بين همسات الظلال والنسيم (الجزء الثاني)

ارتديت القميص الذي أعطانيه نون وخرجت إليه مترددا.
-هيا نذهب، يكاد الطعام يجهز.
-أليس القميص مقلوبا؟
صمت قليلا ثم قال ضاحكا:
-إنه كذلك في الحقيقة.
نظرت نحوه بحنق ثم عدت للخيمة حانقا وقلبت القميص.
-أنت لا تطاق.
-النصف هنا عميان يا رجل، والنصف الثاني غارق في العمل. من سيدقق في قميصك إن كان مقلوبا أم لا؟ وإن فعلوا سينسى الجميع ذلك في ظرف يوم واحد.
نعم، هذا هو نون، لا يهمه شيء، لكنه يقول الحقيقة دوما»
زفرت نفسا عميقا، رميت رأسي على الوسادة ووضعت الأوراق على صدري محدقا في السقف، أشعر بأن رأسي مثقل من القراءة، عيناي يغشاهما النعاس لكن بي شوقا يمنعني عن التوقف.
أغمضت عيناي لوهلة وتخيلتني أعمى، لا أرى الألوان، لا أعرف الأشكال إلا من لمسها، و لا أميز الأشخاص إلا من روائحهم.
كيف كان صاحب المذكرات يعيش هذه الحياة بشكل عادي، بل إن هذه الأوراق لم تحكي عن شعور الحرمان من النظر، بل المشي.
شعر الكاتب بالحرمان بعد عجزه لأنه جرب المشي ثم فقده، لكن البصر لم يكن حرمانا لديه، فهو لم ير يوما لكي يقارن ماضيه بحاضره، مع ذلك ما كان يشعره بهذا الحرمان هو الرعاية المفرطة التي يتلقاها.
سحبت نفسا عميقا، نظرت للأوراق المتبقية وبدأت أعدها.. واحد، اثنان…عشرون في المجمل.
انقبض قلبي، غصة وحماسا في آن واحدة، شعرت بمزيد من الطاقة دفعني للعودة للقراءة.
«الشواء ذلك اليوم كان ألذ شواء أكلته في حياتي. امتلأت الغابة بالصخب وبرائحة الشواء، فرقع الطاقم قناني المشروبات الباردة وختمنا الوجبة باللعب في قشور البرتقال.
لم أكن أشارك في الحديث، بيد أني كنت مستمعا جيدا.
نسيت أني رجل مشلول أعمى، ركزت حواسي على السماع والشعور، وخزنت كل كلمة، اعتبرت كل حديث ولو كان هزليا معلومة خطيرة.
شعرت بالأُنسة وأنني ممتلئ بعد دهور من الفراغ.
وقف أحدهم بغتة فوق رأسي، ميزت عطر العود القوي، سمعت فرقعة عظام وتأوها، انحنى نحوي، همس:
-ما رأيك في نزهة قبل الغروب؟
-أنا نعسان قليلا، دعني.
ألحّ إلحاحا رهيبا:
-هيا يا رجل، أنت لا ترى أكوام الصحون والفوضى فوق الطاولات، ارحمني ولنهرب.
رفعت عيناي إليه، طبطب على كتفي وسحبني.
-أنت ماهر في الهروب.
-أنا مرافقك، يجب أن أولي الاهتمام لك لا للصحون.
-كسول أيضا.
أخذ يضحك، ثم قال ولا تزال الضحكة في صوته:
-دعك مني، الشمس تكاد تغيب وهذا أنسب وقت للنزهات، يجب أن تتنشط لأن الليلة طويلة.
همهمت له، لم أحر جوابا. كان الطريق ترابيا ممهدا، لا أدري إلى أين كان يقودني ولا أين نحن. ترك الكرسي بغتة فالتفت نحوه، تحرك مبتعدا، سمعت صوت خطواته تمشي بحذر شديد ثم صاح صيحة مبتهجة تبعها مواء خافت.
في الثانية التالية وضع كتلة فرو تموء في حضني، وضعت يداي على القطة بتردد:
-لم؟
-تعويضا عن روبي.
-من روبي؟
-دودتك الحبيبة.
قالها وأخذ يقهقه من جديد.
ضممت القطة إلي، دافئة، سمينة، بدأت تخرخر، التف نون حولي:
-يعجبها حضنك.
سحب الكرسي وأداره وعلمت أننا نعود أدراجنا، صفر بمرح:
-على الأغلب انتهوا من غسل الصحون الآن. ما رأيك في نزهة بعد العشاء؟
تمتمت ساخرا:
-لكي تهرب من صحون العشاء؟
-أكيد.
دفنت وجهي المبتسم في حضن القطة ولم أعلق.
الليلة الأولى كانت طويلة جدا، سهر أغلبنا حتى الواحدة ليلا، وهناك من البعض ممن بقي حتى ساعات الصباح الأولى، لم أكن منهم.
تعرفنا على بعضنا البعض، قدمنا أسماء، اعمارا وبضعة معلومات عشوائية عن هذا وذاك، لم أدرِ كيف أعرف عن نفسي، توقفت عند الاسم والعمر، تلكأت في الكلام:
-لا أدري ماذا أضيف أكثر من هذا؟
صاحب الصوت الأكثر نضوجا هنا، رئيس المخيم، مدير الجمعية، شجعني:
-ماذا تفعل في وقت فراغك عادة؟ ألديك هوايات؟
-أدرس، أتعلم العزف أيضا.
-على أي آلة تعزف؟
-الكمان.
-جميل جدا، لدينا واحد هنا، لاحقا فلتسمعنا شيئا.
أومأت ببطء، ثم عدت للصمت.
مضت تلك الليلة على نفس المنوال، حتى أتى دور نون، ارتفع صوته العميق في هدوء الليل، عرف عن اسمه وعمره فإذا بي أكتشف أنه يكبرني بخمس سنوات.
-أنا ممرض.
سألته فتاة صغيرة:
-هل لديك هوايات؟
-أحب السفر وتجربة أشياء جديدة دوما.
-هل سافرت خارج البلد قبلا؟
-أخطط للانتقال للعمل خارج الوطن بمجرد أن ينتهي عقدي في المشفى.
-مذهل، إلى أين؟
-ألمانيا.
هكذا أنهى نون التعريف عن نفسه، ونهض مرافق آخر ليعرف عن نفسه.
خفتت النار، وغلبني النعاس في مكاني، حتى أني أذكر بشكل متقطع أن نون أدخلني للخيمة وساعدني في النزول عن الكرسي والاستلقاء، ثم خرج وتركني.
بغض النظر أن المكان غريب وأني شخص حساس لتغير الأماكن، لكن دفئ الخيمة والتعب دفعني للنوم بعمق شديد، بل حين أخذ نون يوقظني شعرت بالحنق، عبثا حاولت إبعاده عني لكنه كان مصرا بشكل شديد على إيقاظي.
-أيها الكسول، استيقظ إنها التاسعة صباحا.
رفعت رأسي نحوه:
-هل استيقظ الجميع؟
-فقط أفراد الطاقم. سنوقظ الجميع بعد ساعة.
-وأنا لست من الجميع؟ إليك عني!
سحب الغطاء عني، قال مهددا:
-لديك خمس دقائق. انهض أو أحملك غصبا.
صحت غاضبا فبدأ يقهقه، أمهلني وقتا قصيرا، توضأت فيه وصليت ثم غادرنا مركز المخيم.
-أين تأخذني؟
لم يجبني، استمر يدفع الكرسي بهدوء، قال:
-سنتأخر عن الفطور الجماعي، لذا قررت أن نفطر قبل العودة.
الهواء البارد ازداد حدة، تناهى إلي صوت صخب الأمواج وتلاطم البحر، فصحت باستنكار:
-البحر!
-هل زرت البحر من قبل؟
-بضع مرات قبل الحادث، لكن أمي لم تترك يوما ذراعي.
-هممم.
-ما رد الفعل هذا؟ ثم ماذا سنفعل هنا؟
-نسبح.
-في أواخر سبتمبر؟ هل جن جنونك؟
-سبتمبر أنسب وقت للسباحة.
سرع من دفعه للكرسي، دار دورة صغيرة ثم بغتة شعرت برذاذ الموج يضرب جسدي، بعث الجو البارد قشعريرة في جسدي ودخل بين ثنايا ثيابي.
سمعت حفيفا فوق رأسي، حفيف خلع ثياب.
-هل تخلع ملابسك؟
-هل تريدني أن أسبح بكامل ملابسي؟
ضممت ذراعي حولي وصحت:
-إياك أن تقترب مني!
قال باشمئزاز:
-هل تظنني متحرشا؟ عار عليك!
أصدر صوتا ساخرا، تركني وركض وسمعت صوت ارتطام جسده بالماء ثم اختفى أي أثر له.
شعرت أني لوحدي أمام هذا البحر الواسع، يصلني رذاذ الموج، وتتخلل أنفي رائحة الملح والطحالب، الشمس بدأت تشتد حرارتها ورياح البحر باردة بشكل يُرجف.
أنزلت يداي بتوتر ووضعتهما على العجلات وبدأت أدفع الكرسي بخوف للأمام، ثم توقفت حين ارتفعت موجة عالية وغمرت جذعي كاملا وبللت الكرسي.
-اللعين! لقد وضعني عند أطراف الموجة وليس على الشاطئ!
اندفعت موجة أخرى نحوي، باردة ومنعشة. رفعت يدي عن العجلات وتوقفت عن التقدم وسط الماء، ربضت في مكاني عاجزا عن التراجع والتقدم، أصغيت السمع وتركت الأمواج تغمرني بالماء.
مضى وقت طويل، بدا لي كأنه ساعات ثم سمعت صوتا قادما نحوي، وقف ظل طويل فوقي وتساقطت على وجهي قطرات الماء.
-ما رأيك بالسباحة.
أجبته متهكما:
-هل تظن المشلول قادرا على السباحة أيها المتحذلق؟
-أنت مشلول العقل لا الساقين.
انحنى إلي:
-اسمع يا هذا، أنا ممرض، متطوع في الهلال الأحمر، سباح منقذ وكذلك متطوع في جمعيتكم. ثق بي قليلا.
تمتمت ساخرا:
-حتى لو كنت ساحرا قادرا على إحياء الموتى لن أثق بك. قد تشعر بالملل فجأة فتقرر تركي وسط الموج.
ضحك:
-حسنا، هذا قد يحدث أيضا.
-سحقا.
-من فضلك لا تشتم كثيرا.
-وما شأنك؟
تردد للحظة:
-حسنا…همم. هذا أحد تأثيراتي السيئة، جميع من رافقتهم لا يتعلمون مني حب الحياة، بل طريقة الشتم، هذا يعرض حياتي المهنية للخطر.
غرست عيناي المنطفئتان في وجهه، ثم غرقت في موجة ضحك هستيرية.
قال نون بحماس:
-لنسبح.
حملني عن الكرسي وأغرقني تحت الماء.
تخيل أن يضعك أحدهم على الماء ويتركك تطفو وسط الأمواج في عمق البحر وأنت مشلول القدمين، لو قيل هذا لي قبل ليلة واحدة لاعتبرت قائلها مجنون…لكن ذلك حدث!
لم يعلمني كيف أسبح كالسمكة أو أحرك قدمي في الماء كالسلحفاة كما كان أبي يفعل قبل سنين من شللي، أخبرني بوضوح أنه لم يحضرني ليعلمني السباحة.
-إذا ماذا تفعل؟
قال بغرور واضح:
-أمنحك التجارب التي لن يمنحها لك أحد غيري.
-نرجسي أيضا!
اتبعت تعليماته بحذافيرها فطفى جسدي على الماء، انتشرت أشعة الشمس فوق رأسي وأحسست بالدفئ والخفة….في اللحظة التالية غرقت، بكل بساطة.
نون ركن للصمت بشكل مريب ولم أعد أحس بأصابعه على جسدي، شعرت أني وحدي وسط الأمواج، مشلول غير قادر على إنقاذ نفسه لا يرى ولا يمشي، ارتفع الرعب في اعماقي، اختل توازن جسدي المسترخي وهوى نحو القاع.
حين انتشلني نون من تحت الماء كنت ما أزال تحت تأثير اللحظة المرعبة، سحبته معي للأسفل وغرق كلانا.
تخبطت تماما بين يديه، وابتلعت الماء المالح حتى انتفخت معدتي، ثم بغتة حرر نون نفسه من ذراعي وابتعد عني، رفعني من الماء وأخرجني للشاطئ وفي دفعة واحدة أفرغت كل ما كان ببطني.
-أحمق مجنون، لماذا أغرقتني معك؟
-قلت أنك لن تبعد يدك من تحت ظهري؟!
-كنت بجانبك.
أجبت بعصبية شديدة:
-وما أدراني! أنا أعمى، أعمى!
-أنت أعمى البصيرة لا البصر!
ألجم لساني، استمر نون يصيح:
-الثقة لا تحتاج أعينا أيها المغفل.
تمتمت مبرطما:
-لا تبنى الثقة في يوم.
-نعم، لكن يسهل هدمها في ثانية.
استدار عني غاضبا وقفز في الماء، تركني حيث أنا أرتجف لهول ما حدث، وأرتجف بردا»
شعرت بالبرد، كما لو أنني أنا الذي غرق في البحر، نهضت متلفتا وسحبت الغطاء فوق جسدي حتى حدود عنقي، تثاءبت بتعب لكني كنت عازما على إنهاء الأوراق الليلة، رفعت عيناي للساعة فإذا بها تشير للواحدة صباحا، ابتسمت، فهو نفس التوقيت الذي نام به الكاتب في ليلته الأولى..لكن لم أكن أخطط للنوم، أخذت ورقة جديدة وبدأت بتحسسها، بمرور الوقت صارت قراءتي أسرع، بينما في البداية كنت أعيد الجملة مرتين لأتأكد من المعنى، تثاءبت مرة ثانية وعدت ببصري للورقة:
«آخر ما توقعته هو أن يعود نون إلي ويرغمني على دخول الماء مرة ثانية، قال بغلظة:
-لا أريد أن يتم اتهامي بأني سبب صدماتك النفسية.
رضخت له بطريقة عجيبة فقد كنت منهكا غير قادر على الجدال، لكن المرة الثانية لم تحمل مرح التجربة الأولى. طفوت على الماء وحافظت على وجومي، كانت الأمواج ترفعني ثم تنزلني، بينما نون يضع يده تحت عنقي.
خرجنا من الماء بعد خمس عشرة دقيقة، ناولني منشفة وجلسنا على صخرة دافئة لتناول الفطور.
وضع بين يدي المرتجفتان كأس الشاي الساخن. بادرني ساخرا:
-لونك مخطوف.
-ألا تشعر بالبرد؟
-على الإطلاق.
أحسست بشيء يلقى فوق كتفاي، تحسست المنشفة وعلمت من رائحة الصابون المميزة أنها لي، فهذا الصابون تستعمله أمي دوما.
-هل فتشت في حقائبي!
-لأنك كنت نائما كالبغال اضطررت لفعل ذلك.
صمت قليلا وسألني:
-كيف علمت أنها لك؟
-من الرائحة.
-حواسك حادة. كيف تتعرف على الناس إذا؟ تتشممهم؟
أجبت بضيق:
-نوعا ما.
-لم أعتقد يوما أني سأصادق بشريا مستكلبا.
-عفوا!
انفجر ضحكا، صدحت ضحكاته في المكان وفاقت صخب الأمواج، أشحت وجهي عنه وأنا أتأفف بضيق، لكن لأكون صادقا كنت سعيدا لأنه قرر أن ينهي شجارنا التافه بنكتة..لكني لم أكن راضيا لأن النكتة كانت على حسابي.
-أنت رجل وقح.
-إذا ماذا عن رائحتي؟
-لديك رائحة نتنة بالطبع.
أطلق شخيرا ساخرا، ثم حرك يديه ولم أعرف قط ما الذي كان يفعله أو يبحث عنه، بغتة أطلق شيئا في وجهي، فاحت رائحة عطره القوي في وجهي ودخلت حلقي.
-شمها جيدا، قال نتنة قال، هذا العطر ثمنه خمسمائة درهم!
فتحت عيناي على وسعهما، وانطبعت على ملامحي علامات الدهشة. أخذت أسعل محاولا طرد مذاق العطر من فمي:
-أيها المجنون، ماذا تحسب نفسك فاعلا!
أجاب بدون مبالاة:
-أساعدك على تعزيز حاسة الشم.
تأتأت ليس لأني متعثر اللسان بل من قوة الصدمة.
-لا تنظر نحوي بتلك العينان الجاحظتان.
رفعت يداي لعيني، هسهست:
-أنا لا أراك ولكني إن فعلت سأقتلك.
قال ساخرا:
-إذا من حسن حظي أنك أعمى. إذا كنت انتهيت من الأكل فدعنا نعود.
عدنا للمخيم، جميع الأعمال بدا أنها أنهيت، وانصرف الجميع في نزهة داخل الغابة، كان المركز فارغا.
شخر نون ساخرا:
-لقد تم التخلي عنا.
دار حولي ودفع الكرسي بحماس:
-لنلحق بهم!
وجدنا الجميع أمام قصر الغابة، المدير كان يحكي قصة البناء للجميع. وكيف أن رجلا أمريكا ذا أصول يونانية بنى هذا القصر الأبيض لزوجته الشابة كي تنال فترة نقاهة، وأصبح القصر الآن متحفا مصغرا في وسط الغابة.
دفعني نون داخل ساحة القصر، نبس بصوت مبتسم:
-أحب الأشياء التاريخية.
مددت يدي وتلمست الحائط الاسمنتي للقصر:
-هذا غير متوقع.
جذبني بعيدا بعد لحظة صمت وأوقفني أمام فاصل إسمتني خلف القصر.
سمعت همسات عن جمال المنظر وتطوع المدير ليصف المنظر لنا، كان رجلا شاعريا:
-أمامنا مباشرة منظر طبيعي ساحر. بساط أزرق يتألق في نور الشمس، وغابة خضراء تهسهس أغصانها للريح. لم يخلق الخالق أجمل من هذا منظرا! يلتقي البحر بالخضرة في جمال فتان.
بعض ممن هنا سنحت لهم فرصة رؤية الألوان قبل أن يحرموا من هذه النعمة، والبعض الآخر مثلي لا يعرف معنى الألوان. كيف هو المنظر، هذا المنظر البعيد الذي لا أستطيع شمه ولا لمسه؟!
مددت يدي نحو الفاصل الاسمنتي وفتحت عيناي على وسعهما فلم أر شيئا.
-أخبرني يا نون. ما هي الألوان؟
-ما هذا السؤال السخيف؟
ابتسمت بإحباط:
-أتظنه كذلك؟
أضفت بعد برهة:
-لا فرق لدي إن رأيت أم لم أفعل. لكني لطالم شعرت بالفضول نحو هذه الأشياء التي يصفها الناس من حولي. الزهور بالنسبة لي متشابهة، والأرض والسماء سواء. لم أشعر يوما أن عماي إعاقة، لكن لو عاد لي البصر، فإني أريد رؤية شيء واحد فقط…الألوان.
التفت نحوه:
-أليس العالم كله لوحة ملونة؟
تحرك مبتعدا عني، ثم عاد، بسط كفاي، وضع في إحداها ورقة شجر، وصب الماء فوق الثانية.
-أنت تعرف شكل الورقة، وتحس ببرودة الماء. بالنسبة لنا جميعا هذه أشياء عادية، لكنها بالنسبة لك شيء مذهل أليست كذلك؟
-ماذا تقصد؟
-قبل سنين كانت التلفزة السينمائية تعرض باللون الأسود والأبيض، لكن ما جعل الناس يتأثرون بقوة التمثيل ليس الألوان بل الشعور.
-أنا لا أفهم يا نون.
قربني من الحافة:
-تخيل الأخضر كيف شئت، ولا يهم إن جعلته أحمرا. الجمال لا يرى، بل يحس!
مد أصبعه لقلبي ونقره:
-هنا، أبصر بقلبك لا بعينيك!
التفت نحوه وقلت مبتسما:
-أتعلم ما أريده الآن؟
-ماذا؟
-أريد أن أراك!
-لا حاجة لك برؤيتي.
شاكسته:
-لماذا هل أنت قبيح؟
-بل إني أخشى أن تعميك وسامتي المفرطة من جديد»
رفعت الورقة من يدي، لا تزال الابتسامة مطبوعة على شفتاي.
حدقت بالساعة فإذا هي الثالثة صباحا، وبالرغم من أنني أقسمت على إنهاء الأوراق غير أني كنت أشعر بنعاس شديد، ضممت الأوراق المتبقية لصدري واستلقيت بشكل مريح..سآخذ استراحة قصيرة فحسب…ولن أنام، لكن عميقا في أحلامي وجدتني في غابة بريديكاريس، أو كما يحلو للمغاربة تسميتها: غابة الرميلات.
تحرير، تدقيق ومراجعة: أزيز الصمت.
أحببت كل شيء إلا شيء واحد!
عندما يقطع علينا حساام بتعبه او انشغاله, صدقا وقتها لو كان بين يدي لقتلته🤣🤣🙂