سيلفستر ماتوشكا.. مجنون القطارات

مقدمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ليلة هادئة من ليالي أوروبا.. كان قطار ركاب يشق طريقه فوق القضبان كعادته.. يجلس داخله رجال عائدون إلى بيوتهم.. وأمهات يحتضنَّ أطفالهن.. ومسافرون لا يشغلهم سوى الوصول إلى محطاتهم في موعدها. لم يكن أحد منهم يعلم أن رجلًا يقف في الظلام يراقب اقترابهم.. لا ليقطع الطريق عليهم.. ولا ليسلبهم أموالهم.. بل لينتظر لحظة واحدة فقط…
لحظة يخرج فيها القطار عن القضبان… وتبدأ الفوضى.
ذلك الرجل.. لم يكن يحمل ضغينة تجاه ضحاياه.. ولم يكن يعرف أسماءهم.. ولم يكن ينتظر مقابلًا من جرائمه.. بل كان يكتفي بأن يقف بعيدًا في صمت.. يراقب المشهد الذي صنعه بيديه.. وكأن الكارثة بالنسبة إليه عرض مسرحي لا يكتمل إلا بالدماء والصراخ.
كان اسمه سيلفستر ماتوشكا.. مجريَّ الأصل.. عاش متنقلًا بين المجر والنمسا خلال السنوات المضطربة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. وفي الظاهر.. لم يكن أكثر من رجل أعمال هادئ.. أنيق الملبس.. حسن الحديث.. متزوج.. يملك مالًا وعلاقات اجتماعية مستقرة.. حتى إن أحدًا ممن عرفوه لم يتخيل يومًا أن اسمه سيصبح مرادفًا للرعب على امتداد خطوط السكك الحديدية في أوروبا.
فكيف يتحول إنسان يبدو طبيعيًا إلى رجل يرى في تحطم القطارات متعة لا تقاوم؟.. وكيف استطاع أن يخدع الشرطة سنوات طويلة.. بينما كانت أوروبا كلها تبحث عن مخرب مجهول؟.. ولماذا انتهى الأمر بالأطباء النفسيين إلى دراسة عقله قبل أن يدرس القضاة جرائمه؟
إنها ليست حكاية قاتل متسلسل بالمعنى المعروف.. ولا قصة إرهابي يسعى إلى بث الرعب.. بل رحلة داخل عقل رجل استبدل شغفه بالقطارات بهوس مريض.. حتى أصبحت قضبان السكك الحديدية في نظره مسرحًا للموت الجماعي.
ومن هناك.. بدأت واحدة من أغرب القضايا في التاريخ الجنائي الأوروبي.
رجل لا يلفت الانتباه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لو مرَّ سيلفستر ماتوشكا في أحد شوارع بودابست أو فيينا أواخر عشرينيات القرن الماضي.. لما التفت إليه أحد. لم يكن يحمل ملامح المجرمين التي ترسمها الروايات.. ولم يكن صاحب سوابق جنائية معروفة.. ولم يعرفه جيرانه رجلًا عنيفًا أو كثير المشكلات.. بل كان يبدو مثالًا للمواطن الهادئ الذي يعيش حياته بعيدًا عن الضجيج.
وُلد ماتوشكا في المجر أواخر القرن التاسع عشر.. وعاش شبابه في فترة كانت أوروبا كلها تتغير بعنف. فقد أنهكت الحرب العالمية الأولى الإمبراطوريات القديمة.. وسقطت حدود.. ورُسمت أخرى.. وتبدلت حياة ملايين البشر خلال سنوات قليلة.
وكحال كثير من أبناء جيله.. عمل في التجارة والأعمال الخاصة.. وامتلك قدرًا لا بأس به من المال.. وتنقل بين المجر والنمسا.. وكان يظهر أحيانًا بمظهر رجل الأعمال الناجح.. حسن الهندام.. مهذب الحديث.. ويجيد كسب ثقة كل من يتعامل معه. وكان متزوجًا وله أسرة.. ولذلك لم يكن هناك ما يدعو الشرطة أو المجتمع إلى الشك فيه.
لكن خلف هذا الوجه الهادئ.. كانت شخصية أخرى تنمو في صمت. وتشير الروايات التي ظهرت بعد القبض عليه إلى أن ماتوشكا كان مولعًا منذ سنوات طويلة بالآلات الضخمة.. وكانت القطارات تستحوذ على اهتمامه بصورة غير مألوفة. فلم يكن يكتفِ برؤيتها تمر.. بل كان يقف طويلًا يتأملها.. ويراقب سرعتها.. ويحسب المسافات.. ويتابع حركة العجلات فوق القضبان.. وكأنه يدرسها دراسة دقيقة.
في البداية.. بدا ذلك مجرد شغف عادي بوسيلة نقل كانت تُعد أعجوبة هندسية في ذلك العصر. لكن مع مرور الوقت.. أخذ ذلك الشغف يتحول إلى شيء آخر.
شيء أكثر ظلمة.
فلم يعد يستمتع برؤية القطار وهو يسير بأمان.. بل بدأ يتخيل ما الذي سيحدث لو خرج عن القضبان. كيف سيتشقق الحديد؟.. كيف ستنقلب العربات؟.. وكيف ستتحول لحظات السفر الهادئة إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها؟
كانت تلك الصور تتكرر في ذهنه باستمرار.. حتى أصبحت أشبه بأحلام يقظة لا تفارقه. وفي تلك المرحلة.. لم يكن أحد يعلم أن تلك الخيالات لم تعد مجرد أفكار عابرة.. بل بدأت تتحول إلى رغبة حقيقية.
رغبة في أن يرى الكارثة بعينيه.
وسيجد الأطباء النفسيون لاحقًا صعوبة في تحديد اللحظة التي عبر فيها ماتوشكا الخط الفاصل بين الخيال والجريمة. لكنهم اتفقوا على شيء واحد..
أن الرجل لم يبدأ حياته مجرمًا.
بل بدأها إنسانًا عاديًا.. ثم أخذ عقله ينسج عالمًا خاصًا به.. عالمًا أصبحت فيه الكارثة مصدرًا للمتعة.. وأصبح فيه سقوط قطار كامل مجرد مشهد ينتظر عرضه التالي.
ولم يكن ينقص ذلك العالم سوى خطوة واحدة…
أن يتحول الخيال إلى واقع.
حين خرج الخيال من العقل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك لحظة غامضة في حياة بعض المجرمين.. لا يستطيع أحد تحديدها بدقة. لحظة لا تُسمع فيها طلقة.. ولا يقع فيها انفجار.. لكنها تكون أخطر من كل ما يأتي بعدها. إنها اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن الاكتفاء بالتخيل.. ويقرر أن يمنح خياله وجودًا حقيقيًا.
لا أحد يعلم متى اتخذ سيلفستر ماتوشكا هذا القرار. ولم يعترف هو نفسه لاحقًا باليوم الذي قال فيه لنفسه: «سأفعلها». لكن ما يعرفه المحققون.. أن الرجل بدأ يقضي ساعات طويلة بعيدًا عن المدن.. يتجول بمحاذاة خطوط السكك الحديدية.. ويراقب حركة القطارات.. ويدرس طبيعة القضبان.. والمنحنيات.. والجسور.. والأماكن التي تكون فيها سرعة القطار كافية لتحويل أي انحراف بسيط إلى كارثة مروعة.
لم يكن يتصرف بعشوائية. كان يختار المكان كما يختار مهندس موقع البناء. وكان يقيس المسافات بعينيه.. ويتأمل طبيعة الأرض.. ويحسب أين ستكون قوة الاصطدام أكبر.. وأين ستنقلب العربات إذا فقدت توازنها. ثم يعود إلى المكان مرة بعد أخرى.. حتى يحفظه عن ظهر قلب.
لم يكن يسابق الزمن.. بل كان ينتظر اللحظة المناسبة. ويبدو أن معرفته بالأعمال الميكانيكية.. وقدرته على التعامل مع الأدوات المعدنية.. ساعدتاه على فهم طبيعة القضبان ووسائل تثبيتها.. وهو ما جعله يدرك أن العبث بجزء صغير من الخط الحديدي.. في المكان المناسب.. قد يكون كافيًا لإخراج قطار كامل عن مساره.
وكان هذا الإدراك أخطر ما وصل إليه. لأنه لم يعد يسأل نفسه: هل يمكن أن يحدث ذلك؟.. بل أصبح يسأل: متى سأجرب؟
ويرى بعض الباحثين أن هذه المرحلة كانت نقطة اللاعودة في حياته. فالخيال.. مهما كان مظلمًا.. يبقى حبيس العقل. أما عندما يبدأ صاحبه في دراسة التنفيذ.. واختيار المكان.. وتجهيز الأدوات.. فإنه يكون قد تجاوز الحدود النفسية التي تمنع معظم الناس من ارتكاب الجريمة. وكان عقل ماتوشكا قد عبر تلك الحدود بالفعل.
ومع ذلك.. لم يكن يبدو على سلوكه اليومي أي تغير يثير الشك. كان يلتقي الناس.. ويتحدث معهم بهدوء.. ويواصل أعماله المعتادة.. ويبتسم كما يفعل أي إنسان طبيعي. وهذه الازدواجية هي ما حيّرت الأطباء النفسيين بعد سنوات. كيف يستطيع رجل أن يعيش حياته بصورة طبيعية نهارًا.. بينما يقضي ليله يخطط لكارثة قد تودي بحياة عشرات الأبرياء؟
ولم يكن الجواب سهلًا. لأن ماتوشكا.. في نظرهم.. لم يكن يكره ضحاياه.. بل كان ينظر إليهم كما ينظر المتفرج إلى ممثلين على خشبة المسرح. لم يكن الأشخاص هم محور اهتمامه.. بل الكارثة نفسها.
كان يريد رؤية الحديد وهو يتمزق.. ورؤية العربات وهي تتطاير.. ورؤية الفوضى وهي تبتلع كل شيء. أما من يموت.. فلم يكن سوى جزء من المشهد.
وبعد أشهر من المراقبة والاستعداد..
قرر أخيرًا أن يمنح خياله أول فرصة ليصبح حقيقة.
القطار الذي لم يصل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان الليل قد بدأ يفرض سكونه على الريف الأوروبي.. ولم يكن يُسمع سوى صوت الرياح وهي تمر بين الأشجار.. ثم ذلك الصوت المألوف الذي يسبق وصول أي قطار.. اهتزاز خفيف في الأرض.. يتبعه هدير العجلات الحديدية وهي تقترب بسرعة لا يستطيع شيء إيقافها.
في مكان معزول بعيدًا عن أعين الناس.. كان سيلفستر ماتوشكا ينتظر. لم يكن ينتظر شخصًا.. بل كان ينتظر القطار نفسه. تشير التحقيقات إلى أنه اختار موقعًا بعناية بعد زيارات متكررة.. ثم عبث بجزء من خط السكة الحديد بطريقة تجعل القطار يفقد توازنه عند مروره بسرعة عالية.. وكانت خطته تقوم على أن يتحول ثقل القطار نفسه إلى القوة التي تصنع الكارثة.
اختبأ في مكان قريب.. وبقي يراقب. ثم ظهر الضوء الأبيض في الأفق.. كان القطار يقترب.. ولم تكن تفصله عن اللحظة التي حلم بها طويلًا سوى ثوانٍ قليلة. ثم وقع ما ظل يتخيله سنوات.
دوى صوت هائل مزق سكون الليل.. وقفزت القاطرة بعنف فوق القضبان.. وبدأت العربات تتمايل بصورة مرعبة قبل أن تنقلب الواحدة تلو الأخرى.. ويرتطم بعضها ببعض وسط سحابة كثيفة من الغبار والدخان. تحول المكان خلال لحظات إلى مشهد يصعب وصفه.
لم يكن المشهد مجرد قطار خرج عن القضبان.. بل كان أشبه بمدينة صغيرة تحطمت في لحظة واحدة. تناثرت الحقائب بين القضبان.. وامتزج الزجاج المحطم بالدماء.. وتحولت بعض العربات إلى كتل من الحديد احتجزت بداخلها عشرات الركاب.
هرع سكان المناطق القريبة إلى موقع الحادث.. وتبعتهم فرق الإنقاذ والإسعاف.. وبدأ الجميع يبحث بين الحطام عن ناجين.
كانت أمهات يصرخن بحثًا عن أطفالهن وسط الفوضى.. ورجل يركض بين الحطام وهو ينادي اسم زوجته دون أن يسمع سوى صدى صوته.. وآخر يقلب الوجوه الملطخة بالغبار والدم بحثًا عن شقيقته.. بينما كانت فرق الإنقاذ تنتشل الجرحى.. ثم تتوقف أحيانًا أمام أجساد لم يعد يدل على الحياة فيها سوى بقايا ملابس.. أو ساعة يد ما زالت تدق فوق معصم صاحبها.
أما الرجل الذي تسبب في كل ذلك.. فلم يهرب مذعورًا كما يفعل معظم المجرمين.. بل بقي قريبًا من المكان. كان يريد أن يرى النهاية.. ويرى رجال الإنقاذ وهم ينتشلون المصابين.. ويرى الفوضى وهي تعم الموقع.
وقد ذكر بعض الشهود في تحقيقات لاحقة أنهم لاحظوا وجود رجل يقف بين المتجمعين ويتابع المشهد باهتمام غير عادي.. لكن أحدًا لم يشك فيه آنذاك.. فقد بدا مثل أي شخص جاء بدافع الفضول. وسُجل الحادث في البداية على أنه كارثة ناجمة عن خلل في السكة الحديد أو خطأ فني.. ولم يخطر ببال المحققين أن ما حدث لم يكن حادثًا.. بل تجربة.
تجربة نجحت.
أما بالنسبة إلى سيلفستر ماتوشكا.. فقد اكتشف شيئًا أخطر من نجاح خطته. اكتشف أن الكارثة التي عاش سنوات يتخيلها.. لم تخيب ظنه.. بل منحته إحساسًا لم يشعر به من قبل.. إحساسًا سيجعله يعود إلى القضبان مرة أخرى.. وربما مرات عديدة.
الكارثة التي هزت أوروبا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم يكن الحادث الأول كافيًا لإشباع ذلك الفراغ الذي كان يلتهم عقل سيلفستر ماتوشكا.. بل على العكس.. يبدو أنه أقنعه بأنه قادر على التحكم في مصير قطار كامل بمجرد دقائق من التخطيط. ومنذ تلك اللحظة.. لم تعد القضبان بالنسبة إليه مجرد خطوط حديدية تمتد عبر الريف.. بل أصبحت مسرحًا ينتظر عليه المشهد التالي.
وخلال الأشهر التالية.. عاد إلى مراقبة خطوط السكك الحديدية من جديد.. لكن هذه المرة كان أكثر ثقة.. وأكثر هدوءًا. فقد تعلم من تجربته الأولى.. وأصبح يعرف أي المواقع تمنح أكبر فرصة لوقوع كارثة مروعة.. فكان يختار المنحنيات والجسور والمقاطع التي تسير فيها القطارات بسرعات مرتفعة.. حيث تصبح فرصة نجاة العربات أقل إذا خرجت عن مسارها.
ثم جاءت الليلة التي حوّلت اسمه إلى واحد من أكثر الأسماء رعبًا في تاريخ السكك الحديدية الأوروبية.
في الثالث عشر من سبتمبر عام 1931.. كان قطار الركاب السريع يعبر جسر “بياتورباغي” بالقرب من العاصمة المجرية بودابست.. وكان يحمل عشرات الركاب العائدين إلى منازلهم.. ولم يكن أحد منهم يعلم أن رجلًا واحدًا كان ينتظر مرورهم منذ ساعات.
وما إن وصل القطار إلى الجسر.. حتى خرج عن مساره في لحظة خاطفة.. فقفزت القاطرة إلى الفراغ.. وتبعتها العربات الواحدة تلو الأخرى.. وتحول الجسر خلال ثوانٍ إلى كتلة هائلة من الحديد الملتوي والخشب المحطم والزجاج المتناثر.. بينما تعالت صرخات الركاب من بين الأنقاض في مشهد وصفته الصحف آنذاك بأنه أقرب إلى ساحة حرب منه إلى حادث قطار.
أسفر الحادث عن مقتل أكثر من عشرين شخصًا وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة.. وامتلأت الصحف في صباح اليوم التالي بصور الحطام وأخبار الضحايا.. ولم تعد القضية مجرد حادث مأساوي.. بل أصبحت قضية رأي عام هزت المجر وأثارت قلقًا واسعًا في أوروبا كلها.
في البداية.. اعتقدت السلطات أن ما حدث قد يكون نتيجة عيب فني في الجسر.. أو خلل في السكة الحديد.. ثم ظهرت فرضيات أخرى. فقد كانت أوروبا تعيش آنذاك حالة من التوتر السياسي.. لذلك لم يستبعد بعض المسؤولين أن يكون الحادث عملًا تخريبيًا نفذته جماعة متطرفة أو جهة سياسية تسعى إلى نشر الفوضى.
لكن مع تقدم التحقيق.. بدأت الأدلة تشير إلى اتجاه مختلف تمامًا.
فآثار العبث بالقضبان لم تكن عشوائية.. بل كانت دقيقة ومنظمة.. ومن نفذها كان يعرف تمامًا ماذا يفعل.. ولم يكن هدفه تعطيل القطار.. بل إسقاطه بالكامل.
وهنا أدرك المحققون أنهم لا يطاردون مخربًا عاديًا.. ولا مجموعة إرهابية.. بل شخصًا واحدًا يملك صبرًا استثنائيًا.. ويستمتع بصناعة الكوارث.
ومنذ تلك الليلة.. بدأت واحدة من أغرب المطاردات الجنائية في أوروبا.. مطاردة رجل لم يكن يسرق.. ولم يكن يقتل بيده مباشرة.. لكنه كان يحول القطارات إلى توابيت متحركة.. ثم يختفي قبل أن يصل إليه أحد.
الرجل الذي كان يعود إلى مسرح الجريمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلما وقعت كارثة.. كانت الشرطة تبحث عن الجاني بين الهاربين. لكن سيلفستر ماتوشكا لم يكن يهرب دائمًا.. بل كان يعود. وهذه كانت واحدة من أكثر عاداته غرابة.. فقد كان يشعر بحاجة ملحة إلى مشاهدة ما صنعته يداه.. وكأنه يريد أن يتأكد بنفسه من أن المشهد الذي رسمه في خياله قد تحقق بالكامل.
كان يقف بين عشرات المتفرجين.. يراقب رجال الإنقاذ وهم يرفعون الأنقاض.. ويتابع الأطباء وهم ينقلون الجرحى.. ويصغي إلى أحاديث الناس عن هول الكارثة.. دون أن يخطر ببال أحد أن الرجل الهادئ الذي يقف بينهم هو السبب الحقيقي لكل ما يرونه.
ولم يكن يشارك في الإنقاذ كثيرًا.. ولم يحاول لفت الأنظار إليه.. بل كان يكتفي بالمراقبة. وكانت عيناه تتنقلان بين الحطام والوجوه المذعورة في هدوء أثار دهشة المحققين لاحقًا.. عندما أعادوا تركيب تحركاته ودراسة سلوكه بعد القبض عليه.
لقد كان يعيش الكارثة مرتين.. مرة وهو يخطط لها.. ومرة وهو يشاهد نتائجها.
ومع توسع التحقيق.. بدأ خبراء السكك الحديدية يراجعون مواقع الحوادث السابقة بدقة أكبر.. ولاحظوا أن أسلوب العبث بالقضبان يكاد يكون متطابقًا في أكثر من واقعة.. وأن منفذها يمتلك معرفة عملية بكيفية تثبيت القضبان والمسامير والوصلات المعدنية.. وهي تفاصيل لا يعرفها غالبًا إلا من تعامل مع الأعمال الهندسية أو الميكانيكية.
وفي الوقت نفسه.. بدأت الصحف تكتب عن “رجل القطارات المجنون”.. وتحولت القضية إلى حديث أوروبا. وأصبح كل حادث جديد يثير موجة من الذعر بين المسافرين.. حتى إن بعض الركاب صاروا ينظرون من نوافذ القطار إلى القضبان طوال الرحلة.. وكأنهم يبحثون بأعينهم عن الخطر القادم.
أما الشرطة.. فقد كانت تواجه مشكلة مختلفة.
لم تكن لديها بصمات.. ولا شهود رأوا الجاني وهو يعبث بالقضبان.. ولا دافع واضح يفسر اختيار الضحايا. فالمسافرون لم يكن بينهم رابط.. ولم يكن هناك شخص بعينه مستهدف.
ولهذا بدأ سؤال جديد يفرض نفسه على المحققين…
إذا لم يكن القاتل يكره ضحاياه…
فلماذا يقتلهم؟
كان هذا السؤال هو المفتاح الحقيقي لفهم شخصية سيلفستر ماتوشكا.. لأنه للمرة الأولى دفع المحققين إلى التوقف عن البحث في كيفية تنفيذ الجرائم.. والبدء في البحث عن السبب النفسي الذي يجعل إنسانًا يستمتع بتحويل رحلة عادية إلى مأساة جماعية.
ولم يكونوا يعلمون أن الإجابة عن هذا السؤال.. هي التي ستقودهم في النهاية إلى الرجل الذي ظل يختبئ في وضح النهار.
حين بدأ الأطباء يطاردون العقل لا الجسد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلما اتسعت دائرة التحقيق.. ازداد اقتناع الشرطة بأن الوسائل التقليدية لن تكون كافية. فالفاعل لا يترك وراءه أي وسيلة للتواصل مع الشرطة.. ولا يرسل تهديدات.. ولا يعلن عن دوافعه.. بل يختفي بعد كل كارثة وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته.
لكن شيئًا واحدًا كان يتكرر في جميع الحوادث. لم يكن اختيار المكان عشوائيًا.. ولم يكن التنفيذ انفعاليًا.. بل كان كل شيء يتم بهدوء وصبر ودقة تكاد تكون هندسية.
وهنا بدأ بعض الأطباء النفسيين الذين استعانت بهم السلطات يدرسون القضية من زاوية مختلفة.. فلم يسألوا: كيف خرج القطار عن القضبان؟.. بل سألوا: ما نوع الإنسان الذي يستطيع أن ينتظر ساعات في الظلام.. وهو يعلم أن عشرات الأبرياء سيمرون أمامه بعد قليل.. ثم يعود إلى منزله وكأن شيئًا لم يحدث؟
كانت الإجابة الأولى أن الجاني لا يبدو مدفوعًا بالكراهية الشخصية.. فلو كان ينتقم من فرد أو مؤسسة لاختار هدفًا محددًا.. لكنه كان يضرب قطارات مختلفة.. وركابًا لا يعرفهم.. وفي أوقات متباعدة.. وهذا يعني أن الضحايا لم يكونوا غايته الحقيقية.
أما غايته…
فكانت الكارثة نفسها.
ورأى الأطباء أن الرجل يعاني انحرافًا نفسيًا نادرًا يجعله يشعر بالإثارة والانفعال أمام مشاهد الدمار الجماعي.. وأنه لا يكتفي بتخيل تلك المشاهد.. بل يحتاج إلى رؤيتها بعينيه حتى يحقق حالة من الإشباع النفسي لا يستطيع الوصول إليها بأي وسيلة أخرى.
كما لفت انتباههم أمر آخر.. فالجاني كان يتحلى بصبر استثنائي.. إذ يستطيع الانتظار أيامًا وربما أسابيع لاختيار المكان المناسب.. ثم يغادر إذا لم تعجبه الظروف.. ويعود مرة أخرى دون أن يشعر بالتعجل.. وهو سلوك لا يصدر عن شخص مندفع.. بل عن رجل شديد الانضباط.. قادر على التحكم في انفعالاته إلى درجة مخيفة.
وأشار بعض الأطباء أيضًا إلى أن مرتكب هذه الجرائم على الأرجح يعيش حياة تبدو طبيعية أمام الناس.. لأن الشخص الذي يفقد السيطرة على نفسه تمامًا يصعب عليه إخفاء اضطرابه سنوات طويلة.. أما هذا الرجل فقد نجح في خداع كل من حوله.. وهو ما يدل على أنه كان يفصل بين حياته اليومية وعالمه الإجرامي بصورة مدهشة.
ورغم أن هذه التحليلات لم تمنح الشرطة اسمًا أو عنوانًا.. فإنها ضيقت دائرة البحث كثيرًا.. فلم يعودوا يطاردون مخربًا سياسيًا.. ولا عصابة منظمة.. بل أصبحوا يبحثون عن رجل هادئ.. منظم.. ذي معرفة تقنية.. يعيش حياة عادية.. بينما يخفي خلف مظهره شخصية مهووسة بالكوارث.
ولم يكن أحد يعلم أن هذا الوصف كان يقترب شيئًا فشيئًا من رجل ظل يتابع أخبار حوادث القطارات في الصحف كل صباح.. وكأنه مجرد قارئ عادي.
الرجل الذي خدع الشرطة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما سقط القطار من فوق جسر بياتورباغي.. تحولت المنطقة خلال دقائق إلى فوضى عارمة.. كان الجرحى يصرخون بين العربات المحطمة.. وفرق الإنقاذ تحاول انتشال من بقي على قيد الحياة.. بينما فرضت الشرطة طوقًا أمنيًا واسعًا حول موقع الكارثة.
وفي وسط ذلك المشهد.. كان رجل هادئ يقف بين الناجين. لم يكن يصرخ.. ولم يكن يبدو مذهولًا كما كان حال بقية الركاب.. بل كان يتأمل الحطام في صمت طويل.. وكأنه يراجع نتيجة تجربة انتهت لتوها.
كان ذلك الرجل هو سيلفستر ماتوشكا.
لكن أحدًا لم يكن يعرف اسمه بعد.
تقدم إلى رجال الشرطة وأخبرهم أنه كان أحد ركاب القطار.. وأنه نجا بأعجوبة بعد لحظات الرعب التي عاشها فوق الجسر.. وروى تفاصيل بدت منطقية.. فسجل المحققون أقواله كما سجلوا أقوال عشرات الناجين الآخرين.. ثم سمحوا له بالمغادرة.
ولم يكتفِ بذلك.. بل تقدم بعد أيام بطلب للحصول على تعويض باعتباره أحد ضحايا الحادث.. وأرفق بطلبه تقريرًا طبيًا يثبت إصابته.. حتى بدا في نظر الجميع مجرد رجل حالفه الحظ بالنجاة.
لكن شيئًا ما ظل يثير قلق المحققين.
فقد لاحظ بعض رجال الشرطة أن ذلك الرجل لم يتصرف كما يتصرف الناجون عادة.. فلم يكن منشغلًا بالمصابين.. ولا مذهولًا من هول الكارثة.. بل بدا شديد الاهتمام بمكان الحادث نفسه.. يراقب القضبان الملتوية والعربات المحطمة بنظرات أثارت الشك.. وكأنه يعرف مسبقًا ما الذي حدث هناك.
في البداية.. لم تكن تلك الملاحظات تكفي لتوجيه الاتهام إليه.. لكن مع استمرار التحقيق.. بدأت الأدلة تتجمع ببطء.
أكد خبراء السكك الحديدية أن الجسر لم ينهر بسبب عيب هندسي أو خلل فني.. وإنما نتيجة عملية تخريب متعمدة نُفذت بدقة على يد شخص يمتلك معرفة جيدة بالمنشآت الحديدية وطريقة إضعافها.
وفي الوقت نفسه.. بدأت الشرطة المجرية تتبادل المعلومات مع سلطات النمسا وألمانيا.. فظهرت بلاغات قديمة عن رجل شوهد أكثر من مرة بالقرب من خطوط السكك الحديدية قبل وقوع حوادث مشابهة.. وكان الوصف يتكرر بصورة لافتة.. رجل أنيق.. كثير السفر.. ويُبدي اهتمامًا غير مألوف بحوادث القطارات.
ومع مراجعة سجلات السفر.. وبيانات الفنادق.. وأقوال الشهود.. بدأ اسم واحد يتكرر أمام المحققين.
سيلفستر ماتوشكا.
ومنذ تلك اللحظة.. لم يعد مجرد شاهد أو ناجٍ من الحادث.. بل أصبح المشتبه به الأول.
لكن رجال الشرطة لم يتعجلوا القبض عليه.. فقد أدركوا أن الشك وحده لا يصنع قضية.. وأن خطأً واحدًا قد يمنح الرجل فرصة للإفلات.. لذلك بدأوا في إحكام الدائرة حوله خطوة بعد أخرى.. ولم يعودوا يبحثون عن مشتبه به.. بل عن الدليل الأخير الذي يحول الشك إلى يقين.
استخرج المحققون إذنًا بتفتيش منزله.. ووسعوا دائرة التحقيق لتشمل زوجته وعددًا من شركائه ومعارفه.. وهناك بدأت الصورة تتضح أكثر فأكثر.
فعثروا داخل المنزل على أدوات معدنية ومعدات يمكن استخدامها في تنفيذ أعمال التخريب.. كما كشفت التحقيقات أنه اشترى في فترات سابقة مواد وأدوات تدخل في تجهيز العبوات وأعمال التفجير.. وعثروا على ملاحظات ورسومات تتعلق بخطوط السكك الحديدية.. إضافة إلى وثائق أثبتت وجوده في مناطق شهدت حوادث مشابهة قبل وقوعها بفترة قصيرة.
لم يكن أي دليل من هذه الأدلة كافيًا وحده لإدانته.. لكن اجتماعها جميعًا رسم صورة يصعب إنكارها.
الرجل الذي بكى مع الناجين.. ووقف بينهم يروي كيف أفلت من الموت.. كان في الحقيقة هو الرجل الذي أرسلهم جميعًا إلى حافة الموت.
عندها.. لم يعد هناك مبرر للتردد.
وفي السابع من أكتوبر عام 1931.. أصدرت السلطات أمرًا بالقبض عليه.. وتحرك رجال الشرطة إلى مدينة فيينا حيث كان يقيم.
وصل الضباط إلى مقر إقامته في هدوء.. وطرقوا الباب دون ضجيج.. وما إن فتح ماتوشكا الباب حتى وجد رجال الشرطة يقفون أمامه.
لم يحاول الهرب.
ولم يقاوم.
بل نظر إليهم بهدوء غريب.. ثم سأل بصوت منخفض:
“هل يتعلق الأمر بحادث القطار؟”
اقتاده الضباط إلى مقر التحقيق.. وهناك بدأ استجواب استمر ساعات طويلة.
في البداية.. أنكر كل شيء.. وأصر على أنه مجرد راكب نجا من الكارثة.. وأن وجوده في أماكن الحوادث لم يكن سوى مصادفات لا أكثر.
لكن المحققين لم يعتمدوا على الشكوك أو الحدس.
فقد وضعوا أمامه سجلات سفره.. ثم واجهوه بأقوال الشهود.. ثم بالأدلة التي ضُبطت داخل منزله.. وبسجلات شراء المواد والأدوات.. وبالتناقضات المتكررة في رواياته.
ومع كل سؤال.. كانت دائرة الإنكار تضيق أكثر.
ومع كل دليل جديد.. كانت قصته تتهاوى قطعة بعد أخرى.
وعندما أدرك أن جميع الطرق المؤدية إلى الإنكار قد أُغلقت.. لم يعد السؤال المطروح أمامه: هل ستثبت الشرطة أنه الفاعل؟.. بل: لماذا أقدم على كل ذلك؟
وكان هذا السؤال بالذات هو الذي سيقود المحققين إلى اكتشاف الحقيقة الأكثر غرابة في القضية كلها.. حقيقة رجل لم يكن يرى نفسه قاتلًا.. بل صاحب رسالة يؤمن أنه خُلق لتنفيذها مهما كان الثمن.
حين جلس الجنون أمام المحكمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما بدأت جلسات محاكمة سيلفستر ماتوشكا.. امتلأت قاعة المحكمة بالصحفيين ورجال الشرطة وذوي الضحايا.. فقد أراد الجميع أن يرى الوجه الحقيقي للرجل الذي حوّل رحلات القطارات الهادئة إلى مآسٍ جماعية.
لكن أول ما أثار دهشة الحاضرين.. أنه لم يكن يشبه الصورة التي رسمتها الصحف لمجرم خطير. دخل القاعة بهدوء.. مرتديًا ملابس مرتبة.. وتحرك بخطوات ثابتة.. ثم جلس في مكانه دون أن تبدو عليه علامات الخوف أو الندم. كان يتابع ما يدور حوله باهتمام.. وكأنه أحد الحاضرين لا المتهم الرئيسي.
وخلال جلسات الاستماع.. عرض الادعاء تفاصيل الحوادث.. وصور العربات المحطمة.. وتقارير الأطباء.. وأقوال الناجين.. بينما وقف الشهود يروون اللحظات التي تحولت فيها رحلاتهم العادية إلى كابوس لا يُنسى.
أما ماتوشكا.. فبقي محافظًا على هدوئه. ولم يكن ينكر وقوع الجرائم.. لكنه حاول أن يفسرها بطريقة بدت صادمة لكل من استمع إليه.
فقد زعم أن قوة غامضة كانت تدفعه إلى تنفيذ ما فعل.. وأنه كان يشعر برغبة لا يستطيع مقاومتها كلما رأى قطارًا يقترب.. وكأن هناك صوتًا داخليًا يأمره بإحداث الكارثة.
ولم يقتنع الادعاء بهذه التبريرات.. لكن المحكمة أمرت بإخضاعه لسلسلة طويلة من الفحوص النفسية. جلس الأطباء معه لساعات طويلة.. وراجعوا تاريخه الشخصي.. وحاولوا فهم العلاقة الغريبة بينه وبين حوادث القطارات.
وانتهى عدد منهم إلى أنه كان يعاني اضطرابًا نفسيًا عميقًا.. وأنه كان يحصل على متعة وانفعال شديدين من مشاهدة الكوارث الجماعية.. وهي حالة نادرة جعلت بعض التقارير الطبية تصفه بأنه شخص فقد القدرة على التعاطف مع ضحاياه.. ولم يعد ينظر إليهم باعتبارهم بشرًا.. بل باعتبارهم جزءًا من المشهد الذي يسعى إلى صناعته.
لكنهم أكدوا في الوقت نفسه أنه كان يدرك طبيعة أفعاله.. ويخطط لها بعناية.. ويعرف النتائج التي ستترتب عليها.
ولهذا.. لم يكن السؤال المطروح أمام المحكمة هو: هل ارتكب الجرائم؟.. بل كان السؤال الأصعب: إلى أي مدى كان مسؤولًا عنها وهو يعاني هذا الاضطراب النفسي؟
جرت محاكمة سيلفستر ماتوشكا في فيينا بالنمسا.. حيث واجه القضاء بسبب تفجير القطار الذي أودى بحياة الضحايا.. وبعد مداولات طويلة.. صدر بحقه في البداية حكم بالإعدام.. لكن تنفيذ الحكم لم يتم.. إذ حالت ترتيبات قانونية بين السلطات النمساوية والمجرية وبين تنفيذ العقوبة القصوى.. كما أثارت حالته النفسية جدلًا واسعًا بين الأطباء والقضاة.. لذلك خُفف الحكم لاحقًا إلى السجن المؤبد.. ليقضي سنوات خلف القضبان بدلًا من مواجهة حبل المشنقة.. ثم سُلّم لاحقًا إلى المجر لمواجهة القضايا الأخرى المرتبطة بتفجيرات القطارات التي ارتكبها هناك.
وبذلك انتهت القضية من الناحية القضائية.. لكن النقاش العلمي حول شخصيته لم ينتهِ. فقد تحولت حالته إلى مادة درسها الأطباء النفسيون وعلماء الجريمة سنوات طويلة.. لأنها كشفت أن بعض أخطر المجرمين لا تدفعهم الكراهية.. ولا الطمع.. ولا الانتقام.. بل رغبة مرضية في رؤية الدمار نفسه.
أما نهاية سيلفستر ماتوشكا.. فبقيت واحدة من أكثر الألغاز غموضًا في القضية.. فبعد سنوات طويلة خلف القضبان عقب الحكم عليه بالسجن المؤبد.. جاءت نهاية الحرب العالمية الثانية لتفتح فصلًا جديدًا في قصته.. ففي عام 1945.. وبينما كانت المجر تعيش حالة من الفوضى مع اقتراب القوات السوفيتية وانهيار النظام القديم.. غادر ماتوشكا سجن فاك في ظروف لم تُعرف تفاصيلها حتى اليوم.. ولم يُحسم بشكل قاطع هل تمكن من الفرار وسط الفوضى التي اجتاحت البلاد.. أم أن انهيار النظام داخل السجن سمح بخروجه مع بقية السجناء.
ومنذ تلك اللحظة.. اختفى أثر الرجل الذي جعل القطارات تتحول إلى أدوات للموت.. فلا أحد يعرف أين ذهب.. ولا كيف انتهت حياته.. وكأن التاريخ رفض أن يمنحه نهاية واضحة.. وترك خلفه سؤالًا أخيرًا بلا إجابة: هل مات الهارب في مكان مجهول.. أم عاش بقية حياته متخفيًا بعيدًا عن أعين العالم؟
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
يقول المثل الشعبي المصري( ضربتين في الرأس توجع)وخلال هذا الأسبوع عشت هذا المثل بكل تفاصيله.. انتابتني نفس المشاعر التي لا بد أنها اجتاحت زوجة سيلفستر ماتوشكا وأولاده وأصدقاءه وجيرانه وهم يتلقون خبر القبض عليه بتهمة أنه مفجر القطارات المجنون.. لا يصدقون ما يسمعون من اتهامات وجهت إليه.. ينظر بعضهم إلى بعض في ذهول ويضربون كفا بكف مرددين مستحيل… ليس هذا الرجل الذي نعرفه!
فقد تلقيت انا أيضا ضربتين متتاليتين فى الرأس مازالت اترنح بسببهما!
الانسان مخيف جدا فقد يخفي بداخله امورا لو اطلع عليها من حوله لولوا منه فرارا ولامتلأت قلوبهم منه رعبا..فالانسان قد يحمل داخله اسرارا لو كشفت لتبدلت صورته تماما في اعين من حوله ؟
الضربة الاولى: أننى منذ ايام اكتشفت واحدا من هؤلاء لكن ليس قاتلا ولا مجرما بل رجلا عاش بيننا بوجه لم يشك احد يوما انه يخفي وراءه وجها اخر
كان جارا لنا على المعاش طيب السيرة محبوبا من الجميع يبدأ يومه بصلاة الفجر ثم يجلس في الفراندة يتناول افطاره مع زوجته التي كان يصفها دائما بانها (ست الستات ) نادرا ما يترك المنزل.. واذا فرض ونزل جلس امام احد المحال ليتبادل التحية مع المارة..و لم يكد يخلو حديثه من الثناء عليها ويكرر دائما انها نعمة من الله وانه لا يعرف للحياة طعما بدونها
ثم رحل الرجل رحمه الله الاسبوع الماضى.. وأثناء العزاء وبينما كان السرادق يعج بالمواسين دخلت سيدة ترتدي السواد وبصحبتها طفلة فتقدم اليها شقيق المتوفى وسألها (حضرتك تبقى مين)
فاجابت بهدوء(أنا مراته التانية ودة بنته)
ساد صمت ثقيل وكأن الزمن توقف للحظات وتبادل الواقفون النظرات في ذهول غير مصدقين ما سمعوه ..لكن المفاجأة الاكبر لم تكن وجود زوجة ثانية فقط…بل انها كانت تسكن على بعد شارعين فقط من منزله! وهنا بدأت الاسئلة تتزاحم في العقول متى تزوج وكيف انجب طفلة؟ ومتى كان يجد الوقت ليعيش حياة كاملة اخرى بينما كنا نراه كل يوم في المكان نفسه وبالروتين نفسه ومع الزوجة التي لم يتوقف لحظة عن مدحها والثناء عليها!
اسئلة لم نعرف لها إجابة ابدا؟
الضربة الثانية تجاوزت شارعنا بل تجاوزت الإسكندرية كلها لتنتشر كالنار فى الهشيم ..فمنذ سنوات كنت أعرف معرفة سطحية إحدى المحاميات بحكم عملنا فى مكان واحد..نتصادف داخل اروقة المحاكم احيانا…نتجاور داخل احدى القاعات أحيانا…بيننا صديقات مشتركات.. كانت تتحدث دائما عن حقوق المرأة والطفل وتشارك فى الندوات ولها عدة لقاءات على الفضائيات..تدافع فيها عن قيم الرحمة والانسانية… أبدا ابدا لم يمر بخاطري ان يرتبط إسمها يوما بجريمة قتل تقشعر لها الأبدان..قتل من؟ قتل امها! السيدة المسنة مريضة الزهايمر والخرف! قتلت أمها خنقا..ثم جلبت سكين المطبخ والمقص وقطعت جثمانها اربا..جريمة تهز اركانك هزا…جريمة لم يكن السؤال فيها كيف ارتكبتها بقدر ما كان كيف يمكن ان يجتمع داخل إنسان واحد كل هذا التناقض؟ ابيض وأسود… رحمة وقسوة…حق وظلم.. إنسانية ووحشية؟
تلك الضربات تذكرنا بحقيقة مخيفة وهي اننا لا نعرف الناس كما نظن فما نراه ليس الا الجزء الظاهر من حياتهم اما ما يختبئ خلف الابواب المغلقة فقد يكون قصة اخرى بالكامل قصة لم يكن احد يتخيل انها موجودة اصلا!
أن يأتي هذا المقال عن سيلفستر ماتوشكا في هذا التوقيت فهو حقا من أغرب المصادفات! فما إن قرأته حتى وجدت نفسي أسترجع أحداث هذا الأسبوع…وكأن الواقع قرر أن يقدم لي أمثلة حية على الفكرة نفسها.. لقد عشت خلال أيام قليلة مواقف جعلتني أشعر بما شعر به المقربين من سيلفستر لحظة اكتشفوا أن الرجل الذي عرفوه سنوات طويلة لم يكن هو الرجل الذي كانوا يظنون…انا حاليا ينطبق على اغنية الست إليسا (مصدومة بجد ومش بنطق ولا عارفة أرد) تأثير الضربتان وتلك المصادفة العجيبة لنشر المقال.
تفوقت على نفسك في هذا المقال.. واضح أن مودك كان في أعلى مستوياته.. فخرج النص مختلفا ومليئا بالتفاصيل و الأحداث 🌹
دمت كما أنت 🌹
سلام 🌹
حقيقة صدمة مفزعة لابنة تقتل من تتمنى لها السعادة ومن ضحت لاجلها، قمة العقوق وكفر النعمة.
واعتب عليك كيف تجمعين بين هذه المأسها وبين رجل يحترم زوجته ويصون خاطرها ويحافظ على صلاته ويحترم جيران وذنبه فقط انه رجل يريد زوجة اخرى دون ان يكدر خاطر زوجته الاولى هناك موازين مقلوبة في بيئتك أثرت على نظرتك له و مهما كانت المبررات فالزوجة الثانية ليست عيبا ولا جريمة إنما العيب والجريمة في الزنا والخنا والفجور.
وبالرجوع لصلب الموضوع فإن قصة هذا الشخص مفجر القطارات من اعجب واغرب القصص وهي من حيث عدم التوقه تشبة قصة الرجل الطيب الهادئ ذو الوظيفة المرموقة جدا والذي يثق به جيرانه ثم في يوم واحد يقتل عائلته واطفالة ويظهر انه مجرد مجرم عاطل مخادع في قصة سردها الاستاذ اياد عطار بعنوان (طريق الاوهام الى أين)
موازيني ليست مقلوبة كما تظن بل قراءتك للتعليق هي التي كانت بعيدة عن فكرته!
يبدو انك قرأت ما اردت ان تقرأه ولم تقرأ ما كتبته!
انا لم اساو بين الجريمتين ولم اقل ان الزواج الثاني جريمة ولا اعترضت على التعدد من الاساس فهذه استنتاجات صنعتها انت ثم بدأت تناقشها.
حديثي عن الجار لم يكن عن حكم التعدد بل عن المفاجأة التي عاشها كل من حوله حين اكتشفوا انه كان يعيش حياة كاملة اخرى لم يعلم بها حتى اقرب الناس اليه!ولو كان الرجل قد اعلن زواجه الثاني منذ البداية لما ذكرته في تعليقى من الاساس.
اما المحامية فكانت مثالا اخر على انهيار الصورة الذهنية ولكن في صورة اكثر بشاعة
القاسم المشترك بين القصتين ليس الحكم الاخلاقي ولا المقارنة بينهما بل الفكرة التي يدور حولها المقال وهي ان الانسان قد يخفي جانبا من حياته او شخصيته لا يتوقعه من حوله
لذلك ارجو ان تناقش ما كتبته لا ما تخيلت انني كتبته.
تحياتى أخى بدر.
لاحظنا من خلال عدد 2 مقال الاخيرين ان اسلوبك تطور وفعلا اصبح كما كان في التعريف وانت تعرف عن نفسك قبل هذين المقالين
لذلك تستحق الشكر
وعلى العموم مواضيعك كلها جميلة وشيقة من خلال متابعتي لك ردح طويل من الزمن
إبداع من إبداعات الأستاذ باسم الصعيدي ،، شكرا لك على هذا السرد الرائع
هذا المقال جعلني انظر الى محطات القطارات بعين مختلفة .. وحعلني أدرك أن الإجراءات الأمنية التي نراها اليوم لم تظهر من فراغ.. بل منه ومن غيره .. والمفارقة أن سليفستر كشف .. من حيث لا يدري .. عن ضعف هذه المنشآت في ذلك الوقت .. صدقا لولا جرائمه لما أدرك أحدا أنه هذه السكك تحتاج إلى حماية تفوق حماية البنوك بكثييييير.. شكرا لك على هذا المقال المثير كالعادة .. وننتظر جديدك ..
مقال فريد وجديد تمنيت لو ذكرت تفاصيل واضحة عن اعماله التخريبة فتفجير القطارت لم يذكر عنه اي معلومة وتخريب السكك غامض وكذا تنقلاته اسماء المدن والقطارات والنقول والمحادثات التي تزيد المقال اشراق، تمنيت لو كان التكرار اقل فمايطرب في الاول يمج في المرة الثالثة،( إيضا هدوء وبكاء مع الناجين) هنا تناقض واضح
ومع ذلك المقال جميل رغم الجو المبهم
شكرا باسم الصعدي🌿
أرجوا نشر تعليقي السابق فإنه نافع للمقال بذكر مهنة المجرم.
المقال مكتوب بأسلوب مشوق وسلس، سلمت أناملك،
والغريبة أنه كان سيلفستر ماتوشكا رجل أعمال وتاجرا ومقاولاً، حيث عمل في التجارة العامة والأعمال الخاصة، وامتلك عقارات واستثمارات، كما خدم سابقًا كضابط في الجيش المجري خلال الحرب العالمية الأولى (وهو ما أكسبه خبرة التعامل مع المواد التفجيرية والميكانيكا).
يعني ليس إنسان فاشل أو حالته الإجتماعية متعبة كان بنظر الناس إنسان ناجح صاحب مهنة على ما يقولون.
الـسـلامُ على عُمّارِ مملكةِ الأدب..
للحروفِ أوطانٌ، كما للطيورِ أوكارٌ…
فما جُبلتِ الأقلامُ على إنكارِ أولِ محابرِها…
وما كانتِ الشهورُ إلا دهورًا في عينِ كلِّ مشتاقٍ.
وبعدُ، فإنَّ للحروفِ مواسمَ، وقد آنَ أوانُ قطافِها.
فطوبى لِمَن أينعت في مملكتهِ فراديسُ مونقةٌ..
وإن نأيتُ عن مواسمِها، فما نأتْ عنّي منازلُها…
فلا بُد لنا من لقاءٍ قريبٍ مأذونٍ ميمون..
لِنقطف المَعانيَ ، ونضُمّ أكاليلَ….
مِن الجَمالِ والسِّحرِ والبَيانِ…
إلى مَدائنِ الرُوحِ…
إِن شاءَ اللهُ…
عِطرُ الورد…
سلامٌ وحبٌّ ورَوْحٌ تحفُّ بكِ بلا نهايةٍ..
وها قد ردَّ اللهُ للقاء موعدَه، يا ملاذَ القلب..
لن أسألُ عن حالِكِ، فالقلبُ يعرفُ موطنَه ومسكنهُ
ولكن ..لا تزالُ الروحُ تستروحُ حديثَ من تهوى.
فقد أنحنت أغصانُ الشـوقِ المتـدلّيةُ إليكِ…
أما عني، فمستقرِّي بينَ السّؤالِ واليقينِ…
مُبحِرةً، في رحلةٍ لا تنتهي…
وما غابَ عنكِ مهوى روحي…
وربما دارَ في خلدِكِ ما كانَ مكنونًا…
أبشركِ، بعدَ طولِ ارتيادٍ في دروبِ البحث..
وأشهرٍ قضيتُها أفتّشُ عن أثرِ الكتابِ المفقودِ..
قد ظفرتُ به؛ كأنّ الزمانَ والمكانَ قد طُويَا بيننا.
فإذا هو أعظمُ ممّا توهّمتُ،وأبعدُ غورًا ممّا حسبتُ؛
سرٌّ مصون جرى على مسامعِ سبعةٍ من السفراءِ…
فلعلَّ الله يفتحُ من خزائنِ العلمِ ما يتحمله فؤادي
فما كلُّ من حملَ سِفرًا بلغَ مقامَ العارفين. تعلمينَ
مكثتُ مليًا أتساءلُ وأتأملُ وأستقرئُ.. أيُ عقلٍ
يبلغُ أن عِظمَ الأسرارِ تستترُ بصغَرِ المخابئ..!
..فسُبحان مَن أودعَ في ذرةِ الرّملِ ما
عَجزت عن حملهِ الأسفارُ والقلَمُ والهممُ.
فما في الوجودِ ذرَّةٌ إلا وفيها نفحةٌ
من نورِ الخَظمِ العظيم…
أنتَ أدرى أهلِ القربِ بخفايا غيابي..
وأبصرُهُم بمَواقيتِ الأقدارِ… وبصراحةٍ أخبرُكِ
قد أيقنتُ أنّ ديدنَ وصالِنا التورُّدُ والعطرُ الزنبقيّ.
فاستبقي عودتي ببِشرِ طلعتِكِ،وانثري من بهائِكِ.
وتذكّري….مهما ادلهمَّت رياحُ البُعد، فسوف تميلُ
أعنَاقُ الياسَمينِ لتعانقُ بعضها…للقاءِ.
باسم الصعيدي..
السَّلامُ على فارسِ القلم…
صاحبِ القلم السيَال، المُلهَم، الوقّاد…
الذي فاضَ جمالاً، ورونقًا، وبيانًا، بمدادٍ موصولٍ.
وأما عن سخائكَ….فالشكرُ يضيقُ عن فضائلِكَ..
بلغتني عنايتُكَ بسؤالك، فلكَ عليها موفورُ الشكر..
فلا يفتقدُ الأحبابَ إلا الأحبابُ. لا أزالُ ،وسأكونُ
بخيرٍ….ولولا انشغالي الفترة الماضية واستغراقي
بما عقدتُ عليه العزمَ، لكان لقاؤنا سبقَ هذا اليوم.
ولكنكَ تعلمُ..أنّ للأقدارِ امتدادًا لا يملكُ المرءُ معهُ
إلّا لرّضا والتسليمَ والصبرَ لقضاءِ الأقدارِ. وبصدقٍ
ما رأيتُ مقامًا أكرمَ من مقامِكَ أُطلُّ منه بالسلام
فإذا آنَ للوردِ أن يُودع غُصنَه، اصطفى أن تكونَ
عتبتُكَ مهبطَ بتلاتِه. فـ سلامًا ووِئامًا وغيثًا
ورغدًا يحفُ بك حتّى …ألقاكَ.
.
.
.
والسَّــلامُ.
تعليقك -ما شاء الله- وكأنه قادم من زمن أخر .. أنت تجعلين القارئ ينسى أنه في قسم التعليقات ويشعر أنه يتصفح كتاب قديم .. تتمتّعين بقدرة رهيبة على تطويع اللغة بهذا الجمال وعلى أن تجعلي لكل عبارة روحا وصورة .. فيالها من لغة عذبة بحق 🌹..
سلمت اناملك .. واهلا بعودتك بين أهل القلم والكلمة ✍..