بقلم : Wave Manipulator

“ثانغ” تعني بالانقليزيّة الشّيء، وهي عامّيّة قلبتِ الألسُنُ “آيَها” لِ a.
و Thang هو عنوان هذه القصة القصيرة جدا, المصنّفة ك Vignette؛ الكلمة ذات الأصل الفرنسي والتي تحتمل معنى الأوراق المزخرفة في الرسوم واللوحات على نمط ما, والصور الفوتوغرافية الخاطفة والظلال ونحو ذلك من فن التصوير.
ذلك أنَّ “الشّيء” أو الحدث الذي أحدثه والبلع الذي ابتلعه قد ابتلع معه الحبكة التّقليديّة, فكان هو برمّته تلك الصورة النابضة واللوحة الوامضة, التي ألوانها الأفكار السريعة لا البنية السرديّة المستفيضة, والفكرة التجريبية لا الخلق البليغ.

مع ذلك يبقى لقصة الشيء مكانتها الخاصة, فهي تقطن رحاب الملكية الفكرية لقدومها لحياة الأدب سنة 1936, ولأنها تثير التفكير في هشاشة الأرض؛ ففقراتها القليلة تدور حول وحش فضائي يبتلع كوكب الأرض! وسواء اعتبرناها رعبا أو مزحة كارتونية, لا يسعنا الا أن نتحاذر أشياءَ أغفلتها أعيننا البشرية.

تبدأ الفقرة الأولى بالسرد من الطرف الثالث, كما يسرد النص كله! وأظنني في هذا أحاكي أسلوب كاتبها مارتن غاردنر لمّا افتتح نصّه محاولا اظهار طبيعيّة كوكب الأرض المناقضة لما سيَترى لاحقا, فهي تدور حول الشمس كدأبها البطيء الهادئ أبدا.
أمّا ما كسرَ الدّأبَ فهو اغتناء الشَرق بالأرز (ربَما لذلك صلة بتغييرات أكبر واكثر غموضا في الفضاء؟) وهو بالطبع أرز أصفر ولم يكن الوحيد الأصفر في النص, بل أيضا أطفالا ولدوا صفرا! ومن الانطباعات النمطية العنصرية أن الآسيويّين صفر, فلعلّ الكاتب أراد اضفاء مزيد من الغرابة بتلك المشابهة..

وفي الشّرق كذلك تكدست المؤن في مناطق استراتيجيَة..
وفيه جامعة لتشيكاغو (غير أنَّ تشيكاغو في غرب الأرض فهل هذه دلالة على اختلال الموازين في الأزمات؟), كانت جانب الحكمة والخطابات المجهولة لكن الأكيد رصينة.
ثمَّ بَرَقَ الشَّيء! وكانت عيونه ثلاثة أزواج بارزة (استخدمت صفة opulent ومعناها الفخامة والرَّغَد, ومن هذا المعنى الأساسي يمكن وصف الأبدان اللّافتة)
طيّب لما الشرق؟ لأنه المقابل للمخلوق الشيء الذي جعل من الأرض لقمة بين أصابعه!

وقد استفاق من نومه وأراد لخواء معدته وجوعه مهدّئا, وعانت عيونه الستة من ضوء النّجوم (تجدر الملاحظة أن blinding light المستعمل لوصف ما لا نقواه كبشر, والذي يقصد النور السّاطع من وجهة نظر العملاق, هي أغنية شهيرة للفنان the weeknd لكنها مجموعة في الصّيغة.).. وهو بذاته لا يدري كم من يوم لبث نائما, لا لشيء الّا لأن هذا الشّيء لا يؤمن بمفهوم الوقت, ويجرّده من كل قيمة.

ويتّخذ الكاتب أسلوب الخطاب المتكلّم للجماعة, ليشرح كيف أن تفكير الشيء وطرائقه ولو أنها لا تداني ما عند الانسان, فهي تحتّم جوعه حين يكون يقظا! واللغة بسيطة اعترف الكاتب بتبسيطها عمدا, وتجاوزت المنطق النّحوي بضعا, لان الشيء جاعَ بالصّفة hunger التي لا تقبل القواعد تحويلها لفعل.

بالعودة لما بعد ردّة فعله تجاه الأضواء السّاطعة, أن أغمضَ السّتّةَ مرّات متقاربة كما اعتادَ أخيرا, واحتجاز الأرض رهينةَ لقمته, مَطَّ يده (بالانجليزية, stretched his forth ولا يوجد هنا مفردة تعني اليد لأن فورث تعني الأمام أو الأعلى, وهو في صميمه تعبير مجازي ديني كذلك يشير للدعاء, وتعبير يومي يشير لمد يد العيون) كي يبعد عنه الشّموس! (الابعاد هنا جاء على هيئة الفعل swept aside وله معنى الابعاد المعنوي للهموم والمادي كتغذّي الشيء على الأرض!).. فضيّقَ الشيء جفونه للتّركيز (أجد من المثير للاهتمام أن الفعل squint والذي يرمي للاغلاق الجزئي للجفون قراءته شبيهة بالأفعال الماضية الشّاذّة, بالرغم من أنّه يأخذ ed بشكل عادي).. كي يستهدف بنطاق نظرته ما لا يحتاج لتضييق الجفون, كواكب تدعى Riper وهو ليس بالمصطلح المعروف في علم الفلك, ولو لم يكن أقرب تصحيح املائي مجرّد علامة لخوذ درّاجات الأطفال لأوّلنا ان كانت غلطة املائيّة أم لا.

وهي كواكب مركزية واضحة المعالم بشكل عام ضبابيَة للشَيء, فغرز فيها وسطاه, وألحق ما أعجبه منها يمناه, وَفَضَّ عنها النّدى المالح (وكان النّدى في النص موصوفا بأنه adhering أي ملاصق وتجوز لمعاني الالتزام الوظيفيّة, وغيره من الجليد في الحواف مع وصف تحرّكات الأصابع ناحيته وهو متكتّل, وتكتّله تعبر عنه الانجليزية بكلمة caked وهي ليست تعبيرا مجازيا عن الكعك وانّما صفة للكتل الجافة الثخينة), وعندما تملّكها جفّفها بصدره, فكان أنجَعَ من أصابعه اللاتي كنّ فراشي!

وعضَّ الكوكَبَ فألفاه ناعما تخرج منه العصارة.. ليس بتلك اللذة لكنه مقبول لأنه على الأقل لا يتجمّد له اللّسان! وهنا أنقد الكاتب لأنه بطريقة “لا اكس ولا واي” جعل من أطراف العبارة نقائض, ويفهم ذلك, لكنّ المفروض اذا أبرزَ فتور الطّعم أن يكون الطّعم أولا له صلة بدرجة الحرارة لا النّكهة العامّة.

الغريب ان الكاتب وفي تصويره لما بعد الوجبة كتب أن الشيء ازدرد كل الكوكب حتى النخاع, باخضره ويابسه, بظرف زماني لا أدري كيف جاء! “دائما”.. هذا الظّرف يعقل فقط أن يتماشى مع الماضي, وهو بالفعل صيغة الفعل أَكَلَ المتبوعة مباشرة.
على أنَّ المعهود هو قراءة دوما ودائما وعلى الدوام كبيان لحالة فعل مستمر لا أن يقال مثلا “دائما أنجزت الامتحان آنفا!”
وقد استلقى العملاق غابطا في أمان يسرح في أفكاره (وَوَرَدَ تعبير جميل هو أنه أجاز لتلك الأفكار بالسّفر في مسارات تافهة ربما يبرر الكاتب عدم ذكرها بتفاهتها أو قد يكون منهج الشيء في عدم الاكتراث للأساليب البشرية ومنها التفكير), دون هدى.

فبوغت بمن رفع رقبته أثناء استلقاءه! ليتضح أنه رفع بعنف للأعلى والوراء.. رفعته وأرجعته ذراع عملاقة (tremendous bulk, والصفة الأولى مجرد اضافة لا داعي لها كتتابع الصّفات بالعربيّة, ف بَلك على وزن مرادفتها هَلك تعني الضخم أو المجزئ) مشيبة وذات رائحة نشاز.
فاذا بالحركة تبدأ بدقّه بسرعة كالمسمار بضغطة واحدة, ومع ذلك فقد كان الشيء الذي فاق الشيء دونه, فعاينه الثّاني من فوق (هو فوق) الى أسفل.. قبل أن يؤكل.. أي في وقت سنح منه أن يرى مصيره قادما, ويؤكل.
وأكَلَه فم هائل أحمر اللّون يقطر لعابا على بواطن أصداغه.. ثم لم يرى أكثر من الظلام المطبق, ولم يسمع أزيَدَ من صوت الالتهام.. وكان الصوت شبيها برعد الرّعد!

طيب من هو هذا بل ومن هو الشيء؟ نعرف ذلك من الجملة الختامية التي فسّرت سلسلة الآكل والمأكول, أن هناك, بخلاف الشيء, آلهة “اخرى”!

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x