لو أردنا تلخيص قصة اختلاس زائرة ليوسف إدريس بِجُملة واحدة لما استعصينا ذلك، فهي قريبة من طِراز الحدث الواحد الذي تحيطه المقبِّلات حتّى ينتهي بالصدمة العاطفية، وبتحليةٍ يقرّرها الكاتب؛ وهنا لدينا النظرة العطوفة التي قرّر إدريس أن تكون الجوهر الإنساني والختام لقصّته، وليس ذلك عَجَبًا عندما نأخذ بعين الإعتبار أن “نظرة” هي عنوان قصّة أخرى عن شخص يتأمّل -أي ينظر- لطفلة تعمل بحمل بضاعة ثقيلة وتترنح في خضم ذلك.
ذلك الحدث هو… إختلاسُ زائرةٍ!
لدينا في القصة امرأتان، مصمص وسكينة.
والأسماء عندها ملاحظة، فمصمص ليس باسم دلع! كما أن سكينة، بعكس الإنطباع الذي قد يتركه اسمها، ليست ريفية؛ لكنّها اسم على مسمّى لأنّها هادئة.
والقصة عمومًا تتّبع الإسترجاع الفنّي في البداية والنهاية وترديد جملة البداية.
نأتي للبداية…
حجرة في مستشفى -وانتبه، هذه النهاية التي سبقت الفلاشباك- فرغت عن بِكرةِ أبيها إلّا من مصمص وسكينة.
والذي جرى أن مصمص، النّاهِدة خطرة الملامح، رمقت صاحبتها سكينة وأرادت عِتابها بشيء من التهديد العامّي، متمثّلًا بجملة حائرة..
كانت تريد أن تقول “بئا اسمَعي يا..”، ووجه الحيرةِ في الموضوع أنّها لم تدرِ بِما تُتبِع يا النّداء.. “بت سكينة” أم اسمها مجرّدًا من أي متبوع.. (يا بت قد تحمل شيئًا من الإهانة مثل يا واد).
وبعد هذه الحيرة، يأخذ الكاتب في حديثه عن سكينة وكيف أنها من مُدُننا (الغرض من ذلك بيان أنّها ليست ريفية النشأة ونا المتكلمين فيها وطنيّة احترفها الكاتب وسيستخدمها مجدّدًا فيما بعد لوصف مستشفيات”نا”) متوسّطة السِّعة، وأنّها مؤدبة خلوقة لطيفة خجولة رقيقة! وكانت تُساكِن زميلتها مصمص السمراء.
لنستبدل كلمة “حجرة” ب “عنبر” أبو اثنتين وعشرين سريرًا، فهو المصطلح الذي فضّل الكاتب ليس فقط استخدامه بل السخرية من أنه، بأسرّته الإثنينِ وعشرين، هو عنوانُ مستفيات”نا” بكافّة ألوانها.
ثمّة مظهر آخر، العنبر نسائي وبه “تمرجية” أي عامِلة غذاء، و”تمرجي” أي عامل ذكر لكنه مختص بدورة المياه والمطبخ، ممنوعٌ دخوله.
الأولى ممتلئة ولسانها لاذع، والثاني لم يلتزم بالقانون، كما لم يلتزم أيٌّ آخَرَ.
الكاتب شخصي جدًّا في كتابته، فهو لا يصف سَكينة بالسَّكِينة والضعف والمرض وكفى، وإنّما يقول بأنها التي إن أُطيلَ بها النظرُ لترسّخ الإيمانُ بالضّعف والعازة للشفقة! وهي مريضة مرضًا مُزمِنًا ونادرًا أقعدها في المشفى لثلاث أشهر، فترة جعلت حلمها يُختَزَلُ بالتخلص من هذه القعدة، التي للأسف لم يُكتَب لها الخَلاص.
فالأطبّاء، على غير المتوقّع، يصدّونَها باللّين والبَسمات والإيماءات والطبطبات أو الكذب التّسليكي (بمعنى أن يوافقوها على قدر عقلها).
ونعرف ب “أمّا..” الخِطابيّة بامتياز أنّ مرضها النادر هو سر شقاءِها.. مرضٌ لم يذكر بالنص لكنه مجالٌ يُحاضِرُ، إستعراضيًّا، الأساتذة بِهِ.
مع الفِقرة التالية نقترب أكثر من صورت سَكينة فهي “لم تكن مقطوعة من شجرة” (ولو أنّ الخاتمة تعارض ذلك!) فككل البشر، لها أقارب.. تحديدًا شقيقتان وأخ.
على أنّ أيًّا منهم لم يَزُرها ويؤنس أشهرها الثلاث، بل إن أخاها الذي أوصله المشفى هجرها دون صلة رحم.
وهي، كالجميع بمن فيهم التمرجية أم لسان لاذع، عليمون بفضيحة قطع صلة الرحم.
لذا فقد تلطّخت صبابة سَكينة برغبة عارِمة في أن يزورها أحد ويتفقّدها.. وهذه الرغبة طغت أولويًّا على رغبتها بالخروج من العنبر وإلحاحها على كبير الأطبّاء بشأن ذلك.
فها هي أيّامُ الأسبوع تمر بزوّارٍ بالأخماس والأعشار متفرّقين على السّرائر، فيما خلا سريرها هي؛ تلك الوحيدة.
حسنًا، ليس تمامًا؛ وليس تمامًا هنا لا أعني بها استثناءً حسنًا بل عاطِلًا؛ فبجوار سَكينة جيرانها -وبالطبع عندهم زوّار- وهؤلاء الزوار جعلوا من سريرها مِتختة يُقابلون بها الجارات!
والحضريّة خجولة، فلا تقدر على الإعتراض والإحراجات، وتستعيضُ عن قلّة الأدب هذه بتسكُّعٍ عند الشرفة الوسخة أو الممر أو طرقاتٍ حرّة.
والشرفة وسخة لأنّه لا مناص من القمامة وقشور الفاكهة الآتية مع كثيرِ الزيارات.. فأخذت المرأة تتأمّلُ وأخذ قلبها يعتصر ألمًا.
ذلك أنّها وحيدة مظلومة برأيها، وقريباتها لا يَرُدُّنَّ الزيارة، تمامًا مثل أخيها الذي -يا ليت لو “يخطئ!”- ويزورها على حينِ مرّة!
وتوسّعت الملامة لتشمل الكون، فقدرُهُ أن تبقى هي وحيدة، لا شكّ إذن أن ذلك الكون به غلطة! (الكون مادّة دسمة للطّالِع وكثيرًا ما يتردّد في عروض التلفاز الغربي).
مجموعة تساؤلات تظهر على لسان الراوي الذي يُحَدِّثُها عن سَكينة، ضمن سِياقِ أنّها لا تعرف.
فيا ترى ما السبب وراء تجمُّد وقسوة قلوب المُعرِضين؟ وكيف نسي الكل أنها تقبع في المستشفى؟ ثم ما هذا الذي جعل صلة الرحم، وصلة الصداقة تنقطع فجأة؟
ولو كان في المسألة رسائل أو كلمة سلام، لهانت؛ لكن ذلك أيضًا لم يَكُن.
ورغم هذه الإنقباضات، إلّا أنّ سَكينة كتمت حزنها وطردته عن ثغرها الباسم الذي يشترك بدفئه مع مئزرها الصّوفي!
توالت بعدها الأشهر، وتوالى معها وجوه المرضى، غير أن مصمص -جارة سَكينة- بقيت معها، في هذا “الوضع الغريب” (هذا التّنصيص هو فاتِحة الفِقرة التالية أيضًا كما هو خاتمة السطر الثالث في الفِقرة التاسعة أي الحاليّة).
ولعلّ من غرابة الوضع أن سَكينة رغم أنّها تَتوقُ لمغادرة العنبر الذي تُخلو منه الحمولات تدريجيًّا كالقِطار، إلّا أنّها لا تجهل بأنّه مقرّها الوحيد الذي يقبلها إذ أنّى لها بملجئٍ آخر تعرف فيه فعلتها ومقرّها؟
هذا الطرح جاء بعده نقطة انتهاء الجملة، وبعدها نتعرّف غلى خلفيّة سَكينة المختلفة عن ضياعها الآن، فقبل أن يدخلها أخوها المستشفى كي يرتاح من سُعالِها الذي خنقها في الليل، كانت تخدمه في سيرورةٍ أمِلَت أن تنتهي بتقدّم عريس لها أو زواج أخيها ربّما لتستقلّ عنه..
فأصابَ النصيب مصابًا.
وفي العنبر، وصلها خبر زواج أخيها وانضمامه لشقيقاتها في حالة اللا عزوبيّة، الحالة التي ضنّ عليها القدر بها.. فسَكينة مبلغها من الجمال لا يُسعِفها لتكون ضيفةً عند أيٍّ من أزواج أختَيها!
طبعًا الذّمّة بريئة، يبدو حتّى الضّيافة يلزمها جمال بدني!
لكن لو فكّرت سَكينة بمنظار أكبر واتجهت للزواج، ذاكَ الذي يستدعي الجمال، لصُفِقَ الباب في وجهها، فقد راحَ فتيلُ شبابِها أو سنّ الزّواج، فلم يبقى مُنقِذ ولا مكان إنقاذ.
كالكمّاشة تتقطّع سَكينة في ذلك “الوضع الغريب”.. ويتساوى ضيقها بالعنبر مع خضوعها له؛ فهي مترنحة بين الحرية وضدّها، مثلها كمثل الحَبيس الذي لا تساوي حرّيّته مقدار شلن.
كما أن ذلك الوضع الغريب لم تتكلّف السّكينَةُ استيعابَهُ، وأرجو الإنتباه على أنّنا هنا أمام وضع غريب آخر سمّاه إدريس “مسألة”..
فنعرف أن مُصمصًا زوجة لأستاذ كبير بحسب ونسب جعل زوّارها كُثُرًا -بالأخص في العطلات-.
وأنّها تضيقُ بالزيارات الكثيرة التي أغرقتها فالزوار أحيانًا يُناهِزون الخمسين!
وطبعًا، لم تظهر تبرّمها و “ضرب البوز” وقت الزيارة (بالعكس، كانت تدّعي عدم قدوم جميع المعارف).. بل بعد انتهاءِ مدّتها.
طيّب ما هي المسألة؟ هي سؤال سَكينة عن اولئك الزوّار!
ومن هنا بدأ الهوس.. تفاصيل صلة القرابة والوظيفة همّتها، والتمحيص والتدقيق أشغلها.
فمثلًا، سرّها جدًّا أن تخمّن -أثناء التخمين وبعد أن تتبيّن صحّته إثر اندهاش مصمص- أن زائرًا ما كان ابن خالةِ مصمص العامل بسكّة الحديد! وسرور لا قاع له! نفسها حقًّا انبسطت لمجرّد انخراطها اجتماعيًّا وصحّة تخميناتها!
إذا كان في تخميناتها جرعة دوبامين فكيف تتوقّف عند ذلك الحد؟ فتطرّفت قليلًا ومدّت يد المَعونة من ضبط لمقاعد زوّار زميلتها وحتّى العمل كنادلة تهرع لل “بوفيه” وتجلب الضّيافات.
ولمّا بالغت سَكينة، لم يعد الأمر، بالنسبة لمصمص، محضَ طيبة عابِرَة، وارتفع سقفُ العَجَب إذا ما تعاملت النّاحِلة سَكينة مع الزوار كأنّهم أفراد أسرة لها! فقد كانت تناغي الصّغار وتُلاعِبُ من هم أكبر قليلًا، وترشدهم لدورة المياه.
بل وصّت سلامًا وحلّفت به على من تعرفهم ولا يعرفونها!
فارتابت مصمص التي، كما وصفها المؤلف، جَهَنَّمُ إذا ما ساورها الشّك.. ولأن هذه المرأة خطرة فإنّها رأت في تصرفات سَكينة “تزويدًا للأمور دون وجه منطقي”.. فهذا هو معنى أنّها تجلس مع أقرباءِها وتُلازمهم دون فكاك رغم أنّها ليست من شجرة العائلة.
أيضًا، كانت الشؤون الخاصة تأتي في الأحاديث، فلم تستحي سكينة وتتحلحل عن المجلس إنّما شاركت به بنفس الحماس الأرعن!
في خضم ذلك، رَجَت مصمص أن تتنبّه زميلتها لِثِقَلِها الخاص فلا تتنبّه حتّى بأبسط الحركات.
فسكينة لا تكتفي بالثرثرة المتطفّلة أثناء الزيارات بل حتّى ما بعدها عندما تقابل، بكلام شخصي، زميلتها مصمص التي تكظم غيظها!
إن الذي صبّر مصمص على سكينة هو أن الأخيرة لم تغادر فراشها، وجزئية كبيرة من العتب تقع على عاتق الزوار أنفسهم لأنهم هم المبادرون بالتقرّب.
ومن اولئك المتقرّبين نفرٌ وأكثر، تحتكرهم سَكينة ولا تترك لهم مجالًا ليحاوروا مصمص! طبعًا ليسوا مُكرَهين، فهم تجذبهم شخصية سَكينة ولو أن هذا لم يُذكَر بالنص.
في الفقرة التالية يجيء السرد على فيضِ الكيل ونهاية الفلاشباك وتكرار فاتحة الفِقرة الأولى (ما كاد يفرغ العنبر كقطار أفرغ حمولته وقالت بعلو الصوت…)
فقد بلغ السيل الزُّبى والتفتت مصمص بعنف وقالت لسكينة بعنف “بئا اسمعي يا…”
ثم نتعمّق أكثر في دلالات الحيرة.. فإن أتبعت يا المناداة ب “بت سكينة” انقطعت أواصر التلاحم وفسدت العلاقة، أما لو قالت اسمها وحسب صارَ الأمر توبيخًا ستنساه الأيّام فيما بعد.
إن مناداتها لها باسمها المجرّد يتناقض مع عصبيّتها، لذا فقد عقدت العزم على المناداة التّحقيريّة! وتهيّئت لذلك بأن رمقت سَكينة الوادِعة رمقةً لا بُدّ أنّها سَنٌّ للحديد!
وهمّت بأن تضع لها حدًّا وتحرّم زوّارها عليها لا بل تنذرها برد الصاعِ صاعًا؛ معاملة زوّار سَكينة (غريب هاه؟) بالمرمطة والشرشحة!
مع أنّها لو أرادت العين بالعين كما بانَ في القصّة لوجب عليها معاملتهم بالحسنى! (هذا إذا قَدِموا!).
وما إن حدثت النظرة المشتعلة حتّى خَبَت.
أوّلًا، وقع النظر على سكينة وهي حالِمة وتنظر أمامها كمن انتهى من احتفال! وجسدها نصف مغطًّى؛ وثانيًا.. أُسبِغَت الرأفة على النظرة وعلى الصدر الذي رفعه الغضب!
ففي تلك اللحظة عَرَفت مصمص أنّ سَكينةَ لا إلفَ أو زائر تنتظره ولا أحد يهتم بزيارتها.. فكيف تهدّدها بمرمطة من ضنّ عليها بحضوره؟
فصارت مُرهَفَة الحِس، هذه الخطيرة التي مع التفاتتها التفت معها السرير!
إذن، حصل ما حصل، واللسان انفلت.. بئا اسمعي يا..
لذا فقد ردّت سَكينة على “السّت مصمص” كما أجابت (وأجابت بقليل من الخوف) فما كان من مصمص إلّا أن غيّرت شيئًا واحِدًا؛ نبرَتُها التي خفتت واندفاعها الذي تحوّل لِ “ولا حاجة ده كلمة كده وعدّت!”.
وفي الخاتمة تتجلّى النظرة.. نظرة حزينة مستكشِفة موشِكة على ذرف العَبَرات.. وانكشف من اكتشافِها حقيقة سَكينة المرّة المندمجة مع نحافة بدنها؛ أنّها مقطوعة من شجرة.


مُحزِن 😟 فلنحرص على أرواح الآخرين ولنُنعِمها بما منّ الله علينا به من طيبة.. فإن كان داخل قلبك طيبة ستساعد أحدًا ما وتخفّف كربته، فطوبى لهذه النعمة!
لا أملك حقّ التّنظير لأنّي سادي اجتماعي ولكن يا صاحُ تأمّل هذه القصة وهذا النحت للحياة البائسة الباردة الحزينة داخل قصة كادت من فرط كآبتها تدمع عيناي.
العاطفة! العاطفة فالعاطفة!
صدقت