دراماتيكيول (Dramaticule) هي لون مسرحي يمتاز بالإيجاز والتّجريد، أتقنه واشتُهِر به المسرحيّ الآيرلنديّ صامويل بيكيت..
تعالوا نتعرّف على إحدى “قصائره” المجرّدة من العادِيّ من التّعامل الإنساني؛ صدرت سنة 1965 ومُثِّلَت في ثلاث دقائق تقريبًا في مسرح شيلر ببرلين وبيكوك (يعني طاؤوس) بدبلن عاصمة آيرلندا.

عُنوانُها: Come and go، تعالَ واذهَب.

ثلاث نساء، هُنَّ فلو، في، ورو؛ يجلسن واضعاتٍ الكُفوف المتشابكة في الأحضان كجلسة نبيلات راقيات، إلى مَركِزَ المسرح.. كما وردت أسماءُهُنّ، يَـرِدْنَ من اليمين لليسار.
بكلمة واحدة هي “هدوء” تسبقها نقطة ويتبعها نقطة، يوصَفُ الجَوُّ.

تبدأ المسرحيّة بِ “في” تسأل عن آخر لقاء لهنّ، تقول هذا دون إسهاب في وصف الشّوق بحيث قد تعتقد أنّها تتبرَّم.

وتقِلّ الشّفافيّة أكثر بردّ رو عليها، وأنّهم يجب أن يلتزموا الصّمت.
والصّمت بعدها يسود، ويسودُ حتّى بعد مغادرة في من يمين المسرح دون إبداء أي شعور.

وتبقى فلو تستلفتُ رو التي تُجيبُها، وفلو تريد معرفة رأيِ رو في Vi! ورأي رو في Vi (أستخْدِمُ الإسم الإنجليزي لأن العربية لا تحتوي لفظة ال V) أنّها تغيّرت قليلًا..

عندها تنتقل فلو لجوار رو (غالبًا مقعد Vi) وتهمس في أذنها سِرًّا عن Vi جعل رو تُصدَم.. وقد عَمَدَ الكاتب لتضمين شعور الصّدمة بكلمة Apalled أي مصدومة بنقطة قبلها ونقطة بعدها وهذا إيجاز صريح.

وصدمت قائلة “أوه!” ثمّ حملقت النّسوتان ببعضهما، ووضعت فلو إصبعها على شفتيها ليس علامة للإسكات أو التّكتّم بل لتمهّد لسؤالها عمّا إن كانت، بصيغة “أيا ترى؟”، في تُدرِكُ سِرّها..

لتردّ فلو بما معناه لا سمح الله، ولا ضير أن أذكُر أنّها استعانت بعبارة “God grant not”.. ف grant تعني يمنح وكأنّها تقول لا مَنَحَ الله.. هذا الإستعمال ليس نادرًا جدًّا لكنّه مُستَعاض عنه ب God forbid في الإستعمال الشّائع و forbid يعني يمنع لذا هو أكثر منطقيّة.

بعدها يسبق الفعلُ الفاعِلَ دون ضمائر مساعدة.. وهذه ثيمة شائعة في النّص ككل ممّا يوحي باختصار وغرابة..
فتدخل المحكي في ظهرها، وتعود الجلسات كما سابِقًا، ويعود الهُدوء.

وفجأةً تقول فلو في نفس مساحتها الحواريّة، ولا ندري حقًّا إن كانت تعليمات أو استحضار ذكرى، أن يجلِسنَ سَوِيّةً كما عَهِدَهُنَّ ملعب السّيّدة ويد (السيدة ويد لا شك اسم عابِر لكنها فعلًا شخصية خيالية من عمل آخر؛ رواية دوريت الصّغيرة).

وَرو تضيف أنّهم عَرَفنَ جذع شجرة وعَرَف جلساتهنّ التي لا شك كانت في الطّفولة.

وعاد الهدوء! وهذه المرّة تغادر فلو، وتتكرر لفظة الهدوء كتعليمات مسرحيّة ستستفيض لاحِقًا، ويتكرر السؤال وتتغيّر الوجوه.

فَرو سألت في عن رأيها في فلو! وفي تجيب بأنّها لم تتلمّس فرقًا في شخصِها، لكنّها تسمع من همسة رو التي تحرّكت إليها منتقلةً لمقعد المغدورة ما أذهلها (بنفس الوصف السّابِق، بما في ذلك التأوُّه والنّظرة المتبادلة)..

ووضعت رو إصبعها على شفتيها وتسائلت لرفيقتها إن كان المأكول لحم ظهرها ميّتةً “لم تُخبَر”!
والصّاحبة تجيب بنفس ديباجة “لا سمح الله” هذه المرّة بلفظة “فوربيد”.

تدخُل إذ ذاكَ فلو وتتبوّأ مقعدها الأيسر بعد أن تركته الواشِية وعاد كلٌّ لموضعه، وهناك حركة نتبيّنها من حديث رو المفاجئ، بالحِنكة نعرف أنّ المسرح لا بدّ مُظلم أو أنّه رغم عدم وجود إرشادات مسرحيّة فإنّ رو تُنَشِّطُ يديها لِتُري أو لتستعرض طريقة معيّنة لمسكة الأيدي.

وفلو لا تحتاج لإرشاد، على العكس هي تبادر في شاعريّة الجو الغريبة وتتغنّى بِحُلِمِهِنَّ، لأنّها أتت بسيرة الحُلِمِ تِباعًا لإرشادات رو، بالحُبِّ؛ الذي ورد بعد عدّة نِقاط.

ليعود الهدوء……………..
ثم تغادر رو من اليمين (سابِقَتُها غادرت من اليسار، أمّا المُغادِرة الأولى فكذلك من اليمين).. وبعد الهُدوء، تطلُبُ في من فلو الحُكمَ على مظهر رو!

وفلو، في ضوءِ محدوديّة بصيرتها، لا تستطيعُ حُكمًا، فتهمسُ لها في ما هالَها وجعل الأعيُنَ تتقابل والإصبع يزور الشّفاه واللّسان يسألُ الأسطوانة المألوفة، أَتُراها ليست تعلَمُ؟
فترجو في السّماءَ أن لا تَعْلَمَ!

تعود رو لمقعدها وترجع الإثنتان لمقعديهِما ووضعيّة شبك الأيدي النّبيلة وسطَ هُدوءٍ. ولِسَبَبٍ ما يبدو أنّه مرتبط ببداية النّص الذي سيضُمُّ لاحِقًا مخطّط شبكيّة يعرض انسِجام علاقات الشّخصيّات الواشِية ببعضها، تريدُ في أن لا يُخاضَ في سوالِفِ الماضي (ربّما قصدها اللعب الطفولي في ملعب السّيّدة ويد).

ويأتي الهدوء! وحقيقةً مُجمل الكلام متقطّع كالهُدوء، فهذا يتكرّر بعد تناقض؛ إذ في التي تريد الحديث عن ما أتى بعد سالِفِ الوقت، تريدُ أيضًا أن تُمسِكَ هي ورفيقتاها الأيدي ب “الطريقة القديمة”! ونعم، أتى بعد ذلك هُدوء.

فما تمرُّ لحظة حتّى تتحقّق المَسكة الجماعيّة، يُمنى في تقترن مع نظيرة رو، بينما يُسرى في مع نظيرة فلو.. يمين مع يمين ويسار مع يسار!

ومن فلو حدث الإنكسار في المغنطة، فيُمناها اقترنت مع يُسرى رو.

ثم نأتي للأذرُع، فأذرُع في ترتفع عن ذراع رو اليسرى، وذراع فلو اليُمنى.

هذه الخلطة من الأزواج المتعاهدة المتكاتفة استراحت على الأحضان، وكانت ثلاثة أزواج متلاصقة على ثلاثة أحضان هي في حقيقتها حِضن واحد.

وحدث هدوء قالت فلو عقبه أنّ بإمكانها الإحساس بالخواتم! وهذه ومضة لم يُذكَر لها إرشادات مسرحية من قبيل الإضاءة أو حتّى تعديل درجة الصّوت، فالإرشادات إذن مقتصرة على السّرد الأدبي.

وأُسدِلَ السِّتارُ الّذي سُبِقَ بِهُدوءٍ تَبِعَ مُلاحَظَةَ فلو.

قُلنا إنّ الإرشادات المسرحيّة اقتصرت على السّرد، لكنّ شؤون المسرح من نحو الإضاءة والأزياء والمقاعد وحتّى شبكيّة العلاقات والمخارج، ووضعيّات الأيدي بالتّفصيل والأصوات جاءت في المُلحَق.

رغم الإنفصال يبقى السّيناريو سيناريو والعمل واحِدًا يكتمل بذاته، فالمسرح إتقان والإتقان يلزمه تدوين.
ولا مانع من إلقاء نظرة على المُلحَق:
أصوات النّساء هابِطة وباردة باستثناء لفظة “أوه” وما يتلوها.
الإضاءة ضعيفة وتضيء مجلس النّساء حصرًا ودونًا عن باقي المسرح، فكونه مُظلِمًا أمرٌ مُهِمٌّ.

بالنّسبة للأزياء فَقُرِّرَ أن تكونَ معاطِفًا مُزرّرة، معاطف من النّوع الطّويل الذي يُشبه الثّوب.
تقرّر أن يكون معطف رو بنفسجيًّا غامِقًا (تحدوني ملاحظة، في المُلحق جاءت تسمية اللون violet وهو اسم زهرة البنفسج لذا فاللون بنفسجي.. لكن الإنجليزية لها اسم آخر للّون البنفسجي لا صِلة له بالأزهار؛ purple).
فيما معطف في أحمر، وفلو أصفر؛ كِلاهُما غامِق.

وعنصر هامّ، قبّعات باهتة لا حياة فيها! لا يهم شكل القبّعة، المهمّ فقط أن تغطّي ظِلالُها الوُجوهَ!
ويوصى بأن تشترك النّسوة في غرض ما يكسِرُ اختلافَ ألوانِ معاطِفِهِنَّ.. غرض يُلبَس ربّما.. شيء يشتركن به ويُحَبّذ أن تتطابَقَ الأغراضُ قدر المُستَطاع.

الأحذية ينبغي أن تكون خفيفة دون قَيد يقيّد نوعها، على أن تكون البواطِنُ مَطّاطًا.

وصيّة هامّة، الأيدي ليست محجوبة، لكن الخواتم ينبغي أن تُحجَب! (تذكّر أنّ فلو استشعرت خواتِمًا).

بالنّسبة للمقاعد فهو في واقع الأمر مقعد واحد طويل وضيّق لكنّ يسهُلُ تمييز أماكن منفردة على متنه لأنه “يشبه” المقعد الطّويل (بنج من كلمة bench أوه بالمناسبة جاءت benchlike ككلمة متّصلة دون فَيصَل – الحديث).

وهذا البنج لا ظَهْرَ له، والهدف الأساسي أن يشمل الشّخصيّات بطوله كأنّما تلاصُقْ يصعُبُ ملاحظةُ مُحدِثِهِ بالنّسبة للمتفرّجين.

المخارج… هذهِ مختفية وتحتلُّها العتمة، وإذا لم يُستَطَعْ توفير عتمة كافية، فالمُشار إليهِ ستائر متخفّية.
والمطلوب أن يتباطئ الخروج والدُّخول دون دَبيب الأقدام.

Subscribe
Notify of
guest
3 Comments
Newest
Oldest Most Voted

استيل
استيل
2 months ago

بعيداً عن ما قرأته الآن..ولكن هل اصبح المقهى فيه مواضيع 😅
ويتم النقاش فيها
فين مقهى زمان..الكلام كان فيه حر بدون اي مقال يتمحور النقاش حوله.
؟😢

يسري - نائب المدير والمشرف على أقسام المقهى والموقع
المدير العام
يسري – نائب المدير والمشرف على أقسام المقهى والموقع
2 months ago
الرد  استيل

أختي العزيزة استيل..

المقهي لازال موجودا.. هنا المقهى الأدبي عبارة عن قصص.. لكن المقهى العام اضغطي على كلمك “اذهب للمقهى العام” ستجديها فوق كلمة المقهى الأدبي.. تحياتي وبانتظارك 🙏

Last edited 2 months ago by يسري – نائب المدير والمشرف على أقسام المقهى والموقع
استيل
استيل
2 months ago

ها
استغربت😂
شكرا للشرح والتوضيح ✨

3
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x