قصة البيضة (The egg) للكاتب الأمريكي آندي وير تُعَدّ من أشهر قصص الخيال العلمي الخاطفة (Flash fiction)، فهي لا تتجاوز الألف كلمة، ومع ذلك عميقة بليغة.
تبدأ بما ابتدأه الشاعر الفلسطيني شكيب جهشان، ضمير المخاطبة الذاتية، فالشّاعر له نصّ سيرة يستذكر فيه أيّامه مع باص قريتهم الوحيد وانتقائه كمعلّم لغة عربية في مدرسة ثانوية تحتاجه إلى آخره… لكن سرعان ما يتّضح أن الخطاب في قصة البيضة يصدر عن شخصية غامضة أُشابِهُها على عميل سرّي أو طبيب خاصّ، وهو يخاطب بطل القصّة أو بطل العِظة العلميّة، مفيدًا بتقرير طبّي، عن إصابة البطل بحادث سيّارة أصابه في طريق عودته للمنزل، إصابة جَسيمة على بساطة الحادث. ويضيف معلومة شخصية، أنّ البطل ترك وراءه زوجةً وطفلين.
والآن نأتي على الثّقيلة، فالرّاوي يخاطب البطل بقوله إنّه ماتَ موتًا رحيمًا! موتٌ لا مناص منه، إذ الإسعافُ ما أفلَحْ.
ويضيف أنّ جسد البطل تشظّى لدرجة ينبغي أن تبعث على النّدم، كما يريدُ لهذا التّصريحِ الثّقة.
وتلك، على حد تعبير الشخصية الغامضة، اللحظة التي تقابل فيها مريضه الميّت معه.
ثم قد ينخدع القارئ بحوار مباغت، لكنه لا يزال إلقاءً من الرّاوي، بطريقة “قُلْتَ وقُلْتُ”..
فالبطل بعد موته حيران حول حالته الجديدة، ويسأل عن مكانه الجديد، فيجيبه الغامض بأنّه مَاتَ! فهذه إجابة صريحة لا تستدعي اللف والدوران (في الإنجليزية يقول البعض، تجنّبًا لذكر الموت البشع، عبارة passed away تلطيفًا).
ويستذكر، في تلك الحالة العجيبة، البطل اصطدام شاحنة مُسرعى به، ما يتّفق معه الغامض بكلمة واحدة.
فيسألُ الميّتُ نفسه بتردّد إن كان قد ماتَ، فيجيب الراوي بنفس الكلمة الواحدة (Yup). لكنّه يزيدُها تعزيةً، فالموت مصير محتومْ.
يسرُدُ الراوي الغامض، ويقول لصاحبه أنّه تلفّت وعالَج المكان، فلم يكن سوى الفراغ؛ وهُوَ وَهُوَ.
وسأل، حسبَ السّرد، الميّتُ عن المكان، وعمّا إذا كان هو الآخرة!
فأجابه الغامض بأنّه قريب من الإجابة (More or less وتعني تقريبًا رغم أن ترجمتها الحرفيّة تعني أكثر أو أقلّ)..
ثم يتسائل الميّت عن أُلوهيّة مُحَدّثه، ليؤكّد على أنّه الإله.
ومن ثمّة تنتقل تسائلاته لأهله، فيريد لهم اطمئنانًا..
فيمتدحه شيئًا ما، الإله.. فقد سُرَّ لسماع (أو رؤية كما جاء في النّصّ) ميّت جُلُّ همّه الحميد عائلته، ونظر الميّت لربّه، على حدّ سردِ ربّه، الذي تراءى له أنّها نظرة اندهاش ناجمة عن عدم التّصديق بأنّه إله.
ربّما، يقول الإله، تراءى لصاحبه أنّه رجلٌ أو امرأة أو شخص غامض له سُلطانٌ ما.. بل لربّما آمن بأنّه أستاذ قواعد لا إله عَلِيّ!
ولم يَفُتِ الإله أن يُطمئِنَ الميّتَ عن سلامة أولاده ونَفْيِ القلق، فالأولاده لن يُنقِصوا من صورته المثاليّة لمجرّد موته، ذلك أنّهم من الصِّغَرِ ما لا يمنحهم نضوج الإزدراء.. أمّا زوجُهُ فستنافِقُ في ارتياحِها دموعها، وليس هذا بالمستغرب إذ زواجه، بعلم الإله، كان في طور الإنهيار، وتلك الزوجة على الأقل قد يُساوِرُها الذّنب على شعورها بالإرتياح لوفاة زوجها.
ويستطرد الإله ما قاله مُخاطَبِهُ الذي يُخاطِبُهُ، لفظة “أوه” الإدراكيّة، واستفساره عن مصيره، أجَنّةٌ أم جحيم؟ بنبرةْ “يعني ألا بد من مصير ما أو شيء من هذا القبيل؟”.. والإله أجابَ بأنْ لا هذا ولا ذاك، بل المصيرُ إعادة التّجسيد.
فتأوّه الميّت تأوّه الموافقة، واعتقد أن الهندوس، اولئك المؤمنين بالإستنساخ وتجسيد الأرواح، وِفْقًا لما سَمِعَ من على حق.
لِيُعَمِّمَ الإله الحقّ على كل دين، فلكل دين طرائقه التي تقود دومًا للحق، قبل أن يقتاد، أو يدعو لأن يقتاد، الميّتَ، الذي وافق على الإقتياد.
ومشى الرفيقان بخطًى حازمة حتّى اخترقا الفراغ! فاستعلَم الميّت عن وُجهتهم، ليُعلَم بِأنْ لا وُجهة غير الإستمتاع بالمشي أثناء الحِوار.
فيسأل الميّت عن فائدة وجدوى إعادة تجسيده واستنساخ روحه، ما دامَ سيولد طفلًا فاقِدًا كل خبرات وحسابات الحياة؛ فهو بذلك سيكون لا أكثرَ من لوحٍ ممسوح.
فيدحَرُ الإله ذلك الفَرَضْ، ويشرحُ أنَّ إعادة التّجسيد لا تعني فقدان خبرات الحياة بل نسيانها فقط.
فتوقّف الإله ولمس أكتافَ الميّت، ثمّ ثقّفه بحنان، مُعطِيًا لروحه حجمًا ضخمًا رائعًا جميلًا يفوق التّصوُّرات، وما العقل البشري إلّا حاضنة ضيّقة الآماد لمعنى الإنسان الحقيقي، فهو لا يختزن منه إلّا شَطرًا قليلًا.
بَذْلُ النّفس في سبيل المعرفة يُشَبَّهُ من الإله بغمس الإصبع بِكأس ماء زُجاجي كي تُتَبَيَّنَ الحرارة من البرودة. فهذا الفعل البسيط هو في جوهره بذلُ جزء من النّفس في إناء كي تُستَخلَصَ التّجربة وتصل الحكمة.
ونعرف أنّ عمر الميّت كان ثماتيةً وأربعون عامًا، لأن الإله يقول بأنّه كان إنسانًا طولَ تِلك السُّنون (حرفيًّا؛ كُنتَ في إنسان!).. ولذلك فهو لم يتمدّد ويستمدّ وعيه الكامل، وعظيمٌ هذا الوعي.
وما نعرفه أيضًا أن المكان الذي يتحدّثُ فيه الإله مع رفيقه، حسبَ تصريح الأوّل، كفيلٌ لو أُقيمَ فيه لفترة أطول بإعادة الذكريات للثّاني، غير أنّ ذلك ليس بالضروري ما دام قد حدث تفرُّق بين الحياة ونقيضتها.
وفهم الميّت أمرًا، ولأجله سأل عن عدد المرّات التي استُنسِخَت فيها روحه، ويا لكثرةِ كثيرِ هذه المرّات! وهذه المرّة التي ستُكمِلُ السّلسلة ستكون من نصيب كونِهِ فتاة صينيّة فلّاحة من زمن 540 بعد الميلاد (AD هي فترة زمنيّة تقيس الفترة من بعد قيامة المسيح للآن، وأصلها لاتيني، Anno Domini).
ولا تزال الصور فلاشباكيّة مستمدّة من خطاب الإله، حيث يسرُدُ تلعثم الميّت لسماعه خبر الإستنساخ والبعث لفترة ما بعد الميلاد بخمسمائة ونيفًا من السِّنين، فهذا ممّا صدمه.
وجاءت الصدمة عن طريق استفهام، فأجاب الإله بأنّه تقنيًّا فسوف نعم سيُبتعث الميّت في الزّمن، لكن هذا المعنى متصدّع.
فمفهوم الزّمن موجود في العالم البشري وليس في كونِ وموطِنِ الإله.
ليسألَ الميّت عن موطِنِ الإله، فيأتيه الجواب بِسُرور؛ “مكان ما”! وأعاد اللفظة وأرفقها مع كلمة “آخر”، يعني مكان من ملايين الأمكنة، وهذه حالة يشترك معه فيها غيره. ويعبّر عن استحالة فهم الميّت لطبيعة ذلك ال”مكان ما” رغم رغبته في التّعرُّف عليه.
فتأوّه الميّتُ تأوُّهَ الخيبة الطّفيفة، واسترعى للإنتباهِ فكرة أنّ هذا السفر التّجسّدي الإستنساخي في أوقاتٍ عدّة سيخلق احتمالًا بأن يقابل نفسه!
وهذا أمر لا يستبعده الإله بل يضمُّهُ لما يحدث دومًا.. على أنّ كِلا الروحين أو الحَيَواتَين ستكونان على قدرٍ من الوعي بدورتها الزّمنيّة الحياتيّة، فلن يعرف الميّت، بروحه الزّائرة، وجود نسخة له، بل لن يكتشف حدوث المُقابلة!
وإذن، يتحجَّجُ الميّت، ما الهدف من كل هذا؟
وهو سؤالٌ دفع الإله لاستسخافه فردّ عليه بِ “بِجدّيّة” مرّتين. لأنّ محسوبه يسأله عن معنى الحياة!
وآخ من الإنسان ونمطه الذي لا يُبارِحُه، الإستفهام دومًا عن معنى الحياة.
ويتّفق الإنسان، أو أقلّه لا يُعارِضُ، سؤال الإله عن كون التسائل الوجودي نمطًا إنسانيًّا.
وحدثت اتّصال بصري من قِبَلِ الإله، وعبّر عن هدف الحياة. فهو يعترف بأنّه قد خلقَ الكون كي ينضَجَ الإنسان!
هذا ما فطن إليه الإنسان، فسأل معيدًا الفكرة، إن كان الإله يريد للإنسانيّة أن تنضج.
لكن الإله يَخُصُّهُ بالنّيّة.. هذا الكون الفسيح ما وُجِدَ إلّا كي تتبعثر فيه الأرواح المستنسخة وتُخلق الحيوات فينضج الميّت. ذكاء أكبر يتعاظم مع كل استنساخ!
والميّت كريم، واستكثر عليه كل هذا التّسخير، فسأل عن شُموليّة غيره، وكما أسلَفَ الإله فلا غيْرْ.
لأنّه هُوَ… وَهُو! وحدهما في فضاءِ الكون.
فحملق الميّتُ في الإله حملقةً فارغة من الفهم والشُّعور، ولا زالَ عن اهتمامه بباقي البشريّة القابعة في الأرض، التي لم يتركه الإله ليكمل بيانه القلِق عليهم حتّى بيّن أنّهم هم! نعم ولماذا يكمل جملته؟ ويقول “باقي النّاس في الأرض” ما دام قد فِعلًا أخطأ في التعبير عنها. باقي الأنا هو الصّح! وزيادةً في الصّحّة؛ كُلُّ التّجسيدات المختلفة من الأنا!
والأناةُ يريدُ الميّت، قد لُخبِطَ! قد صدمته حقيقة أنّ كل الأرضيّين هُوَ في تجسيداتٍ مُغايِرة لبعضها، باستفهام استنكاري.
فصفعه الإله على ظهره صفعةَ “عليك نور!” (Congratulatory slap، وتعني حرفيًّا صفعةً تهنِئَتِيّة)، قائلًا بأنّه قد فهم الموضوع.
ويزيد الميّت سؤاله الإستنكاري استنكارًا، مفاده أنّه كُلُّ من على الأرضِ عاش!
فيجيبه الإله أن نعم ويزيد قبل النّعم، فليس فقط من عاش، بل من سيعيش!
ومن السخرية أنسأل الميّتُ إن كانَ هو أبراهام لينكولن!
ومن السخرية أكثر أن الإله أضاف لأبراهام لينكولن جون ويلكز! (راديكالي من البرلمان البريطاني)..
وبدهشة أقرب للرَّوْعْ سألَ إن كانَ هِتلِرًا! فأجيب بأنّه ليس فقط هتلر بل ضحاياه بالملايين!!! هو الجلّاد والمجلود.
وبالمثلِ يَسوع وأتباعه، هو الرسول والتّابِع.
فغلب على الميّتِ الصّمتُ، ومضى الإله يقول بأنّه في كل مرةٍ وَصَمَ فيها الميّتُ شخصًا ما بالضّحيّة، فهو إنّما يَصِمُ نفسه بالضّحيّة، وكذا كل فعل حَسَن إنّما بُذِلَ لِنفسه حتّى لو بَذَلَهُ للغير ظاهِريًّا.
كلُّ الأفراح والأتراح على تبايُن أصحاب ذكرياتها الظّاهريّين، متأصّلة جوهريًّا لدى الميّت!
ففكّرَ الميّت، وانتهى تفكيره للسؤال بِ “لِماذا”؟
والحكمة من وراء صنيع الإله هو أن تكون مجاري المياه منتهية للمصير الحتميّ في نهاية المطاف، أن يصيرَ الميّتُ مثل الإله، إلهًا. والعامِلُ الذي يدعم هذه الحقيقة هي الطّبيعة، فالميّت أصلًا إله!
عجبًا إنّه روح إنسان لكنّه إله! لا بل يصفه الإله بأنّه طفله!
وبال “وواه” التعجّبيّة، لم يصدّق الميّت ما طَنَّ مسامعه، فسأل عن لُبِّ الحديث، أن يكون هو إلها!
واللُّبُّ ليس مُكتَمِلًا! فصحيح أنّه من طينة الآلهة، أو سيصير إلهًا، لكنّه في طَوْرِ الجنين. وكي يولد، أو بكلمات أخرى يصبح إلهًا، لا بُدَّ من أن يعيشَ كل حياة أُحيِيَت.
لهذا سُمِّيَت القصّة بالبيضة! فالميّتُ بيضة!
وبتأمُّل استفهامي، يقول الميّت بأنّ الكون ليس إلّا… وأكمَلَ عنه الإله بعنوان القصّة، البيضة. الكونُ بيضة تنضج.
وبعد الإجابة المختصرة، هَيَّبَ الإلهُ الميِّتَ لِكَي يمضي نحو حياته الجديدة!
وأرسله الإله وابتعثه لتلك الحياة الجديدة، مما يُفَسِّرُ حياتَمَوْةِ البطل، في فاصِلِ الوعي!
وانتهت القصّة بِسَردِ الإله ابتعاثَهُ من كانَ كُلَّ حياة.

