المنارة العمياء


في حواري بحري القديمة، وتحديداً عند المكس (فينسيا الاسكندرية)، حيث رائحة اليود تحيط بيوت الصيادين، تقف تلك البيوتِ الخشبية المتلاصقة المتآكلة على حافة الشاطئ؛ كأنها تخشى ان تخطو خطوةً للوراء فتفقد رفقة البحر.

هناك تتهاوى امواج البحر ، ورذاذه على كتلٍ صخرية مكسوة باللون الاخضر، وفي مواجهة كل هذا ، يقف شامخاً فنار المكس العتيق، ذو القبة النحاسية، ذلك الذي كتب عنه امير الشعراء احمد شوقي قائلا:
“نفسي مرجل وقلبي شراع، بهما في الضلوع سيري،وارسي واجعلي وجهك الفنار، ومجراك يد الثغر بين رمل ومكس”.

يطلقون عليه هنا “المنارة العمياء” ؛ لان اضوائها لا تومض منذ عشرات السنين… وظل هكذا مظلماً .

blank

هناك يفترش الصيادون الارض، يعرضون اسماكهم الفضية التي تلمع كنصل سيف، بينما تتجمع طيور النورس فوقهم وحولهم، لعلها تقتنص رزقها من غفلة.

جدتي كانت تروي لي ولباقي احفادها، الحكايات بعضها للمتعة، والبعض الآخر للتحذير ، لكنها حين تحدثت عن عروس البحر، لم تحكها كما يعرفها الناس.

لم تذكر شعراً ذهبياً طويلاً ، ولا صوتاً ناعماً يسلبُ عقول البحارة…
بل كانت تقول دائما:

“لو سمعت صوتها… اهرب..! لكن لو لم تسمع شيئا… فهنا الخطر الحقيقي.”

روت لنا أن ذات ليلة، بينما كان أباها جالساً مع الصيادين، عاد حارس الفنار العجوز… ذلك الذي اختفى لأيام عاد كان بعينين لا تنظران كما كانتا من قبل.

blank

كان يتمتمُ بكلامٍ اشبه بالهلاوس، قال انه رأى شيئا يطفو بجانب الفنار عند الفجر.
فنزل درجاته ليستطلع الامر… وهناك رآها..
وجهُ امرأةٍ شاحب… بعينين مفتوحتين، خاليتين من الرموش نظر اليها مصدوما..!
لم تتكلم
لم تغنِ
كل ما فعلته انها نظرت
مد يده نحوها… فامسكتها لكنها لم تجذبه الى القاع… بل سحبت وسلبت منه شيئا آخر ، شيئا لم يعرف له اسما، ولا استطاع وصفه.
اليوم الذي عاد فيه… كان اخر يوم يسمع فيه صوته.
صار يجلس بالساعات امام البحر، لا يأكل، لا يتكلم فقط ينظر، كما كانت تفعل هي.

ظل هكذا … حتى مات.
وعيناه مفتوحتان، كما وصفها.
ومنذ ذلك اليوم، صار هناك تحذير يتردد بينهم:

“اللي تسمعها تغني… دي متخفش منها. لكن اللي تسكت… دي بتاخدك وانت صاحي.”

blank

في المكس ما زال بعض الصيادين يرمون اول سمكة يصيدونها في البحر ليس كرماً ، بل اتفاقاً قديماً لا يقال بصوت عالٍ ، كأنهم يتركون شيئاً، حتى لا يؤخذ منهم شيء.

يقولون ان من ينسى ذلك… قد يرى الساكتة.
وهناك روايات اخرى… اكثر ظلاما،
تقول انها ليست مخلوقا واحدا اصلاً، بل بقايا نساء غرقن عبر القرون.

تراكم حزنهن في قاع البحر، طبقة فوق طبقة، حتى ذابت الفروق بينهن، حتى اختلطت دموعهن بماء البحر فجعلته اشد ملوحة ، لم تعد هناك وجوه منفصلة ولا اسماء ، بل كيان واحد ثقيل يتنفس من ألم قديم لا ينتهي.

خيانة… انتظار… قسوة…!

حكايات انتهت كلها في الماء، وفي صمت لم يسمعه احد.
ومع الزمن لم يختف هذا الحزن… بل تغير.
لم يعد بكاءً بل انتظار، ليس انتظار للنجاة وطلب المساعدة… بل انتظار التعويض…او ربما الانتقام.

الساكتة لا تقتل دائماً… وهذا ما يجعلها اكثر رعباً

هي لا تأخذ الجسد… بل تأخذ ما يجعلها حيا.
تأخذ الدفء، الرغبة، الصوت الداخلي… تتركك تمشي بين الناس، لكنك فارغ، كأنك تُسحب ببطءٍ نحو القاع، دون ان تكون قادرا على الاعتراض امامها، انت مسير ولست مخير.

في ليالٍ نادرة، حين يكون البحر ساكناً تماماً ، يقول بعض الصيادين انهم رأوا اكثر من وجه تحت الماء… وجوه متداخلة، تفتح عيونها معاً… وكأن البحر نفسه ينظر اليك.

في تلك اللحظة… لا تقترب.
لانك لن تعرف…هل ما ينظر اليك… يبحث عن تعويض…أم بدأ بالفعل في الانتقام ، والساكتة…لا تغني ابدا.

blank

بعيدًا عن الأسطورة… عليك أن تخاف عندما تصمت الأنثى، فصمتها ليس مجرد هدوء، بل رسالة…
صمتها يعنى أكثر من كلام، صمتها رسالة… مفادها:
“لم أعد أراك، لم تعد تشغل حيزا في تفكيري… أصبحت فراغا، أصبح وجودك والعدم سواء.”
صمتها لا يعني غيابها، بل تحذير… كأنها تُبلغك أن مكانك قد اختفى من عالمها، وأن كل حركة وكل شعور ، يمكن أن يلتهم في صمتها، مثل الساكتة في أعماق البحر، صمتها يخفي كياناً قادراً على أن يسحبك إلى العدم دون سابق إنذار، ويتركك تمشي بين الناس… كأنك فارغ، كأنك لم تكن موجوداً أبداً.

حرر بجهود مشكورة للمحررة والمدققة: be happy.

مراجعة وإشراف: أزيز الصمت.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

3 تعليقات
نوار
نوار
1 شهر

مقال ساحر.. لطالما حمل البحر في طياته آلاف الأسرار، ودائما ما تنسج حوله الأساطير والقصص، والتي لبعضها جذور من الواقع.. سلمت يداكِ عزيزتي بنت بحري وأرجو أن تكوني بخير🌷🌷

أسعد
أسعد
1 شهر

مقال جميل فيه عبره أذا صمتت المراه عليك ألابتعاد والاسحبتك الى المجهول: شكرا لك بنت بحري علا هذا ألمقال الجميل

نور الهدى الأخضرية
نور الهدى الأخضرية
1 شهر

عظمة على عظمة
في الحقيقة اتمنى زيارة مصر الإسكندرية خاصة واول مااريد رؤيته هو بيت ريا وسكينة تخيلي
مقال رائع

زر الذهاب إلى الأعلى