الطّابِعة العَجيبة

(مقهى في زُقاق ضاحِية على مسطّح مائي، طوبٌ يصطرع معه الفولاذ ويشكّلان مكانًا يألفُهُ أربعة شُبّان أمامَ طاولة دائريّة يتسرّب إليها شُعاعُ الظُّهر)

المتلاعب: الطابعة العجيبة!
طراد: حلم السنين!
لامية: مشروعنا الذي سيغيّر مجرى درب التّبّانة!
مرفت: والأهم، مُنقذة الشجر!

المتلاعب: نعم نعم.. ما إن يُكَلَّلَ لهذه الطابعة النجاح، لن تُنتَهَكَ بعد ذلك شجرة.

(يجوش الفريق بالسعادة والفخر، ويتبادلون المُناغاة، حتّى يجيء النادل ليأخذ طلبهم)

النادل: دامت بشاشة حضراتكم، تحبون ماذا؟ (ينتبه للطابعة) طبعًا لا تريدون أن تعيقكم هذه ال… (يحير في شكلها)

المتلاعب: الطابعة المُستَنسِخة للورق موديل “مولتيبلاير إكس أنليميتِد!”

طراد: ولا بأس بوجودها بيننا يا سِيادة الجرسون.. كيف نبعدها عن أعيننا وهي وليدة جهودنا وعصارة أرواحنا وهدفٌ دَنَونا منه بعد عُسر؟

النادل: مفهوم، لكن كيف نفرُد الوجبة والمساحة تحتلّها هذه المولتيبلاي؟

طراد: إنّنا لن نطلب غير العصير.. جوّافة لي.

مرفت: أمّا أنا فجوّي المانجا.
لامية: وأنا لا أهوى العصائر بل القطران.. نكهة برقوق.

النادل: (يدوّن ويهزّ رأسه، ثم يشيح بنظره إلى المتلاعب) وأنت يا حضرة؟
المتلاعب: (مشدوهًا في خيلاء، يُطالِعُ الطابعة وفكُّه بين كفّيه) وااااااااه …… واااااااااااه

طراد: ها قد بدأت الوااااه!
مرفت: إنّه لا يُوَأِّهُ على هذا النّحو إلّا عندما تختمر داخل رأسه فكرة عبثيّة!

المتلاعب: (للنادل دون أن يبتعد عن الطابعة، بل لقد جعل يلصق وجهه بها) كعكة رمّان محشوّة بكوز شعير، مملّحة وعليها زيت زيتون، ومزيّنة بِرُقاقاتِ البيبّروني!

النادل: يا للعجب! هذه أغرب طلبيّة أملاها عليّ زبون!
المتلاعب: إعذرني للخروج عن سياق الذوق العام، يا سيدي المحترم؛ ثِق إنّي لن أبخل بالبقشيش، فاعتمادي عليك بجمع المقادير التي لستُ أحسبُها غريبةً عن مقهاك.

النادل: حَسَنٌ، لك هذا. (يغادر)

مرفت: ها؟ ما فكرتك العبثية هذه المرّة؟
طراد: نعم، أي فكرة هذه التي تدفعك لطلب طلبيّة يُحجِمُ عنها علماء استِنبات الأطعمة الصّناعيّة!

المتلاعب: (بإشراق) توسيع آمادِ هذه الطابعة.. إنّها تستطيعُ نسخ تركيبة الورق الذرّيّة، وبما أن الورق خَميرةُ طينَتِهِ الشجرُ أي النّبات؛ فإنّ بإمكان المعجزة أن تمتد حتى تُتيحَ لنا التلاعب بالورق الجديد وإرجاعه لأصله النباتي!

طراد: تقصد أنّ الهدف لم يعُد مضاعفة مادّة الأساس؟
المتلاعب: بالضبط، مادة الأساس نُرجٍعُها -من بعد أن نضاعفها- خشبًا!

لامية: منطقي، فالخشبة لو حوّلناها لورقة، ثم زِدنا الوقة وأرجعناها لأصلها.. منطقي منطقي.. يصير لدينا خشب بمقدار الورق.

مرفت: ولكن ما الصلة بين ذلك وبين طلبيّتك؟
المتلاعب: (يشهق كأنّما هزم المعضلة) كل الموجودات مبنية من ذرات، فإذا ضاعفنا ذرّة الورق أو ذرّة الشجرة بمعناها الأدق.. فما ذا يردعنا عن مضاعفة الشعير أو السكر أو اللحم؟

طراد: لهذا طلبت كعكًا بشعير وبيبروني!
المتلاعب: نعم.. الجوع آن له أن ينتهي.. وآن لسيف العلم أن يكسر شوكته.. كل قرقعةٍ ودمعة! آهٍ آهَ فلتشبعوا يا جَوعى! (يدمع).

الفريق: (بصوتٍ واحد) بل فليجوعوا!
المتلاعب: ماذا تقولون؟
طراد: نقول ما آمنَّا نحنُ وأنتَ بِهِ.
مرفت: ما مثَّلَ وجودنا على هذه الأرض.
لامية: حب الشَّر يا مُتلاعِب، إنّا له لتابعون.

طراد: (يتقدم نحو المتلاعب ويُحني رأسه له) اليوم أنتَ ترجو إنهاء الجوع، لكن بالأمسِ كنّا..
مرفت: (مقاطعة في غنوة) ♬ ومن بالأمس يكون ♬
طراد: بالأمس كنّا نركب “الجيب” ونرمي بأشلاء القطط المطحونة على رؤوس المتسوّلين!
مرفت: سرّني أن أفتح بطون الهررة.
طراد: وسرّني أنا وصديقي الطموح أن نضحك لِعَبَراتِهِم!

المتلاعب: كفى! إنّي قد تغيّرت ووجدت عن ذلك الرِّجسِ منصَرَفًا، وانصرفت إلى الحلم المعبق والبيدر الضاحك.. أولستم مثلي يا أصدقاء؟ أوليس هذا حلمنا؟

مرفت: حلمنا كان إنقاذ الشجر لا البشر.
طراد: إنّك يا متلاعب قد تُبْتَ، ولا شأن لنا بك وبخيانتك؛ لكنّا يا نذل نريد استعادة أتعابنا.

المتلاعب: (ينتفض محتجًّا) هَيهاتَ هيهات! لم تعد الطابعة ملككم ولو ذرفتم في سبيلها عرق جبينكم وكدّ يمينكم!

لامية: خِف خِف.. كيف تكون الملكيّة غير عرق الجبين وكد اليمين؟

المتلاعب: ثمّة ما هو أجدى من كادٍّ شقيّ، ومجتهدٍ سادِيّ، مفكّر رصين!

طراد ومرفت: (ينفجران ضاحكين، ثم طراد:) أفكارك الرصينة!
المتلاعب: أجل، ثِق أنّها خير مُكَفِّر عمّا بَدَرْ.
طراد: حتّى لو كان ما بَدَرَ إجهاضُ مِسكينة أو ركلُ يتيم؟

المتلاعب: قد اقتلعت بذرة الشيطانِ مُنذ الآن!
لامية: ليتك اقتلعتها عندما سرقت من المكتبة كتابًا رميته مباشرة في سلة المهملات، أملًا في قسوةٍ ضد الشخصيات الخيالية (تقهقه) ألا يكفي أنّ هذا بحد ذاته جنون حتّى تعرفَ أن تلك الشخصية قاصِر؟

المتلاعب: (يحمرُّ خجلًا) مع بزوغ ضيّ فكرتي الجديدة.. مَلَكَتي المستحدثة؛ هذه الطابعة التي مُذ فتحت صفحةً جديدة لإمكاناتها، طُوِيَ ماضِيَّ؛ أنتم أيُّها الشّياطين لا قدم لكم ولا ساق.

طراد: معك حق، قانون الملكية الفكرية معك، فالمسئولون مثلك حمقى.. إنّهم قد قدّموا اكتشاف الإمكانات على إيجاد الموجودات!

المتلاعب: ولهذا.. (يلمحُ النادل واقِفًا يناظره من شبّاكِهِ في حيرة) خير يا عم؟

النادل: لا يوجد لدينا شعير.
المتلاعب: ولا قمح؟
النادل: أيًّا.

طراد، مرفت ولامية: ( يفركون الأيدي في شماتة) يا خسارة! أفكارك صدمتها العقبات منذ الآن؟

المتلاعب: (يقف، يَلِجُ لعتبة المدخل) أحصُدُهُ كما حصدتُ واقعي.. على أنّي واثق من أمر واحد، هو أن طعم القمح ثابت؛ أمّا طعم الواقع قد يُضَمِّخُهُ عَلقَمُ الفِراق.
ولهذا… سأبني باكتشافاتي الجديدة مستقبلًا للجوعى وحاضِرًا لي!

(يَفِرُّ بعد أن ألقى بمحفظته على طاولة الحساب، وأخذ طابعته بقلبٍ نابِضٌ بالنّار، ويبقى النادل يلملم الجنيهات، والفريقُ ماقِتٌ في غُنَّةٍ، مستهتِرٌ في بعض الحينِ).

                                    [سِتار]
Subscribe
Notify of
guest
1 Comment
Newest
Oldest Most Voted

لوريكا
لوريكا
4 months ago

نص عميق يتساءل: هل يمكن للتكنولوجيا أن تخلص إنسانااا من ماضيه؟ أم أن الآلة تبقى رهينة نوايا من يستخدمها، مهما كانت عجيبة؟؟؟
تحياتي لك وبأنتظار جديدك 🌺 🌺
روكسانااا✌🏻✌🏻

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x