تغلغل الطريق بالمارّة تحت شمس الظهيرة، فدبّت الحركة على قارعته.
ومن بين الحشد وآماده تبوَّأ شابٌّ أمردُ، بِخُفَّيهِ الرّياضيّين الذان يَنُمّانِ عن سِعَةِ اليد، وقميصه الداخلي المُهَلهَل الذي يَنُمُّ عن ضيقِها، مقعده من صفصافَ عريضة.
وشَخَصَ ببصره أسوانَ وساحِلَها الشّامِخ؛ كأنّما بذلك يبحث عن ذاته، أو يهرب من سبّة الأعجف التي طالَته حتّى حَلا أن يُرتاحَ للعُشب الإصطِناعي وَعُرّيشةِ خيمٍ من قُطن.
وقد بدا كَخُلوته تمامًا، راكِدٌ بِنِبراسِ الحديقة مُستَنير، فهذه الحديقة قلّما تُزارُ في خريفها.
أمّا هو فقد “إستربَعَ” الخريف و”إخترف” الربيع، لِئلّا يُداني بذلك كُثُرًا من هاوِيي الرّبيع ومُتَجنِّبي الخريف.
ما الدنيا عنده إلّا ربيعٌ يتلو خريف، لكنه في الآونة الأخيرة اخترفَ كُلَّ ربيع، وصارَ المورِقُ ساقِطًا.
ومن الغَمامِ، هناك في الأُفُق المحجوب بمظلّات بروازيّة، ظهرت عَزيفَةٌ مُتَرَصِّدَةٌ تُدَقِّقُ وتفحص وتُعالِج، وتتصل بتليفون قديم:
إنّي أراهُ مُسترخِيًا عند شجرة
فيردُّ صوتٌ يخنقه الغيظ:
كعادته أبدًا!
فيلين الصّوت:
إنّي أُعلِّقُ عليكِ يا صديقةُ اعتِمادِيَ
لِتُحِسَّ الصديقة بالثّقةِ تنفُثُ في قامتها الباسِقة اعتِدالا، وتطمئن قائلة: الحريص حرصه ليس بالبصيص، شاكرة يا نبويّة هذا التّوكُّل، وثِقي أنّي لن أتواكَلَ في قلبِ أحوالِ ابنِكِ.
ثم أغلقتا الخط، ورَنَتِ العزيفةُ للفتى الذي بلغت منه الغفوة مبلغ الراحة.
فما كان من المرأة إلّا أن نزعت قُماشة من تلابيب ثوبها المُطَرَّز بغريب الحرير ونادر الياقوت والكشمير، فَهَفْهَفَتِ القُماشَةُ فوقَ ابن نبويّة، تُحَرِّكُها يَدٌ بارِعة وتقبضها أنامِل عليمة بالصّنعة.
ويُسراها في أثناءِ ذلك تُلامِسُ خصرها المُغَضَّنَ في وِقفَةٍ كُلُّها زَمتة، تُطالع الفتى النّائمَ والبريقَ المُنهَدِلَ عليهِ من قُماشَتِها.
بَريقٌ عَذْبٌ له لمعان ذهبي، سَلَطَةٌ هُوَ مَعَ نَفَحاتٍ عَطِرَةٍ أخذت تُدَغدِغُ الشّابَّ الذي بدأ الإستيقاظُ يُساوِرُهُ شيئًا فشيئًا..
ولمّا فعل البريق فعله، وتفتّحت عيناه، وجد المنظر شَتاتًا عن عن ما أَلِفَهُ؛ حِصان خشبي كحصان طروادة حلَّ مَحَلَّ الصّفصاف، وحجرة مُظلمة لكنّها في رائحتها سَكَوكَعْ.
هو رهينتُها، فيا تُرى من الآسِر؟
عويصٌ عليهِ أن يفطن أصلًا لمعنى حاله، فهو مأخوذٌ من جُلودِ السّحالي المُعَلَّقة فوقه، وطباشير وألواح لو هَندَسَها بَشَر لما خرجت بتلك الأشكال.
لكنّه رجع يتحرّى أمره، فانتفض -وحري به ويداهُ لا أغلال فيهما- يستكشف رفوف الحجرة، وغلب فضولُهُ حَدْسَ البقاء، فلم ينتبه إلّا والعَزيفة -مُجَدَّدًا- تبرُقُ لَهُ من الباب؛ على أنّها هذه المرّة لم تراقب بصمت.
إنطلقت إليه في جريٍ رهيب وزحلقة كال “بريك” أمام وجهه المدهوش، فسألته من فورها:
أتريد أن تكون التّمر أم شيصه؟
وربّما سُحِرَ منذ الآن، فقد أجابَ وكأنّ من أمامه أستاذ مدرسة لا مجهول: شيصه!
-ولما لا تكون تمرة طيّبة النّفع، بدل شيصٍ فاسِد؟
-تقصدين، ولا شك، مسألة البطالة.
غير أنّهُ لم يُسحَر، بل عَرَفَ مُسبَقًا.. فما إن ذكر مسألة البطالة، وعرف مقصد العزيفة، حتّى تكهربت الأخيرة وقالت في شبه صيحة مرتبكة:
أنّى لي أن أحيط بِكَ علما!
فيضحك بنبرة انتصار ويرد:
قلتُ “مسألة البطالة” وليس “مسألة بطالتي”، فبأي سُلطان عرفتي أنّي أحكي عن نفسي؟
وتصمت هي قليلًا ويتسيّج بينهما “الأتموسفير” إلى أن يهدمه الفتى بِبَوحِهِ:
إسمحي لي أن أجيب.. أو أسأل.. أو أجيبكِ سائلًا.. أسلطانُكِ الحصافة أم العَزافة؟ ولا أدري حقيقةً موضع “العزافة” من التّصريف، فاتركيه لأصله النّيكرومانتيك.. أو النيكرومانسي!
لا تحفَلُ العَزيفةُ بمذبحته اللغوية، فقد آخذَها فصلُ الحصافة عن السِّحر! فكيف لا تستنكر الطعن بعقيدتها؟ لذا، إذ ذاك، تُرفرِفُ بردائها، فيكشف عن شاشة حجرية يعشّش فيها العنكبوت ويتعمشق عليها العقرب.
-لستُ أنا بالّتي تَسحُرُ بلا حصافة.. أنا حصيفة قبل أن أكون عزيفة!
وتنهّدت الصعداء، ثم تابعت: إنّك نبيه، وأدركْتَ بذكاءك حِرفتي.. لكن هل ستُدرك حجم ورطتك؟
وهنا، تنحّت عن الشاشة، وصفعتها بِقِعرِ كفِّها وإذ يا للعجب!
الفتى، إبن نبويّة، مُخدّر ويتهاوى على الأرصفة! هذا ما أبدتهُ الشاشة العجيبة.
وتململ الأمرد وكتم ضحكة، ثم قال بنبرةٍ ضبّبها عن عمد:
مؤثرات بصرية احترافيّة، يا أمّي!
-وتعرف بشأن صِلَتي بأمّك! آه لقد انكشف السر!
-هم؟ السر؟ ثِقي أنّ اعترافك بِمَحقِهِ عن رابطتكي بالوالدة كان القشّة التي قصمت ظهر البعير.
-ماذا تعني؟
-“يا أمّي” “يا بابا” “يا ويلي” “يا للهول” كلها تعابير صدمة، لم أعنِ والدتي فعلًا.
فلم تستطع العزيفة منع ضحكة من الإنفلات، وقبل أن تُدلي بدلوها؛ إستطرد الفتى.
-أعرف، بالأحرى تيقّنتُ من القصّة، لماذا برأيك لم أهلع وأحسب أنّي مخطوف، ولما لم أدمّر المكان هستيريًّا أو أسعى للباب المفتوح؟ لقد طربت أذني محادثات أمّي معك من على عتبة بابنا؛ وكي أصدقكِ القول فإنّ هذا ممّا حَمَلَني على المغادرة.. ما أشنعُ عندي من الوِصاية الزائدة عن حدّها.
-إلى جانب ماذا؟
-إلى جانب إيماني بأن الحياة قيد يكبر بِكَبَرِ الإنسان.. مثله كمثل الكلب المقيّد بسلسلة معدن.. كلّما كبر كلما ضاقت السلسلة حتّى أدمت وحزّت عنقه.
أطرقت عندئذ العزيفة وأخذتها الرأفة، واستعلمت:
لذلك..
ولم تكمل استعلامها، فقد ابتدرها الفتى بالإكمال:
لذلك يا سيّدتي المحترمة تحرّرت من قيود الوظيفة، وآثرت الهَيام والتقوقع.
-لكن الشاشة العجيبة أرتك ما سيؤول إليه تقوقعك وهيامك دون هدف! أرجوك أن تجد وظيفة حسنة المَعاش، لخاطر أهلك!
-أعفيني من النقد والتقريظ، إنّي لأُحِسُّ بأنّي حاسِب إذا ما لم يُحصِّل قيمةً ما خُسِفَت قيمته.
-وهو كذلك، ألا تعرف أن جنود الإنجليز كانوا يسألون عن قيمة الشخص بماله؟ فإذا كان الذهب كثيرًا قيل لذا أبو مقدار كذا..
-آه عُدنا للقيد! الذهب!
-قيد؟ كيف يكون قيدًا وهو السبيل للرغد والطمأنينة؟
رنّت تلك القناعةُ قناعةَ الفتى دون أن تؤثّر عليها، فصاحَ:
رغدي وطمأنينتي بالحرّيّة! بلا قيود! بلا حاجة لدفع ضرائب!
يا هوووووووووووووووو
ومع صيحة النصر تلك ولّى فِرارًا من بابِ الغرفة، تارِكًا العزيفة حائرة في أمره.. وأخيرًا استقرّت على قرار، فاستلّت تليفونها وهاتفت الأم:
شيص! شيص يا حبيبتي ما فيهِ عجوة!


أسلوبك ممتع ولغتك فخمة تعكس تمكناااا جميلا من المفردات.
ثنائية التمر والشيص .تحمل رمزية عميقة عن الاختيار بين القبول والتمرد.
فكرة العزيفة ككائن سحري يراقب بحصاافة كانت مبتكرة وجذابة.
الحوار الفلسفي عن الحرية والقيود يلامس قضية إنسانية مهمة.
نصك غني بالغموض والإثارة، ويستحق القراءة بتمعن
استمرصديقي🫵🏻💐💐
أسلوبك ممتع جداً
الحوار شيق والفكرة عميقة ..
أعجبني تصويرك للقيود التي نضعها على أنفسنا أحياناً وكيف أن الحرية بلا هدف قد تتحول إلى قيود أخرى دون أن نشعر ..
قصة جميلو وغريبة وكلمات منمقة تنبيء ان كاتبها ضليع باللغة ومفرداتها حوار شيق بين الشاب والعزيفة وغموض فوق غموض مع انني لم افهم ماذا تريد العزيفة منه الحمد لله انها لم تقتله ههه.احسنتم النشر.