يوم ميلاد على مدار السنة، قصة من وحي الأدب العِبري

قصة من الأدب العِبري تعلمناها في المدرسة وأحببت مشاركتها معكم.. قريبة من الأمثولة والحكاية الشعبية لكنها فلسفية وسوداوية.. عنوانها: يوم ميلاد على مدار السنة، من مجموعة عطب في حافّة المجرّة لإتجار كيرِت.

تبدأ الفِقرة الأولى بوصف بطل القصة (كان يا مكان رجل فاحش الثراء)، وكيف أنه اخترع -أو سرق فكرة اختراع- منذ مدة هو نفسه لا يعرف مداها.

وهذا الإختراع قد بيعَ لمجمّع شركات (كونغلومارت) إسمنت وقنوات مياه إلخ… وبهذا دُرَّت الأموال لجيبه، فقرر العودة لبيته وبدأت الحيرة تنهش منه ماذا يصنع بهذا الكم الكبير من المال؟

فمعشر الأثرياء دائمًا مشغولون بما لا يترك لهم وقتًا ليفكروا.

الفِقرة الثانية تبتعد عن التعريفات التي ستبنى القصة كلها حولها وتنتقل بنا للرجل وهو متموضع في بيته الجَلَل ويفكر بأمورٍ يفعلها مثل شِراء بيت متحرك جديد من محلّات التجارة (والبيوت المقصودة هنا هي كرفانات بسيطة لكن سعرها باهظ وتوجد في كل دولة تقريبًا تلك الكرفانات البدائية التي قد تتجاوز الخمسين ألف دولار مثلًا).. وكذا أمورٍ أخرى لم تُذكَر.

ويُذكَرُ أيضًا أنه كان وحيدًا دون سبب.. ويأتي توضيح أنه محبوب وودود، لكن كل من حوله يطمع بقربه لمصلحة مادّيّة ما، على الأقل هكذا ظنّ، لذلك دأب على الإبتعاد عنهم وصار شكوكًا.

الفِقرة الثالثة يؤكد فيها الكاتب “إتجار كيرِت” صِدق الظّن، فبالفعل صحبة الناس له مصلحة، فهم يعتقدون بأن صاحبهم الغني لديه فائض من النقود، ويرون أنفسهم فقراء رغم ما لديهم.

ولكن لكل قاعدة استثناء، كان هناك بالفعل صديق عن حق وحقيق لا يطمع بماله، لكنه انتحر. هكذا ببساطة أوّل ما عرّفنا عليه الكاتب ذكر بأنه انتحر لتنتهي الفِقرة وتبدأ واحدة جديدة.

فيها ينعزل الرجل ببيته والجو ربيعي حلو.. يفكر الرجل بأنه يجب أن يكونَ ما يريده في هذا العالم، وفي نفس الوقت يجلب له ذلك السعادة التي يُفني الآخرون أعمارهم لِنَيلِها، ويكون بمقدوره شراء ما لذ وطاب.. غير أنه طرد كل هذه الأفكار من رأسه.

وعلى الأرض الباردة في منزله جلس أربعة أيام متواصلة حتى قطع عليه وحدته رنين الهاتف، فإذا بِها أمّه تهنّئُهُ بيوم ميلاده رغم ذاكرتها الطاعنة في السِّن، هذه الذاكرة تقوى فيما يخص الأحباب والتواريخ الهامّة.

والأكيد أن الرجل فرح فرحة غامرة لسماع صوتها..وما إن أنهى المكالمة حتى رن جرس الباب وأسفر عن مندوب توصيل سلّمه ظروفًا وهدايًا أنيقة، على عكس مندوب التوصيل نفسه..

وطفق مزيد من مندوبي التوصيل يزورونه ويهدونه..

فعنّت في رأس الرجل فكرة: هل يكفي يوم واحد في السّنة؟

لا! هذا ما جاء في خَلَدِهِ، فصارَ يشتري “حقوق ملكية” أعياد ميلاد الآخرين!!!!!!

وصار الرجل في نعيم، كل يوم هو عيد ميلاد خاص به، وفي كل يوم تأتيه هدايًا تُنسيه الوِحدة.

كان هناك بالطبع تخوّفات قانونيّة، لكن خطته سارت على خير ما يُرام.. المكالمات الهاتفيّة تترى على مسامعه (بعد اجراءات التسجيل وانتشار خطته) وتهنئه بطيّب الكلام، كذلك.

وبينما كل يوم يسير بسعادة بالِغة وراحة بال، جاء اليوم الذي يمثّل ذِكرى وفاة صديقه الصّدوق! (ذلك الذي انتحر ولم يصادقه طمعًا في مصلحة)، فإذا به يرفض الإحتفال ولكن..

طرأت له فكرة أخرى، شِراء تواريخ وفيات النّاس!!!!!!!!

ونجحت فكرته، ولم يُعتبَر مشروعًا لا أخلاقي، وجاء في سياق تفكير البطل بأن الحب الجماعي قد يعود للحياة حتّى بعد وفاة أصحابه الذين سيشتري منهم تواريخ وفياتهم.

وذات صبيحة، وإثر هدية مفخخة، مات الرجل وهو أمام مقبرة، مُحاطًا بهدايا مُرسلة، وجثّته هامدة ما لها من رقيب، اللهم إلّا من ملياردير صيني كان مختبئًا بطريقة غريبة تحت إحدى القبور يذرف العَبرات!!!

توضحت الصورة الآن، هذا هو اختراعه الذي جلب له النقود فيما مضى.. شراء تواريخ ميلاد الأنام.. والناس أنفسهم ناحوا على قبره وكتبوا فيه الأغاني..

وبدمعة الملياردير الصيني انتهت القصة. من الجدير التذكير بأن ثروة الرجل بُنيت على اختراعه، مع ذلك لم يظهر في النص أي دليل على كيفية وماهية استثمار الكونجلومارت (أو الملياردير الصيني) بِهِ.

Subscribe
Notify of
guest
6 Comments
Newest
Oldest Most Voted

سارة فايز - مديرة
المدير
سارة فايز – مديرة
6 months ago

حكاية الملياردير الصيني لها مغزى، ان الصينيين حيبقوا الاغنى في العالم.

سارة فايز - مديرة
المدير
سارة فايز – مديرة
6 months ago

ويف.. اشكر استاذ اياد بقى، عملك صورة تحفة للمقال

لوريكا
لوريكا
6 months ago

الوحدة لا تشتريها الهدايا، ولا تملأها التواريخ. قد نبتكر وسائل لنسد الفراغ، لكن الحب الحقيقي يبقى الشيء الوحيد الذي لا يقدر المال على شرائه. قصة ترسم بمرارة كيف يمكن أن نكون سجناء اختراعاتنا الخاصة.
تحياتي لك 🕊️ 🕊️
روكسانا ✌️ ✌️ 🌺 🌺

Wave Manipulator
Wave Manipulator
6 months ago

الإسم بالعبريّة: יום הולדת כל השנה (يوم هوليدت كُل هَشاناه).

لاحظوا التقارب في اللفظ، جزئيّة كبيرة من العبريّة منسوخة عن العربيّة خاصّة الكلمات المنقرضة (يم- يام
بعل- باعَل ملِك-مِلِخ)..

أنا شخصيًّا تزعجني طبيعة العبريّة الكتابيّة والنطقيّة، كلّما تعلّمنا كلمة في المدرسة سارعت في نِسيانها عمدًا لأني أستخسر أن لا أتعلّم مكانها لغة أجمل وأنفع كالإسبانيّة والرّوسيّة 😀

سارة فايز - مديرة
المدير
سارة فايز – مديرة
6 months ago

لان اللغة العربية هي الاغنى بمفردات الكلمات

مارتن مستري
مارتن مستري
6 months ago

تحية طيبة أخي wave في الحقيقية أول مرة أسمع قصة من أدب الكيان الغاصب لاحظت أيضا أنك نشيط صديقي في مقهى كابوس في أخر مقالة لك في الموقع في قسم غرائب العشق والغرام تركت لك عدة تعليقات وشكرا جزيلا

6
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x