كانوا في قاع المحيط الهادي، ورغم عُمقِ مملكتهم البحريّة، إنسابَ لِمَعالِمِها شُعاعُ الشّمسِ الذّهبي، لِيُنيرَ ما تتلوَّنُ به من آثارٍ مكنونة وصُروحٌ تجتهد الزّعانِفُ بتلميعها.

وأهمُّ المملوكات، أكثرُ ما تجتهد الزّعانِفُ بتلميعه، وأكثرُ ما يُصانُ، هو الأرخَبيل الذي زاده ضوءُ الشّمسِ جاذبيّة.

فلم يكن الأرخبيل محضَ زينة، بل وبكلّ ذرّاتِهِ سِرَّ الحياة.

به تنتعش الطّاقات وتستمرئ، بها تذوي المكاره، بها ترقص الغادةُ ينقُطُها عندَ ملهًى في ذُروَةٍ العِينُ.

حتّى العُلّيقة، بِفَضلٍ من الأرخبيل، فهو في مقامِ الحيّ، غدت أشواكها شقائقَ نُعمان، مثلما نَدَتِ الآقاحْ.

ولم تقتصر وظيفة سرّ الطّاقات النّشيطة والمِزْهَرْ على الدّعِّ بما يُوَشّي السّمكاتِ بِما يُوَشّي المحيطَ بما يُوَشّيهِ تولّي ذلك الإلهام والوحي الخفيّ لذوات الحراشف، بل أيضًا على خلقِ علم اليابسة، فيتولّاهُ لونا الوحي والمعرفة.
فقد تحوّلَ ضُراطُ السّمك لأوكسجين تنتشي، نعم تنتشي، به الخياشيم.
أمّا لِما هو أوكسجين فلأنّ تركيبته الذّرّيّة O2، ولِما هو نشوة فلأنّ ال O2 كُرِّرَ لإيثانول حالَما عَبَرَ من الخياشيم.

والمَهيبُ امتدَّ في عجائبه، فظاهرة المواطن المنقعيّة، حيث تتكيّفُ الأشجار العملاقة مع سَفْحِ المحيط، فتولد من رحم جذعها المُقاوِم رُغمَ غياب العقل جذورٌ تُخَزِّنُ الرّواسِبَ وتتفرّعُ بِصلابة كفيلة بإعلان الطُّغيان على مقاسي الطّبيعة والعوم، لا بل الغطس بِشَطْرِ الخشب، لا يتمُّ إلّا بنور الأرخَبيل.

وما أقسى الطّبيعة! لكن وبالنّقيض ما أرحم هذا الأرخبيل، صادُّ الفيضانات وصيّاد الصّيّادينَ، فهو حامي الحِمى الأطهر.. لا يترُكُ صيّادًا للسّمك إلّا وصار هو فريسةً لل “بيرانا” تُعدِمُهُ إعدامَ العِيان.

وفي يومٍ أحسَّ الملك “طالوس” بهواءٍ ثقيلٍ يلفحه معَ عرشِهِ، وكان إليهِ الوصيف.
أرادَ سؤاله ليعرف إن كانَ وحدَهُ من يُلفَحُ بالهواءِ الثّقيلِ أم لا..
ولم يحتج لسؤاله، مجرّدُ رؤيته مصروعًا صَرْعَةَ عَنين كانت وافية لِيُشيحَ بنظره عنه ويعزِمَ على إعرابِ “إنَّ”.

وأيُّ بديل، لِغَضَبِ الطّبيعةِ مُزيل، غيرُ الأرخبيل؟

-إنهض!
-إلى أين؟
-أحمق! أي بديل، لِغَضَبِ الطّبيعةِ مُزيل، غيرُ الأرخبيل؟
-عالق! عالق!
-عالِقٌ في دَبَقِ ضعفك. قَدِّمِ استِقالَتَكَ ما إن ننتهي من البلاغ.

ورفعهُ طالوس المعضّل، ولأنّ الأرخَبيل لا يقبلُ شهادةَ الفرد، ويشترط لمعجزاته شاهِدانِ فَصاعِدًا، كما جرى الإيمانُ في الأذهان، فَنَفَعَتِ الجُهالَةُ على حينِ نُدرَة، ورَفَعَ القويُّ الضّعيفَ!

رحلا إلى الأرخبيل، وأينما كانا، داسَ Sagittarius Serpentarius المائيُّ أنقليسًا، ودَعَجَهُ بِمِنقارِهِ.

وصلا إلى حاجز مرجاني زاهي الألوان، فَقصقصاهُ كي يدنُوَاْ من الأرخَبيل.. إذ ذاكَ لهُ جنّة، كيف لا يكونُ له؟
طبيعيًّا، ما كان لِيُجَزَّ الحاجز، غيرَ أنّ للعَجَلَةِ ظروفها، فاختصر الملكُ الرّكوع وتبجيلَ البتلاتِ والمرجان، ويُبعِدُ عنهُ وعن معبودِهِ البرزَخَ.

لكنّهُ لم يتحرّر من الرُّكوعِ والتّبجيل، عادت حليمة لعادتها القديمة، وجثت الرُّكَب وتضرّعت الأيدي.

“أرخبيلَنا! زُرقةُ محيطنا إن لم تَمِنَّ علينا بسكينةٍ من عندك لَمُنْقَلِبَةٌ سوادًا!”

وَسَرت ضِحكة من وراء الأرخبيل..

“أرخبيلنا! أضحكةُ بلسَمٍ أم تَنَدُّر؟”

وسَرى الصّمتُ.. لكن من وراءِ الوَثَنِ كان هناكَ كائنانِ يتهامسان بِملئِ الصُّدغِ واهتزازِ اللّغلوغة!

-هؤلاء ليسوا طبيعيّين يا صاح!
وقلّد الملك في تضرُّعِهِ، فانفجر زميله ضاحِكًا رغم تكتُّمِهِ:
-عيب علينا ها ها. جئنا نهدي، لذا فلن…

وقاطعهما صياح الملك الذي ظنّ بأنّ روحًا دبّت في المعبود، لكنّه ما لبث أن ثابَ لرشده وضحك هو بدوره لِهُنيهاتٍ، ثم قال مُخاطِبًا الأرخبيل:
كم أنت سَمِحٌ يا آلهةً تُبَشِّرُ بألين الطُّرِقِ وتُطمئن، هكذا إذن.. أنتَ على علمٍ بالرّياحِ الأخيرة التي أهتزّت لها المخلوقات والمنصوبات؟ طبعًا، يا لحماقتي إذ ظننتُ أنّي أستحقُّ إعلامك يا أعلم الأعلمين!

وغادر الملك مُطَأطَأ الرّأس، وخرج المخلوقان واستلقيا فوقَ الزُّهور وكانت هائلة الحجم لطفرات نادرة ألَمّت بِها.

الملاك المبعوث: الأمر لم يَعُد مُضحِكًا، هؤلاء البُسَطاء يتّقونَ صنمًا حقَّ تُقاته!
الملاك الوزير: أرهِف أذنك لي.. ألسنا أنبياء؟
الملاك المبعوث: أرهفتُ أذني، أمّا أن أرهف رأسي وأهزّه على هذا الزُّهُوّ فلا!
الملاك الوزير: أليس الأنبياء معصومين عن الخطأ؟
الملاك المبعوث: مثلما نحن معصومون، فهمت فكرتك رغم اتّهامك إيّايَ بالبلادة!
الملاك الوزير: كُلٌّ إذن نبيٌّ بطريقته، وما علينا إلّا أن نُتِمَّ ابتعاثنا من سيّدنا الأكبر.
الملاك المبعوث: اه هذا قصدك إذن! أنّنا أنبياء أي نقوم بمهمّتهم دون أن يُدرِجَنا حاجِبُ السّيّد الأكبر في قائمة النُّبُوّة!
الملاك الوزير: بالضّبط، أرأيت كيف أنّك بليد؟ المهم، أريد أن نُحدِثَ جديدًا في نهج النُّبُوّة، وأحسبُكَ ستتّفق معي أنّنا مضطرّون له.

الملاك المبعوث: نهج جديد؟
الملاك الوزير: الضّغط! أوليس هذا ما انتهجناهُ عندما رفرفنا بأجنحتنا وزلزلنا الخلقَ بالهواء؟

ففكّر صاحبه البليد لحظة، الضغط عُرِفَ عبئًا على الأنبياء، وتكبّده سيّدهم الأكبر ساعةَ ما كان مجرّد رسولٍ فصار له مملكة وملائكة. لكن أن يضغَطَ الرّسول ويفرض رسالته، هذا ممّا يعتذر به الحق، فإن كان الباطل يفرض، فلما لا يكون لنقيضه الصّالِح نفس الحرص على التّطبيق؟

“أي نعم! فلنضغط رسالتنا!”

وضُغِطَت الرّسالة، وعمّ طوفانٌ تطوفُ حوله أجنحة خمسينَ ملاكًا مجهريًّا، ورغم ضآلة أجنحتهم، تمكّنوا من عكس التّيّار، والإطاحة بملايين الأصنام، وهدم عشرات دور التّعليم، على أنّهم حَرِصوا على تصويب الرّفرَفات بِما يُدَمِّرُ المباني لا السّمك.

وبعد ساعتين من الرّفرفة، تعب أحد الملائكة..

“أما يكفينا دمارًا؟”
-رُوَيدك، لا بد للسّمك أن يتوب ويُدرِكَ أنّ آلهتهم لن تنفع أو تَضُرّ.

وتضاعفت السّاعات، دون أن يُمَسَّ الأرخبيل، فقد أرادت الملائكة، بتفويضٍ من سيّدهم الأكبر الذي استحسَن فكرة الرسالة المضغوطة، كسر إرادةِ السّمك بإظهارِ ضعفِ إلههم أمامهم.

“يكفي، الخراب استَتاب، والإله في موضِع حَرِج، لِنَعُدِ الأدراج”، أعلنَ الملاكُ الوزير، الذي قادَ جماعته إلى قصرِ سيّدهم الأكبر.

هناك، أُحتُفِيَ واحتُفِلَ بِهم، وسجّلت وِكالةُ حملات الإصلاحِ مدرسةً نبويّةً ضُمِّنَت في المنهاج والدُّستور، رسالة مضغوطة.

وفي صباح اليوم التّالي، أُمِرَ الملاكان، المبعوث والوزير، على تفقُّدِ أحوال المحيط، بِكُفْرِهِ وإيمانِهِ.

فلمّا هبطا واختلط الماء الذي شقّاهُ بِرَحيقِ ومَرِّ أجنحتهما، بُهِتا.
لقد كانا أمام منظر تسري له الرّعدة وترتعد
له الفرائص!

السّمكُ جعلَ للأرخبيلِ ذبائح وقرابين!

“عجبًا ماذا يصنعون! قل لي إنّهم يمثّلون!”
الملاك الوزير: بل يعقِرون، ويلوّثون وطنهم بالدّم، إرضاءً لِصَنَم عبدوه بالنّطق والفتكِ بأرواحِ بعض.

وأطرق الوزير، ولم يحتَجْ للنّطق كي يبدو عليه النّدم على ضغطِ رسالته، التي كانت سببًا لما هو غيرُ متوقّع.. وما هو مُحَيِّر.

لكن الحيرة زالت تمامًا حينما تقدّم الملك مُمسِكًا بِجُمجُمَةِ وصيفه، راكِعًا أمام الأرخبيل، وتهدّج قائلًا:
نستغفرك على تقصيرنا،طمعنا برحمتك دون أن نضحّي، هاكَ دَمَنا فِداءً لجلالِك المُعَظّم!

-آه، تضحية
-فعلًا، يضحّون بالحيّ كي يحميهم الجماد

عمدئذٍ لمعت في رأس البليد فكرة:
-ماذا لو قَلَبنا الآية! نضحّي بالجماد كي يحمي الأحياء أنفسهم من جهلهم!

فَسُرَّ الوزير لهذا الرّأي السّديد، ودعى سيّدهُ الأكبرَ السَّدادَ.

“ومنك يا بليد نستفيد! لكن اسمح لي بتصحيحك، لن نُضحّي بالجماد، بل سنستنزفه”

حِكمةُ الوزير هي أنّهُ بسلبِ ذرّات الأرخبيل، وحمايتهم هم معشر الملائكةِ للسّمكِ إلى حين، سَيَسري نور الهُدى على المحيط.

وشنّ الخمسونَ ملاكًا حملتهم الثّانية..

“يؤسفني أنّ مدرسة الرّسالة المضغوطة باءت بالفشل”
الملاك الوزير: لا تأسف على تهوُّرٍ منّي، وشريعةِ غابٍ قدّمتُها على رحمة الدّين! تجهّزوا لشفط كلّ ذرّة من الأرخبيل لِمنفى النِّسيان!

وتمّت عمليّة الشّفط بنجاح، وبهدوء رَجِعَت الملائكة لمملكة السّماء، وألقى الوزير نظرةً أخيرةً على الدِّماء التي لم تَجِفَّ، وهو غابِطٌ أنّها لن تُسفَكَ بالمزيد.

وفعلًا لم تُسفَك أيّةُ دِماء.. لقد حدثت جَلَبة عندما لم يَجِد السّمكُ أرخَبيلَهُ، وقَلِقَ عندما لم تعثُر الدّةريّات عليه في كافّة الأرجاء، وارتاعوا للمصير المُظلِم.. فمنهم من انتحر أملًا في لِقاءِه في الآخرة، ومنهم من ارتدّ، ومنهم من بكى وبكى..

إلّا أنّ الزّمنَ طبيب، فما هي إلّا أسابيع حتّى عادت البهجةُ تنتشر انتشارَ الإيمانِ السّليم في المحيط!

وبهذا انتصرت النُّبُوّة السّلميّة، المُراعِية لرأس العقرب لا من لدغتهم بِسُمِّها الأبدي، الوهم.

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x