معادلة كسّارة الجو

المعادلات عنده مسألة -وليست مسألة- غاية تهيّب به أن يتحمّل الضّنك ويستسقي من رَتابة المهنة وتحدّياتِها، معنًى.
فيخيّل إليه أن المعادلة، وهي تتمسَّحُ بالأوراق الأكاديمية فوق منضدته التي لم تعرف غير أسطرلابات الحِساب.

كانت حياته المهنيّة كلّها مبنيّة على حل المعادلات، لم يُمانِع انغماسه بها بقدر انغماس كروب العنب في صناديق النبيذ، وفي سبيل متعته الخالصة، يُخلِصُ لها حنيفًا؛ غاضًّا الطّرفَ عن إهانات مدرائه وأساتذته.

إذ هو ليس بمعصومٍ عن الزّلّات، ولكنه في هفواته يتّخذ من المنطق دستورًا؛ فيحلو له أن يَعُدَّ نفسه، بشحمه ولحمه؛ لا سليلَ القردة كنا يؤمن أستاذه في علم الأحياء، ولا غلطة كونيّة كما يتيقّن أستاذه الفيلسوف، بل معادلة!
وكما يجتهد بالعسّالِ كي يجد الغلطة المشكورة ليقلبها صَحًّا صحيحًا، يجتهد كي يظهر جَلَدَ القامة أمام قهقهات السّاخِرين.

غير أنّه إنسان؛ وعلى نَحْوِ كل إنسان، أراد الكمالَ المُحال.. فسعى لإيجاد معادلة؛ ما على نحوِ كلّ معادلة، معادلة تحلُّ كُلَّ مُعادلة!

وطاب له وهو أمام مكتبه في منزله يقلّب الصّفحات بتذمّر -والحق أنه لم يتذمّر إلّا عندما انكشفت الغُمّة عن صعوبة رجاءه- أن يسمّي هاتيكَ المنشودةَ بِ “كسّارة الجوز”، لا لأن ابنته الصغيرة، كبده وقلبه، تقرض الجوز بأسنانها النّابِتة في مثل هذا الوقت عند مكتبه فتطرّي ليلاه، بل لأنّه أبدًا ينشُدُ الكسْر.

إنّه مُذ عرف الدنيا وطريقه مختصرة، يجبرها أن تكون مختصرة بالكَسْر.. في صِباهُ كان “يستعير” من المكتبة.. لا بل يسرق منها؛ فهو لم يُحسِن القراءة تحت الضغط..

أفكار مثل “ماذا لو استغرقتني قراءته ما تعدّى الميعاد؟” هل “ثلاثة أسابيع مينوس عطلتي ولعبي مع الأولاد كافية؟” فتئت تنهش منه.. فكسر الأخلاقَ وسرق.

حلَّ منتصف الليل وزال عنه التذمر وشبعت طفلته من الجوز وراحت للمَراح، فيما بقي هو منفرج الأسارير؛ فلم يعي إلّا والفرحة تغمر عروقه.. يطير فرحًا و “إيوريكا” زمانه لا تفارق لسانه. ومثلما هبّ أرخميدس من الجاكوزي عاريًا لا يشغل باله غير طوفان الماء حول كتلة ذهب الصائغ، هبَّ الرّجلُ إلى نافذة الغرفة “يكسرها” ويتقوقع بعد سقوطه وما زال، كسّارة الجوز تسلب خياله.

في اليوم التالي، لم يتغيّر شيء؛ تقارير كدأبِها تنتقص من هفواته وضحكات تلاحقه وهو يدخل العمارة. لكن السّاعةَ ما مِن هفوة!

فداخل العمارة وقف إلى مِسنادٍ يواجُهُ مدير المعهد، وبىباطة جأشٍ غريبةٍ عنه قال بصوتٍ عالٍ أيضًا غريبٌ عنه:
كسّارة جوز! كما الجوز يتكسّر، نجد معادلة تُكسّر أطراف المعادلات المستعصِية؛ فنستأصل قيمة إكس!

وسكت.. وقطع السكوتَ ضحكة كالإحتضار بدرت من رئيس المعهد.. حتّى أنّه وقع عن كرسيّه المذهّب وأوشك نفسه أن ينقطع.

لكنه أخيرًا لم يحتضر، بل نهض وزفر بما ينُمُّ عن انتهاء النكتة؛ وقال لأستاذه الذي اعتراه خجل لم يخجله في حياته قَط: أنت مفصول!

وعاد لكرسيّه المذهّب!

أمّا الأستاذ لم يقنط.. صحيحٌ أن العار انتابه حدّ الصدمة.. إلّا أنّ جمال فكرته زرع في لبّه أملًا.
لذا فقد عاد من نافذته المكسورة وفتح كشكوله وطفق يكتب:
فورمة الجذر تعتليها على الدّوام قيمة ثابتة، فنقسم الناتج المبسّط على قيمة ثابتة بدورها!

عجبًا! إن القيمة الثابتة لَتُشبِهُ بنية كسّارة الجوز التي لم تتغيّر منذ فجر اختراعِها! لا شك أنه التطابق المصيري! نعم، إنّه ولا ريب التطابق المصيري..

وراحَ يتبختر في رأسه ويستهزئ بمدير المعهد ذو الكِرشين والياقة المقلوبة، لقد نجح بإحقاق مُناهُ.

في الأسابيع التالية صارت المعادلات كالجوز تتكسّر.. حتّى تلك التي لم يُعرَف لها حلّ جاءت قِيَمُها طازجة تحت الجذر والقِسمة الثابتة!

وفي يوم، عَنَّ لهُ أن يزور رئيس المعهد كي يرد الصاعَ..
وبالفعل، مشى للمعهد، لكنه لم يرى المعهد.
رأى مكانه مراكز بيانات ذكاء اصطناعي بُنِيَت في أسابيع ولا يدري كيف بُنِيَت في أسابيع! هذه الفترة لا تكفي حتّى لكي يرمّم الكادِرُ نفسه ويلتمس النّقاهة!

لم يحزن لذلك.. كلهم ضاحكون خائبون وهو مستبشِر دون أن يضحك.. لقد زارته السعادة فجأة، فكانت خير مفاجأة.

لكن فكرة الزيارات الخارجية بدلَ الهُمود في غرفته كان لها نصيب، كذلك، من فتافيت عقله؛ ولمّا خرج عن ركوده بعد هنيهات ليرى الشارع…

لم يرى الشارع.

كسرته كسّارة الجوز، صارت جاثومًا يجثم على أحلامه وهويّته التي لم يخصّص لها قِسطًا يكفيها لتتكشّف.
كسّارة الجوز سلبت حياته لأن حياته معادلة.

ولم يستوضح من رُكام أليفِهِ هذه الحقيقة إلّا بعد أن أبصرَ كل مبنًى أكاديميٍّ يُطاحُ بٍهِ على مرآه.
وتعلّم درسًا قاسِيًا وهو مشدوه -نعم لم يردعه اندهاشه من تعلّم أي شيء فهذا عهده- أنّ الإيجابيّة نِسبيّة، وأنّ فعل+خير لا = دائمًا خير!

Subscribe
Notify of
guest
2 Comments
Newest
Oldest Most Voted

همس الصوت
همس الصوت
4 months ago

صديقي..
هل سمعت شيئ عن مسرحيه كسارة البندق؟ لا أدري لما سألت ذالك السؤال بحته سأقرأ وأكمل لك خاطري حين قرأت العنوان

لوريكا
لوريكا
4 months ago

نص عميق ومؤثر. إنها مأساة “الاختزال”. اختزل الرجل روحه في معادلة، واختزل العالم في أرقام، فلماا تغير العالم تحطم تحت وطأة معادلته هو شخصياا، لم يجد مرتكزاا آخر يقف عليه. لقد أصبح هو “المجهول إكس” في معادلة لا حل لها. شكراا لهذه الكتابة التي تلامس جوهر الهوس الإنساني بالسيطرة على الكون بعقل محدود.

تحياتي لك وبأنتظار جديدك 🌺 🌺

روكسانااااا✌🏻✌🏻🐦‍🔥

2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x