التوأم الذي عاد من الموت: لغز جيليان وجينيفر بولوك بين الذاكرة والتناسخ

كان صباح السابع من مايو عام 1957 هادئًا في بلدة “هيكسهام” الإنجليزية الصغيرة.
الشوارع مبتلة بندى الفجر، وأجراس الكنيسة تدق ببطء كعادتها كل أحد. خرجت الطفلتان “جوانا” ذات الأحد عشر عامًا، وشقيقتها الصغيرة “جاكلين” ذات الست سنوات، تمسكان بأيدي بعضهما وهما تضحكان في الطريق إلى الكنيسة.
كانت جوانا تحب لعب دور الأم دائمًا. تمشط شعر أختها، ترتب ثيابها، وتخبرها ماذا تفعل. أما جاكلين، فكانت تتبعها كظل صغير لا يعرف طريقه إلا خلف أختها الكبرى.
في ذلك الصباح، لم يكن أحد يعلم أن تلك الضحكات ستكون الأخيرة.
على الطرف الآخر من البلدة، كانت امرأة تقود سيارتها بعينين زائغتين بعد أن ابتلعت كمية كبيرة من الحبوب محاولة إنهاء حياتها. راحت السيارة تنحرف بجنون بين الطرقات، حتى اندفعت فجأة نحو الرصيف حيث كانت الطفلتان.
حاول الأطفال الهرب… لكن جدارًا حجريًا كان يحاصرهم.
صرخ أحد المارة.
ثم وقع الاصطدام.
قُذفت الطفلتان في الهواء بعنف، وساد صمت ثقيل لا يشبه الحياة.
وصل الخبر إلى المنزل كالصاعقة.
انهارت الأم “فلورنس” بالكامل، وأغلقت على نفسها باب الحزن. أما الأب “جون بولوك”، فكان يعيش شيئًا أشبه بالجنون الصامت. لم يستطع تقبل أن ابنتيه اختفتا هكذا. كان يصعد ليلًا إلى غرفة علوية في البيت، ويجلس وحده لساعات، مقتنعًا بأن روحيهما ما تزالان هناك.
لكن الغريب أن جون لم يكن يرى الموت نهاية.
منذ طفولته، كان يؤمن سرًا بفكرة التناسخ، رغم كونه كاثوليكيًا متدينًا. بل إنه كان يدعو الله أحيانًا أن يمنحه دليلًا يثبت أن الأرواح تعود للحياة من جديد.
والآن… بدأ يشعر أن دعاءه يُستجاب بطريقة مرعبة.
بعد أشهر قليلة، حملت فلورنس مرة أخرى.
وفي إحدى الليالي، جلس جون أمام زوجته وقال بثقة غريبة: “إنهما ستعودان… جوانا وجاكلين ستعودان إلينا كتوأم.”
صرخت فلورنس غاضبة: “توقف عن هذا الكلام! هذا ضد الدين وضد العقل!”
حتى الطبيب أكد أن الحمل لطفل واحد فقط.
لكن في الرابع من أكتوبر 1958، حدث ما لم يتوقعه أحد.

أنجبت فلورنس… توأمًا.
طفلتان متطابقتان.
سُمّيت الأولى “جيليان”، والثانية “جينيفر”.
وبينما كان الأب يحمل طفلتيه المرتجفتين للمرة الأولى، تجمدت أنفاسه فجأة.
فوق عين جينيفر اليمنى… كانت هناك ندبة صغيرة.
نفس المكان تمامًا الذي أصيبت فيه جاكلين قبل موتها بسنوات.
ولم يتوقف الأمر هنا.
حين فحصها أكثر، وجد وحمة بنية صغيرة على خصرها… مطابقة تمامًا لوحمة جاكلين الراحلة.
شعر جون أن الدم تجمد في عروقه.
أما فلورنس، فرفضت تصديق أي شيء. أقنعت نفسها أنها مجرد مصادفات.
لكن المصادفات بدأت تتكاثر بشكل مخيف.
عندما بلغت الطفلتان ثلاث سنوات، أخرج الأب صندوقًا قديمًا ظل مغلقًا منذ موت ابنتيه. كان يحتوي على ألعابهما القديمة.
وما إن دخلت الطفلتان الغرفة حتى اندفعت جينيفر نحو دمية قديمة وهي تصرخ بسعادة: “هذه ماري!”
ثم حملت دمية أخرى: “وهذه سوزان!”
تبادل الوالدان نظرة مذعورة.
هاتان الدميتان كانتا تخصان جوانا وجاكلين… ولم ترهما الطفلتان من قبل أبدًا.
ثم أمسكت جيليان لعبة قديمة وقالت: “بابا نويل أحضر لي هذه!”
بالضبط… نفس الجملة التي كانت تقولها جوانا قديمًا.
وفي يوم آخر، دخلت الأم الغرفة فوجدت جيليان تحتضن رأس أختها وهي تقول لها بصوت مرتجف: “الدم يخرج من عينيك… السيارة ضربتك هنا.”
توقف قلب فلورنس للحظة.
لم تكن الطفلتان تعرفان شيئًا عن تفاصيل الحادث.
لكن الأكثر رعبًا حدث عندما عادت العائلة لزيارة “هيكسهام” بعد سنوات من مغادرتها.
كانت الطفلتان في الرابعة من عمرهما فقط، ولم تريا البلدة من قبل.
ومع ذلك…
أشارت جيليان فجأة نحو شارع بعيد وقالت: “الحديقة من هناك!”
ثم ركضتا مباشرة نحو المكان الصحيح، وكأنهما تحفظان الطريق منذ سنوات.
وعندما اقتربوا من منزلهم القديم، صاحت إحداهما: “هذا بيتنا!”

بدأ الخوف يتسلل إلى قلب الأم أخيرًا.
كيف لطفلتين لم تريا المكان قط أن تعرفا كل شيء؟
ومع مرور السنوات، ظهرت تفاصيل أغرب.
كانت الطفلتان تخافان السيارات بشكل هستيري. كلما سمعتا صوت محرك قريب، تتشبثان ببعضهما وكأن الموت يطاردهما.
وفي إحدى المرات، اشتغل محرك سيارة قربهما داخل زقاق ضيق، فصرختا معًا في رعب: “السيارة! إنها قادمة نحونا!”
ثم ارتمتا في حضن بعضهما وهما ترتجفان.
حتى طريقة المشي كانت متشابهة.
جيليان كانت تسير مثل جوانا تمامًا، بينما حملت جينيفر نفس طريقة جاكلين في الإمساك بالقلم، حتى إنها ظلت تمسكه بقبضتها الصغيرة كما كانت تفعل جاكلين قبل موتها.
بدأت فلورنس تنهار نفسيًا أمام كل هذه التفاصيل.
هي التي رفضت فكرة التناسخ طوال حياتها، بدأت تسأل نفسها كل ليلة:
هل يمكن أن تكون ابنتاي قد عادتا فعلًا؟
وصلت القصة إلى الباحث الشهير “إيان ستيفنسون”، المتخصص في دراسة الأطفال الذين يزعمون تذكر حيوات سابقة.
زار العائلة بنفسه، وحقق في كل تفصيل: الندوب… الذكريات… السلوكيات… الخوف… الألعاب… الطرق التي عرفتها الطفلتان…
وبعد سنوات طويلة من الدراسة، قال إن قضية توأم بولوك من أقوى القضايا التي صادفها في حياته.
لكن رغم ذلك، لم ينتهِ الجدل أبدًا.
فالبعض رأى فيها دليلًا مذهلًا على التناسخ.
بينما قال آخرون إن الحزن العميق للأب، وإيمانه السابق بالفكرة، ربما أثّر نفسيًا على الطفلتين دون قصد.

أما الحقيقة الكاملة…
فربما ماتت مع أصحابها.
أو ربما ما تزال الأرواح تحتفظ بأسرار لا يفهمها البشر حتى اليوم.
تم التطرق الي هذا المقال في مقال سابق نشر في موقع كابوس للكاتب : سينا
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري