Malice : الشر الكامن

السماء لم تكن تمطر ماءً، كانت تمطر رماداً أسود يختلط برائحة الحديد الساخن والدماء. كل شيء انهار. الجدران التي كانت يوماً ما شاهداً على الحياة تحولت إلى ركام متفحم، والأرض تصدعت كأنها تبتلع بقايا المكان.

وسط هذا الخراب، كان هناك شخص جاثٍ على ركبتيه، جسده يرتجف، وعيناه متسعتان برعب لا يمكن لبشر أن يتحمله. نظر إلى الأعلى، إلى الجسد الواقف أمامه بثبات مرعب.

​”لماذا فعلت هذا يا كير؟.. لماذا؟!”

صرخ بصوت مبحوح، صوت يملأه خذلان وصدمة تمزق الروح.

​التفت إليه كير ببطء. انقشع الدخان ليتضح وجهه؛ وجه شاب خلت عيناه من أي بريق إنساني، عينان كأنهما بئران من الظلام المحض. في يده اليمنى، كان يمسك برأس أمٍ تقطر دماءً باردة، وفي يده اليسرى، كان يحمل أشلاءً متقطعة لجسد فتاة صغيرة.. جسد لم يعد يملك ملامح.

​”لأن هذا.. هو جوهر قوتي.”

​قالها كير بنبرة هادئة، هدوء الموتى. ثم فجأة، انقبضت ملامحه وانفجر يضحك. ضحكات هستيرية، عالية ومجنونة، دوت في الفراغ وامتزجت مع صوت النيران المحترقة، ضحكات تجعل الدماء تتجمد في العروق.. ضحكات أعلنت موت آخر ذرة من عقله.

كانت غرفتهما الصغيرة دافئة رغم برودة الجو بالخارج، لكن الجوع كان ينهش بطونهما الصغيرة بصمت.

كير، الصبي ذو السنوات الخمس، وأخته الصغيرة “ميا” التي لم تتجاوز الرابعة بعد. كان وجهيهما يحملان بياضاً شديداً، بياضاً غير طبيعي كأنه قشور من الثلج، ولم تكن أقدامهما الصغيرة قد وطأت عتبة الباب الخارجي للمنزل قط. طوال حياتهما، لم يتذوقا شيئاً سوى اللحم.. والآن، مر أسبوع كامل دون أن تدخل جوفهما قطعة واحدة.

رغم الجوع، كان الصغيران يلعبان معاً في أرجاء الغرفة، وتضحك ميا بصوتها الملائكي النقي. كانت الجدة “مارثا” تجلس على مقعدها الخشبي الهزاز، تغزل الصوف الرمادي، وتنظر إليهما بابتسامة حنونة تمحو كل ملامح التعب عن وجهها المجعد.

دنت ميا من جدتها، ووضعت رأسها الصغير على ركبتيها لتبدأ الجدة في اللعب معها. جعدت مارثا شعر الفتاة الصغيرة بلطف وتساءلت بنبرة دافئة:

رفعت ميا عينيها الواسعتين وأجابت ببراءة تامة:

“سوف أكبر غداً يا جدتي! غداً سيصبح عمري خمس سنوات، سأكون كبيرة جداً!”​ضحكت الجدة مارثا واحتضنتها بقوة، في حين كان كير يجلس في زاوية الغرفة، يحاول إصلاح لعبة خشبية مكسورة لأخته، يبتسم بهدوء رغم قرقرة بطنه الخاوية. كانت هذه اللحظات البسيطة تشع بالدفء، كأن العالم بالخارج لا وجود له.

فجأة، تحرك مقبض الباب الثقيل. دخل الجد “إدوارد”، يرتدي معطفه الصوفي الثقيل المغطى بقطرات المطر. كان يلهث، لكن عيناه كانت تشعان بالارتياح. وضع على الطاولة الخشبية لفة قماشية تفوح منها رائحة مألوفة.. رائحة لحم طازج.​”لقد أحضرت لحماً.. سنتناول اللحم الليلة!” قال الجد بنبرة منتصرة.

قفزت ميا بفرح، وصفق كير بابتسامة اتسعت على وجهه الأبيض. والتفتت الجدة لتبدأ بإعداد العشاء بسرعة، ليعود الدفء الحقيقي إلى المنزل، وتتحول الغرفة إلى ساحة من الضحكات والأحاديث الصغيرة حول الطاولة، متناسين للحظات ذلك الجوع المرير.

​في وقت متأخر من الليل، بعد أن نام الصغيران، غرق المنزل في سكون تام إلا من صوت الرياح بالخارج.

كان الجد إدوارد والجدة مارثا يجلسان بجانب المدفأة، وظلال النيران تتراقص على وجهيهما، مظهرة تجاعيد القلق والهم.

همس الجد بصوت خفيض وخائف:

“إذاً.. ماذا سوف نفعل لكير؟ إنه لم يخرج أبداً من هذا المنزل، ولا أخته ميا.. الناس في الخارج بدأوا يتساءلون. كير يكبر، وقوته.. أنتِ تعرفين ما قد يحدث.”​صمتت الجدة مارثا، ونظرت إلى النار بنظرات غامضة، ثم تنهدت: “ولا نعرف ماذا سنفعل بأخته أيضاً.. وجودها معه خطر.”

​نظر إليها الجد إدوارد بعينين حازمتين وهمس:

“أريدكِ غداً أن تبقيه منشغلاً داخل الغرفة طوال الوقت.. لا تدعيه يخرج، ولا تدعي عينه تفارقكِ. لدي أمر يجب أن أنهيه بخصوص أخته.. غداً.”

بدأ الصباح بنبرة غير معتادة. انقشع ظلام الغرفة المعزولة عندما وقف الجد إدوارد أمامهما، وعلامات الحسم ترتسم على وجهه العجوز العاري. نظر إلى كير وأخته ميا وقال بنبرة جافة:

“لقد كبرتما بما فيه الكفاية لتخرجا إلى العالم الخارجي.. كير، كان يجب أن تخرج في العام الماضي، لكننا لم نرد ترك ميا بمفردها، لذا انتظرنا حتى تكمل عامها الخامس.”

لأول مرة في حياتهما، تحرك الجد ليفتح الباب الخشبي الثقيل للمنزل الذي لم يكن يحتوي على نافذة واحدة طوال سنواتهما الخمس.

عند عتبة الباب، صُدم كير. اصطدمت عيناه بضوء الشمس لأول مرة؛ ضوء مؤلم، شاحب، يكسو الأرض الشاسعة. رأى كير وميا الأشجار الشاهقة الغريبة، والهواء البارد الذي يلفح أجسادهم العارية. نعم، كانوا عراة تماماً، كحال الجد والجدة، وكحال كل شيء في هذا العالم الموحش.

ساروا خلف الجد، ميا ممسكة بيد كير بقوة، وعيناهما الصغيرتان تلتهمان كل شيء غريب. وصلا إلى مكان أشبه بسوق صغير، لكنه كان أغرب سوق يمكن لعقل أن يتخيله.

​لم يكن هناك خبز، لا فاكهة، لا خضار، ولا أي أثر للون أخضر. السوق كان عبارة عن أربعة أو خمسة تجار فقط، يقفون خلف طاولات خشبية مغطاة بقطع اللحم الضخمة التي تفوح منها رائحة نفاذة، وبجوارهم حداد واحد فقط يعرض أدوات حديدية حادة؛ سكاكين طويلة، وسواطير قاطعة، وسلاسل غليظة.

كان الناس يمشون في السوق عراة تماماً، وتحت ضوء الشمس بدت أجسادهم مقززة ومرعبة؛ كانت بشرتهم شديدة الشحوب كالموتى، وجلودهم جافة ومتشققة وملتصقة بعظامهم من شدة الضعف والهزال. تبرز أضلع صدورهم بوضوح، وتغطي أجسادهم قروح صغيرة داكنة بسبب الاقتصار على أكل اللحم دون أي عناصر غذائية أخرى. بدا الجميع كجثث تتحرك ببطء.

في عيون طفلين صغيرين، لم يلاحظ كير وميا هذا الشذوذ المرعب، ولم يتساءلا كيف يحتمل هؤلاء البشر تناول اللحوم بلا توقف في مكان يبدو مغلقاً تماماً، لا يدخل إليه أحد ولا يخرج منه؟ ومن أين تأتي كل هذه اللحوم في أرض بلا مواشي؟

فجأة، انشق سكون السوق بحادثة بشعة.

من بين الأزقة المظلمة، اندفع ثلاثة رجال ضخام الأجساد، وجوههم مغطاة بأقنعة من الجلد الخشن. دون مقدمات، انهال أحدهم بقضيب حديدي على رأس الجد إدوارد، ليسقط العجوز أرضاً وتتدفق دماؤه. صرخ كير برعب، وحاول التراجع، لكن يداً غليظة امتدت لتباغته بضربة قوية على وجهه الصغير أطاحت به أرضاً بجانب جده، ليتذوق طعم الغبار والدم.

​أمام عيني كير المغرورقتين بالدموع، تقدم الرجل الآخر نحو ميا. صرخت الطفلة مستغيثة: “كير! جدتي!”، لكن الرجل جذبها من شعرها بعنف وبشاعة، ورفع ساطوراً حاداً، وبحركة واحدة سريعة وقاسية، قطع ذراع الجد إدوارد الممتدة لمحاولة إنقاذها!

دوت صرخة الجد الممزقة، وفي ثوانٍ معدودة، اختفى الرجال هاربين، ساحبين ميا معهم وهي تبكي وتمد يدها الصغيرة نحو أخيها.. لتبتعد، وتختفي تماماً عن الأنظار.

استلقى كير في الغبار، يحترق صدره بحزن مرعب ودموع لا تتوقف. كان يبكي على جده الذي ينزف غائباً عن الوعي، ويبكي على أخته الصغرى التي اختطفت في يوم ميلادها. ووسط هذا الشتات، برز تساؤل مخيف في عقله الصغير: لماذا لم يختطفوني أنا؟ لماذا أخذوا ميا وتركوا جسدي الطفيلي هنا؟

بصعوبة بالغة، استعاد الجد وعيه، وزحف كير بجانبه حتى تمكنا من العودة إلى المنزل المظلم.

استقبلتهما الجدة مارثا بصرخة مكتومة عندما رأت ذراع زوجها المقطوعة. ركضت إلى زاوية الغرفة، وأحضرت قطعة مستطيلة من شيء غريب، ملمسه خشن ولونه رمادي باهت، وبدأت تربط بها ذراع الجد بقوة لتوقف النزيف.​نظر كير بكدمات وجهه ودموعه الجافة إلى تلك القطعة، وسأل بصوت مرتجف: “ما هذا يا جدتي؟”

التفتت إليه الجدة بعينين خائفتين، وهمست بنبرة مضطربة: “إنها.. إنها قطعة من قماش قديم يا كير.. لقد عثرت عليها مدفونة تحت الأرض منذ زمن طويل.”​أمسكت الجدة بوعاء فخاري، وسكبت منه سائلاً في كوبين لتعطيه لكير وجده. لم يندهش كير من مظهر السائل؛ فقد كان معتاداً عليه طوال حياته في هذا المنزل المظلم. شرب ذلك السائل الأحمر القاني، الثقيل ذو الرائحة المعدنية، متجرعاً إياه بسرعة ليسد عطشه القاتل في ذلك اليوم الحار، وجسده كله يرتجف شوقاً لأخته التي لم تعد.

حل الليل، وتحول المنزل إلى جحيم من الأصوات. الرياح الشديدة كانت تضرب الباب الخشبي بعنف، وتصدر صريراً مرعباً يدخل عبر الشقوق، فالمنزل خلوٌ من النوافذ لحمايتهم من عيون الخارج، ولأسباب أخرى أكثر خطورة.

​انتظر كير حتى غط الجد والجدة في نوم عميق بفعل الإنهاك والألم. كان الحزن في قلبه قد بدأ يتحول إلى طيش ومتسرع؛ اتخذ قراره. سينزل إلى السوق مجدداً، تحديداً إلى دكان الحداد الوحيد، ليبحث عن أي أثر لأخته ميا.​تسلل كير بخطوات طفولية خفيفة، وفتح الباب وخرج إلى ليل العالم الخارجي المظلم.

كان الصمت في الخارج مخيفاً ومهيباً بشكل غير طبيعي. تطلع كير حوله وهو يسير تحت ضوء القمر الخافت؛ لم يكن هناك صوت صرصار ليل، لا حركة لكلب ضال، لا أثر لطائر، ولا حتى حشرة واحدة طائرة حول الفوانيس الشاحبة. عالم ميت تماماً من أي حياة حيوانية.

وصل كير إلى منطقة الحداد في السوق المهجور، كانت الطاولة خالية والظلام يلف المكان. تحرك بحذر بين السلاسل المعلقة والسكاكين المتروكة، باحثاً عن أي خيط يقوده لأخته.

وفجأة.. شعر ببرودة الهواء تتغير خلفه.

قبل أن يتمكن كير من الالتفات، امتدت يد ضخمة خشنة من وسط الظلام، وطبقت بعنف شديد على فمه, كاتمة صرخته قبل أن تخرج. رُفع جسده الصغير في الهواء، وسحبه الكيان الخفي إلى أعماق العتمة.. مستسلماً لاختطاف جديد.

تنويه:

بعد إذن الكاتب، تم دمج الجزأين في جزءٍ واحد نظرًا لقِصر القصة، ولتراكم الأعمال الأدبية لدينا، وذلك لتسريع وتيرة النشر وإتاحة الفرصة لنشر المزيد من الأعمال.

إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري

5 1 تصويت
Article Rating

مقالات ذات صلة

guest
1 التعليقات
Wave Manipulator
Wave Manipulator
12 دقيقة

Malice تعني العذاب، وحيثما وُجِدَ السّوادُ فيه أجساد الأبرياء تُذابْ. كم نحتاج الى “مِنشفة” تبيّض سماء كلّ من تمطره المقذوفات هذا مزعج يا صاح انا اكره تلك الحقيقة. انّ هذه القصّة سوداويّة في أكثر من مجال، من الحرب الى الحياة الخاصّة.. ولكنّها حقيقيّة. فقط لماذا؟ ألسنا في القرن الثّالث والعشرين؟ هناك الكثير من الأمور المحزنة في هذا العالم.. عسانا نُحَوِّرُها الى أفراح، وهل هناك أجمل من ضحكة طفل؟

زائد، هذه أوّل مشاركة لك، بالتّوفيق في مسيرتك الكتابيّة! ذهن رمادي هاه؟ انا كنت لأنال لقب ملك الاملاء في الابتدائيّة لو كتبت Grey بدل Gray مش عارف أيّاتا وحدة البريتيش وأيّاتا الأمريكان.

Last edited 10 دقيقة by Wave Manipulator
زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x