الإبداع هو الخروج عن المألوف في الإبتكار، وسلْكُ السُّبُلِ غيرِ المطروقة، والإهتمام بالتّفاصيل المُهْمَلة؛ كي يُنتَجَ شيء جديد سواءً تلمسه الأيدي أو الأذهان.
وكي يعترف المنطق بأنّ القادِمَ لحياةِ المصنوعات “إبداع”، لا بدّ أن يكونَ ذا قيمة وهدف قَيّم، ويجدر به كذلك أن يكونَ أصيلًا غيرَ مُقَلَّدْ.
ويتنوّع الإبداعُ تَنَوُّعَ الذّكاء، فبحسب عالم النّفس هوارد غاردنير، يُصَنَّفُ الذّكاء لِمَراحِلَ تِسعة ثابتة فمراحلها هي محطّات وجوديّة للعقل..
فالذّكاء، نواة الإبداع، ليست سطحًا واحِدًا، فهناك “الذّكاء” الوجودي أي المهاريّ في فلسفة الحياة وصياغة اسئلة عنها، وإدراكِ ما لا يُدرَكُ بسهولة ويتخطّى حاجز الزّمن والأعضاء البشريّة، كأن تتحوّل قدرة الإنسان على الحركة بسهولة الى منحنى تفكير يتعلّقُ بالغاية من تلك القوّة أو ما شابه.
أو نظيره الطّبيعي الّذي يحدّدُ مستواهُ تعامل الفرد مع الطّبيعة ونظرته لها، فمن أبصرها بشاعريّة غدا أذكى من رآها مجرّد ورق وأغصان وحيوان.
إلى جانب الذّكاء النّفسي الّذي يُقاسُ بوعي المرئ بذاته، وكذلك الموسيقى وتطويعها على مَناحٍ وترانيمٍ جميلة يصعب أن يختلف الكثير في اعتبارها عملًا فنّيًّا رائعًا، والرّياضي بتدريبات الجسد وإحاطةُ علمه.. بالإضافة لِلذّكاء في الرّسم الذي يشمل الخرائط والجرافيك.. والذّكاء العاطفي أو الإجتماعي القَرين بالشّعور والشّفقة.
هذا وذكاءَ اللّغة والأرقام، فلا أحد منهما حَكَم على الذّكاء بصورته العامّة المرتبطة ضروريًّا بالإبداعْ.
وبالمثلِ ثمّة شتّى الإبداعات في العالم، بل إنّ شرطًا أساسيًّا للإبداع هو التّحرّر من قيود التّحييد، فنجد مبدعين -أو مبتدعين وبالتّالي مبدعين- احتلّوا كلّ مجال وصنعوا ما بِهِ يُختال.
ففي سنة 1925، قامت شركة رولز رويس للسيّارات الفارهة باستكمال خطّ تصنيع سيّارة الشّبح الفضّي (الّذي بدأ في اوائل التّسعينات)، بسيّارة الشّبح فقطْ.
الأولى عظيمة حقًّا، على الرّغم من كونها في زمن تذوي فيه المَراكب.. آية في الجمال وفي لونها الفضّي كالألومنيوم (وهي ليست مصنوعةً لا من ألومنيوم ولا من فضّة).
تكاد لا تسمع لها دبيبًا ولا اهتِزازًا، والفضل يعود للمحرّك؛ أعجوبة تَسَعُ سبعة إلى سبعة فاصلة أربع لترات من الوقود، وبسايلندر (المنطقة العمودية العريضة التي يُحرَقُ فيها الوقود ويتحوّل لطاثة كيميائيّة) سُداسي!
والأهم، مِن ما منح السّيّارةَ لقبَ الأفضل في العالم، كونُ المحرّك يعمل بأربعين إلى خمسين حصان! والحصان هي وحدة رمزيّة كلّما زادت كلّما أنجز المحرّك مهامّهُ وحرَّكَ بشكل أسرع.
هذا الشّبحُ الفضّي، ومن لَدُنْهِ جاءت علامة الشّبح، وهي سيّارة ضخمة فخمة تحتوي على محرّك بقوة V12 مكتوم!
(V هو الشّكل الظّاهر على المحرّك وبزيادة العدد تزداد الجودة).
وبها صالون وصولجان وكراسي كأنّها الدّيباج!
فكيف السّبيل لهكذا منتج لولا جهود الأخوين تشارلز وهنري رويس عامَ 1904، الذي يمكن بسهولة اعتباره قفزة نوعيّة بعد اختراع السّيّارة بفترة لا تتجاوز ثمانية عشرةَ ربيعًا!
ومن المفروغ منه أنّ رولز رويس اخترعت اختراعًا ما، فبراءات الاختراع هي وقودُ الإبداع. في حالتها، كان التّعطير ساحةً لاختلاق نوع عطري يخترق الحواس برائحته الرّائعة، المرتبطة في اسم الماركة بالعلامة نفسها (Rolls-Royce scent).. عطر مزوّد بتكنولوجيا دقيقة تبخّه وهو الزّكيّ المتماسك الدّائم على فترات محسوبة.
والمفهوم أنّ رولز رويس نسبةً لاستثمارها في الفارِه والرّفاهيّ، حازت سمعة أيقونيّة، أمرٌ هو نصيب كل مبدع.
كملوك الفخامة المُتَرَفِّعَة حتّى عن الإعلانات!
ومن إسفلت الشّارع ننتقل لإسفلت المسرح، حيث أبدع أسطورة الرّقص، الأمريكي الأنيق مايكل جاكسون، في عرض “موتاون ٢٥” سنة ١٩٨٣ ضمن عرض ترفيهي تلفزيوني يُذاع يوم السّبت (وهو يوم معروف بالتّرفيه التّلفزيوني الخاص كعرض ساترداي نايت لايف) في كاليفورنيا، تحت عنوان “الغد واليوم وللأبد!”.
وحقًّا لقد تخلّد على مسرحه رقصة مايكل جاكسون المُسَمّاة “مون ووك” أي مِشية القمر.
رغم أنّها كانت موجودة نوعًا ما وتمّ اداءُها على سيقان الكوميدي الشّهير تشارلي شابلن وغيره، إلّا أنّ المغنّي المناهض للظّلم وأنصاره نفّذها باحتِراف حتّى وُصِمَت به وَوُصِمَ بِها.
ومِشية القمر التي هاجت لها الجماهير تخلق وهمًا بصريًّا عبر سرعة تتابع القدم اليمنى (التي تتحرك قوسًا أُسِّيًّا فنازِلًا) مع نظيرتها اليسرى في نفس الحركة. فبدا جاكسون كأنّه ملتصق بالأرض ويرجعُ فوقها للوراء بانسيابية لا بُطْئَ فيها.
كما أنّه من صاحب أحد أنجح الألبومات في التّاريخ، Thriller (المُشَوِّق)، فَرُبَّ راقِص تمايل وجعل من دبيبه نقرات!
ولنأتي للشِّعارات رائدة المنتجات والخدمات، كل شركة أو مؤسسة لها رمز يمثّلها في السجلّات الرّسميّة، هناك العادي.. مثل علامة رام للسيّارات، فهي مأخوذة كلمةً ورسمةً عن الكبش.
وهناك اسماء الصّنّاع الموروثة لبضاعتهم، كَسوزوكي وميتسوبيشي (الّتي لها فرع للصّناعات الثّقيلة كالسُّفُن، ولا ضَير من ذكر شركة ياماها متعدّدة المواهب! فهي تنتج السّيّارات والآلات الموسيقيّة.. ولا ضير كذلك من القول بأنّ المحدود واللا محدود في سياق الشّركات هو واجب الملّاك بدفع مستحقّات شركاتهم عند الأزمات، فمحدود هنا تعني موجوب)، أو الشِّعارات الّتي لا معنى لها كخطوط أديداس.. أو صورة عامّة لها علاقة باسم العلامة ك Paramount (للإنتاج التّلفزيوني وكثير من هكذا علامات تُتبع بكلمة “صُوَر”) حيث هي جبل تحيطه حلقة نجوم.
وتبقى هناك علامات تصميمها فيه فنّ و “لعب على النّقوش”.. مثل أمازون! هذه الشّركة العملاقة لتجارة السّلع اونلاين علامتها هي كلمتها، ولكن أسفلها يوجد سهم مائل مبتسم برتقالي.
الحبكة ليست فقط في الابتسامة، بل في موضع الخط ونهايته، فهو يمتدُّ من الحرفين a و z، وهذه دلالة على سِعة توجّهات رفوف أمازون، وأنّها تبيع كل شيء من الألف الى الياء، تمامًا كما يَحُدُّ حرفا إيه وَ زي الأبجديّة.. يعني من “طقطق للسّلام عليكم!”.
ثمّ هنالك الإعلانات، وبحكم كونها مقاطع سينمائيّة فإنّها أقدرُ على عرض الإبداع.
بيتا، مؤسسة حقوق الحيوان، أرادت ذاتَ مرّة صناعة إعلان من شأنه توعية المشاهدين بانتهاكاتِ فئران المختبرات.
اسم الإعلان دافع عن كل الحيوانات (حيواني المخبريّ الأوّل) وركّز على الفأر. حيث كانت هناك فتاة صغيرة اشترت لعبة فأر مُرفَقَة بأدوات المختبر. وبلذّة “علميّة” بدأت تعذيبها بالإغراق وإراقة الدّماء وقطفَ الرّأس، وفي كل مرة تُزدَرى هذه الفتاة المتشفّية والمتدلّلة، من والديها، بارتياب، دفعت لهم سِعْرًا أسكتهم عنها وعادوا لمشاغلهم كأنّ شيئًا لم يكن!
فعلًا اعلان صادم ولكن أليست الصّدمة ابداعًا؟
وأحبّ أن أعتبر “المزج” ابداعًا، ولا أعني الفرض والإبتذال، بل كما فعلت تقنيّة الواقع الإفتراض VR، لمّا جمعت بين موادّ الحاسوب الخارجيّة Hardware من لوحة مفاتيح (ولو اختلفت مع لوحة مفاتيح الكمبيوتر كونها هجينًا لا آلة واحدة) وخلافها.. والكوامن التّقنيّة التي تعمل على التّأثير البصري (stereoscopic و stereo لوحدها تعني مِذياع وجذر scopic متكرّر في اللغة ومن استعمالاته Kaleidoscope بمعنى أسطوانة فهو اذن جذر متنوّع).. كي نحصل على نظّارة تنقل لمرتديها صورًا ثلاثية الأبعاد تكاد تكون ملموسة.
ماذا لو أبدعنا في الكَلام؟ يقول سايبورج مُرتَجِلًا في فيلم Blade Runner أن أحلك اللحظات المروّعة (مثالًا، الغارات على سفن مشتعلة) سيمحوها المطر، تمامًا كما يمحو (وهو سائل) الدّموع (وهي مثله سائلة).
وفي المختبرات، ثمّة الماصّة الهوائيّة التي تعبث بجزيئات الهواء وتمنعها من سطح الميكروليترات (ميكرو-ضئيل ولترات تُنسَب للماء) فتشفطها اليها.. انّها ال Air displacement pippete.
وبفضلها يمكن فحص أدق السّوائل.
رقصة مايكل جاكسون واعلان بيتا:

