ثلاثة قصص من أدب أمل شانوحة
أمل شانوحة هي كاتبة لبنانيّة متألّقة تطمح لتكون أوّل من تكتب 1000 قصّة، وقد اقتربت لهذا الطموح الرّاقي وقدّرَت أنّ هذا العام هو الذي سيسطُرُ إنجازها الفريد.
قصصها في غاية البساطة كي يفهمها جمهورها المراهق، كأنّها حكواتي.
من قصص الأطفال التي خطّتها يداها هي “الحوت الوحيد”..
في محيطٍ ما وُلِدَ حوت بطفرة جينيّة جعلت من صوت الحيتان عالي الهرتز (10 إلى 40)، لديه، ضعيفًا.. لدرجة أنّ أمّه لم تستطع أن تسمع نداءه (والحيتان تنادي بعضها بالترددات).
إعاقة صعبة قلقت الأم من تأثيرها على ابنها وجعله يتوه في عميقِ المحيط، لكنها رغم ذلك كانت تبتسم له!
والأم الحوت حامية بزيادة، فهي تصطحب ابنها معها كلّ حين، ممّا تبرّم له الحوت الصغير فهو يريد اللعب مع رفاقه.
وتأمّلت الأم مِرارًا، على مسمعٍ من صغيرها، أن تُعالَجَ الطفرة الجينيّة مستَقبَلًا.. تقول هذا وهي مهمومة، ردًّا على كل تمرُّد من الحوت على مرضه.
وجاءَ يومٌ وجد فيه الحوت فرصة للعب الغميضة مع أصدقاءه، حيث اختبأ في رُكام سفينة غارقة.
وقد فاز في الغُمّيضة! لذلك انطلق أحد أصدقاءه يُخطِرُ الأمّ بِغِيابه، كي تهيم الأم بهِيامٍ مجنون باحثةً عنه..
ونجحت في العثور عليه. لقد كان تائهًا خائفًا في الأعماق، إذ أنّه لم يجد طريق العودة ولم يستطع بصوته الضعيف طلب النجدة.
فضمّته الأمّ لها، لكنّها أيضًا عاتبته على عِصيانِها.
تمام، حصل الخير؛ قرّرا العودة معًا لبيتهما ولكنهما لم يجدا بقيّة الحيتان!
وعاشَ لذلك الإثنان وحدهما دون محاولة البحث عن القطيع، وجُلُّ همّ الأمّ الحذرة هو زيادة الحِرص على صغيرها وعدم مغارقته إيّاها كي لا يضيع.
بل لقد حرصت على أن ينجو إذا ما كُتِبَ لها الموت وبقاء صغيرها في ظلام المحيط، لذا علّمته الصّيدَ والإحتراز من المكائد والمخاطر.
حتّى بَلغ الصغير وصار حوتًا قد المحيط! ومع بلوغه ازداد امتعاضه وغضبه الخفيف من حماية أمّه المبالغ بها له.
وتحوّل الإنزعاج إلى رغبة ممازحة! أراد تمثيل الموت كي يمزح مع أمّه. تجمَّد وتحمّل خبطات زعانف أمّه التي ترجو أن يستيقظ معها حوتها..
ولمّا أحسّ بتلاشي محاولات الإنعاش والسّكينة التّامّة، فتح عيناه ليرى والدته تغادره مفطورة الفؤاد!
فصرخ عندئذٍ بأنّه يمزح وأراد منها أن تنتظره. لكنه حوتٌ وُلِدَ بطفرة جعلت صوته خافتًا، لذا لم تسمعه الأم.
وحاول الوصول إليها علّ الحركة تحلُّ محلَّ الصّوت، غير أنّ تيّارًا جرفه عن مسار والدته.. فتحقّقَ الكابوس.
الزّمنُ داوى الجروح، فاعتاد الحوت الصغير على الوحدة، يحيا بالمَسبَح والمأكل والمنام.. وكذلك يغنّي بصوت لا يسمعه سواه.
وشيءَ للصّدفةِ أن يصادفه غوّاصٌ استعجب وحدته المنافية لفطرة الحيتان.
ومن هناك ذيعَ عنوان في الجرائد، هو الحوت الأكثر وحدة في العالم.
وأجرى العلماء أبحاثهم عليه واكتشفوا طفرته؛ التردد المنخفض للصوت، واجتهدوا في حلها، مثبّتين عند فمه جهاز يشبه المايكروفون أثناء نومه.
ولم يعرف الحوت أنّ مايكروفونًا على فمه، ورغم ذلك حاول مناداة مجموعة حيتان سبحت فوقه بعد عدّة أيّام.
هذا دأبُهُ، يعرف أنّه معاق ورغم ذلك… يُحاوِل!
فإذا به صوت جُهوريّ عظيم مدوّي أدهشَ الحيتانَ واستَلفَتَها.
وابتدرَهُ القائد العجوز مقتربًا منه سائلًا عن المايكروفون، ولم ينتظر جوابًا قبل أن يَهُمَّ بانتزاعه.
لكن الحوت الصغير، بشيء من الخوف، رفض ذلك بالرّجاء، لأنّ المايكروفون أو الجهاز الشّبيه به قد يكون هو ما عالج صوته.
ووضّح الحوت في روايتهِ القصّةَ علّتَهُ.
ليستغرب القائد العجوز مساعدة البشر، اولئك الذين لوّثوا المحيط بالبلاستيك وأخلّوا بالسلسلة الغذائية بصيدهم الجائر، لكائنٍ فيه.
والحوت الصغير لطيف، يدافع عن أصحاب الشِّباك الضّخمة، قائلًا بأنّهم ربّما أصلحوا هذه المرة ما أفسدوا.. قبل أن يلتمس بخجل من القائد أن يتقبّله فردًا من مجموعته لأنّ الوحدة أمَضَّتهُ.
ولم يَعُد وحيدًا، فقد تقبّلتهُ المجموعة بل لقد صار قائدهم بفضل صوته العالي الذي لو لم يَكُن نقطة ضعف لَما بات نقطة قوّة، وكان قد تزعّمَ المجموعة بعد موتِ الحوت العجوز.
وتزوّج، فكان من نصيبٍ من النّصيب حوتًا صغيرًا لا يملك إعاقته، صوته طبيعي وجميل.
عِيانٌ هذا لدى العلماء الذين راقبوا الأُعجوبة، حوتٌ صار له زوجة وطفلٌ يُلاعبه وهو موجودٌ وسطَ جماعةٍ يقودها بِجدارة.
وتبدّلت عناوين الصُّحف، وتحوّلت إلى: أخيرًا.. لم يَعُد وحيدًا.
مرّت سِنين طويلة، مات بعدها الحوت واكتشف العلماء وفاته بعثورهم على هيكله العظمي في القاع.
الجهاز كان لا يزالُ باقِيًا عند فمه، فاستخلصه غطّاسٌ وأودِعَ في مُتحَف بحري!
هناك، وقف تلامذة أمام الجهاز، يُرهِفونَ السّمع لقصّة الحوت على لسان المعلّمين؛ عرّفوا بأنّ الجهاز كان مِلكًا لحوت عانى من الوحدة في طفولته لِمرضٍ تغلّبَ عليه وصار بسببه أشجع قائد للحيتان.
وذكّرَوهم بأنّ مُمَيِّزَ اليوم هو سرّ القوّة في الغَد.
هذه القصّة مستلهمة من خبر حقيقي، حيث شَهِدَ عام 1989 استشعار هيدروفون (جهتز يتتبّع الغوّاصات) لتردُّد 52 هرتز الأعلبُ أنّهُ نِداء حوت.
طبعًا هذه صيحة استغاثة نابعة عن وحدة، وهو صوت أعلى من الصوت العادي لدى الحيتان.
لكن حوت قصّتنا على العكس! صوته منخفض.
هذه عبرة الكاتبة، أرادت أن تكون قصّتُها مُلْهِمَةً للأطفال الانطوائيّين المتحرّجين من رفع أصواتهم، فلا يُعانون من مشاكل في الإنخراط الإجتماعي مع اصدقائهم.
في قصّة أطفال أُخرى بعنوان جزيرة القلوب النّقيّة، تُلازِمُ قضايا الصِّغار، وصغيرٌ القزم.
إنّ القزم الصّغير هو من تستهلُّ به الحكاية، عاد من مدرسته وانزوى باكِيًا.. فتأتيه والدته المواسية، التي لاقت من ابنها حزمًا وقهرًا، بشيء من الإبتعاد عن الموضوع، بقولٍ مفادُهُ تأمُّلُ القزم قُدومَ مستقبل يضمن لمعشره الرّاحَةَ من التَّنَمُّر.
وفورًا ننتقل للمستقبل.. كبُرَ القزم وأصبَحَ ممثلًا هوليووديًّا ناجحًا جدًّا ومتفوّقًا في دور الجنّي الطّيّب.. وحصّلَ ثروةً استثمرها بالإدِّخار اشترى بها جزيرةً صغيرةً.
والجزيرة ليست وحدها الصغيرة بل كذلك الأكواخ التي عمّرها، وكذلك إخوته الأقزام الذين دعاهم للسّكن بِها!
الذين لبّوا الدّعوة واستوطنوا الجزيرة، وافِدين من شتّى الجنسيّات، كادّينَ بالزراعة والصيد خدمةً للمجتمع.
سارَت الأيّامُ لمجاريها، وانحرفت إذا ما أنجب زوجٌ وزوجتُهُ قزمًا أخذ يكبُرُ وينمو ليصير عملاقًا في سنّ الشّباب، كاسِرًا حجمه العادي لحظة ولادته.
وخاف الأقزام منه، إلّا والداه، فقد ربّياهُ على الحُسنى، فلم يتعامل مع الخائفين منهم بِلؤم، بل بالإحترام والتّواضُع.
وردًّا على احترامه وتواضعه توقّف الأقزام عن خِشيته، وتعاونوا على طبخ أكلاتٍ كبيرة تشبعه، وخياطة ملابس كبيرة تستُرُه.
إستمرّ العملاق بعطاءه، إستغل حجمه ليعمل عمل الصِّغار الشّاقّ، وحماية الجزيرة من الزّوابع وغيرها كالمتطفّلين.. فغدا الحارس لا المخيف.
وجاءت بعدها سفينة عملاقة كحمولتها، على الشاطئ. كانت تحمل عمالقةَ العالَم!
هذا القُدوم غيّر البوصلة..
قائد السّفينة أعلَم الأقزام بأنّه صنع مثلما “صنعوا”.. فقد اشترى هو جزيرة مجاورة خصّصَها للعمالقة كي لا تصلهم سخرية ونقد البشر الصِّغار.
وأدرك أبوا العملاق اليافِع أنّ الأفضل هو مقاومة عاطفتهم وتسليمهم ابنهم كي يعيش وسطَ أمثاله ليتزوج هناك وينجب منهم خِلفَة طبيعيّة.
وكان العملاق حائرًا قلبه فيه مكانين؛ جزيرته الحاليّة وجزيرة العمالقة. فاختار جزيرة العمالقة.
وودّعه الأقزام، ذارِفي العَبَرات، داعِيين له بالسّعادة.
وعاش العملاق هناك.. تزوج وأنجب توأمًا متقزّمًا عمرهُ سبعة..
نعرف ذلك لأنّهُما هما رِفقةُ العملاق الذي عاد لمسقط رأسه بقارب خشبي!
والجدّان، والدا العملاق، إحتضنا التوأمَ الحفيدَ بِشوق جَمٍّ.
ويتّضح، من كلام العملاق للأهالي، أنّ زوجته لم تتقبّل جينات التقزُّم لولديها، لذا فقد تخلّت عنهم.
ويطلُبُ سائلًا أن يتقبّلَ الأقزامُ توأمَهُ كي يكبرا بعالمٍ يُشبِهُهُم!
وذلك يقتضي أن يعودَ هو لحراسة الجزيرة.
وافقوا بِسُرورٍ أثبتهُ ترحيبُهُم به وإيلامُهُم لوليمةٍ كبيرةٍ له ولتوأمِهِ.. هذانِ انسجما مع الأقزام الطّيّبين، المؤمنين بأنّ سلامةَ القلوب هي ما يحدّد المصير لا الأحجام.
لننتقل لأحدث قصصها، عروس المسيّرة.
عروس المسيّرة هي شابّة أوكرانيّة من مدينة خيرسون، بقيت ثابتة في منزلها الأرضي في زمنِ الحرب، مع والدها المُقعَد.
وكانت، ذات صباح بارد، تنشُرُ الغسيل.. فلاحظت من الشُّرفةِ مُسَيَّرةً تحومُ فوق المنزل! فما كان من الشُّجاعة إلّا أن أشارت بيدها علامة النّصر V استفزازًا.
تزامن ذلك مع مشاهدة ضابط روسي في غرفة المراقبة لتلك اللقطة، وسأل مُسَيِّرَ المُسَيَّرَةِ عن هُوِيّةِ الشّابّة، فأجابه بأنَّ كُلَّ ما يُعلَمُ عنها أنّها من قليلِ الصّامِدين، وهذا هو سبب طيران المُسَيَّرَة فوق بيتها المُقَرَّر قصفُه.
وهنا رفض الضّابط فكرة القصف بصرامة، فقد اهتمَّ بالفتاة وشاءَ مراقبتها عن كثب. لكنه لم يُلغِ عمليّة القصف بل أجَّلَها.
في واقع الأمر، الضّابِطُ أُغرِمَ بِها! أعجبته لطافتها وعفويّتُها.. خَفِيَ ذلك عن المُسَيِّر، الذي حَسِبَ أن المراقبة منبعها الشّكُّ في انضمام الشّابّة للمقاومة الشّعبيّة.
ولمراقبة المحبوبة عن كثب، أشرف الضّابط بنفسه على تسيير المُسيّرة ومُعايَنَةِ المنزل.
ورصدت المسيّرة مقطعًا للشّابّة وهي تُنشِدُ ثوريَّ الأناشيد أثناء جليِها الصُّحون، وهي في خضم ذلك تحمي أذناها من طنين المسيّرة بسمّاعة رادعة له.
وأيضًا، اعتنت أمام عدسة المسيّرة بوالدها المشلول، فزاد احترام الضّابِط لها.
ثم أصبحت الشّابّة الأوكرانيّة جليسةً للمسيّرة التي طالَ سيرُها في الهواء.. فحادثتها من الشُّرفة، مُحتَسِيَةً القهوةَ!
تسألُ المسيَّرةَ عن حالها، وتتندَّرُ بسؤالها إن كانت قد استتبّت على قرارِ القصفِ أم لا زالت متردّدة!
فأجابت المُسَيَّرة بايماءةٍ من مراوحها هي إشارة من الضّابط، ومعناها التردُّد؛ نعم ولا.
وقد تنبّهت الشّابّة لذلك، ولذلك، صارت تحاور المسيّرة كأنّها عاقِلة، وكانت دومًا تنفي وتُصيب.
هذا التواصل هو جوهرُ هوس الضّابط الرّوسيّ بمحبوبته الأوكرانيّة..
راقبها في الليل، وهي تنام بِقُطنٍ في أُذُنَيها وِقايةً من إزعاج المُسَيَّرَة.. وبينما هو كذلك داهمهُ مُوَظَّفُ الحاسوب.
فسأل باستغراب عن مراقبته لها حتّى الآن، فلم يلقَ من الضّابط المندمج مع الشاشة، المهتمّ بالأوكرانيّة النائمة.
فقلق الموظف، وعبّر عن خشيته لاضطراره لسؤاله إن كانَ للشّابّةِ عشيقًا.
حينها قامَ الضّابِط، وأمر بأن يُرسَلَ للأوكرانيّةِ الفرقةُ البرّيّةُ، تُحضِرُها له دون أن تُمَسَّ بِمَكروه.
وحدث هذا..
فاستيقظت الشّابّة، ووجدت نفسها في سرير عسكري حديدي، وارتعدت فَرَقًا وهي تقوم حالما دخل إليها نَفَرٌ تبيّنت منه بزّةَ ضابط روسي أقفل الباب.
فاستبشر الضابط لمقابلة “أميرته العنيدة”، التي صُدِمَت من خطفها، هي التي لا صِلة لها بالحرب ويحتاجها والدها وتطاردها المسؤوليّات.
وفي مقاطعة لئيمة يخبرها الضابط بأن أبوها المشلول في “مكان أفضل” يلمّح إليه بما قد تعتقد به الشّابّة وقد لا؛ الإيمان بالجنّة!
وفي صدمة لا زالت سألت مستنكرة من وصفتهم بالملاعين إن كانوا قد قتلوا والدها.
والأكيد أنّهم قتلوه، فالضابط يقول بأنّه لن يقف مكتوف الأيدي وهو بإعاقته يُهدِرُ جمالَها بِعازَتِهِ لِمُلازَمَتِها.. وجلس على كُرْسِيٍّ قبل أن يستطرد قائلًا بأنّهُ قبل الشّلَلْ المُحدِثَةُ له رصاصة قنّاصٍ روسيّ محترف في جيشه كان جنرالًا في الجيش الأوكراني.
وقد أسبَقَ هذا باكتفائِهِ واكتفاءِ الفتاة من بكاءِها.
والفتاة سألت عن مصدر علمه بكون والدها جنرالًا سابِقًا شُلَّ بقنّاصة، ليخبرها بأنّهُ يحيطُها عِلمًا، ويكتفي بذلك، فيُحيلُ الفتاة للنظر في عينيها الجميلتين! ذلك أنّه، في غيرِ مُعتاد، أو معتاد، إشتاق لأحاديثهما “سَوِيًّا”.
واستغربت مستنكرةً الأوكرانيّةَ لفظةَ الإشتياق، أن يكونَ الضّابِط هو من أصابَ ونفى عبرَ المُسَيَّرة!
فيجيب باللسان هذه المرّة أن نعم، والدّافِعُ الإعجابُ.
وهذا داعٍ لأن يُتسائَلَ عن الجنون، كما تقول الفتاة، فهي وطنيّة حَدَّ النُّخاع ولن تقع في حبّ العدوّ وتخون الوطن.
لكن الضابط لم يرى وطنًا، فأوكرانيا تسقط شيئًا فشيئًا في القبضة السوفيتية، ما عدّه جزاءً عادلًا لمن يتحدّاها.
وثارت أعصاب الفتاة، وقالت بأن الإتحاد السوفيتي زال، ولا اتحاد سوفيتي بعدَ 1991.
تُحاضِرُهُ في حالةِ جهله؛ العاصمة كييف، تلك التي يريد الرّوس النّيلَ منها، هي الأصل للهويّة الأوكرانيّة.. ورغم علم الرّوس بذلك إلّا أنّهم طَغَوا وتناسوها في احتلالهم الفِكري قبل الإجتياحي بالإمبراطوريّة الرّوسيّة.. فلا لغة ولا ثقافة اعْتُدَّ بِها.
كما أنّ الرّوس هم السبب وراء مجاعة الهولودومور كاشِفَة العِظام والمُجبِرة لطحن العظيم استخراجًا للدقيق، فالسوفييت صادروا الطحين والحصاد.
بعد المجاهة وبسببها، إحتَجَّ الأوكران احتجاجات يورومايدان فاستطاعوا تغيير السُّلْطَة! وهذا التّغيير ساءَ الرّوس معتبرين إيّاهُ إهانة تستدعي الرد، فردّوا بِضَمِّ شبه جزيرة القِرم إليهم!
ولِهذا اندلعت صراعات مسلّحة في دونباس وتصدّعت العلاقات بين الجارتين روسيا وأوكرانيا.
وتندَّرَ الضابط راغبًا بالإكمال، فالتاريخ برأيه شَهِدَ على غباء الأوكران في إدارة دولتهم، فقد أوشكوا على الإلتحاق بحلف النّاتو لولا أن شنّت روسيا حربها في فبراير 2022.
والحرب رجّحت لكفّة روسيا التي استهدفت البُنى التّحتيّة من كهرباء وطاقة، لولا دعم الولايات المتّحدة وحلفائِها بالسّلاح، وفرض العقوبات تَدَخُّلًا.
وها هم في نوفمبر ولا زالوا في الطّليعة. ويصف الفتاة بمعلّمته، في تندُّر يسألها إن انتهى الإمتحان أم لا زالت الحاجة للسِّجال المُمِلّ ليمضي طولَ اليوم.
وحزنت، وتمتمت، بأنّ حوارهم ليس فقط عقيمًا بل يُمثِّلُ محاكمةً بينَ ذاكرة شعب ووهم جلّاد!
فلم يكترث للتّمتمة، ونهض عن كُرسيّه وأعلن نيّته الغاصِبة، أن يصطحب الشّابّة معه لمدينته كي يتزوّجها فور صدور قرار إجازته.
وارتعبت الشّابّة بالماذا.. ولم يرحمها الضّابط الذي لا يريد لقراره اعتراضًا، وأخبرها بأنّه سيطلب لها من الجنود طعامًا ترتاحُ بعده بينما يستكمل هو عمله الإداريّ.
ولم يشغل باله وهو يغادر الفتاة ذات القلب المتأجّج طول الليل، المتعطّش للفتك بعدوّه!
وكلّت ليلة ثانية واعدها على العشاء وحاول فيها لمس يدها، فما كان منها إلّا أن اشمئزّت واستنفرت بيدها منه، وكي تُداري غضبه أخبرته بأنّها وعدت والدها المغدور بأن لا يمسّها غير زوجها كونها من عائلة ريفية متشددة في المسيحيّة، فليس القصد إذن المضايقة.
ليقول الرجل بأن هذا أي الزواج حاصل ما وصلا لبلدته.. فتحتكم هي لهذا الأمر، مُخبرةً راجيةً بكونِ اللمس قرينًا به، وأن يكتفيا بالصداقة إلى حينه.
يتركها على سجيّتها، لكنّه يذكّر بكون إجازته مبكّرةً، بعد يوم غد، وهو اليوم الذي سيسافرون به للبلدة.. لذلك يُهيّبُ بال”عروس” أن تتجهّز! وابتسم دانِيًا منها باستفزاز، ليتّضح أنّه علم بأمرٍ ما.. فقد نصح الأوكرانية بأن لا تهرب ثانيةً كي لا يرن جهازُها كما حدث! فلا شك أن هناك ما حدث.
وخرج من الغرفة، وتضايقت الفتاة في نفسها وهي تناظر الجهاز المُخَلخَلَ على قدمها.. تضايقت من ضيق الوقت، ووجدت أنّه من الضروري الإستعجال في نقل المعلومات التي تجسّست بها من الجنود لبلادها!
ومن محاسن الصُّدَف أنّ حقيبة ظهر الضّابط انزوت في الغرفة لنسيانه إيّاها، ففتحتها لتعثر على حاسوب.
فكّرت بأنّ الضّابط سينهمك طول الليل في الإدارة، وبإمكانها إرسال الملفّات السّرّيّة
لقيادة الجيش الأوكراني البرّي حالما تَفُكُّ شيفرة الحاسوب.
وقضت ساعاتٍ دئوبة في حلحلة الشيفرة والعمل على الحاسوب، وجدت خريطة لتمركز قوات الرّوس حول خيرسون، مدينتها.
فبعثتها لصديق والدها، قائد الجيش!
وتأكّدَ استلامه لها، لأنّه اعتذر عن تحريرها لشدّة حراسة المعسكر التي هي فيه.
وتحررت خيرسون في نفس الشهر، نوفمبر.. عندها عرف، لِتوقُّعِ الفتاة، الضّابِطُ بالتّسريب.
وانتابه السّخط، فدخل الغرفة على الفتاة الخائنة على حد وصفه، أو تهديده فقد هدّد بأنه سوف يقتلها.
غير أنّ بَسالَتَها لم تتزعزع، فلم تهتمّ بالتّهديد لأنّه لو تمَّ لماتت فِداءً للوطن.
ولم يصدق، قائلًا، الضابط أنّ ساذجةً مثلها استطاعت اختراق حاسوبه. لكن تلك الساذجة شِبلة من أسد، فأبوها كما تردُّ بِمَكر علّمها فنّ الإختراق كي تصير مثله.
فصُدِم هو لأنّ هذا دليلٌ على كونها من المُقاوَمة.. والمقاومة هي دأبُ كل أوكراني شريف، فالأوكران شريفون أمام غطرسة الرّوس، فلهذا اتّهامُها بالمُقاوَمة غباء.
بعدها، جذبها بعنف من ذراعها إلى سور المُعسكر كي يُعدِمَها بطلقة مسدّسه، طلقَةٌ لم تخرج من الفُوَّهَة لأنّ الغرامَ عاد!
وإن لم يُعدِمها هو، يجيءُ النّقيب الرّوسي! فيتناول منه المسدّس ويأمره بالإستدارة كي لا يرى… الإعدام! الذي جثى لصوتِ رصاصته على ركبتيه.
ماتت الأوكرانيّة المُخترِقة للحاسوب برصاصة مُخترِقة للرّأس.
فصرخ عندئذٍ الضابط بسؤاله عن سبب عدم ثقتهم بالقرويّين “الملاعين”.. وسؤاله كان موجَّهًا لربِّ العِباد.
والمعسكر بارد والجنود مصدومون وضابِطُهُم ينهارُ باكِيًا.
هذه ثلاثة نصوص من نصوص هذه الكاتبة الرّائعة الكثيرة، إنّها بالفعل لتحرِّكُ القلب بمُباشَرَتها وسلاستها، وعاطِفَتِها وعبرتها وذكاءِها وجمالِها.


جميل جدا اتمنى لها التوفيق