أحمد حسام سعد
مصر

“لن أكتب.”

قالها عقلي بهدوء…
ومن هنا بدأت الكارثة.

أنا أشهر كاتب في المدينة حاليًا.
كتبي تملأ واجهات المكتبات والأسواق،
وعدد المعجبين بالآلاف،
والصحفيون ينتظرون أي تصريح مني كما ينتظر العطشى المطر.

أعلم هذا…
بل ربما أعلمه أكثر مما ينبغي، إن أردت الحقيقة.

لكنني لم أبدأ هكذا.

بدأت كأي كاتب مغمور،
أتنقل بين دور النشر كمتسول يحمل أوراقًا لا أحلامًا،
أُطرد مرة بعد مرة دون حتى أن يمنحني أحد سببًا واضحًا.
تعددت الأبواب… وكان الرفض واحدًا.

أما الآن، فأُستقبل بالورود الحمراء،
وغرفة كبار الزوار اعتادت وجودي،
ودور النشر نفسها التي لفظتني يومًا تتنافس اليوم كي أكتب لها.

وها أنا أجلس كعادتي.

الورقة البيضاء أمامي برائحتها المنعشة،
وقلمي الجديد مستعد للكتابة،
وصوت أم كلثوم يتسلل من بعيد متسائلًا إن كان الهوى غلاب.

ابتسمت…

ثم أمسكت القلم.

أنزلته فوق الورقة.

سحبت نفسًا طويلًا…

وها أنا أكتب—

صبرًا…

لماذا لا يكتب القلم شيئًا؟

تجمدت يدي.

ثوانٍ قليلة من التفكير…

ثم أدركتها.

لا أفكار.

أين أفكاري؟!

دارت الجملة في رأسي بذعر حقيقي.

وفجأة…

خرج صوت طفولي هادئ من أعماقي:

— لن أكتب.

تسارعت أنفاسي.

— ماذا؟

— لقد مللت.

— مللت ماذا؟! هل تمل المعدة الطعام؟

ضحك الصوت بخفة مستفزة.

— بل مللتك أنت.
أنت مجرد إناء فارغ… وأنا من كان يعبث خلف الستار طوال الوقت.
كاتبٌ خفي يخرج التحف الفنية، ثم يصفق الناس لبائع بدين لا يفقه عن الفن شيئًا.

اشتعل الغضب داخلي.

— لكنني صاحبك!

— وأنت لا شيء بدوني.

صمتُ لحظة…

ثم قلت بتردد:

— وما العمل الآن؟

— اكتب وحدك… إن استطعت.

قررت أن أثبت له أنني الأصل،
أنني لا أحتاجه.

سأكتب بدونه،
ثم أستبدل هذه القطعة الخردة بعقل أحدث.

ضحكت رغم توتري.

تخيلت نفسي ذاهبًا لطبيب أقول له بجدية:
“أريد تغيير عقل… هذا الموديل قديم.”

لكن الضحكة ماتت سريعًا.

نظرت للورقة مجددًا.

لا فكرة.

لا إلهام.

لا شيء.

وبدأ الذعر الحقيقي يزحف داخلي.

مستقبل مظلم ينتظرني دون عقلي.

همست بخوف:

— يا عقلي…

ظهرت ضحكة خبيثة داخل رأسي،
تبعتها كلمات بطيئة ساخرة:

— أرأيت؟

— ماذا تريد مني الآن؟!

قلتُها أخيرًا بخضوع ذليل.

— أن تعترف.

— بماذا؟

— بأنك مجرد خادم لدي.

ارتجفت شفتاي.

— لكن الناس لن تفهم…

— لا يهم.
ليقولوا إنك مجنون، لكن هذا شرطي.

صمت.

صمت…

صمت أطول من اللازم.

ثم قلت أخيرًا، محطمًا:

— حسنًا… موافق.

ضحك عقلي بسعادة طفل انتصر للتو.

— أحسنت يا شريك.

كرهت الكلمة.

لكنني ابتلعت الإهانة وقلت:

— حسنًا يا شريك… عن ماذا سنكتب؟
رواية رعب؟
رواية رومانسية؟
جريمة ربما؟

قال بهدوء:

— بل سنكتب هذا.

تجمدت.

— ماذا تقصد؟

— ما يحدث الآن.

شعرت ببرودة تسري في ظهري.

— لا… أرجوك.
سنكشف الأمر بالتدريج… هكذا سأبدو مجنونًا!

— بل هكذا تمامًا.
هيا… اكتب.

أغمضت عيني للحظة.

ثم استسلمت.

وأنا أكتب أول جملة، سمعت ضحكته تتردد داخل رأسي.

“أنا أشهر كاتب في المدينة حاليًا…

Subscribe
Notify of
guest
1 Comment
Newest
Oldest Most Voted

Wave Manipulator
Wave Manipulator
9 days ago

إنّها صورة مصغّرة عن مصارعة الإنسان، بطبيعته المتعنّتة عن الرّوتين، مع كلّ ما يحيطه ويحفّزه.
وداخل هذه الصّورة المصغّرة ثمّة صورة أخرى. ولا يُعْمِلُ هذه الماتريوشكا شيء سِوى النّفس والكوامِن.

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x