فلسطين… جوهرة المقاومة وألماسة الصُّمود! أهداها توفيق الحكيم هذه المسرحيّة من وحي حربها ونِضالِها.
نارُ الصُّمود والمُقاوَمة وقودها البُطولة!
في مشفى عسكري قهراوي، قبع ذلك البطل على سريرٍ تطبّبه رباطة على ذراعه وممرّضة متطوّعة.
من ضمن عمل المتطوّعة تبريد رأس البطل، لكن الأخير يشير لقلبه، معتقدًا أنّه هو العضو الجدير بالتّبريد!
فاعتبرت الممرضة ذلكَ مغازلةً إباحيّةً ينبغي أن لا تطرق أُذُنا متطوِّعة.
ويُنكر الرجل ذلك؛ ولذلك، تُشير الممرضة إلى الحركة الفائتة.
والبطل أو لنسمّه الضّابط كما ورد في النص، يمتعض بلطافة من تفكير السّيّدات، لأن الحركة الفائتة (أي إشارته لحرارة قلبه) ليست بالضرورة تعبيرًا عن حرارة الحب.
لأن تصريحه جاء باستفهام، إبتسمت الممرضة وأمِلَت أن يكون في قلب الرجل حرارة غير حرارة حب النساء!
لكن الضابط لم يوافقها في نيابتها عن جنس حوّاء، فظنّه أنهن لا يُرِدن رؤية حرارة غير حرارة الحب.. أمّا بصفته ضابِطًا ذكرًا، فله عِلم بدخان ولهب يلتهب في فلبه، بل ربما وصلا لعينيه!
هنا اعترفت المرأة بإبصارها اللهب وحده دون دخان، فهل كانت تقصد لهيب عينيه؟
عرف الضابط مرمى قصيدها، فنفى أن يكون اللهب، سواءً المنبثق من عينيه أم لا، سببه الحمّى!
لا، إنّه لهب المدفع.
قالت إذ ذاكَ هي بمعرفتها بأنّه بطل مِغوارٌ أمام الحصون، فسألها هو عن تلك المعرفة.
وتلك المعرفة يُقِرُّ بها الجميع.. من دواعي فخرها.
وأقرنت فخرها بتمريضه، فابتسم الضابط ولم يُبِح “المغازلة”!
هو بالطبع مازِح، غير أن الممرضة أخذت التهمة على محمل الجد وأخبرت أن فخرها ليس بالإنسان أمامها إنّما بعمله.
هذا ممّا أحبط الضابط، إذ لا يُريدُ التّفرقة بين الشّخص وعمله..
بالنسبة له، إذا ما أقدَمَ على الإعجاب بمحدّثته فإنّه غير قادر على التفرقة بين الشخص وعمله.. كما فرّقت هي بينه وبين بطولاته!
واصطرع هذا الرأي برأي آخر، وبنفس الإستفهام البلاغي، فالممرضة ترى أن الكيان الشخصي تافه إذا ما قيس بأعمال البطولة الوطنيّة.
ولمّا جاء استفهامها الشّامِلُ عن إحساسه، انعقدت حيلته ولم يستسِغ جوابًا أو محبّةً لأسئلةِ المشاعر.. فالمشاعر عنده معقدة غير مفهومة نتيجةً لتغيُّر داخلي.
وأراد أن يعطيها لمحةً من ماضيه علّها تضيءُ عتمة الجهل وسوء الفهم..
على أن الممرضة لم تحتَج لتلك اللمحة من ماضيه، فالواضح واضِح دون حاجة لتوضيح، وما جعله واضحًا هو الإحساس.. إحساسها بنفس إحساسه.
ممّا أدهش الضابط الذي طالبها بتفسير، تفسيرٌ رفضت الممرضة الإسهابَ في كلامِهِ كي لا يتعب الضابط وهو لا زال في طور التعافي وقد بالفعل أكثر في حديثٍ يتطلّب بطبيعة الحال مجهودًا.
فتَهُمُّ بمغادرته كي يرتاح وينام، ويأبى أن ينام!
لذا وعلى ترضية “ماشي”، تتركه على سجيّته، بدل الكلام تقترح على مشيئته أن تستمع للمذياع.
فشغّلت المذياع مباشرةً، وانطلق منه المذيع يعلن أغنية “الحب كلّه أنين”.
وتلك أغنية يتشارك محبّتها وتفضيلها الضابط الذي عدّ ظهورها حظًّا طيّبًا والممرضة التي اتّضح أن أوجه الشّبه عندها أكثر من الإحساس!
واستمعا معًا للمِذياع، في سكوتٍ أخلّه الضابط؛ مُلقِيًا بملاحظة مغزاها أن الأغنية مختلفة أو تغيّرت، ذلك أنّ بها تأوّهاتٍ ومعانٍ سخيفة وضعيفة.
والممرضة مقتنعة أنّها لم تختلف أو تتغيّر، وربّما إدارة الإذاعة هي المسئولة عن إضافة سخيفِ التأوّهات وضعيف المعاني.
أمّا من زاوية الضابط، فإن الحدثَ أن تغيّر شيءٌ ما في الأغنية..
وأمّا من زاوية المتطوّعة، فالتّغيير إذا طرأ فليس يطرأ على الأغنية.
ثمّ يَطلُبُ، دون إزعاج، أن تُطفِئَ المِذياع.
فتفعُلُ دون أن تنزعج، إذ هي كذلك تحبّذ الصّمت كي يرتاحَ.
والضابط يعتبر في ذلكَ انتهازًا لفرصةِ التّملُّص! فيَهيبُ بِها أن لا تغادره، فهو، مُكَرِّرًا، لا يريد النّوم فقد شبع منه.
لذا، تسترضيهِ وتقول بأنها ستمنحه وقتًا إضافيًّا للحديث في حالة كانت درجة حرارته معتدلة.
فيوافق هو على هذا العرض، ولو أن قياس درجة حرارته لا داعِيَ له، بادعاء أن صحته كالحِصان، ويستدل بنشاطه الآنِف ويقظته التّامّة، ويُبدي رغبته بالنّهوض.
وترجم الرغبة لفعلٍ انتبهت الممرضة لخطورته، فتقرر إسناده لوسادة حذر ارتطام ذراعه الجريحة.
عندها تأمّل الضابط ذراعه وإذ بها مِشبك ذهبي أنيق وجميل انتبه له الآن.. ورفض تصديق أن يكون المِشبك دقيق الصّناعة من عتاد المستشفى.
وبالفعل، تقول الممرضة بأنّه مشبكها الخاص، اضطُرّت للإستعانة به لإحكام ربط الرّبطة المنفلتة أثناء نوم الضابط.
عندئذٍ يقول الضابط بأن رباطه لن يعرف الفكاك ما دام مِشبكها الذهبي هو سيّد الإحكام.
وبينما تخرج الممرضة مقياسَ الحرارة تسأله إن كانت نيّته الإحتفاظ بالمشبك، ليرد ليس بنعم، بل بأبدِ النّيّة الممتد لآخر رمق!
فتبسّمت المرأة، وسألت مازحة: “بلا ثمن؟”.
والضابط ظنّها جادّة، فاستعدّ لدفع الثمن.
لكن الممرضة لا تعرف بماذا تُسَعِّرُهُ، لأنّها ليست جادّة؛ فضلًا عن أنّ المِشبَك رخيص، ولا مانع من أن تقدّمهُ هديّةً.
رخيص! كلّا لا يؤمن الضّابط بأنّه رخيص، كيف يكون رخيصًا وهو مُهدًى من طرفِها هي؟ لذا فقد عيّن له سعرًا مجهولًا لكن باهِظ، وعقد العزم على الوفاءِ به في وقتٍ لاحِق.
والمتطوعة تقيس حرارته بأن أدخلت الثيرمومتر لفمه، وتقوّلت بأن ذاكَ السّعر الباهظ لن يلبث أن ينخفض مع انخفاض درجة حرارته! فما من حاجةٍ للإسرافِ في التّفكير والتّقدير.
فما يكون منه إلّا أن يهزّ رأسه ويرفض بعناد متكرِّر.. فتنهاه الممرضة عن هز الرأس في حينِ وجود الثيرمومتر في الفم، وتطلب منه الإنصاتَ دون حَراك..
وقد قصّت ما يُصغى إليه…
أمِلَت أن تكونَ على خطأ كما قد يَظُنُّها الضّابِط، لا بل أقرّت بأنّها على خطأ، إذ لاحَ لها بريق عتيد ما مَرجِعُهُ الحُمّى، فهي إذن في غِنًى عن أن تُجابَ تسائُلاتُها.
وليس الأمر كما لو أنّها ترى الجوابَ فيه، بل كما قالت، تقرأ في صفحةِ نفسِها..
يعني في سبيلِ أن تفهم مجرى التغيير الذي أرادَ الضابط شرحه عبر استعراض شريحة انقضت من حياته، يمكنها الإستعاضة عن تلك الشريحة بشريحتها، وأكبر من ذلك، بحياتها.
أفلم يتسائل هو عن وجودها -هذه المِصريّة التي كانت متعلقة بمشاعر تافهة- بِجِواره؟
وتوضّح المُنقَلَب، وربّما تفاهة المشاعر، فتقول بأن الأغنية (الحب كله أنين) التي شغلت اهتمامها ووقتها، والتي طالما أبكتها، لم تعد تؤثّر بها.
وأبدًا ليس المرجِع، تقول له أن لا يحسَبَ، جفاف الدّمع من عيونها.. فذاكَ الدّمعُ غزير إذا ما حانَ حينُهُ، فَرِحٌ هُوَ.
وعندما ينهمر الدّمع، فإنّه يبدو كالمطر في شروق الشّمس، غير أنّه واقعيًّا ينزل على البسمات.
الدّافع زراء الدّمع هو ميلادُ البطل في ميدان الشرف! وهي قصّة متكرّرة تتكرّر معها عَبَراتُ الفرح!
بعدها، تناولت الثيرمومتر وتأكّدت من ادّعاءِ الضّابِطِ السّلامَةَ؛ وعليه، مُباحٌ نزع الثلج عن الرأس.
لكن يبدو أن كلامها هالَ الضّابِطَ.. فناداها بِ يا.. وبعد مطّها، سيّدتي! وأشرك مع تصريحه نظرةً ما مرّت كالكِرام لدى الممرّضة، فالتفتت وعنها سألت.
وتلك النظرة حقيقةً هي نظرة خوف! فالضابط، مجيبًا، يخاف منها إذا ما ذكرت كلمة “البطل”.
ولم يحدّث عن قلقه مباشرةً، فلمّا استعلمت هي عن كُنهِ الكلمة، ردّ برغبته بإجابة صريحة.. وهنا بانَت فكرته، “البطل”! الذي لم يراه، وودّ لو يراه.
ولم تجد الممرضة في تلبية طلبه عُسرًا، فدلقت حقيبة يدها تخرج منها غرضًا، فعجب الضابط لوجود البطل داخل حقيبة!
وما أخرجته من الحقيبة هي مرآة وجّهتها لوجه الضّابِط، كي يتبيّن من انعكاسِها… البَطَلَ!
إلّا أنّ ذلك البطل لم يخدّره المديح، بل صرفه عنه مثلما صرف المرآة من أمام وجهه! فهذا المزاح على حد منعه له من أن تقوله الممرضة، يجرح شعوره!
فهو، دون تواضع، لا يرى في نفسه بطولة.
و “دون تواضع” لأنّ التّفاخُرَ والزَّهْوَ ليسا بعدوَّينِ له.. ها هي أيّامٌ ولّت أبدع فيها بلعبة كرة القدم.. إنّ تلك القدم التي سجّل بها الأهداف وجلبت له الهُتاف غَدَت مفخرةً له، حتّى ليظنّها لا شحمًا ولحمًا بل ذهب إبريز!
حتّى الطّرقات اختالَ في مشيته عليها، متخيِّلًا أن قدمه التي تغيّر حالها وصارت اليومَ زائرةً لحقول الألغام ترعاها الأعين ويحفل بها النّاس المحبّونَ المُعجَبون الرّاعون، الذين في المُجمَلِ كالذخيرة القوميّة الثمينة.
فصارت هي ذخيرة قوميّة تقتحم الحصون وتغشو النّار!
الغريب أو الغُربة في الأمر أنّه مع البطولات الجديدة زالَ عنه شعور البطولة، هذه القدم لم تعد في نظره قدم بطل على نحو الهدّاف.
أجواء الحرب والمعترك تأصّلت لديه، وهو لا يحسَبُ أن ممرّضته عارفة أمرها، وبأمر لحظاتٍ صعبة يختلط فيها على الجندي الهزئ والجد.. أو لنقل بدل “الهزئ” “اللعب” فهذا ما تأصّل كذلك لدى الضّابِط.. وما اتّضح من استطراده، حيث قالَ بأن ميدان الحرب الشّاسِع والغامض يكون كالملعب، بين أقدام جنوده -أو لاعبيه- المصائر تتدحرج كالكرة!
هناك، لا تشجيع جماهير أو أصوات حلوة، مجرّد مخاطر تُبعد عنه أفكار البطولة وغيرها..
وهناك، يتجلّى الموت كما شبّهه بفكرة مخيفة تطغى على كل فكرة: مواجهة امرأة بارعة الحُسن بقلبٍ مشتعل!
الواقع الذي تفرضه الحرب ينفي إمكانيّة التفكير من أساسه، ويُسلِمُهُ للسِّلاح المحمول!
فما هو إلّا أمرٌ يترى بالهجوم، حتّى يُقصَفَ التّفكير ويُحالَ من العُقول إلى المسدّسات، في تمثيلٍ للغريزة.
ومن خلال شرح الضّابِط، هو وجماعته ينصاعون لتلك الغريزة ويندفعون بالمسدّس وحده دون أن يسيّعوا معه تراجُعًا أو حِرصًا على السلامة، وجاء في النص تشخيص السّلامة كمُقاوِم ممنوعٌ عليه مزاحمة المسدّس.
وفي ذلك الوضع، لا يُقيمون وزنًا لما هو مُتَرَتِّب.
ذلك هو ما جعل الضابط يخافُ من الممرّضة، وهو ما أغضبه بعض الشيء: أن يوصَف بما لا حقّ له به.
وقد باحَ بأنّ وصف البطولة غير مرئي له في نفسه، فتبوح الممرضة بدورها بأنْ مرئِيٌّ الأمرُ بالنّسبة للآخرين بمن فيها هي، وهذا هو المهم.
وألفى الضّابط في ذلك انخداعًا سألها إن كانت واثقةً بأنّه بعيدٌ عنها.. ووثقت هي أن أيّ خداع في ظرفِها لن ينطلي.
يأخذ الضابط في عين الإعتبار (بأسلوب من يدري؟) أن الممرضة تمارس ضربًا روحيًّا من التمريض، هو مبالغة تدعو للسخرية في الإطراء عليه، سخرية منه ومنها! لأنّه إنسان صريح لا يحب التضخيم، ويرتاح للتنظيم القويم.
أمّا “الإطار المسرحي” للثّناء، كما سمّاه، فإغضابٌ واستحقارٌ غير مقبول.
ثم ينتقل لظنّه الخائب، فما كاد الظّنّ يتّفق، حتّى لم تصنعِ الحرب أجيالًا جديدة منه ومن الأُزاس أجمعين دونَ لا سِيَما المتطوّعة، بمشاعر جديدة تُضَخّ في الدِّماء.
ويوضّح مقصده عندما ذَكَرَ تَغَيُّرَهُ، فالتّغيير لم يكُن أنْ ظنّ بأنّه بطل! وكرّر اللفظة بهزئ، رادًّا الممرضة عن إيعازِها له لِما فيها من “إيذاء”.
طبعًا، احتجّت المرأة على كونِها قد تدفَعُ مبلغًا من الإيذاء، هذه اللطيفة، باستفهام بلاغي، يستحيل أن يستحيلَ كلامها أَذًى.
والضابط يَعُدُّ الكلمةَ صدقةً أو فضلًا يُرمى، وهو ما تنفيه الممرضة بحدّة بسيطة أو ترجو أن يُنفى وأن لا يُقالَ.
فحسنٌ إذن! يبدّل الضّابط التّعابير، ويسمّيها لا صدقة بل “رداء مُوَشّى خاطف البريق” لا قِبَلَ له أن يرتديه دونَ طيفِ خجل، أو دون أن تتبعه نظرات وهمسات من المُشاة الذين يهمسون بأنّ في ذلك الرّداءِ المُوَشّى تكلُّفًا وادِّعاءً.
لكن الممرضة، بلهجة عاديّة ما فيها لا برودة ولا سخونة، تطرحُ نيّتها، في أي وقت، في أن تقدّم للضّابِطِ هديّة.. يدخل في حِساب ذلك، أصلًا، المِشبك الذهبي.. فهو طلب وليس هديّة، وترجو منه أن يعيده إليها في يوم من الأيّام.
في يوم من الأيّام! هذا تمامًا وعدُ الضّابِط، الذي أمرته الممرضة بالخُلودِ إلى النّوم كي لا يعود إليه المرض (نكسة) جَرّاءَ الثّرثرة، وتنوي الإنصراف عنه.
فيحتدّ عنف الضّابِط قليلًا ويذكّر برغبته، أن يطرد عنه النّوم.
ليس وحده العنيف، فبعنف ضئيل وأمرٍ صارِمٍ، تريدُ الممرضةُ لَهُ الرّاحة والتنائي عن كُلِّ مُجهِد عبر إغلاق الجُفون.
وإذ بالضابط يرفض الإنصياع لأمرِها، لتقوم هي بإعطاءِهِ مثالًا للطّاعة، فكما يطيع كِبارَ العَسكر في الميدان، يجب أن يُطيع الكادِرَ الطّبّي في المَشفى.
والمشكلة أن الضابط، كما يعترف، لا يُجيد تنفيذ الأمر بالنّوم كما ينفّذ أوامر الهُجوم.
وبالمثل، تضيق الممرضة بتمرّده وتَهُمّ بأن تفرنقع عنه، فيخفُتُ عُنفُه ويسأل كالمِسكين إن كانت حقًّا ستتركه.
ونعم ستتركه! فهي، من سؤالٍ كالمعاتَبة، ليست مُكَرَّسَةً لتمريضه وحده دونًا عن جنودٍ آخرين.
ولا يُعارِضُ الشّابّ ذلك، يختفي تعلُّقُه بها ويَهيبُ بها أن تزور العساكر الآخرين، لكنه -وبعد أن سألته الممرضة أن يكمل جملته- سينتظرها!
فتخبره إذ ذاكَ أنّ مُكوثَهُ في المستشفى لن يطول، وهو ما لا يجهله الضّابِط، فيرمقها بصمت بعد أن لمّح لأن فترة تلاقيهم قصيرة، رمقة استفهمت الممرضة عن معناها.
ولم يُحِر جوابًا، لكنّه صَرَفَها بأدبٍ يدعمه تنفيذه للأمر أخيرًا وإغماضُ عينيه، فعل وقول.
و ب “نعم” التأكيدية تخبره الممرضة أن ينامَ دونَ أحلام!
أمّا الضابط فله حلم.. هو في الإزميلِ صورةٌ أبدًا لن تفارقه في يقظته ومراحه.
ويُسدَلُ سِتارُ المنظر الأوّل، وننتقل للمنظر الثّاني..
هنا نحن في ميدان الحرب، تُلَعلِعُ فيه مدافع الجيش المِصري أثناءَ ما قبل منتصف الليل إلّا قليلًا.
وقد جاء الضّابِط يتفقّد الأوضاع، ونعرف عنه الآن أنّه قائد الفصيلة الأولى عند الجبهة الأماميّة، ويتهامس مع قائد السريّة.
قائد السريّة يعلن، بعد تفقّد ساعته، أنّ قُواتِهِم ستتوقّف عن القصف بعد سبع دقائق، ما يؤكده الضّابِط الشّاب بقوله إنّ دورهم في القصف انتهى، وآن له ولجماعةٍ أن يُتِمّوا العمليّة.
قائد السريّة، ويبدو أنّه جزء من تلك الجماعة، يُنبِّهُ الضّابِطَ على خطورة العمليّة، فلا يعتبرها الأخيرُ مُزايدةً على مهمّاتٍ لدى الغيرِ أخطَرْ.
غير أنّ القائد رأى العكس، أنّها فعلًا أخطر. فمهمّة الضابط تتمثّل بترأُّسِ كتيبته بُغيَةَ الإنفراد مع سِياج حصن العدو المنيعِ الشّائِكِ الأسلاكِ، وفتح ثغرة به.
وبما أنّ الضابط معه الأدوات، القَطّاعات، فلم يجد في مهمّته تلك الهالة الكبيرة من وجوب عدم نسيان الحذر!
ويطرَحُ القائد خطرًا آخر، هو حقل الألغام المغطّى بالطَّلَقات!
وبنفس الثقة وتجاهل الهول يقول الضابط بأن في حوزتهم مجسّاتِ الألغام.
ويمضي قائد السريّة في التّحذير، فيُشيرُ إلى خطرِ إصابة صدرِ البطل برصاصة غدّارة.
فَيَرُدُّ المِغوار بأنّه لا يُمانِع انكشاف صدره لهم، فبالمِثلِ سيكشِفُ ظُهورَهُم!
ويطمئن الزّميل بأن كُلّه تمام.
وفعلًا، يتّفق الضّابط مع أن كلّ شيء بِخير، ويُرشِد قائد الفصيلة للعودة لموقعه، وأن يثق به وبفصيلته.
والقائد يُحَدّث بشكلٍ عام عن أنّه لم يكن متوقّعًا أن يعود زميله للميدان بعد فترة وجيزة جدًّا من مغادرته نُزُلَ المَشفى؛ إعجازٌ هذا لا يُدرى عنه!
من فوره يقول له الضابط بأن لا يذكّره بالمستشفى، وكأنّه هناكَ تفتّحَت مداركه على ما جعله بهذا البُرود!
فيسأله عمّا إذا كان الجرح أليمًا، فلا يُجيب؛ إنّما يومئ بيده للحصن، ويقدّم تقريرًا شفهيًّا مُذهِلًا عن نجاح عسكري؛ إنّها قنبلة مدفع الكتيبة أطاحت بحصن العدو!
وذاك الذي سأل سؤالًا قد يُتَرجَمُ لفلسفة تتعدّد أنواع الآلام والجروح فيها، تناول منظاره وأثنى على المنظر المُحَقَّق بواسطة سرايا مدفعيّتهم.
لاحظ الضابط ارتفاع الدّخان من الحِصن، واستفسر عن مُناسَبَةِ زحفهم للهجوم في تلك الحالة.
والحالة ليست مناسبة، فالسبع دقائق التي تختم توقف نشاط المدفعيّة لم تمضي (من تحقّق القائد من ساعته).
بقي مجال للحديث، لذلك، يريد قائد السريّة أن يُكمِلَ صاحبه حديثه.. والحديث المعني به هو، بعد توضيح، مُجمل سفره العِلاجيّ للقاهرة من مَسمَع ومرأى.
وب “آه” البلهاء يقول بأنه رأى… لا شيء! حتّى بعد أن أبدى ذاكَ الزميل إصغاءَهُ، طنّت مسامعه المتشوّقة اللا شيءْ، منطوق متهدّج!
فاستفسر القائد عن سبب تهدّج صوته، وكعادته لم يُجِب بل راوغ وسأل عن السّاعة كأنّما يتنصّل.
واستنبط قائد السريّة أنّ صاحبه قد لَقِيَ في العاصمة المِصريّة عزيزًا! وإلّا لما هذا التهدُّج (ربما يعتقد أن الحرب مطرقة والعزيز سِندان!).
صحّت فراسة القائد، لكنّها، يبوح الضّابِط، ليست حذاقة؛ فالقاهرة فيها لكل نفرٍ عَزيز!
لكن، ولكن يتيمة جعلها الضّابط بوّابة لجملة مفيدة بعد ان استعلم عنها زميله، الميدان ليس بمكان ملائم لل “تشيت تشات”.
والصراحة أنّه في الغالب شاءَ أن يُكمل فضفضته، فعاد لتفقّد السّاعة!
قائد السريّة لا يُمانع، بل يفضّل، التشيت تشات الأنيسة في ساحة الوغى، واستعراض صور محفورة في القلوب.
وأمسك الضّابط كلمة القلوب وعَجِبَ لأمر قلبه بالذّات، ذاكَ الذي انتقلت له عدوى الحروب فصار بخلاياهُ ساحة حرب!
همسات وبسمات؟ مودّة وحب؟ كل هذا دفنه هدير المدافع.
غير أنّ اليمام (ابن عم حمام السّلام!) وهديله العَذب ليُزاحِمُ الرّعد الدّاخليّ.
لذا فكلام زميله عن “الصور المحفوظة” ويزيد عليها الصوت المكنون، موجودة وهنّ خليقات بأن يُحمَلن في أحلك الليالي، فيكنّ مثل سَجع اليمام!
عندها لاحَ المشبك الذهبي البرّاق، الذي ارتداه الضّابِط، للزّميل المُمعِنِ في صدره.. فسأل عن ذاك الشيء المعلّق على الصدر، وجاء الجواب متبوعًا باسم الإشارة “هذا” وبعض التأنّي الذي مثّلتهُ ثلاث نقاط.
فما كاد القائد يبتسم حتّى علّق على أناقة صاحبه! أناقة لا تليق بمن يسير في حقل ألغام بل بعاشق يسير في حديقة أزهار!
واسم “العاشق” بقي ثابتًا في موضعه الأوّل، فبعد الفاصلة جاءت عبارة “لا في حقل ألغام” لِتَدُلَّ ضمنيًّا على كون الرجل عاشِقًا، أي أنّ العاشِق المتسكّع في حقل ألغام لا تليق به أناقة مشبك ذهبي بقدر العاشق المتسكّع في حديقة ورود.
بحصافة لا يميّز الضابط بين حقل الألغام ونظيره حقل الأزهار، فالخمائل لن تحمي الزّهر من المقص، كما لن تحمي الأسلاكُ اللُّغْمَ من المِجَسِّ.
فالأسطوانة إذن؛ لِكُلٍّ مِقَصٌّ ومِجَسٌّ.
ووجد القائد أنَّه ليس الوحيد الذي تنتابه هذه الأفكار.. أفكارٌ وضّح معناها وسأل مُسبَقًا بلهجة “أنت أيضًا!”.
إنّها أشياء ظنّها تلازم تفكيره دونًا عن غيره.. الحقيقة الكامِنة لكن مجهولة وال “مدفونة ككنز” على حد وصفه.. فهو لم يعد لمسقط رأسه، القاهرة، منذ أن اشتعل فتيل الحرب.
ولو حصل وقُدِّرَ له ذلك الحظ السعيد، فالحقيقة أنّه سيتغيّر وينقلب رجلًا آخر!
وهذا فحوى سؤاله عن ما تبيّن الضابط من أثر سفره للقاهرة، كان يريد أن يعرف إذا ما كان التغيير قد طالَ المدنيّين هناك، وإذا ما لم يكن هو وزملائه وحدهم من نهش لحمهم وحشُ التّغيير.
لم تترك رايات الإستسلام البيضاء المنصوبة على حصن العدو فجأة، مجالًا لاستمرار المحادثة، فأشار الضابط للحصن وسأل إن كان المنظر سرابًا أم حقًّا!
وتبيّنَ الحقَّ القائِدَ بمنظارهِ، هي إذن رايات التّسليم (نعم نعم! حقًّا).
من أجل ذلك، يتشجّع الضّابِط على اقتحام الحِصن! لكن زميله يتريّثُ ويقوم بالأولويّة: إعلامُ مركز القيادة الرئيسي عبر هاتف مركون عندهم.
ويجري الإعلام، وينكشف -ليس من حديث مكشوف بل من رد القائد- أن المركز يفكّر بأن الإستسلامَ خُدعةٌ المقصود بها الإستدراجُ، فالواجِبُ أن تفدي الفصيلةُ الأولى بأرواحها هذا الرِّهانَ!
والضابط خشي من ما سمعه عن فصيلته، فقال كلمة واحدة “فصيلتي” كأنّها وديعة!
فيترك القائد الهاتف ويؤكد على اختيار الفصيلة ككبش فداء، وجهلًا منه بموقف صاحبه، يُوَخّيهِمِ الحذرَ حَذَرَ غدر العِدى المألوف (اسرائيل؟).
مكمن الخطر أن يكون الإستسلام تمويهًا لاستدراج الجنود المفترض أن يُبعَثوا لتسلُّمِ الإستسلام، فما يكادونَ يقتربون من مرمى النيران حتى تنطلق.
ببساطة، يرفض الضابط إرسال أيّ من الجنود! أمّا بخصوص سؤال رفيقه عن البديل، فالبديل هو نفسه بشحمه ولحمه!
يحاول الرفيق، دون ثورة، أن يُولّي حَذَرَهُ شَطْرَ سيناريو الغدر.
فماذا يكون رد الضابط؟ قال بما معناه أنّه حتّى لو انطلق الرصاص الغدّار، فحصيلة الوفيات لن تتجاوز نفرًا واحِدًا!
لكن قائد السريّة حاول اقتراح إرسال جندي آخر لأنه لا يُفَرِّطُ بذلك الشُّجاع، فما يكون من الأخير إلّا أن يُثَمّن أرواح فصيلته ويُؤثِرَها عليه، فهو في نهاية المطاف قائدهم.
فيرفض عندئذٍ القائدُ إصدار الأمر له، بَيْدَ أنّه ما بيده حيلة، كما يدافع الضّابِط، لأنّ المركز أرسل تعليمات لتحرّك الفصيلة.
ويُذعِن للحُجّة مع ثغرة، فيأمر دون أن يُهِمَّ أمره، بتحرّك الفصيلة أي لا حقَّ للضّابِط بالتّحرّك وحده.
مغالطة بريئة استعانَ بها الضّابِط القائد لتبرير موقفه، قال بأنّه بالفعل قد أخذ معه فردًا من أفراد الفصيلة كما التّعليمات.. أخذ نفسه! ولعمره أن تلك حُرّيّةٌ.
وعادت فراسة الزّميل، ومغزاها أنّ الضّابط مقتولٌ يا ولدي مقتول!
يقرر بطلنا المجازفة واختبار فراسة صاحبه -هذه المرّة- ثمّ يناوله مشبكه الذّهبي.
“مِشبكك الذهبي؟” هكذا تلقّى القائد الوديعة، فصحّحه صاحبها مُصارِحًا بأنّه ليس مِلكًا له، بل لممرضة قهراوية متطوّعة في المشفى العسكري، ويطلب منه البحث عنها إرجاع مشبكها لها إذا ما كان القدر أن يموتَ¹ ويحيا²!
لذا يسأله عن اسمها، وما يستطيعُ له سبيلًا فهو لم يستعلم من الممرضة عن اسمها.. على أنّ هذه ليست عقبة، فبالإمكان العثور عليها، والمُرادُ أن يُرَدَّ لها المِشبَك ويُقالَ لها تذكيرٌ بالوعد..
أن يعود لها المِشبك في يوم من الأيّام! وصاحب الوعد قد بَرَّ به.
وصاحبنا، صاحب الوعد، يتوهّم أنّه ملزوم بدفع إيجار للفترة التي احتفظ بها بالمِشبَك! فما هو الثمن الذي يريد أن تعرفه الممرّضة؟ حياته، أقصى ما استطاع! ويختم بتوديعين؛ إلى اللقاء -في حالةِ عاشَ- ووداعًا -في حالةِ ماتَ-.
من ثمّة، يَهُبُّ إلى سيّارة صغيرة وينطلق للحصن كي يستلم الإستسلام! فيودّعه -في حفظ الله- صديقه قائد السريّة.
بعدها يتناول المنظار ويصوّبه على الضّابط الذي صاحَ من مسافة مسموعة بأنّه إذا أطلق شُعلة أو وهجة من مسدسه، فإن عملية التّسليم نجحت والأعداء صادقون.
قائد السريّة، مع منظاره يراقب، يُرشد الجنود لترقُّبِ وهجة قائدهم الأبيّ الذي ضحّى بنفسه مصطفّين، وفي تحوّل مفاجئ مصدره تتبُّعُ المِنظار، يقترب الضّابط من الحصن وإذ بالجبناء الأنذال كما وصمهم القائد ينزلون الرّايات البيض!
ثم حدث ما هو أحقر، فقد جلجت رصاصات الرّشّاش!
ولم يبقى شكّ بأن الضّابِط مات! لقد قُتِلَ قُتِلَ.
فاغتاظ الجنود وتأثّروا، وبحنقٍ لفظوا الحقيقة المرّة، أنّ الضابط مات.. ولكن! قائد السريّة، رغم الحقيقة المرّة، وبدمعة وجَلَد، يؤمن بأنّ موت الضّابِط هو… هو عنوان هذه المسرحيّة! ميلادُ بطل.


Vive La Palestina 🔥❤️
والنصر لجبل النّار!
والموت للعِدى!
والحياة لبسمة الثّكالى وخمائل الشُّهَداء!
بردًا وسلامًا على هذه الأرض المباركة.