ما فاقَ تَوَقُّعاتي

أَنا ابْتِهال، ابْنَةُ ثَمانيَةَ عَشَرَ عَامًا، مِن حَيٍّ
عَرَبِيٍّ، امْتَزَجَتْ فيهِ خُيوطٌ وَزَخارِفُ
اجْتِماعِيَّةٌ بِشَتّى أَنْواعِها.

قَبْلَ تَعَرُّفي عَلَيْهِ:

كانَ شَخْصًا يَنْفِرُ مِنْهُ الجَميع، ومَشْهورًا بأنَّهُ مَصْلَحَجيٌّ واسْتِغْلاليٌّ، مَعَ أَنَّ الَّذينَ يُطْلِقونَ
عَلَيْهِ هذِهِ الإِشاعاتِ كانوا أَصْدِقاءَه، وتَرْبِطُهُم
بِهِ عَلاقاتٌ مَتينَة.

وأنا، كُنْتُ أَكْتَفي بِالاِسْتِماعِ والمُراقَبَةِ مِن بَعيد، إِلى أَنْ جاءَ يَوْمٌ وَقَعَ بَيْنَنا فيهِ جِدالٌ، قَضَيْنا
بَعْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن لَيالي الصَّيْفِ في التَّسامُر.

جَذَبَني شَخْصُه، وشَعَرْتُ أَنَّني أَنْسَجِمُ مَعَهُ
وَفْقَ قاعِدَةٍ طالَما آمَنْتُ بِها:
«الفَرْدُ الَّذي لا يُحِبُّهُ مَنْ حَوْلَهُ، في الغالِبِ يَكونُ شَخْصًا جَيِّدًا، لا مِن ذلِكَ النَّوْعِ المُنافِقِ الَّذي يُحَبُّ لِمَظاهِرِهِ الزّائِفَة؛ وكَما يُقال: نافِقْ تَجِدْ أَلْفَ مُرافِق».

لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ صَديقٌ أُشارِكُهُ أَخْباري خَارِجَ المُؤسَّسَةِ وداخِلَها.
كُنْتُ سَطْحِيَّةً حتّى مَعَ مَنْ أُدْخِلُهُم إِلى مَنْزِلي، ويَأْكُلونَ مِن مِلْحي؛ لا يَعْرِفونَ عَنِّي سِوَى أَنَّني إِنْسانَةٌ كَالبَقيَّة، لَها بَيْتٌ وأُسْرَة.

أَمّا هو… فَكانَ مُخْتَلِفًا.

وقد وَثِقْتُ بِهِ مُنْذُ أَوَّلِ نِقاشٍ دارَ بَيْنَنا.

في بِدايَةِ التَّعَلُّقِ والانْجِذاب:

كانَتْ مُعْظَمُ أَوْقاتِنا مَعًا كَأَيِّ صَديقَيْن.
كانَ هو مَنْ يَسْأَلُ عَنِّي دائمًا، أَوَّلَ مَنْ يُبادِر، يَنْصَحُني ويُوَجِّهُني.

كانَ يَقْرَأُ تَقَلُّباتي مِن خِلالِ كِتابَتي، ويُدْرِكُ أَنَّني لَسْتُ على ما يُرام، فيُحاوِلُ تَعْديلَ مِزاجي.

كانَتْ تِلْكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَشْعُرُ فيها بِحَلاوَةِ
الصَّداقة.
كُلُّ ما بَيْنَنا كانَ مُتَبادَلًا.

اسْتَمَرَّ هذا التَّعارُفُ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ، حتّى أَتى
الدُّخولُ المَدْرَسيّ، فاسْتَغْرَبَ الجَميع:
«كَيْف؟ مَعَ مَنْ؟».

تَوالَتِ الأَيّام، ولَمْ أَرَ مِنْهُ سِوَى الحَنِيَّةِ والطِّيبَة.
كانَ يُحَدِّثُني عَنْ أَسْرارِهِ، يَشْتَكي بلا تَوَقُّف،
ويُقَدِّمُ نَفْسَهُ دائمًا في صُورَةِ الضَّحِيَّة.

كُنْتُ أَسْتَمِعُ، أُهَدِّئُ، وأُحاوِلُ التَّخْفيفَ عَنْه.
خَصَّصْتُ لَهُ وَقْتي، لا مِنَّةً، بل شُعورًا بالوُجوب.

أَمّا أَنا، فَكُنْتُ في حالَةٍ نَفْسِيَّةٍ هَشَّة، زادَها
قُرْبِي مِنهُ وُهْنًا؛
فَما كانَ يَصِلُني سِوَى البُكاءِ، والتَّشاؤُم، وطاقةٍ سَلْبِيَّةٍ مُتَراكِمَة.

كُنْتُ أَمْلِكُ قُدْرَةً غَريبَةً على التَّجاوُز،
والابْتِسامَةُ لا تُفارِقُ وَجْهِي.
أَهْتَمُّ بِمَظْهَري، وفِكْري، ودِراسَتي.
كانت لي هَيْبَةٌ لا تَسْمَحُ لِأَحَدٍ بِتَجاوُزِ حُدودِهِ
مَعي.

أَمّا هو، فَكانَ ضَعيفًا، لا يُدافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، مُهْمِلًا لِمَظْهَرِهِ، ضَعيفَ المُسْتَوى الدِّراسِيّ، عُرْضَةً
لِلتَّنَمُّر، صَوْتُهُ لا يَرْتَفِع.

لكنَّ إِصْراري على تَغْييرِهِ أَثْمَر.
تَغَيَّرَ… أو هكذا ظَنَنْتُ.

في المَواقِف:

جاءَ يَوْمُ تَوْزيعِ النَّتائِج، وتَحَصَّلْتُ على عَلامَةٍ
أَعْلى مِنْه، وهو أَمْرٌ يُوافِقُ مُسْتَوايَ الطَّبيعيّ.

نَهَضَ غاضِبًا، يُعاتِبُني أَمامَ الجَميع: «كَيْفَ
تَقْضينَ كُلَّ وَقْتِكِ مَعي، ونَحْضُرُ مَعًا، ثُمَّ
تَتَحَصَّلينَ على نَتيجَةٍ أَفْضَلَ مِنِّي؟».

كانَ يَتَكَلَّمُ دونَ اتِّزان، يَثْرْثِر، والجَميعُ يُشاهِد.
ثُمَّ أَنْهى حَديثَهُ قائِلًا: «كُلُّ واحِدٍ في طَريقِهِ، سَأَحْظُرُ حِسابي».

راقَبْتُهُ صامِتَة.
حُبِّي لَهُ مَنَعَني مِنَ الاِنْفِجار، وأقنعتُ نَفْسي أَنَّهُ مُجَرَّدُ انْفِعالٍ عابِر.

عِندَ عَوْدَتي، لاحَظَتْ أُمِّي وَجْهي، فَقَلِقَتْ.
سَأَلَني الجَميع: «ما بِكِ؟».
وكَعادَتي، أَجَبْتُ: «أَنا بِخَيْر».

لاحِقًا، وَصَلَتْني رَسائِلُه… كَلِماتٌ جارِحَة.
نَزَلَتْ دُموعي، واكْتَفَيْتُ بِقَوْلي: «قُلْتَ ما لَدَيْكَ، وأنا أَنْصَتُ».

قَرَأَتْ أُمِّي الرَّسائِل، وقالَتْ بِحَزْم:
«الَّذي يُحِبُّكِ يَفْرَحُ لِنَجاحِكِ، لا يَغْضَبُ مِنه».

حَدَثَ ما حَدَث.
وسَلَكَ كُلٌّ مِنّا طَريقًا يَليقُ بِهِ.

تَغَيُّرُ مَكانَةِ شَخْصٍ عَزيزٍ لَيْسَ سَهْلًا، ولا كُلُّ
عَلاقَةٍ تُفْسِدُها المَواقِف؛
أَحيانًا يَكْفي أَوَّلُ مُنْحَدَرٍ لِكَشْفِ التَّصَنُّع،
ولمَعْرِفَةِ مَكانَتِنا الحَقِيقِيَّةِ عِندَ الآخَرين.

خَسِرْتُ طاقَتي، وجُزْءًا مِن مَلامِحِ شَخْصِيَّتي، سَبَبُها مُعْتَقَداتٌ خَاطِئَة.
فَلَيْسَ كُلُّ دَرْسٍ يَصْلُحُ لِكُلِّ مَوقِف؛
قَدْ يُصيبُ مَرَّة، ويُخْطِئُ أُخْرَى.

لا تَحْكُمْ على الكِتابِ مِن غِلافِهِ،
ولا تُراهِنْ على جَوْهَرِ كِتابٍ أَثْنى عَلَيْهِ مَنْ قَرَأَهُ قَبْلَكَ؛
لِأَنَّكَ سَتَدْفَعُ فَاتورَةَ ذلِكَ، عاجِلًا أَوْ آجِلًا…

فَهَلِ اسْتَطَعْتُمْ فَكَّ شِيفْرَةِ الغُمُوض؟

~بقَلَمِ

صاحبةالأمل

Subscribe
Notify of
guest
13 Comments
Newest
Oldest Most Voted

شيماء عبدالله
شيماء عبدالله
4 months ago

ماشاء الله 😍

Sam Sam
Sam Sam
4 months ago

🌹

لوريكا
لوريكا
4 months ago

شكرا لك على مشاركة تجربتك المؤثرة. لقد فهمت الدرس بعمق: ليس كل من يظهر بمظهر الضحية يكون بريئاا، والحب الحقيقي يفرح لنجاحك ولا يحسده. قوتك وبصيرتك ستخرجان أقوى من هذه التجربة.

تحياتي لك 🌺 🌺
روكسانا ✌🏻✌🏻

Sam Sam
Sam Sam
4 months ago
الرد  لوريكا

إن شاءلله 🤍🎀

لوريكا
لوريكا
4 months ago
الرد  Sam Sam

،😉،🫴

بانا شيخ أحمد
بانا شيخ أحمد
4 months ago

نص واقعي والوصف متقن 👏👏🤍

Sam Sam
Sam Sam
4 months ago

شكرا 🌹

بانا شيخ أحمد
بانا شيخ أحمد
4 months ago

نص جميل جدا ابدعتي دام تألقك 👏❤❤

Sam Sam
Sam Sam
4 months ago

هذا من ذوقك الراقي ♥🎀

كاتي
كاتي
4 months ago

أها أتذكر القصة

Sam Sam
Sam Sam
4 months ago
الرد  كاتي

فعلاً 🙆🏻‍♀️

Sam Sam
Sam Sam
4 months ago

شكرا لنقدك البناء، جزاك الله خيراً

13
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x