ظِل لم يكن ليحترق

بقلم : تُقى ياسر

مصر

اليوم هو ميلاد أختي الصغرى التي طال انتظار جميع أفراد القبيلة لها.
نعم، القبيلة.. سأحدثك عن كل هذا بالتفصيل لاحقًا، لكن الآن أنا أسفل الطاولة أرتجف رعبًا..
لماذا يحيط الظلام بأمي على السرير..؟ ما هذه الأغنية الغريبة التي تتمتم بها أمي و أختي الرضيعة؟
اقترب الظل أكثر من أختي و أمي، حمل أختي بين ذراعيه الطويلتين بينما هي تنظر له بافتتان، و اختفى كل شيء.
و للحظة، افلتت مني صرخة عالية و انا أقفز من أسفل الطاولة و أركض لأمي و ارتمي بين ذراعيها.
صرخت هي بجزع و صاحت:
_ هدّام! ماذا تفعل هنا يا فتى؟! ألم يمنعك والدك من الدخول للغرفة؟
ازداد بكائي و انا اقول:
_ ماما… من هؤلاء؟ و أين بيجين؟
نظرت لي أمي بتحذير ووضعت يدها على فمي و قالت بتوسل:
هدّام، اسمعني جيدا. أنت لن تتفوه بكلمة.. اختك في رحلة صغيرة و ستعود.. وثقتُ بها، و صمتُّ . على مدار الأيام التالية، كنتُ خائفًا بشدة، ف اختفاء بيجين لم يتحدث عنه أي أحد قط، و كأنها ما زالت موجودة بيننا. أمي تذهب لمهد بيجين و تهزه و تدندن و كأنها موجودة. الجميع يسأل أمي عن حال الصغيرة فتجيب هي بهدوء و فخر: فتاة قوية و مثابرة.
جلستُ مع باقي الأولاد نلعب على حدود القبيلة، فقبيلتنا تقع وسط صحراء شاسعة لا حدود لها.
أتذكر أن خمسة من اصدقاءنا خرجوا من القبيلة و لم يعودوا..
قال أحد اصدقائي، و هو فتى اسمه كُعيب:
_ لقد رأيتُ شيئا غريبا ليلة الأمس يا هدّام.
نظرتُ له بفضول فقال هو:
_ رأيتُ والداك بالأمس يخرجان في وقت متأخر من الليل الى أطراف القرية الغربية.. و كان هناك قطة سوداء مع والدك، و ثلاثة كلاب سوداء تسير خلفهم، و جميع آبائنا يقفون في النوافذ و يغنون أغنية غريبة.
نظرتُ له بصدمة ثم ضحكتُ قائلا:
لديك خيال واسع يا كعيب، أأنت مجنون؟! لا أحد يذهب للأطراف الغربية للقرية. هذا ممنوع. محرم. ابتسم فتى آخر و أنضن للحديث: أأنت خائف يا هدّام؟
قلبتُ عيني و قلت:
_ لا تكن أحمق، لستُ جبانًا.
قال آخر بابتسامة شقية:
_ إذًا..ما رأيك أن تخرج ليلًا خلفهم و تكتشف إن كان كعيب يكذب.
ترددتُ، فالخروج ليلًا محرم في قبيلتنا، لكن لا يمكنني رفضت التحدي، فوافقتُ علة مضض.
في تلك الليلة.. بقيتُ مستيقظًا ليلًا حتى سمعتُ صوت الباب الأمامي يُغلق،و بعد تلاشي صوت أصوات الاقدام و ابتعادها..خرجتُ
لقد رأيتُ نفس ما رآه كعيب.. و تبعتهم للأطراف الجنوبية
هناك..
تلك الشجرة العملاقة التي تقطر دما.
هناك، ذلك القبر الذي اختفى والداي أسفله.
كدتُ اصرخ، لكن التفاف غصن حول عنقي منعني..
و سحبني لداخل الشجرة.

Subscribe
Notify of
guest
4 Comments
Newest
Oldest Most Voted

عاشقه الرعب حلا
عاشقه الرعب حلا
3 months ago

الصراحه القصه حلوه و مخيفه اتمنى انك تنزل باقي القصه لانو صار عندي فضول حتى اعرف وش صار

عزف الحنايا
عزف الحنايا
4 months ago

ياإلهي شعرت وكأن قلبي توقف لحظة وأنا أقرأ هذا الرعب الغموض والأسرار التي تحيط بالقبيلة جعلتني أعيش كل لحظة مع هدّام شعور الخوف عند مشاهدة أمه وأخته والظلال الغريبة حتى مجرد تخيل ذلك يجعلني أرتجف أحببت الطريقة التي وصفتي بها الغموض،وكيف جعلتينا نشعر بأن كل شيء حي من أغاني والدته إلى الأشجار التي تقطر الدم شعرت بأنني جزء من هذا العالم المظلم،وكل لحظة فيها مشبعة بالرعب والدهشة وأتساءل ماذا سيحدث لهدّام بعد أن سحبته الشجرة ؟!

بنت بحرى
بنت بحرى
4 months ago

الصحراء تخفي اكثر مما تظهر
فكل حبة رمل فيها تحمل سرا دفن ثم نسي
وكل ريح تمر فوقها تهمس باسماء الذين لم يعودوا
نحن نظنها فراغا…لكنها تحفظ الوجوه والعهود والطقوس القديمة..وتبتلع الاصوات فلا يصل منها الا الصدى…في النهار تبدو صافية هادئة
وفي الليل تتحول الى عين مفتوحة لا تنام
تراقب القبيلة وتنتظر دورها القادم
اما نحن فنعيش على حافتها
كاننا ضيوف في ارض تعرف عنا اكثر مما نعرف عنها
جميل سردك وتعبيرك واختيارك للعنوان
استمر 🌹
سلام 🌹

لوريكا
لوريكا
4 months ago

قصة جميلة ومرعبة في نفس الوقت. الطفل هداام شاف أخته تختفي قدام عينه، الكل يتصرف وكأن شيئا ما صار، ولا حكاية. أمه تهدي سرير فاضي وتقول البنت في رحلة!!!! الأب يطلع بالليل مع قطط وكلاب سوداء ويختفي تحت شجرة غريبة.

أكثر شي عجبني بالحكاية: الصمت. الكل عارف السر بس محد يتكلم. ولما الطفل حاول يعرف، الشجرة أخذته هو كمان.

كأن الكاتبة تقول: بعض الأسرار العائلية تبتلع اللي يحاول يكشفها.

نهاية حلوة وموجعة.

تحياتي لك وبأنتظار جديدك 🌺 ✌️

روكسانااا✌🏻✌🏻🐦‍🔥

4
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x