يتّخذ توفيق الحكيم من حماره إلفًا يُجاذبه فُضلَ الحديث على طول تسعة عناوين سبقتها مقدمة تعريفية عن حبّه للحمير برمزيّتها وتاريخها الفرعوني.
حقًّا، سواءً كان جحشًا اقتناه له والداه في صِغَرِه أو حمار ظُلِمَ أو آخر نزّهه وفرّج عنه وتواصل معه بعطافة حنونة صامتة، ثمّة حمار واحد هو روح تلك الحمير جُمعاء يسأل توفيقًا، في العنوان الخامس، عن ماهية مؤتمر الصلح للحرب العالمية الثانية!
والحقيقة أن هذا المؤتمر الذي سيتخيّله الحكيم الغابِط لاستفسار صديقه، خيالي بحت ومؤسف أن موعد انعقاده مجهول.
لذا يلجأ توفيق للخيال، ذاك الشبيه برمل الصحراء؛ فيتخيل المؤلف أن مؤتمر الصلح (اجتماع فاضل للسلام ودرء الحرب) سيُقام في مدينة فرساي القريبة من العاصمة الفرنسية باريس، تحديدًا داخل قاعة المرايا (من خلال بحث بسيط فقاعة المرايا لا تشتهر بها فرساي بقدر منطقة العُلا السعودية، واسم القاعة يشرح كل شيء).
في القاعة، لا بد من مبادئ ثابتة للسلام تختلف عن مجهودات الأسبقين، الذين سيُستَعاضُ عنهم بنخبة يجتازون اختبارًا خاصًّا هو أن ينطبق عليهم ايمانهم بفكرة جديدة لم تذكر في النص.
نعرف الآن أن شطرًا من المؤتمر سينعقد بعد الحرب لأن هناك أمرًا لا مناص منه حينها، أن يولَدَ تساؤل شعوبي عن صاحب الدّرك الأعلى من فضلِ صِناعة السّلام؟
فمن المُحتَملين البديهيّين، المنتصرون المحاربون! على أن إيعاز الفضل لهم حصرًا دونَ النوّاب عنهم؛ أصحاب الفِكر المصلحون الذين سيدوسون الميدان حالَ تعب المنتصرين الأوائل، ضربٌ من الخطأ.
وضربٌ من الخطأ أيضًا التّسليمُ بحصانة المنتصرين بذواتهم، فقد يُغالون في حربهم ويختزلون واجبهم لانتصارات جديدة فارغة تهشّم مبدأً عظيمًا هو كلّ المنشود: الإخاء بين الدول وتعاونها وتساويها.
إذن فليس مستغربًا أن تنتصر الدول الديمقراطيّة، كانجلترا تشرشل وسوفييتيّة لتفينوف -مثلًا- وترسل للمؤتمر، للمفاوضات، هؤلاء المؤمنين بالإخاء الدّولي.
بالتأكيد مصر ستحضر، لذا يُبالغ الحكيم في خيلائه ويتصوّر، إجابةً لحماره، أنه وبشكل خارِقٍ للمنطق سيمثّل مِصرَ مُختارًا من القاهرة!
وكدأبِ صحافة مِصر فإنها ستنزع عن الحكيم -كظنّه- لا مؤهّلات التمثيل بل كل ما يختص به الآدمي!
لكن الممثّل له أنصار كذلك يُمعنون في الدفاع عنه.
وآن الأوان -في خيال الحكيم- لإقلاع الطائرة المشيّعة بالأعلام الخضراء، من مطار ألماظة، مُحاطةً بالحشود التي تَهيبُ بالرجل أن لا ينسى مطالب البلد، والتي يُلَوَّحُ لها ب “محفظة” هي حافظة لوثائق رسميّة معنيّة بالمذكرات التفسيرية وما شابَهَها..
ويصل أخيرًا للشاطئ، وتُصطفى طائرته لعبور أوروبا بينما صاحب الشّأن مشغول عن محفظته والتفكّر بدوره وسبب اصطفائه بالإطّلاع على شتائم الحسّاد ومحاماة الأنصار على مدار الصبح والمساء!
وحَلَا لكاتبنا أن يستغل فترة الطيران بالإطّلاع على الأوراق، لكنه ولصفةٍ فيهِ نسي الحسّاد ذكرها في تقاريرهم شرد إلى التفكير في فرنسا ونُزله الذي قد يكون فرساي وليس مونمارتر؛ منطقة ذكرها الحكيم في كتابه زهرة العمر فهي ذِكرى نزل إلى نُزُلِها لمّا ابتعثته مصر للخارج..
مونمارتر، الحي الباريسي المرتفع، سكنه الحكيم قبل عقدين من هذا التذكر على متن الطائرة، بفندقه ومرقص كوليزيوم وباغياته!
كما أنه لمح بائعات هوى أشرك ماله بجمالهن وبطعامه (كرنب بالسجق).. نقطة لا تقل أهمية أنّه كان يكتب شعرًا أمام حانة قريبة من ملهى الطاحونة الحمراء.
بدأ بعد ذلك المؤتمر في قصر فرساي، ولهذا القصر نافورات أخّاذات ملتصقة بحديقة خضراء.. وما يجعل النافورات أخّاذات هو تشكّل الماء ك، حسب النص، كماسة مُلقاة فوق العشب تُشِعُّ بالأضواء.
فطرأت طامّة الطّامات وعجب العجاب! توفيق الحكيم أراد ما صنعه الآخرون من استعراض للوثائق فإذا بصفة أخرى نسيها الحسّاد ظهرت وظهرت معها الطّامة! إنه النسيانُ الشيّطانُ أنسى الكاتبَ وثائق بلده!
لكن الفرج، فرضًا، جاء. فقد افترض الحكيم أن صغائر الأمم كمصر لن تشغل المؤتمر في أوّل أيّامه.
لذا استراح الحكيم وهو ينصت لممثّلي القوم كبيفردج (عضو برلمان المملكة المتّحدة)، دانيال ديوي (برلماني أمريكي)، لتفينوف (ثوريّ روسيّ)، وشيانج كاي شيك (زعيم صيني).
ومع إنصاته شرد المؤلف كما في الطائرة، هو Chilling كما يقال بالإنجليزية.. مسترخي ويحصي المرايا في قاعة المرايا وحركات شيانج كاي شيك المنعكسة بل فكّر بأن هذه القاعة مناسبة للمرأة لأن المرايا علامة زُهُوّ.
وهنا ازدادت الجدّيّة ولا زالت ال Chilling! فتسائل لماذا الدول كالنساء تجتمع عند المرايا؟ وخشي بأن يكون فعلًا تشبُّهًا بالزُّهوّ، لا سِيَما أنّ الزُّهُوَّ كِبَرْ؛ والكِبَر تلميح لمخاطر معاهدة سابقة أجريت في فرساي (معاهدة فرساي لمعاقبة ألمانيا، ما هدد باندلاع حرب وهو ما كاد يُهلِك ممثّلي الدّول، هذا هو الخطر المُلَمَّح له، فألكانيا تكبّرت عن دفع تعويضات).
ثم بَهُت الإفتراض. على حين غرّة، قرّر المؤتمر سماع مندوبي الأمم الصّغيرة وممثّل مِصر الذي نسي محفظته!
فقد “جاءك الموت يا تارك المحفظة!”
هستيريا كوميديّة حضرت بشأن المفقودات، فما كان من توفيق إلّا أن ارتجلَ رغمًا عنه وعن شِيَمه، فقال مصحِّحًا للسّادة الأجلّاء أن العالم واحد وأممه ليست متفرّقة بين كبيرة وصغيرة، فهي كالأسرة تلتمّ حول المائدة كما يلتم الممثّلون حول طاولة المفاوضات.
إذن فالأرقام تنصّ على فرديّة العالم و… زوجيّة الحرّيات؛ أربع.
كيف لا وهو الدستور المنشود الذي كافحت البشرية لأجل بناء العالم عبره؟
والحريات الأربع هي حرية كل من التعبير والعبادة.. والشطر الآخر هو تحرُّر من كلٍّ من الفقر والإستبداد.
وهذه بديهيّات اقترحتها الديموقراطيّات في أواخر الحرب.
هذه الحريات تُغني مؤتمر الصُّلح عن أي مطلب، فيما خَلا مشاريع التّطبيق..
ومشاريع التطبيق لا بد منها، وممّا لا بد منه أيضًا أن يتفضّل أبناء المؤتمر بقبول نِيابة ممثّلين مختلفين عن أصحاب البلد بشأن المطالب ودفاع.. أي أن يتبنّى ممثّل بلد X الدفاع والمطالبة بالحقوق لبلد Y.. كي لا يحدث انحياز عاطفي يخذل فكرة الدّوليّة الإنسانيّة.
فالسّلطة يجب أن تكون تضامن مندوب تركيا مع روسيا، وفرنسا مع ألمانيا، ومصر مع إنجلترا، والصين مع أمريكا.
إذ ذاك، تعجّب ممثّل المملكة المتحدة لكنه رضي وتبسّم بعد انتهاء الحكيم من خطابه الخيالي.. فانتقل الرضا للأعضاء الآخرين، واستفحلت الحماسةُ لدى المؤلف.
ثم حُضِّرت السّلطة، وانحنى في تحيّةٍ X (شتراسر النازي مثلًا) من أجل ديجول فرنسا، Y.. وسراج اوغلو التركي سلّم الثوري الرّوسي، بينما الأمريكي صافح الصّيني.
وهيّب المؤتمرُ الحكيمَ ليستطرد، فاستطرد وطمئن مسئول إنجلترا أنْ في أْيْدٍ أمينةٍ بلاده، كما متبادل حَسْبُهُ.
لا يضر أن يسترعي توفيق انتباه بيفردج إلى مشاكل مصر بما أنه سيتكفّل بالدفاع عنها، فيا ليت أن يُستلهم من نظام الضّمان الإجتماعي الإنجليزي مشروع تنمية لطبقة الفلّاحين في مِصر.
وكذا تعزيز الإقتصاد، مضمومًا مع الثروة الأهليّة؛ كالتّطوّر في التّصنيع أو تحسين الموجود من زراعة وصِناعات مختلفة.
هذه، في اطراء، موكّلٌ بها بيفردج ذو الهمّة العالية وبحثه الذي لا بد مستفيض ويملئ أوراقه ومحفظته!
السياسة الخارجية لمصر ليست استثناءً عن السياسة الخارجية للدول جمعاء، خضوعًا للمبدأ المشترك الذي سيمحق عقباتٍ عدّة (أربع حريات للعالم الواحد).
فلا ريب أن الديموقراطيات، بصحيتها المدوّية المُعتقِدة بأن قوّةً اقتصادية-أخلاقيّة، مدعومة بشرطة موحّدة تمنع اعتداء دولة على أخرى؛ قادرة على مقاومة قوة سياسية شريرة هي بالضرورة أصغر من تلك الفاضِلة.
بذلك، لن يوجد مانِع يمنع الصداقة بين الشعوب في كافّة بِقاع الأرض، الغالِبة والمَغلوبة.
والخِتام بَيان نهاية التّكليف الذي كُلِّفَ به بيفردج عن مِصرَ، وبيفردج هذا، من منظور الحكيم، لم يقصّر في تعبئة أوراقة ومحفظته بالمطلوب.. لذا فأمر بلده انجلترا سهل.. ولذا، أيضًا، يطلب منه الحكيم، كخطوة أخيرة حتميّة، أن يسلّمه محفظته!
رابط الكتاب:
حماري ومؤتمر الصلح | حماري ومؤتمر الصلح | مؤسسة هنداوي https://share.google/x50ID6hMtZDbb6KLL


مقال جميل وسلوب الكاتب جيد ولكن ملحوظه بسيطه ياريت تخالي بعض العبارات مفهومه اكثر..
وابسط لانو هناك بعض العقول يصعب عليها فهم مغزه الحديث…. واعتذر لو حديثى به بعض الازعاج للكاتب…. هذه وجهة نظر بسيطه.. وارجو تقبلها بصدر رحب