القُمقُم والجراثيم

Wave Manipulator
فلسطين
القُمقُم والجراثيم
القُمقُم يقرعه نسيمٌ مَليحٌ في ليلة مَليحة، فتزدادُ تشقُّقاتُهُ الفِضّيّة مَلاحَةً.
كان في هيئته مُطَعَّجًا، أمّا تشقّقاته فكانت إزاءَ تناقله من جيلٍ إلى جيل، حتّى اعتلى التّسريحَةَ مع كوكبةٍ من الخوابي؛ يتشرّبُ ويشرئِبُّ صَنَمًا ضوءَ القمر قربَ نافذة الكوخ.

وَسِمَةُ الغَرابَةِ ليست في أنّ الكوخَ به فضّة، بل انَّ الفضّة زيّنت قُمقُمًا صارَ لِثُلَّةٍ من الجراثينِ حَجْزًا!

فقد اختمرت داخل تجاويفه عشيرة جراثيم الواحد فيها تختمره حرارتان: حرارة الجماد وحرارة الُعضَيّات.
لا أديمَ يُنيرُ سِجنهم سِوى بصيص ضوء ينفُذُ من فاهِ القُمقُم، لكنّهُ من بُعْدِ المَنالِ ممّا ثَبَّطَ عزيمة الجراثيم، ومع حِصارهم لِما سَبَقَ حينَ الأوبة، العزيمة أصلًا مُثبَطة.

تعاضدوا مَرْكِزَ القُمقُمِ الّذي باتَ لُفافَةَ ظَلام، وبعيونهم المجهريّة بَنَوا دِكًّا عموديًّا مع الفُوَّهَة، وجعلوا من العموديِّ قُطْرِيًّا لمّا أدركوا فرق الحجم الهائل وأنّهم مهما طاروا وقفزوا فلن يقتربوا من هدفهم مِقدار شلن، فجاسوا عند الحوافّ الدّاخِليّة تكتسحهم العَتمَةُ.

لماذا دَنَوْا من عضلة القُمقُم؟ الأرجح أنَّ سخونة الإنزيمات أفقدت الجراثيم صوابها!

ولو أنّ الإلتحامَ مع الزِّنزانَةِ الفِضِّيَّةِ مَوْضِعُ لَوْثَة، فهناك عاقِل وحيد.

إنّهُ “جِرتوم”، جرثومة استحمّت بالنّور الباثِق، وبقيت على العامود يتدفّقُ مِنها الأمل حتّى ليكادُ يُبَدِّدُ الظُّلمَةَ.

“ثمّة أمل!” يقول بِعُلُوِّ الصّوت فيأتيه الرّدُّ من أصوات لا تقل عُلُوًّا، أصوات مُجَمَّعة خَشَّنَها وغلّظَها التّشاؤم؛ “نعم، لكنه في الأعلى!”.

وبعد شورى، وبعد فترة حتّمَتِ تلاشي كل ذرّة إرادة، إنضمّ جِرتوم لجماعته يتظلّلون قانِطين، حتّى حُسِرت رؤوسهم

وفجأة، هبَّ واحِدٌ مِنهم وصاح بحُرقة:
“يا قوم، الضوء هناك.. في الأعلى.. فلنُقدِم ونصنع جِسرًا لا بعيوننا بل بأجسادنا.

فقهقه ثانٍ بِمرارة:
“أجسادُنا؟ وماذا تصنع هذه، ولو صُبَّ في هذا الخزف قطرة لأُغرِقنا؟”

-على الأقل ننال شرف المحاولة!
-الشرف بعد المهانة لا معنى له، لو أنّنا لم نُحِد عن طريق العَفَن لأكلنا العيش مع اصحابنا الفطريّات، ولما كنّا هنا!
-الحق على النسيم، الربيع أحيانًا لا يرحم.

ثمّ قامَ أكثرهم غضبًا وأوقَفَ السِّجالَ قائِلًا:
الحق علينا! خلاص! جرفنا الهواء ووقعنا، جِدوا حلًّا لهذه الواقِعة!

ورغم حدّة الجو، مَزَحَ سفيهٌ منهم:
تقصد ال”وَقْعة”! ها ها ها ها!

فانتهره الغاضِب وتجادل الباقي، وإذ بِهُمامٍ رزين قرّر ما لم يَجسُر عليه إخوته؛ التسلُّقُ.
قد اخترقَ، والكل مشغول، الظلام وألصق كفّه مِجَسّه الرّطب تهيُّئًا للمُضِيِّ لأعلى.

وما إن لامست الشوكةُ الخزفَ من الداخل، حتّى انسابت تحتها.
فشرعَت الجرثومة تعبر الجِدار الذي أُضيءَ بلونِ مِجِسِّها الأخضر، ودون أن يلحظها مُلاحِظ تسلّقت وتسلّقت.

في الخارج، كانت المساحة أوسَعَ وأفرَج، ممرٌّ لا غُمامة فيه، حصير وسجاجيد إمّا مفروشة وإمّا مُعانِقة للحيطان.
وفوقها، يرتاضُ وَلَدٌ باسِطُ الذِّراعين، يصنع منهما أجنحة طائرة ويُوَزْوِزُ، حتّى أنّه واجَهَ مطبّاتٍ هوائيّة!

ها هي علّاقة الثّياب التي لم تعرف غير الرّثِّ تجانِبُها “بارودة” صيد أبوها غائب يصطاد الأرانب، وأباريق مياه صدئة يعجبُ الولد أحيانًا لأمرِها فمياهها لا أطعم (الماء طَعيم وقتَ الشّحّ) ولا تعبئُ بالصدأ الكالِح!

أتُراها “البركة” تقلب الكالِحَ ذوقًا طيِّبًا كما تؤمن الوالدة؟

وخاضَ الولد في لهوه واستمرت المطبّات الجوّيّة تعترضه حتّى سَكَنْ، وبأدبٍ استقبل والدته من الباب ينهال عليها بأصابع العون الصغيرة كي يحمل البِقالة، التي إن كانَ حظٌّ فمُنوّعة، وإن عُدِمَ فبطاطا وخبز.

ورتّب الأكياس، الحظ حسَن وفيها الشمندر والبقدونس وحتى قليلٌ من اللحم؛ تبسّم لأن الليلة لن تكون جائعة، وهل الليل إلّا جوع؟

“ماما ماما! اليوم عرفت معنى الحرية!” تفوَّهَ تفوُّهَ المُباهي المنتظِرِ الثّناء.

لكن أمّه لم تُثني عليه، بل أدانت إهداره ريعانَهُ في ال “فزلكة” والفلسفة.

“يا حبيبي كل الذين بعمرك يلعبون بالكرة، كن مثلهم ولا تَشُدّ!”

فيردُّ الصّغير وقد تحمّس بزيادة:
“أمّا أنا يا ماما فألعبُ بالأغلال لعبة التكسير! أتعرفين كيف، يا ماما؟ إنّي أفرد جناحايَ وأطيرُ إلى أن أُنجي الحرية من سَبْيِها، محطِّمًا بِهِما كل الأصفاد”.

وتضحك الأم لاستثنائيّة وليدها، لقد عهدته مُمَيِّزًا وشاءت لو تتركه لفزلكاته لكن الأب أراد نهجًا آخر، نهج الإجتماعيّة والإرغام على الإنسِجام.
غير أنّها، على تصنُّعِها الشّدّة أحيانًا إرضاءً لإرشادات الأب، لا تقدر على مقاومة متعة رؤية الولد يتصرّفُ على سجيّتِهِ البهيجة.

وبحركة سريعة أُشاح الولد نظره عن بسمة الأم، واستكمل “طيرانه” في الممر.

هناك، رَنا إلى القُمقُم، لقد أحبَّ أن يعتبره وَحْشًا عتيدًا فانقضّ عليه واجِمًا بِزيف، بمرحٍ حقيقي.

قبل أن تحدث الشرارة، كانت الجرثومة المُبادرة قد وصلت بالفعل للقمّة، وقبل أن تلمح الطائرة وترتدَّ عن استنشاقِها عبيرَ الحرّيّة النّقِيّ، خَبَطَتها.
ونظيرَ ذلك سقطت داخل القُمقُم من جديد، على أنّها هذه المرّة لم تهفو بفعل هفّة؛ وما إن أجفَلَ زملائهُ بِهُبوطِهِ، حتّى أن منهم من ظنّه وحيًا، حتّى ابتدرهم صارِخًا:
كاسِر! عملاق! …

ولم يكمل، فقد حدثت شرارة الإصطِدام ودار القُمقُمُ حتّى اختلَّ وسقط، وإذ به قِطَعٌ منثورة، وحَبْسٌ تفتَّتَ كما تفتّتت صدفةُ التِّبنِ والأُقحُوان من المزرعة المُجاوِرة، فاختلطتا وعمّتا الممرّ.

وبهذا، حقّقَ القُمقُم أمنيةً على غير طريقته، لم يُخرج مارِدً أو جِنِّيًّا، بل لعب دوره في مسرحيّة القَدَر، فأوجَدَ بصفحاته ابنًا لا يدري بأنه حقَّقَ حُلمهُ، وأُمًّا توبّخُهُ لتحقيق حلمه، وهي لا تدري أنه حقّقَ الحُلُمَ، فجُلُّ ما تراه أثاثٌ مكسور، فما الأحرارُ إلّا جراثيم تعدوا وتعدوا وتشمُّ المكانَ بأسرِهِ.

Subscribe
Notify of
guest
1 Comment
Newest
Oldest Most Voted

لوريكا
لوريكا
4 months ago

تحفة رمزية رائعة. قصة القمقم والجراثيم والطفل تنسج حكاية عميقة عن الحرية: السجناء (الجراثيم) يكافحون في الظلام، والمنقذ (الطفل) يدمر سجنهم دون قصد أثناء سعيه نحو حريته هو. جماال النص في هذا التلاقي المصيري حيث يصير التحرير عملاا مشتركا بين من يعرفونه ومن لا يدرون.

تحياتي لك 🌺 🌺

روكسانا ✌🏻✌🏻❤️‍🔥

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x