أيعقل أن يكون الشيطان في خطر؟ أيعقل أن يخاف المخلوقُ من نار، من النّار؟ هذه هي مسرحيّة “الشّيطان في خطر” لتوفيق الحكيم.
في مكتب متواضع، وفي هدوء الليل، كان هناك فيلسوف متبحّر بالقراءة والتفكير وبالكتب والمجلّدات، فقاطعه رنين الهاتف، الذي لقفه وردّ على الإتّصال.
من خلال الإتّصال نتلمّس فقط ما يحدّث به الفيلسوف، وهو كافٍ لنعرف أن هناك من يريد مقابلته، بل ونعرف أنّه الشّيطان!
فلم يصدّقُ الرّجلُ بالطّبع، وأغلق الخطَّ شاكيًا قلّة الذّوق التي تدفعُ النّاسَ لإزعاجِ بعضِها في أنصافِ الليالي.
بعدها ينقُرُ الشيطان البابَ ويدخُلُ دون أن يؤذن له مع أنّه التزم بآداب الطّرق على الباب، وهو يرتدي ملابِسًا حمراءَ.
والشيطان خَلوق، فمن ما سمعه، يعتذر عن قلّة الذّوق والصّفاقة (لأن الفيلسوف وصف المحادثة بذلك بعد إغلاقه الخط)، فهو على دراية بتأخّر الوقت، غير أنّه لم يجد مناصًا من المقابلة، لذا وبرقّة يقول بأنّ الأمرَ هامٌّ.
وحتّى الآن لم يستوعب الفيلسوف، فهالَهُ الأمر وآخذَه، وسأل بِ “حضرتك” ليُكمِلَ الحضرة بأنّهُ الشّيطانُ، مع انحناء متواضع.
وبقي مَهولًا، فهمس بمفردة الشّيطان، ليُشير الأخير لمظهره في الحديث لا الإيماء، فهو يخشى أن “يُخَيِّبَ مظهرُهُ الظُّنونَ ويخون هُوِيَّتَهُ”.
لكنه مخطئ في ظنّه، فمظهره كما اعتاده الفيلسوف في الوسائط، كِساء أحمر، نحافة، قرون صغيرة، عيون لامعة، وأنف طويل.
فلمّا أنهى التّعديدَ، عبّر الشيطان عن أجنبيّةِ تلك الصّورة عنه، ويعني باطنيًّا أنّها كذبة مشهورة لا مفرّ من التّلفُّع بها ما دامت أجدى من “حقيقة مستورة”.
فَبَطُلَ العَجَبُ أو لم يفعل، فالفيلسوف تيقّن من الشّيطانيّة، تلك التي تصنع العجائب وتُدَوّن في الكتب.
ويتواضع عندئذ الشيطان ويؤكد على نفسه بالبُعدِ عن الفخر، ويقول أن نعم هُوَ، ذاك الذي، يسخر، يُذكَرُ بالخير كتابةً وقولًا!
ويؤكد على أنّه ليس بِمُتابِعٍ أخباره، وإلّا لاضطر لنفي الأخبار ونسب الأمورِ إليه، بل ممّا قد يعتبره مُدهِشًا للغير أنّهُ منعزل عن الأنام، ولذلك هو شابٌّ في مظهره رغم العُمر، ومرتاحةٌ أعصابُهُ!
وارتاح الإثنان لبعضهما، فقدّم الفيلسوف له سيجارةً من “أهدأ الأنواع” لأن الفيلسوف على حد زعمه لا يدخن إلّا الأهدأ، ما يستطيبه الشيطان، فيتناولها الضّيفُ مشكورًا.
وبينما يشعل له رجل الفِكر سيجارته يشرح سبب انتقائه الصّنف الهادئ، وهو التفكير. فالتفكير يُعينُ عليه التّدخين.
فمهّد ذلك لاستفسار الشيطان عن هدف التّفكير. ومن رد الفيلسوف، هي كل مهنته؛ فالفلسفة تفكير.
والشيطان لا يجد في ذلك شكًّا، فقد سمع عن سُمعة الفيلسوف، ولهذا يخبره الشيطان بالسبب وراء زيارته، وهي، لِعَجَبِ الرّجل، أن يُفِكِّرَ بالنِّيابة عنه!
فينفي الشيطان العجب، ويؤكد على رجاءه بأن يفكّر الفيلسوف له، كي يتم إنقاذه من الطّامّة الأخيرة.
وفكرة “مصيبة” + “تقع على رأس الشّيطان برأسه”، أذهلت الفيلسوف.
والرؤوس تتضارب! فها هو الشيطان يعيد رجاءه، مؤكّدًا أن سبيل خلاص رأسه هو رأس الفيلسوف المليء بالأفكار.. فبه يُدرئُ الخطر.
وأيضًا فكرة “خطر” + “يُلحَق بالشّيطان” منعت الذُّهول من مفارقة الفيلسوف.
والشيطان عند موقفه، فذلك الخطر برأيه داهِمٌ يثير الإرتعاد ويُنذِرُ بالنِّهاية!
فيا، يقول الفيلسوفُ، الهولِ!
حماية من تلك المصيبة يَهيب الشيطان بالفيلسوف أن يستعجل الحلّ.. ولم يدري الأخير ما الذي يُرادُ لهُ الحل، فيعود الشيطان لموضوع الخطر.. ويحمّي بتكرار مرادفة التّفكير والفعل المشتق منها صاحبه كي يجد له الوِقاية، طالما هو فيلسوف مهمّته التّفكير.
فيفكّر الفيلسوف ويقول بأنّه يفكّر، ليبعث ذلك الأمل -أملٌ تمثّل بتأمُّلٍ مُطرِق- لدى الشّيطان.. الذي أمِلَ أن ينتج عن ذهن الفيلسوف “الجبّار” فكرة ملائمة.
ويا للطرافة! الفيلسوف يرفع رأسه كأنّما انتهى التّفكير، لافِظًا كلمة “يا للعجب”.. كي يستبشر الشّيطان علّ رفيقه وجد الحلّ السَّديد.
لكنّ رفيقه “وجد” أمرًا آخر غير الحلّ السّديد، هو أنّ الشّيطان لم يُفاتحه بكُنهِ المُصيبة!
فارتأى الشيطان أنّ العتب على الفيلسوف لأنّه لم يسأل، وصاحبه يرتأي أنّ هذا هو العجيب في الأمر؛ مباشرته في التّفكير قبل السؤال.
وبنفس الطّريقة يخبره الشيطان أنّه قدّمَ التّفكير على السؤال.
ولأنّ الطّبعَ دسّاس، يستميحُ الفيلسوف اللا-مؤاخذة، فبحكم مهنته، فهم، أي الفلاسفة، يفكرون ويفكرون قبل أن يصلوا للمُحَتّم؛ الحاجة للسّؤال!
فلم تعجب هذه الثرثرة وهذا المَيلان عن أصل القضيّة الشّيطان، فهذا ممّا لم يأتي لأجله، والمطلوب من الفيلسوف أن ينتهي تفكيره لا لسؤال بل لحل!
ومن أجل ذلك، حَسْبَ الفيلسوف، لا بُدَّ من السؤال، وهو؛ ما هو الخطر الدّاهِم؟
فيجيب الشّيطانُ بأنّها الحرب، وكعادته يستعجب الفيلسوف أن الشيطان بشحمه ولحمه مهدّد بالحرب.
غير أنّ الشّيطان نفسه لا يجد في الأمر غريبًا، فالحرب -الآتية- فظيعة والفيلسوف عنده سيدُ العارفين، لا يجهلُ الصواريخ والقنابل الذرية التي ستقتل النّاس.
هنا استغرب الفيلسوف رحمة الشيطان بالنّاس وحُقَّ له، فالشيطان رؤوفٌ بنفسه فقط!
لكن الغرابة بقيت، فما، يسأل الفيلسوف، شأن الشّيطان ما دام خارِقًا؟
والحقيقة على لسان الشّيطان أنّه قرينٌ بالنّاس، بِهِم يَحيا؛ فحيثما هم، هُوَ.
حتّى في يوم الحِساب سيلقى مصيره المكتوب معهم بل في مقدّمتهم!
فَدُهِشَ الفيلسوف وأدرك أن الحرب الآتية سيتضرّر منها حتّى الشّيطان! الذي يوافق أنّها أبدًا ليست في صالحه.
ويسأل الفيلسوف عن مُشعِلِ فتيل الحرب، وهو مجهولٌ لدى الشّيطان.
فيا لها من عجيبة استعجبها الفيلسوف، ذلك أنّ المعروف هو وسوسة الشّيطان للزعماء كي يرموا على دولِ بعضٍ القذائف، فإذا بالشّيطان أمامه يعترف ببراءته، وبراءته من الزعماء!
ويزيد الشيطان بيانًا، قائِلًا، باستفهام بلاغي، أنّه ليس من الجنون بحيث يُحرِقَ العالم بمن فيه، ومن فيهِ هُوَ.
ما وجده الفيلسوف معقولًا.. وزيدَ من الشِّعرِ بَيْتًا.
فالشيطان يسأل باستنكار أنْ أمُغَفَّلٌ ناوٍ على الإنتحار هو حتّى يُقدِمَ على ما يُشاعُ عنه من إشعال الحروب؟
فهو، إشارةً إلى ما أسلَفَ، ميّالٌ للعزلة والهدوء؛ بعكس بعض النّاس الذين تطربهم المفرقعات!
ولم يتدخّل الشيطان بهم إذ هم -نوعًا ما- أحرار.. أمّا وقد تطرّفت المرحلة فلم يعد وضع الأصابع في الأذنين كافيًا للإبتعاد عن جلبة الحرب!
ويجيب الشيطان سؤال الفيلسوف الذي لم يكتمل بأنّ رغبته هي منع الحرب.
عجيبة جديدة! فالفيلسوف يسألُ عن قدرة الشيطان على الوسوسة بالخير في آذان زعماء كُبرى الدُّوَل.
فيدّعي الشّيطان أنّه لجئَ لكلمات السّلام وَوَسْوَسَ في الآذان لمن صاروا نُشَطاءَ يدعون دعوةً ودِعايةً للسّلامِ فِيْ المعسكراتِ طابِعينَ للمَنشوراتِ..
فكان كلُّ ذلكَ فراغًا..فحتّى السلام، لُغَةً، ترادف مع الحرب.
فما وجد الشّيطانُ عن تلك الكلمة المسلوبة والمنقلبة نِيابَةً.
وإذن يسألُ، الفيلسوف، عن العمل.. وهو ما جاء الشيطان أصلًا ليستعلم عنه عنده، فلذلك (أي لاختيارِهِ كي يجد العملَ) يسألُ مستنكِرًا بِحِياد.
واللّجوئُ لفيلسوف هو حل أخير فكّر به الشّيطان، فلذلك “مهم”! نعم له قد جاءَ.
فيبرق الأمل لدى الفيلسوف ويثبَتُ بطريقة تجعل من أسئلته الإستنكاريّة محطّ هَزْلٍ.. إنّها فكرة منع الحرب، أو الوصول لفكرة تمنع الحرب.. ما من شكٍّ عند الفيلسوف أنّ مهنته لن تخيّبه، فهي موطِنٌ لِولادةِ الأفكار!
هَتَف الشّيطانُ بالمرحى، وفرح لأنّ البشرية، لأنّ الفيلسوف أبدى استعداده لإعطاءه مطلبه، أُنقِذَت بالفِعْل!
فيستمهله المُنقِذُ، فالأوانُ، قبلَ الإتّفاق على ثمن، باكِرٌ على الهُتافات.
وفكرة الثّمن هذه استغربها الشّيطان وسأل عنها.. ليسَ “ما الثّمن؟” بل “أيُّ ثمن؟”.
فيُحيلُهُ الفيلسوف لمسألةِ أنّه زاره في هجيع الليل وأبعده عن أعماله من أجل مصلحته (التّفكير لحسابه)، وصحيح أنّه لم يذكر مفردة الثّمن لكن اللّبيب بالإشارة يفهم!
واللبيب لم يعترف بأنّ الفيلسوف فكّر واعتصر ذهنه لحسابه وإنّما لحساب الإنسانيّة.
هذا لا يتعارض، يدّعي الفيلسوف، مع عمله الدّائم لحساب العامّة، فحتّى أفكاره ومؤلّفاته تقاضى عليها أجرًا.
الشّيطان، مُرافَعَةً لكسبِ المجّانيّة، يوضّحُ أنّ تفكير الفيلسوف غايته أنبل من الأثمان؛ إنقاذ البشريّة من الدّمار.
أمّا الفيلسوف فليس أسوأ من، كما يستحضر للمقارنة، علماءِ القنابل الهيدروجينيّة مثلًا.. فاولئك، رغم معرفتهم بأنّ أسلحتهم ستدمّرهم ولن تبقي أو تذر، يرفضون العمل لوجه الله! فلماذا، بعد أن يقول الشيطان بأنّهم فعلًا يتقاضون أجرًا، يُرادُ له التّفكيرُ بالمجّان لوجه الشّيطان!
والشيطان، في شبه عتاب لطيف، يُخبره بأنّه قد حَسِبَهُ من أنصار المُثُلِ العُليا المترفّعة عن التّثمين.
“مِثلُك؟” هكذا يردُّ الفيلسوف ساخِرًا كما حَسِبَ الشّيطان.
لكنّه وبعظمة لسانه يدحر السُّخرية، فالشّيطان ولأنّه أعزب يتفهّمُ المرئُ أنّه سيتعلَّقُ بالمُثُلِ العُليا وينسى غيرها!
لم يستغرب الشيطانُ حشرَ قضيّة الزّواج والعُزوبيّة، بل سألَ صاحبه المُشيرَ للزّواج والعُزوبيّة إن كانَ متزوّجًا.
وبِطبعًا يجيب، بل لا أدلَّ على زواجه من كونه فيلسوفًا! فالواحد لا يحتاج قراءة حرف واحد من الفلسفة إذا ما كان متزوّجًا لما يزيدُ عن العَقْد!
والشّيطان بالطّبع أعزب، فأذهله -ليسَ ذهولًا بليغًا بل أقرب للإعجاب الذي يُعجب الرّائي فيهِ بمشاهدة مَعلَم مُتحَف- سماع تجربة لم يجرّبها.
فيسأله الفيلسوف إذا ما لم يَعِنَّ له يومًا التّفكيرُ في الزّواج.
وأجاب الشّيطان إذ ذاكَ بأن فكرة الزّواج ما خطرت بباله قَطْ لسببٍ يجهله، ويعتبرها غلطة محتملة!
فيبحلق فيه إذ ذاكَ الضّائقُ بالزّواج ويسأل مستنكِرًا إن كانت العزوبيّة فعلًا غلطة محتملة!
وهي فعلًا غلطة واقِعة، لكن الشيطان يبدأ كلامه بعبارة “في الوقت المناسب” إذ الشّبابُ هو ما أجرمَ بحقّه باتّخاذه العُزوبيّة.
عُمرُ الشّيطان مَديد يمتدّ منذ ساعة الخَلق، فمن الحماقة كما يعترف أنْ لم يغيّر من طرائق عَيشِهِ.. إلى أن أزِفت ساعة الحرب التي قد تقضي، بأيدي عابثيها، على الدُّنيا.
وأمسك الفيلسوف لفظة الدُّنيا ليُشير لحقيقة أنّ دمارها سيسبق دخول الشّيطانِ لَها!
فلم يفهم الشيطان لفظة “دُنيا” النّكرة..
يوضّح الفيلسوف قصده، زاعِمًا أنّ الشّيطان حدّ اللحظةِ لم يدخل نعيم أو دنيا عُشّ الزّوجيّة.
يؤمن الشّيطان أن الأوانَ قد فات على دنيا الزّوجيّة.
فيرمقه الفيلسوف فاحِصًا، متبيِّنًا شبابه وانعدامَ الشّيخوخة، فهذه برأيه حَسَنة قد تعيد اعتباراته.
ولعمرُ الشّيطانِ أنّ هذا إغراء، ولعمرُ الفيلسوف أنّه غرابةٌ أن يُعتقدَ أنّهُ يُغري الشّيطان.
وعلى كل حال، يقول الشّيطان، فإنّه ملَّ العُزوبيّة وما ترتبط به من وحدة، وأراد أن يقول بأنّ دنيا الزّواج، كما يُخَيَّلُ إليه، والمغلقة على… ولم يُكمِل جملته لأنّ الباب فُتِحَ وانكشف عن من خلفه وليس عن طارِقِه فأين الطّرقُ من اندفاعِها؟؛ زوجة الفيلسوف المتلفّعة بلبس البيت.
وكان بابًا مغلقًا مختلفًا عن الباب الذي دخل منه الشّيطان، دخلت منه في اندفاع سمح للشيطان بسؤالهِ، همسًا، عنها؛ ليُجاب من زوجها بأّنها زوجته.. وهذا بعد أن صاحت مؤنّبةً زوجها على إدمانه القراءة والكِتابة، وإهداره النور المضيء طول الليل، والذي، عبر سؤال استنكاري، غير مجّاني (بنقود أم بغير نقود؟).. وتنكّد زيادة بسؤالها عن من يدفع فاتورة الكهرباء، هو بجيبه أم هي بمصروفها؟ (واضح أنّها هي ومصروفها).
الشّيطان خارق لا يراه أيًّا كان، لذا يخبِرُ الفيلسوف بأن زوجته لن تسمعه ولم تراه، ومن هذا المنطلق فليأخذ صاحبه راحته في الكلام معها.
وكان معه حق، فالزوجة تستنطق زوجها الذي رأته يحرّك شفاهه شاخِصًا في الفضاء!
ويطيعها الرّجل ويلتفت لها، ويسأل عن طلباتها بكلمة واحدة (طلباتك).. ويؤكد زيادةً في الخضوع أنّه التفت لها.
والزوجة النّكديّة تنطق آخر كلمة سمعتها (الطلبات) وتقول بأنّها معروفة، ومألوفٌ أن يتجاهلها، بإتقانٍ، زوجها!
ورغمًا عن أنفه، بالقَسَم بعد أن نفدت الحلول، ستجلب لطلباتها الإحقاق!
أفَبالقوّةِ يأتي الإحقاق؟ هكذا يرى الفيلسوف.. وهو ليس أكثر من كلمة واحدة في المسرحيّة.
والزوجة لا ترى خيرًا من القوّة، لأنّ بعلها كما تزعم لا يرضى الوِدّ.
والفيلسزف المسكين يرى نفسه مسالِمًا، فيسأل باستنكار إن كان هو، المُسالِمُ، لا يرضى اللِّين.
لكن زوجته ترى فيه سِلمًا ظاهِريًّا فقط لا باطِنِيًّا، فباطنه، كما تطعنُ، العِنادُ والمُشاكَسَةُ، والتّسلّطُ على أمور البيت والتّحكُّم بِها وِفقَ الأهواء والأفكار الخاصّة!
هذا، بالنسبة للفيلسوف، تضخيم لمفهوم أبسط هو وُجوبُ أن يكونَ له رأي وكلمة بحكم كونه الرّجل.
ويا لصفاقة الزّوجة! إنّها تظنّ بأن رأي زوجها ينتمي لكتبه لا لبيته، فهذا يوضع فيه المال وهو ساكِت! وقالت له ” لا يا سيّدي”!
فيسألها ما استنتَجَ، نيّتها على أن تكون سيّد البيت، فيُجابُ بالطّبعًا.
ويسألها عن ما يُسمّى هذا الوضع، فيُجابُ بالأُصول!
طيّب، يسأل الفيلسوف، ماذا عن وضعه هو داخل بيته؟ يُجابُ، مدفون في مكتبه، راكِدٌ كما وضعه الآن! هذا ما كُتِبَ له في عُشّ الزّوجيّة، ما كتبته له الزّوجة.
ولأن الزوجة استعملت عبارة “كما أنت موضوع”، تفلسف الفيلسوف وردّ بعبارة مختصرة؛ “غيرَ ذي موضوع” ولعلّه يقصد تذبذُبًا ما..
ولم تفهم الزوجة، فكلُّ ما تفهمه، كما يدّعي الزّوج، هو شفطُها لنقوده والهيمنة عليه!
والسيطرة كلمة غريبة على الزّوجة مدّعية البراءة، فهي كلمات “إخترعها” الفيلسوف ولا عَجَبَ، فصناعتهُ المَكرُ كما تقول.
كما تدّعي أنّها مسكينة لا تُحسِن الدّفاعَ بالكلمات أمام الكلمات.
غير أنّها، كما يردُّ زوجها، تُجيد ما هو أعنف وعكسي، الهجوم بالأفعال! وهو أمرٌ تظنُّ الزّوجة أنّها لم تبدأه.
فاستشعر الفيلسوف الزّوجُ بدايةً لمعركة، فذكّر الزوجة بأنّها خدشته بأظفارها كي تسرق محفظته صباحًا، فزارت المتاجر تبتاع الزّينة من جوارب وعطور.. بل لم تشتري من المال المسلوب قميصًا للمسلوب! بدلًا من تلك القُمصان البالية.
وتتنصّل الزوجة من مسؤولية شراء متاع لزوجها، الذي على حد زعمها يخفي عنها ما يَرِدُهُ من فُلوس.
فيا لها من “تهمة زور” كما وصفها الفيلسوف، وهي كذلك تهمة لطالما ألصقتها الزوجة به.
وهي، حقيقةً، تهمة سخيفة باطلة.. فهل تلك الزوجة التي لها أنفٌ “يَشُمُّ رائحة القرش كما يَشُمُّ الحاوِيُ رائحة الثُّعبان” في المستطاعِ أن تخفى عنها النُّقود؟ هكذا يردُّ الفيلسوف!
وتلمّست الزوجة في كلامه سمًّا قالت إنّ الثعبانَ الوحيدَ هو اللّسانُ الذي يُقَطِّرُهُ!
ونتجت مناوشة.. فالرجل باحَ بأنّ سُمّهُ لو وُجِدَ لما سمّمها (لأنّها أساسًا سامّة؟).
فلعبت المرأة دور الضّحيّة، وب “أرأيت؟” تدّعي أن رَجُلَها لا همّ له إلّا تسميمُ حياتِها.
لكن ماذا عنها هي؟ يبدو للفيلسوف أنّها تُبادله، لو صدق فَرَضُها بأنّه سام، السُّمّيّةَ.. فهي لم تُضرِبَ يومًا عن تنغيص حياته!
وهنا همس الشيطان للفيلسوف، سائلًا إيّاه، من ما رآه من نموذَج، إن كان هذا هو الزّواج.
ويجيبه الفيلسوف بالإيجاب، ويزيد من باب السخرية عبارة “لطيف… أليس كذلك؟”!
فانتبهت الزوجة -وهي لا تستطيع إبصار الشّيطان- لحركة شفاه الزوج وتواصله البصري مع الفضاء، فتأفّفت دونَ أُفٍّ من ذلك.
فيسألها الفيلسوف إن كانت تريد التدخل في تفاصيل حركة شفاهه ونظراته! فهذه أمورٌ، على الأقلّ، له الحق فيها.
غير أنَّ وجه الإعتراض لدى الزوجة يكمن في وحدانيّتها في الغرفة. ولكن ما أدراها؟ يحسب أن ذلكَ، بَعْلُها.
وفهمت الزوجة أنّ هناك ثالثًا لَهُما.. وأخذ الفيلسوف المعنى لأبعادٍ أشمَلَ تتجاوز حدود الحجرة، فأكّدَ أنّ هناك بالطّبع غيرُها في الغرفة، بل هناك غيرها في الكون، كما يَفترض أنَّ أنانيّتها قد تُعميها عن استيعاب ذلك.
وهي لا تفهم ما صِلَة الكون أو رمزيّة الأنانيّة، فهي واقعيّة تتحدّث عن الغرفة وعن ثالِثِهِما.
ولا شكَّ عند الفيلسوف، ويريد أن يؤكّد أن لا شَكّ بوجود ثالِثٍ لَهُما.
وانتابَ المرأةَ فُضولٌ لمعرفته دفعتها لاستعمال كلمة لطيفة هي “من فضلك”.. فشوّقَها زوجها للجَواب برفضه الإفصاحْ.
وسألته إن كان هذا الثّالث.. ثالِث! وعمّا إذا كان في مقدوره رؤيته.
وهذا أيضًا لم يخرج عن الإيجاب. وسألت عن السبب الذي يجعل الإبصارَ محصورًا لدى الفيلَسوف دونًا عنها.. فلم يجد الفيلسوف في الحالةِ ذنبًا يُدين رؤيته له دونًا عنها! وهذا جواب غير شافي لكنّه أثارَ احتجاج الزوجة.. التي ذكرته بأمرِها الألفِيِّ، المتمثّل في أن يتفلسف على الناس في الخارج، لا عليها داخل البيت!
فهي تريد الخِطاب العقلي لا الفلسفي!
وهنا سأل الفيلسوف سؤالًا خطيرًا يستفسر عن طلب زوجته؛ منتهى العقل. فما هو العقل عندكِ؟ وختم سؤاله بِيا المناداة ولفظة “امرأة”! لم يقل زوجة.. فكأنّما بذلك يتبرّم من الجنس النّاعم كَكُل.
وكأنّما أمسكته زوجته بالجُرم المشهود! من جديد تقول “أرأيت!” وتُتبِعُها بادّعاء مظلوميّتها أمام ذلك الذي يراها ناقصة ويريد إيهامها أنّها لا تساويه خَلقًا! بل زعمت أنّهُ يريد إيهامها بدناءة تفكيرها أمام مستوى تفكيره وصغر حجمها قُبالَةَ حجمه.
وهنا الأمر الأخطر لأنّه حقيقي نسبيًّا وذا صلة بالمسرحيّة؛ أنّها موهمة بأنّها لا ترى ما يراهُ هُوَ!
أو أنَّ مداركه أكبر من مداركها.. لكن وبطريقة تشبه تا الله والله، فإنّه لن يسيطر عليها كما، في تهمة أخرى، يريدُ السيطرة الذهنيّة والفكريّة.
وتدافع عن نفسها بأنّها “صُلبة العود”.. أصلبُ حتّى من ما يَظُنُّهُ الزّوجُ.. فهي ذات شخصية مستقلّة.
عندئذٍ، يسأل الفيلسوف بما معناه أنْ هل هذا ما يبعث فيكِ الثّورةَ؟ (الفِكرة عُمومًا) فترد الزوجة بفكرة مكرّرة بثوب جديد، إستحالةُ كونها تابِعَةً له.
لِذلك، يسأل الفيلسوف عن رغبتها في أنْ تَكونْ. وتلك المرأة تريد أن تكونَ سيّدة البيت!
ويحضر الرجل نفسه للمُعادلة، فهو.. ماذا عنه؟ أليس له الحق في أن يكون سيّدًا؟
بالإستناد إلى الزّوجة، هو حرٌّ في أن يكون ما يشاء ويلعب أي دور يحلو له، على أن تسري كلمتُها عليه وعلى البيت بِرُمَّتِهِ!
إذن فكلمتها هي الكلمة العُليا.. فماذا يجعل ذلك كلمة الفيلسوف؟ قالها هازِئًا: الكلمة السُّفلى!
فردّت الزوجة ردًّا خطيرًا رمزيًّا، هو أن البيت لا قِبَلَ له أن تكتنفه كلمتان أو حاكمان، إنّما كلمة واحدة ونفر مسيطر واحد أوحد!
يعتقد الرجل ببداهيّة كون ذلك النّفر هو، وبالمثلِ تعتقدُ هِيَ في تنافُرْ.
وهل هذا معقول؟ يتسائل الرجل، أمّا المرإة فلا ترى أن المعقول والعقل لهما دور في تحديد حدود القضيّة.
وما دامت المسألة ليست بالعقل، فإنّها، على هيئة سؤال من الفيلسوف، القوّة.
أمرٌ أسفت الزوجة أنّه القانون! وعقدت العزم على مصارعته كي تخضعه! فتُخسِئُ وتُكَذِّبُ ما سمعته من الفيلسوف من إبصارِهِ ما لا تُبصِرُ، فهي بصرها أقوى من بصره وبحسب ادّعاءِها المُفاجئ تُبصرِ ثالِثَهُما!
ويسألها مدهوشًا الزوجُ عن الإبصار، وعن من يُرى بذلك الإبصار.
ويا للهول! مستحيل! الزوجة ترى الشّيطان!
فهمس الشيطان لصاحبه متعجّبًا من اشتِمامِ المرأةِ لرائحته!
ولم ينصرف الفيلسوف من دهشته عن زوجته، فسألها، تحقيقًا، عن رؤيته ضِمن إطارهم في الغرفة.
وبثقةٍ بلهاءَ تجيب بأن نعم، وتوجِبُ الحذر.. لماذا؟ لأنّ اجتماع الرجل بالمرأة يأتي بالثّالث؛ الشّيطان! فهذا مثلٌ (ما اجتمع رجل وامرأة إلّا كان ثالثهما الشّيطان).. حريٌّ بالفيلسوف أن يفطنه..
هي إذن لا تقصد رؤيتها لشيطان حقيقي! بل افتراضي بينه وبينها.. وهي في أقواس ما قبل الحِوار لم تلتفت للشيطان الأحمر أو تنظر إليه.
فيهمس الشيطان، تبرئة لنفسه، أنّه ليس هنا ليتوسّط بين الرجل والمرأة، إنّما محضُ صدفة أوقعته أمام فيلسوف متزوّج.. فالشيطان ليس دائمًا وسيطًا للجِنسَين.
ويدري الفيلسوف ذلك فلا حاجة لتبرئة الذّمّة.. قالها بِ “نعم… أعلم”.
فظنّت الزوجة أنّه يُخاطبها ويوافق على شيطانها الإفتراضي!
فقالت، تعلم؟ ثمّ جزمت بأحقّيّة المثل، بدليل أنّ وسوسة خفيّة تدعوها لاختلاس المِحبَرة المكتبيّة! وأتبعت الوسوسة بالفِعل.
وليس هذا فقط! بل من الوسوسة كذلك أن تُلقي بمحتوى المِحبَرة (حِبر) على رأس زوجها وكتبه وثيابه!
فيرقّ قلب الشيطان ويجد في هذا ظُلمًا، ويتبرّئُ من تلك الوسوسة، فيهمس للفيلسوف بسؤاله إن كان يظنُّ بأنّه وراء تلك الوسوسة!
والفيلسوف، مُطلَقًا، لا يُصدّق!
وطبعًا سمعت الزوجة عبارة عدم التصديق فظنّته مصدومًا من صنيعها، فهيّبَتْهُ أن يُصَدِّقَ! بأسلوبها الذي يعيد تكرار آخر كلمة سمعتها استنكارًا.. وهدّدت، رافِعَةً المِحبَرة، بأن تفعل فِعلتها وتقذف بما في المِحبرة إذا لم تجد من طرفه تسليمًا دونَ قيد أو شرط!
فيثور الرجل صائحًا من فكرة الصّنيع، معتبرًا إيّاها جُنونًا.. فإلقاءُ الحبر عليه، رجل البيت، غير لائقة.
والزوجة مجنونة فعلًا، فهي تقول بأن الحبر أحمر كالدّم، وتأمر زوجها بالإذعان التّام.
فيردّد ما سمعه في عَجَب، الإذعانُ التّامُّ!
وتضيف الزوجة، في ردّها، أنْ يتمّ الإذعان التّامُّ بلا قيود وشروط! وتهدّد، مع تحريك المِحبَرة، بالعِقاب إذا خولِفَ أمرُها!
ويصيح الرجل من جديد، مفادُ صِياحِهِ أن تلك ليست بمِحبَرة بل قنبلة لا بل قنبلة ذرّيّة! (تُرى أيقصد أن سيطرة زوجته عليه أمرٌ جَلَلٌ كالحَرب؟).
ولا تكترث الزوجة، فلتكن ما تكون، تواصل التّهديدَ والإخضاع… وتحريك المِحبَرة!
فيستشير.. لا بل يستنجد الفيلسوف بالشّيطان.. سائلًا إيّاه الرّأي.
وفي همسٍ يوضّح الشيطان سخافة التماسه، فهو أصلًا الذي جاءَ يسألُ الآراء! ثم وفي شبه مسبّة يسأل مستنكرًا إن كان رأس الفيلسوف هو المفترض أن يردع الحرب!
ويعتقد الفيلسوف، مُشيرًا بإيماءة لزوجته، أنّ الحرب في حجرته وأنّ الزّوجة هي زعيمتها!
فينصرف الشّيطان في خيبة أمل (يا خيبة أملي في حضرتك)!
ويستنكر الفيلسوف انصراف وتهرُّبَ الشّيطان، ويستنجده مجدَّدًا أنْ يُنقِذَهُ وأن لا يتركه تحت وطأة التّهديد!
والشّيطان لسان حاله يقول “طب ما اشوف نفسي الأوِّل!”، فيقول فِعلًا بأنّ يَدَعَهُ الفيلسوف ينقذ نفسه أوّلًا! ويستدرك وضعه قبل أن تنطلق القنبلة الذّرّية وتقع في الحجرة! (وجاءت لفظة قنبلتكم الذّرّية بالجمع!).. ثمّ يهرول هارِبًا بعدَ توديعٍ يَدَوِيٍّ.
يا لها من مسرحيّة! فعلًا، العالم أطوار، وما الذي يمنع أن تكون القنبلة مِحبرة في يد زوجة، والميدانَ حُجرة؟
صدرت هذه المسرحيّة سنة 1951.


نفسي أقابل الشّيطان وندردش 😆
الشّيطان! الخارق اللّبِق.
وعش الزوجية كذلك أمر مثير للإهتمام، وأتشوّق لبنائه مستقبلًا، وأتمنّى أن أُعفي صاحبة النّصيب من الدراما لكنّي لن أفعل 😆
فهو شيطان! صدقًا لو قابلته لقضيت معه وقتًا يُجاوِزُ وقتي معها.. والحياة ليست مجرد علاقات عابرة ودائمة بل دراما Here ‘n’ there.