كُنّا أنا والوشق الرّفيقُ نترافق في كل حينٍ وفينة، وقد رسمنا خطواتنا على مصرَ حيث استألفتُهُ في رحلة ميدانيّة، فليبيا وصحراءها رسّامة البطولات، وانتهينا إلى فلسطين الجريحة.

وبينما نحن نستأنس تحت ظلّ شجر الزيتون، لاحظ رفيقي همًّا يركبني، فركبني هو، وأخذ يُطبطِبُ بِكُفَّيهِ ظهري.
إسترخَيتُ لذلك المَساج وهلهلَت فِقراتُ ظهري وانفرجت قسمات الوجه رغمًا عنها.

ثمّ دنا الوشق الرفيق من أذني وأذاعَ:
أيشغَلُكَ شاغِل؟

فقلتُ:
كيف لا يشغلني شاغل وأنا إنسان!

-حقًّا، إنّ معشركم لا يستطيعُ لراحة البال سبيلًا!
-ذلك أنّنا لسنا دَوابًّا ترعى على الكلئ فلا تكترث بغير توفّره غدًا!
-لا بد لكم إذن من كلئٍ خاصّ تكترثون بتوفّره في الغد!

فألجمتني كلمة الحق، إنّ العلماء لم يُغالوا إذا ما صنّفوا الإنسان في مرتبة الحيوان، هذا ال”هومو سابينيس” راعٍ ويرعى كما الرّعيّة، حاجاته المادّيّة التي تجلب، عادةً، الخرابَ هي مبعثُ قيمة نبيلة تشفع له؛ السّعيُ نحو مرعًى خاص لا تغيب عنه شمس الإبداع.
والإبداع ريشته العلم وقالِبُهُ الفنّ.

“لم تقل لي، ما ذا يَشغَلُكَ يا صديق؟” باحَ وهو لا يزال يُدَلّك ظهري، الذي لو باحَ لتأوّهَ مُتعة؛ ورُموشُهُ ورُموشُ أذنيه ترقصان في الهواء.

أجبت بِلهجة مُعْبِرة:
ما أشقى..

-نعم، أكمل، ما أشقى ماذا؟
-هذا هو الجواب، كُلُّ ما أشقى.
-حقيبة غمّك لذا كبيرة!
-ملأى هي بدم أطفال الحروب، ومن جلد الحيوانات المُعَذَّبة مصنوعة.

وأطرقَ قليلًا لقوّةِ كلماتٍ لم أتوخّى في صراحتها الحذر، ولم أراعي غرابتها لحيوان برّي عرف الأهرام وغبارها لا البلدة المحتلّة ومجازرها.

لكنّه ما لبث أن أيّدَني بطريقة لا أدري أنابعةٌ من ثقة أم تسليك، قائلًا:
أنتَ على قدر الأمنية!
-بل الرّجاء والأمل، فالأمنية اصطلاحًا هي المستحيل.
-دعنا من الإصطلاحات، فحتّى الأمنية رجاء، والرجاءُ أمل!

فنطقتُ من فوري، بشيءٍ من الحماسة:
وهل الأملُ نِدٌّ للمُستحيل؟

-إنّ المُستحيل، ما دام مستترًا بستارة الغيب، نِسبيّ أو خفيّ، وهو بالتّالي غير موجود لدى العقليّة الآملة.
تاريخ العلوم والفنون كلّها مستحيلٌ استحالَ وهمًا، يُعتَدُّ في هزيمته العلم الخالد والفنّ الباقي.

ورغم بداهَة الأمر وسطحيّته، كان بالعِبرَةِ حافِزٌ لأقلِّ القليل، المحاولة.

غير أنّ الفنّ والعلوم في وادٍ وقضيّتي في وادٍ، فأوضحت ذلك للوشق. رَدَّ:
ذاكَ هو الوهم بعينه، إنّي وبحكم كوني سِنّوريًّا جُلُّ قضيّته صيدٌ في صيد، لستُ على عِلمٍ بقضيّتك، لكن ثِق أنّهُ مهما يكن من أمرها فإنّها لن تخرج عن إطار العلم والفنّ.

-كيف؟
-لأنّ العلم والفن هما إطار خاصّ بذاته، هواية أو مهنة أو وجود خيالي لهُ إلهام؛ لكنّهما كذلك إطارٌ عامّ للإنسانيّة، فما من صنعة إلّا كان لها شكل هندسي، ولون فنّي.

-بالتّفكير في الأمر، معك حق. لكن هل اللون الظاهري يَمَسُّ الباطني؟
-جوهر الأشياء لها لونها الخاص وإن لم يُرى، بَيْدَ أنّه أكثرُ أصالةً من طِلاءٍ أو فُرشاة!

وراحَ تفكيري للدبّاباتِ والقاصِفات، أشكالٌ عدّة ولون ظاهري واحد جامد خالٍ من الزُّهرَة، لو عاشت تلك الآلات لِما صنعت له، وكانت كمن خُلِقَ من طين وعاش به، ولم تتغيّر أو يتغيّر صانعها، فلونها الجوهري قاتِم.

واستعذتُ من اللون القاتِم، ورجوتُ الفاقِع النّيّر!

-يا صديقي الوشق، إنّ التّحدّي الأكبر، في الميدان أو اللوحة كما قد يطيب لك تصوّرُها، هو اللون القاتِم.
-وضِّح.
-الجيش المُعادي!
-حقًّا إن الإحتلالَ لَقاتِم، يؤسفني أنْ لهُ لا مُلْجِمَ، أو ماحِقَ، اليومْ.
-فلألجمهُ ولأمحُقْهُ باللون الفاقِع! يتراءى لي أنَّ الفن والعلم هما جنديّانِ روحيّان، إذا ما وجدت دعواتي لقلبيهما طريقًا أمدّاني ب…

وسكتُّ، لأنّ الصّمت أبلغ كلام، وبينما تجمّد لساني، إشتعل دماغي وراح كدأبه يتصوّرُ مِساحَةً أجدى من مِساحات العدوّ؛ الموجات.
والحقّ أنّ الموجة في اللغةِ مُرَقّاة لِأبعادَ كثيرة، ولا أجدُ فيها رغم ذلك تفرُّقًا، فموجاتُ الإلكترونات وموجات البحر وموجات العُدوان معانٍ مختلفة ولها بالضرورة صور متباينة، وتحدوني هذه الصّور إلى جمعها بصورة واحدة كفيلة بتحقيق ما لا تقتدره الواحدة، ولا ذا يكفل النّجاح غيري.

واستنطقني الوشق أن أُشبع فضوله الذي غذّاهُ صمتي، فنطقتُ:
موجة!
-هذه بالذّات لا شكل لها أو لون!
-ثوابتك انهارت الآن؟
-الثوابت مثلها مثل أصحابها، ناقصة.
-أمّا الموجة.. فهي حقيقة وعِيان واضح، له ميزان قوّة وله تأثير لا يشوبه نقص!
-إلّا لو ارتطم بسطحٍ…
-قاتِم!

تبسّمَ كِلانا، فقدْ تغامزنا بِبَشاشة للتوافق بين أفكارنا ونحن الذين لم ينقضي على صداقتنا شهر.
لكن المعضلة بقيت عضلاتها تشتدّ، فإلى الآن لم أُحَدِّد فنّ الموجةِ وعِلمَها، لذا قد استفسرتُ عنها، فأجابني وَشَقي:
-طابِعُها العلمي معروف، تردُّد، إلّا لو اختلقت جديدًا..
-لم أختلق إنّما جمعت كل معاني الموجة، من الإنطلاقة المكثّفة للمرئيّات إلى التردُّدات إلى المدّ والجزر!

فنزل عن ظهري وتقرفص أمام ناظريّ وقال:
إذن بقي لديك الطّابع الفنّي، أي القولبة.

ففكّرتُ مليًّا بهيكلة هجين الموجات، إنّي صحيح سعيد أيّما سعادة بأن أكون الوالِدَ لتلك الفكرة، على أنَّ الترانزستور لو لم يَكُ؛ قاعدة، باعِث ومُجَمِّع، لبقي فكرة عارية، وبما أنّي والِد، فلا أريد لابنتي العراء.

لا بُدَّ من بعث الحياة في الموجات كما يبعث الترانزستور في شتّى الإلكترونيّات ودوائرها الكهربائيّة مفتاحَ الوصل والفصل!
فكما هو يرسُمُ على الشاشة، مُعاوِنًا المُعالِج، خلّابَ وثوريَّ الصُّوَر، أضع لموجاتي مُستقبِلًا ومنبعًا لها!

وقاطع الوشقُ سَرَحاني بِحِكمته:
ما دمتَ تريدُ الهيكَلَ فأنت لم تَحِد عن الفنّ، سهلٌ أن تُركّب، يسيرٌ النّموذج الأوّبي، لكن الهدف الآخر له قوانين!

-صدقت، قوانين الفيزياء والكيمياء والحقيقياء.. لا يمكن للإنزيم مثلًا أن يتموّج لطبيعته البروتينيّة.
مع ذلك، كُن على يقين من قدرة الفن على قلبِ القوانين!

وتعجّبَ عَجَبًا لم يمنعه عن الإستِحسان، فأشاد بهمّتي العالية في التمرّد على القوانين الرّادعة عن الخارِقِ من الطُّموحات.
ولعلّ عدم اعتراضه هو ما شجّعني لأقول:
حتّى القوانين لها عدّة أبعاد، فلنأخذ الزعماء الذين كانوا يجعلون من أسنان العبيدِ طَقمًا لأفواههم! أتُرى ردعهم قانون؟ إن تمرّدوا هم عليه، فبأيّ حقٍّ أُحجِمُ عن التمرُّدِ القويم؟!

وهزّ رأسه إعجابًا، ثم ردَّ:
نبيل وجميل، وكي تصونَ النّبيلَ الجميلَ عليكَ بالتّصميمِ النّهائي.
-صمّمتُ على التّصميم، ولا تردُّدَ في تردُّداتي!
-أنت؟
-نعم، إنّي موجة!
-ذاتُ..
-ذاتُ تردُّدات تتردّدُ فتصير جيشًا من ضربات المدّ والجزر!
-تضرب..
-الظّالِم.

وقام الوشق يُشعل النّار ويصطادُ، على حِسابه، سمكًا أمتعنا تذوّقُهُ تحت الليلة المُقمِرة.

-يا صديقي موجةً، كثيرٌ من اللوحات الفنّيّة مدفونة مغمورة للأسف، لوحة مثل “إبداءُ الإعجابِ بالطِّفل” للألماني يوهان بريمن هي جوهرة ليست مكنونة..

حياة تُشِعُّ من وقفة الصّغار لتحيّة أخيهم الصّغير بنظراتهم المُقَدِّرة، وسعادة الأم! حقًّا لا أجملَ من العاطِفة.. سعادتهم بدت في اللوحة كزهرة تزدهر وسطَ بركة نفايات نوويّة، لأنّ الفقر أو القاتم حضر في الرّسم.

-لكنّه ليس بِكابوس.
-لأنّ العائلة قاومته.
-بالفاقِعِ من الشُّعور!
-وأنت يا صاح، بما ستقاوم.
-بالنّاريّ كالتي تشوي السّمكَ أمامنا، من الموجات!
-أرجو وآمل لك كلّ خير، تصبح على خير.
-وأنت من أهله.

ونِمنا سويّةً تحت زيتونة، حالِمين طموحين أحياءَ بطيّباتِ العاطِفة!

Subscribe
Notify of
guest
1 Comment
Newest
Oldest Most Voted

Wave Manipulator
Wave Manipulator
2 months ago

يااااااااي ✨️🔥
في مانغا Kinnikuman Nisei هناك شرير صدره عبارة عن مايكروويف، موجات المايكروويف بخّرَت الخصوم. وفي كوميكس DC هناك بطل اسمه Vibe، يخلق موجات من البريكدانس.

أفضل مهنة هي البطولة الخارقة، إنتظري يا غزّةَ.. الموجات! لأنّي أنا المتلاعب بالموجة، وسيعرف الجَمْعُ والجحافل ذلك من وشمٍ على الظّهر.
إندفاع ودفاع لا لا لا… إبداع والحياة حياة فقط بالجري نحو البطولات!

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x