوم غد بخبر تهريب طفل يتيم أو نَشْرْ طفل ونشر الفوتيج الدّموي لعصابات النّت.

لكن الاعتداء على قاصر أو أي رذيلة كان يستحيل أن يعتبرها السّيّء، لقد وجد إنسانَينِ يبكيان ويضمّان بعضهما وسطَ أكوام المثلّجات، أمان عاطفي اغرورق له الدّمع، دمعْ لطالما انهمر بسبب سِياطِ الحِزام لأجرٍ شاءَ الشّارع أن يكون زهيدًا.

واستمرّ العِناق، واستفحلت البحبوحة، إلى أن رفع الرجلُ الطّفلَ عاليًا وأنزله، ورفعه وأنزله، يعاينه في الحالتين كطائر يريد تحريره فما يستطيع. وفعلًا يريد تحريره ولا يستطيع.

عندها فقط خجل السّيّء، وتوارى خلف الأجمة، وتهادى في الطّرقات المُعتمة إلّا ضوءً، متبيِّنًا صدق الآية الكريمة: إنَّ بعض الظّنِّ إثم.

Subscribe
Notify of
guest
2 Comments
Newest
Oldest Most Voted

فتحي حمد
فتحي حمد
3 months ago

جميل جدا فكرة الاغتيال الافتراضي لهم يوم عدل الاهي لا مفر منه تعبيراتك اعتبرها هرطقات ادبية مبتكرة بس قويه
وكذلك قصة المثلجات لها رمزية كبيرة ونهايتها سعيدة مزيدا من التألق اخونا العزيز صقر العرب

Wave Manipulator
Wave Manipulator
3 months ago

نهايتو على ايدي 😶‍🌫️
ثُر وتأجّج يا فؤاد! لا تكونوا كمن نَسَوْا البطولة وفضّلوا، لِما يرشدني أستاذنا، الحياة العادية من شراء سيارة وعمل ودفع ضرائب للكيان والإكتفاء بفرحة الزواج.

كلّا! فرحة العدل والعاطفة المتفجّرة! يا ربّاهُ ما أروعها!
+ مهم جدًّا نكرم الفقير.

2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x