جنود بلا نهاية .. أرواح الحرب العالقة

في الليالي التي يخنق فيها الضباب أنفاس الغابة.. حين يذوب الصمت في رائحة البارود.. هناك من يسير على جبهات نسيها الزمن.. خطوات لا تنتمي للأحياء ولا يقوى الموت على انتزاعها
جنود.. ما زالوا يَعدّون ذخيرتهم.. يَهمسون بأسماء رفاقهم.. ويحدقون في العتمة كمن ينتظر صافرة الهجوم التالية
ربما ماتوا.. وربما لا
ربما فقط لم تصلهم الأوامر بأن الحرب قد انتهت .

أشباح السوم .. الوجوه التي بلا ملامح

في عام 1916 في أكثر سنوات الحرب العالمية الأولى دموية خاضت الكتيبة 2/5 من فوج نورفولك معركة ضارية على ضفاف نهر السوم في فرنسا
لم يكن هناك مكانا للرحمة .. كانت الأرض تنهش أجساد الرجال كما تلتهم النار الهشيم
لكن شيئًا غريبًا حدث وسط هذا الجحيم
رأى الجنود البريطانيون طابورًا من الرجال يسير وسط الضباب.. كانوا يرتدون زياً أحمر قديماً لم يُر مثله منذ قرن
لم يطلقوا رصاصة.. لم يردوا على النداء.. بل مرّوا كأنهم شبح جماعي ثم تلاشت أجسادهم في الهواء
قال أحد الجنود المرتعبين لاحقًا:
اقتربت منهم لأتحقق من الوجوه.. لكن لم تكن هناك وجوه أصلاً
بعد أسبوع أبلغت كتيبة أخرى عن نفس المشهد.. نفس الزي.. ونفس الغياب المريع للملامح .

blank
blank

بكاء الشجرة .. جندي لم يمت بعد

في غابة أرجون إحدى أكثر مواقع الحرب بشاعة كتب الجندي الأمريكي هارولد نيومان في مذكراته عن ليلة من الحراسة لم ينساها أبدًا
كان كل شيء ساكنًا.. حتى بدأت تنهيدة خافتة تخرج من بين الأشجار.. أنين لرجل يحتضر
اقترب هارولد ليجد جنديًا ألمانيًا جاثيًا على ركبتيه.. يضغط على صدره.. يبكي بصمت
لكنه لم يكن حيًا.. ولم يكن ميتًا تمامًا
فقد تبخر الجندي أمامه مخلفًا ضبابًا خفيفًا ورائحة دم جديدة على أرض جُرّدت من الحياة منذ شهور
ثلاثة جنود آخرين أكدوا نفس الرؤية.. وفي كل مرة كان الجندي يظهر بنفس الهيئة.. كأن المشهد يُعاد على خشبة مسرح لا يراه أحد سواهم .

صرخات ستالينغراد .. الجحيم لا يغلق أبوابه

في عام 1943 وأثناء اشتداد معارك ستالينغراد استقرت وحدة روسية قرب نفق كان قد تفجّر فوق كتيبة ألمانية بأكملها
كان يُفترض أن النفق قد دُفن بالكامل.. لكن شيئًا آخر كان ينبض تحته
في الليلة الثالثة كتب القائد ألكسي جورافشين في تقرير سري:
سمعنا صرخات بشرية جماعية مكتومة متزامنة وكأن عشرات الرجال يُذبحون تحت أقدامنا
لا أحد تجرأ على الحفر.. ولم نتحدث بالأمر بعدها
ظل الموقع محظورًا حتى سقوط الاتحاد السوفيتي .

blank

الطيف الذي يعود كل فجر .. روح لا تعرف أنها رحلت

في عام 1997 انتقلت عائلة تيلور إلى منزل ريفي هادئ ببلدة كوليفيلد بُني فوق موقع تدريبي قديم للجيش البريطاني
بعد أسبوع بدأ الباب الخلفي يُفتح دون سبب.. وفي إحدى الليالي عند الثالثة إلا ربع شاهدت السيدة تيلور رجلاً بزي عسكري يعبر الحائط كأنما يعبر بوابة دخانية
لم تكن رؤيا عابرة.. كان يظهر كل ليلة في نفس الوقت.. بنفس المشية ونفس الصمت
قال خبير الظواهر الذي استدعوه:
هذه ليست روحًا هائمة.. إنها ذاكرة عالقة في حلقة زمنية.. لحظة لم تنتهِ بعد بالنسبة له

المقبرة التي تغني .. من قال إن الجنود يستريحون؟

في شمال فرنسا وعلى تلةٍ يكسوها الضباب توجد مقبرة صغيرة لجنود مجهولين
لا أسماء.. لا تواريخ.. فقط شواهد من حجر أكلته الطحالب
كل عام في ليلة معينة تبلغ العائلات المجاورة عن سماع أناشيد عسكرية تأتي من تحت الأرض
ليست تسجيلاً.. بل صوت بشري جماعي حزين
في إحدى المرات رسم طفل صغير جنديًا بلا رأس يقف عند نافذته وكتب بخط غير منتظم:
قال لي إن الحرب لم تنتهِ بعد .

blank

محاولة تفسير.. أم محاولة إنكار؟

يحاول بعض العلماء تفسير هذه الظواهر بمصطلحات مثل الذاكرة الطيفية للمكان أو الهلوسة الجماعية أو حتى تداعيات اضطراب ما بعد الصدمة
لكن كيف يمكن تفسير تكرار نفس الطيف بنفس الشكل والملابس والساعة لدى شهود مختلفين لم يلتقوا أبدًا؟
هل نحن نعيش فوق طبقة رقيقة من واقع آخر؟ واقع لم يُسلّم مفاتيحه للموت بعد؟
أم أن هناك من لا يُغادر الخنادق.. إلا عندما يعود برفقة من يحبهم؟

خاتمة


الحروب لا تنتهي بانتهاء المعارك.. إنها تتحول إلى ندوب في الأرض.. وإلى صرخات في الليل لا يسمعها إلا من مرّ بتجربة الموت المؤجل.. كل رصاصة أُطلقت صنعت صدى ما زال يهيم بين الغابات والمقابر والبيوت التي بُنيت فوق ميادين القتال
وربما حين نسمع خطى الجنود في الظلام أو صدى أناشيدهم تحت التراب.. فذلك لأن العالم لم يتعلم بعد كيف يطوي خرائط الدم.. الحرب لا تُهزم.. هي فقط تختبئ في الذاكرة.. وتعود لتطالب بما لم يُدفن معها.

تحرير وإشراف بجهود مشكورة : أزيز الصمت .

مراجعة وتدقيق : الأستاذ جمال علي العابد .

4.3 3 الأصوات
Article Rating
المصدر
BBC ArchibeFortean times

مقالات ذات صلة

16 تعليقات
همس الصوت -مديرة التحرير والنشر للمنوعات
الادارة
همس الصوت -مديرة التحرير والنشر للمنوعات
4 شهور

روعه بعد قرأتها شعرت اني اريد حكاية كل قصه مشكل منفصل، أحب التفاصيل

مستشعر بالطرف الآخر
مستشعر بالطرف الآخر
4 شهور

رائع يا استاذ باسم . احسنت .

وهناك العديد من تلك الظواهر حول العالم .

طارق الليل
طارق الليل
4 شهور

تحية طيبة للكاتب العزيز باسم الصعيدي ولكل رواد الموقع الكرام
وشهر مبارك وكل عام وانتم بألف خير
الام الحروب واهوالها قد تجعل من الناجين موتى على هيئة احياء او احياء بلا حياة
قد يتحمل الانسان اهوالا ويرى أشياء لا يمكن لعقله ان تصورها يوما ولكن لكل انسان طاقة معينة من التحمل والصبر والثبات ولكن في الاخير هو انسان يسمع ويرى ويحس ويشعر وقد يسلم مصيرة الى تيهان عقله الذي لم يستطع تحمل المزيد من الاهوال لذلك يلجأ للتهيئات والتخيلات فيرى مالا يرى غيره وخاصة عندما تستخدم الاسلحة البيلوجية والغازات السامة والاسلحة الفتاكة فأن ذلك سببا كافيا ليبدأ الجنود الذين تعرضوا او رأو او استشقوا تلك الغازات بالهلوسة ورؤيت الارواح والاشباح
يقال ان في بعض مناطق البوسنة والهرسك التي ارتكبت فيها ابشع جرائم القرن العشرين انه يسمع انين و بكاء و اصوات الضحايا واصوات تعذيب او ما شابه ذلك
حسبنا الله ونعم الوكيل
ســــــــــــــــــلامي وخالص التحايا استاذ باسم

همس الصوت
همس الصوت
4 شهور

اجمل ما في هذا المقال أنه أعاد الروح لقسم أشباح اروح ههه، مقال رائع للأستاذ

فرح - مديرة الإشراف والتواصل للمنوعات والمتفرقات
فرح - مديرة الإشراف والتواصل للمنوعات والمتفرقات
4 شهور

السلام عليكم استاذ باسم كيف حالك ان شاء الله بخير …..

يا للهول… لا أعلم من أين أبدأ، كأن قلبي تاه بين كلماتك، وكل جملة منها تفتح نافذة إلى عالم لا يفهمه إلا من عاش الخوف والصمت معًا. أشعر وكأنني أمشي بين جنودٍ لا يعرفون النهاية، أرواحهم معلقة في الزمان والمكان، كأن الحرب لم تنتهِ أبداً، وكأن الأرض نفسها تحفظ صرخاتهم. أسمع في خيالي صوت خطواتهم، أراهم بين الظلال، يختفون ثم يعودون، يصرخون ثم يبتسمون بطريقة تجعلني أرتجف وأبتسم في الوقت نفسه… يا له من سحرٍ غريب ومخيف! وكأن الموت والحياة رقصة لا تتوقف، وكأن الليل يحمل أسرارًا لا يعرفها النهار. أشكرك لأنك جعلتني أرى شيئًا لم أرَه من قبل، شيئًا يهمس في أذني بأن بعض الحروب لا تنتهي حقًا، وأن الأرواح أحيانًا تتجول لتذكرنا بأن الخوف والجمال يمكن أن يكونا وجهين لنفس الحقيقة…
تدوم بخير وسعادة

لوريكا
لوريكا
4 شهور

الكاتب باسم الصعيدي👏🏼👏🏼👏🏼👏🏼🫴🏼

مقال رائع ومؤثر جداااااااا.
ككردية✌🏻، لمسني هذا الموضوع بشكل خاص، لأن شعبنا عانى ويلات الحروب لعقود، وفي جبال كردستان وفي المناطق التي شهدت معارك، لا تزال تتردد أصوات من رحلوا. جدتي كانت تحكي عن أصوات خطى في الجبال ليلااا، وكأن شهداء الااكراد لا يزالون يحرسون الأرض التي ضحوا من أجلها.

ربما كما تقول، بعض الأرواح لا تغادر، لأنها لم تسمع أمر انتهاء الحرب بعد. شعب لم ينته نضاله لا تموت أشباحه.

سلمت يداك، وبانتظار المزيد من مقالاتك.

روكساناااااااا✌🏻✌🏻🐦‍🔥

روميساء طارق البدري - مديرة التحرير والتواصل في منصات ميتا
كاتب
روميساء طارق البدري - مديرة التحرير والتواصل في منصات ميتا
4 شهور

تم نشر قصتك على صفحة الموقع بفيسبوك، يسعدنا متابعتك للتفاعل هناك والمشاركة مع القرّاء 🌿
https://www.facebook.com/61573098963302/posts/pfbid0nq8JtW8MsNoMDNxxBokz4HEAwkmuPf3qEeHEebiQvd3mwLmBQMxin6GRcXMReBy7l/
كما نرجو من متابعي كابوس الكرام متابعتنا على صفحة فيسبوك، حيث نقدم أنشطة مميزة ومحتوى متجدد باستمرار، ويسعدنا انضمامكم وتفاعلكم معنا.

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
4 شهور

مقالاتك فعلا مرعبة والحروب اقسى مايعيشه اابشر

فتحي حمد - مدير الإشراف والتواصل للتجارب
الادارة
فتحي حمد - مدير الإشراف والتواصل للتجارب
4 شهور

اهلا بالجميع
مقال مشوق يظهر اننا نعرف القليل جدا عن عالم الارواح والاشباح في قصص لا يوجد لها تفسير مقنع اهوال الحروب وقساوتها تكون مرتعا لهذه الاحداث المحيرة تنقضي الحروب وتبقى الالام ارواح هاءمة اشباح حاءرة تهيم بدون هدف.احسنت النشر اخونا باسم.

علي فنير
عضو
علي فنير
4 شهور

عمت مساء صديقي العزيز باسم مقال مثير ذكرني بتجربة خاضتها عائلتنا منذ زمن طويل وتحديدا سنة 72 في أقصي الشرق الليبي في مدينة طبرق والتي كانت مسرح لمعارك طاحنة بين الألمان و الانجليز تم نقل ابي القاضي رحمه الله الي محكمة طبرق فانتقلنا معه من طرابلس واستأجر ابي بيتا واسعا وكانت غرفة نومي وأخي تطل علي فناء به درج وذات ليلة صرخ اخي الأصغر صرخة ايقضت كل من بالبيت اصيب اخي بالرعب وهو يشير باصبعه الي اعلي الدرج وهو يرتجف عرفنا فيما بعد انه رأي طيف لجندي ألماني يرتدي خوذة عسكرية واقفا في اعلي الدرج عندما نظر اخي اليه أبتسم كاشفا عن صف أسنان معدنية لمعت في الظلام .

تحياتي باسم ودمت بخير

فتحي حمد - مدير الإشراف والتواصل للتجارب
الادارة
فتحي حمد - مدير الإشراف والتواصل للتجارب
4 شهور
ردّ على  علي فنير

رعب فعلي يترك اثارا نفسيه سيءة

عمانية
عمانية
4 شهور

يقول الروائي الروسي لِيو تولستوي (من الحرب والسلام)
«الحرب هي الحقيقة الوحيدة التي تصيرها الحياة لا يمكن للمرء أن يفهمها إلا حين يعيشها.>>
برئي المتواضع ان الحرب هي كابوس البشرية الازلي بغض النظر عن اي شي ثاني

بنت بحرى
بنت بحرى
4 شهور

اهلا باسم (متعهد مقالات الموت والاشباح)
تلك الأشباح لا تهيم على وجهها لتخيف الأحياء…بل لتذكرنا أن خلف كل جدار حكاية وتحت كل حجر قصة وفوق كل ذرة رمال سقط جندى دفاعا عن شرف الوطن …تحوم ارواح الجنود وتأن فى تلك الاماكن المظلمة التى كانت شاهدة على طريقة موتهم وتعذيبهم القاسية…ربما كانت تستغيث وتستنجد…او ربما كانت تحذر وتنذر من نفس المصير المهلك..تتسأل بأى ذنبا قتلت ولما بعضها صهرت والاخر تهشم أو قطع أو طعن… تطلب القصاص والانتقام من قاتلها…
حضورهم يثقل الهواء.. كأن المكان نفسه يختنق بذكريات اللحظة التي سقطوا فيها… يبعثون لنا برسالة من خلال ظلالهم المبهمة تقول (الدم لا يضيع…وتلك الاماكن ستظل تشهد حتى ننال القصاص والعدل)
وكأن كلماتك وحروفك كالقطار نقلتنى إلى حيث ذاكرة ساحة المعركة ..حيث الغموض والرعب وتجسيد الألم الانسانى الذى تتركه الحرب… شكراً جزيلاً لك على عطائك لكابوس 🌹
سلام 🌹

Manal🌹
Manal🌹
4 شهور

كيف حالك اخي باسم العزيز

اسعد الله ايامك

موضوع مكنوب بشكل جميل جدا ومشوق
اضافة الى العمق في التحليل
الله اعلم بما يحصل
ترى هل فعلا الاجساد التي تم انتزاع ارواحها بعنف
تبقى معلقة
اتوقع هذا يتنافى تماما مع عقيدتنا كمسلمين
ولست افهم له سببا منطقيا ايضا
سلمت يدك على الجهد الرائع المبذول في الكتابة

كل الود

ابو هشام
ابو هشام
4 شهور

انهو امور غامضه حقن وغريبه شكرا لك استاذ باسم علا هذا السرد الرائع للاحداث ربي يوفقك ويحفظك ياغالي

Wave Manipulator
Wave Manipulator
4 شهور

إذن في المستقبل.. في غزّة مثلًا.. ليس بالبعيد أن تنضم الأشباح للكتائب؟ أشباح المقاتلين الذين لم تذهب أرواحهم سُدًى؟
كم هذا مشوّق! ولماذا لا أكون أنا الشبح الحي؟ أمّا أنها حَكايا يا باسِم..
أشباح مُقاتِلة! أشباح فتّاكة! أشبااااااااح لكن مُقاتِلة!

زر الذهاب إلى الأعلى