عـالم الأقــزام
لعل أول معرفتي بعالم الأقزام كانت من خلال الفيلم الكرتوني (سنو وايت و الاقزام السبعة) ، و كنت أظنها حياةً هانئة ، و لكن و كما يقول نجيب محفوظ : (مهما كان الخيال جميل يغتاله قبح الواقع) ، فحياة القزم السعيدة ما هي إلا أكذوبة أصلاً و فصلاً و فرعاً و جذراً .
أن تولد قزماً في هذا العالم لهو أمر يدعو إلى الإحباط و اليأس ، قد يدفع أصحابه إلى عدم مبارحة مساكنهم تجنباً لتلك النظرات النارية عديمة الذوق التي يطلقها البعض كسهام حارقة على صغار القامة كما أحب أن أدعوهم ، بل قد تدفعهم دفعاً للانتحار ، فالإنسان بطبعه عنصري ، و ما إن يرى أمامه من هو مختلف عنه في المظهر أو العقيدة أو غيرهما حتى يبدأ بشحذ أسلحته و وضعه في خانة المنبوذين ، و يقع الذنب الأكبر في هذا الشأن على كيفية تجسيد السينما لتلك الفئة كما لو كانوا قد خلقوا لا لشيء إلا لإضحاك الناس كمهرجين بعروض السيرك ! مع أنهم في الحقيقة بشر مثلي و مثلك .. بل قد يكونوا أفضل .
و القزمية هي حالة مرضية تنتج عن خلل هرموني في الغدد النخامية الموجودة أسفل الدماغ تمنع نمو القامة لأكثر من 130 سم .
نماذج من عالم الأقزام
القزم الجاسوس :
![]() |
| ريتشبورج .. اقصر جاسوس في العالم بحسب موسوعة غينيس |
قامت الثورة الفرنسية نتيجة معاناة العامة من الضرائب الباهظة ، بينما كان رجال الدين و الطبقة الارستقراطية ينعمون بالامتيازات ، و يحلون ضيوفاً على موائد الملك و الملكة العامرة ، في الوقت الذي لا يجد رجل الشارع المحتقر ما يسد جوعه !
أثناء أحداث تلك الثورة ظهر (ريتشبورج) .. و هو قزم لا يتعدى طوله 58 سم ، كان يقوم بدور الجاسوس لصالح رجال الثورة ، كان يسير بجوار سيدة و كأنه طفلها ، و قد ساعده صغر حجمه على إتقان دور الطفل .. و تميز (ريتشبورج) بذاكرة فولاذية مكّنته من حفظ كم هائل من المعلومات التي كانت سبباً مباشراً لنجاح الثورة ، و يقال أنه ساهم في الإمساك بالملك لويس السادس أثناء محاولة فراره خارج باريس ، حيث تم التعرف عليه هو و زوجته و اقتيدا إلى شوارع باريس داخل عربة مكشوفة ليلقي عليهما العامة كل ما طالته أياديهم من فضلات ، و قد توفى (ريتشبورج) عن عمر يناهز 90 عاماً في سنة 1858 ، بعد أن قدم خدمات لبلاده يعجز طوال القامة على تقديمها ..
القزمة اللصة :
![]() |
| مثلت دور الطفلة مع انها امرأة جاوزت الاربعين من العمر |
المرأة ذات الأربع أرجل (لويزا) ، و الرجل ذو الثلاث أرجل (فرانشيسكو لينتيني) ، و المرأة الذئب .. كل هؤلاء عملوا جنباً إلى جنب مع كثير من الأقزام لتقديم عروض داخل السيرك ، و منهم تلك القزمة التي تدعي (استيلا رايدلي) ..
في عام 1870 تعرف عليها أحد اللصوص ، و على الرغم من أن عمرها في هذا الوقت كان يتعدى 40 عاماً إلا أن هذا اللص نجح في تغير مظهرها لتبدو كما لو كانت طفلة لا تتعدى العاشرة ، و لتقوم بنقل المجوهرات المسروقة داخل دمية زجاجية كانت تحملها أثناء عبورها نقاط التفتيش ، تطورت العلاقة بينهما إلى علاقة عاطفية حتى نشبت الخلافات بين العاشقين ، قام على إثرها اللص بإبلاغ السلطات عنها ، و عند تفتيش الدمية عثر رجال الأمن على ثروة من المجوهرات ، قدمت للمحاكمة و حكم عليها بالسجن لمدة عشرين عاماً ، و قد ماتت وحيدة داخل زنزانتها .
القزم الموسيقار :
![]() |
| ماثيو باشينجر كان بلا كفين وبلا قدمين |
يعد الموسيقار (ماثيو باشينجر) من أشهر الأقزام ، نظراً لعبقريته الموسيقية ، فعلى الرغم من أن لا كفّين له بذراعه ، إلا أنه كان و بحق أبرع العازفين على آلة (الترومبيت) .. إذا أراد أن يعزف وضعه الحضور على مائدة حتى يتمكن من ذلك ، فجسده خالي من الساقين ، و قد تزوج الموسيقار القزم عدة مرات و أنجب عشرات الأبناء .
القزم رئيس الوزراء :
![]() |
| بدأ حياته كمهرج وانتهى كرئيس وزراء |
في القرن التاسع عشر كان هناك رجلاً يعد أعجوبة هذا العصر يدعي (برث هولد) ، كان قزماً مخيف الشكل ، نشأ في أسرة معدمة ، بدأ حياته كمهرج في البلاط الملكى لمملكة (لومباردي) و هي إحدى ممالك شمال إيطاليا ، و تدرّج في المناصب حتى استطاع أن يصل لمنصب رئيس الوزراء ، الغريب في الأمر أن برث هذا ولد إنساناً طبيعياً ، و نتيجةً لسببٍ مجهول تغيرت ملامحه و تشوهت ، و يقال أنه كان ضحية أحد المنظمات السرية التي تعمل على صناعة الأقزام و تشوية الأشكال ! و قد كان هذا العمل تجارة رائجة في ذلك الوقت ، و تدر ربحاً وفيراً على أصحابها !
نعم عزيزي القارئ .. فقد شاعت تلك الصناعة في هذا الزمان بهدف خلق مخلوقات مشوهة و مسوخ لبيعها للراغبين .. و ما أكثرهم ، و كانت لهم أسواق بجوار الجواري الحسان و العبيد يتهافت رجال البلاط على اقتنائها للترويح عنهم كمهرجين ، و كانت تلك الصناعة تتم عن طريق وضع الأطفال حديثي الولادة ما عدا الرأس داخل صندوق خشبي صغير يضغط على عظامهم أو داخل وعاء زجاجي يسمى (تشينج) ، و لا يقدم لهم إلا القليل من الطعام لمنع نموهم الطبيعي ، و يظلوا على هذا النحو حتى سن العشرين ، و عند إتمام المهمة و إحداث التشويه المطلوب يفتح بعدها الصندوق و يعرض للبيع بعد أن يدّعي هؤلاء الوحوش أنهم وجدوا هذا المسخ داخل الغابات ، فيتهافت عليه المشترين ..
![]() |
| هناك طرق معروفة لتشكيل جسد الانسان عن طريق وضعه في قالب منذ الصغر |
و كان السوق الذي تعرض فيه تلك المخلوقات تسمى (فيو رم مورينيوم) ، و كلما زاد التشوه و القبح كلما زاد الثمن و الربح ، و بجانب تلك الصناعة كان هناك صناعة مزج الإنسان بالحيوان ! و كان ذلك يتم باختطاف الأطفال و إخضاعهم لتجارب و عمليات يقومون خلالها باقتطاع جلودهم جزء بعد جزء ثم استبدالها بجلود الحيوانات ، و غالبا كانت جلود الكلاب !
و هناك أيضاً (الديك الإنسان) .. و كان ذلك يتم بأبشع الأساليب ، حيث تجري عملية للقصبة الهوائية للطفل ، لا يستطيع بعدها الحديث كالبشر ، و كل ما يصدر منه أصوات تشبه صياح الديكة !
و أرجوا عزيزي القارئ ألا تلقي باللوم على تلك العصور ، لأن عصرنا الرشيد الرغيد يشهد حالات مماثلة … فهناك مافيا و منظمات سرية تقوم بخطف الأطفال و إحداث تشوهات بهم كقطع الأطراف و فقئ العين من أجل جلب شفقة المارة تحت مرأى و سمع أجهزة الدولة و المواطنين !
الخاتمة :
![]() |
| تمثال سنيت وزوجته |
أتعجب كثيراً عندما أجد قيماً و خُلُقاً كانت سائدة في حضارات قديمة دفنت و اندثرت الآن ، فقصار القامة في الحضارة الفرعونية كانوا محل تقدير و احترام من الجميع ، لم يكونوا يعاملوا معاملة خاصة فهم كأي إنسان طبيعي ، عملهم هو ما يحدد وضعهم داخل الهرم الطبقي لهذا المجتمع ، بل أن بعضهم وصل إلى مراتب مرموقة مثل (سنيت) الذي كان يعد أهم رجال البلاط بالأسرة الخامسة و تزوج هذا الوزير من امرأة ذات بنية عادية ، و بنيت مقبرته الفخمة بجوار هرم خوفو ، و يعد هذا قمة التبجيل و الاحترام الذي لا يحظى به إلا القليلون .
نعم لدينا دساتير و قوانين تنص على أننا سواسية ، و أنه لا فرق بين قصير القامة و طويلها و لكنها لا تساوي حتى ثمن الحبر الذي كتبت به ، حاول أحد الأقزام في مصر أن يحصل على أبسط الحقوق و هو استخراج رخصة قيادة بعد أن أستدان والده من الجميع ليحصل ابنه على سيارة معدلة لتناسب ظروفه الجسدية ليجنبه نظرات الناس في وسائل المواصلات فما كان من الجهات المسئولة إلا الرفض ! متعللة بحجج واهية لا تنطلي على طفل صغير !
دخلت إحدى المعلمات – و كانت في شهور حملها الأولى – الفصل ، فوجدت أحد قصار القامة يجلس في الصفوف الأمامية ، هل تعلم عزيزي القارئ ماذا قالت لهذا الصغير : (أرجع ورى عشان مجبش عيل زيك) ، و من يومها و هذا المسكين لم يطأ أرض المدرسة ! إذا كان هذا هو حال مربية النشئ المتعلمة ، فتصوروا معي كيف سيكون حال رجل الشارع !
سلام
مصادر :
– ويكيبيديا
– كتاب غرائب و أسرار من كل الديار
– كتاب أغرب من الخيال

إن العنصرية هي أهل طريقة لصنع المجرمين أو المتنمرين على الأقل.
الدكتوره
طوال القامه دائماً في محل لسخريه ،فلذا انا ارحمهم لما ارهم يعانون من غيرهم،لاتتهجمي عليهم هكذا وكأنهم قد اخطؤا بحقك،هناك القصار اشد شراً،وهناك القصار معروفين بالخير،وهذا ايضاً ينطبق على الطوال ،هل فهمتي.
الخير و الشر من أعمال الإنسان لا دخل له بأي شيء أعطانا الله كالطول و اللون و غيره من نعم الله، فالنعم و الإبتلاء يشمل كل البشرية و أعمال الإنسان مرتبطة بالنية.
تسلمي
القصر ليس في القامة إنما في قصر النظر ورؤية ماتحت الأقدام فقط ، ان تكون طويلا في نظري هو ان تكون بعيد النظر تقدر العواقب وتقراء المستقبل بصورة جيدة وصاحب حكمة ورأي سديد ، وما فائدة ان يكون الشخص طوييييييل وفي عقله نقص ويحتقر من هم اقل منه بسنتيمترات !! ولا يحترم الاختلاف الذي اوجده الله بين البشر لحكمة لايعلمها إلا هو ،
العلم يمضي قدما نحو حل مشكلة قصر القامة وتقريبا وجدت حلول مجدية ، المشكلة الان في طوال القامة فقد يصبحون هم في المستقبل القريب محل سخرية !! ولا حل لتقصير قاماتهم سوى قطع ارجلهم ،،
( على فكرة بنت بحري انا لست قصيرة )
مقال ولا غلطة بنت بحري ..
نسيتي “شيبوب” أخ عنترة بن شداد من الاب يقال بأنه سريع جدًا وكان قصير القامة وكثير ما كان يعمل كجاسوس على القرية او القبيلة التي يغار عليها عنترة وذلك بتنكره على هيئة صبي صغير ويقوم بالجري لمسافات طويلة ليلا ذهابًا وايابًا لسرعته في أبلاغ عنترة بكل خطط العدو .
عندما أقرأ أسم بنت بحري في خانة كاتب المقال .. معني هذا أني أجهز نفسي لوجبة ذهنية وعقلية ممتعة وشيقة لا تخلو من معلومة غريبة … تحياتي بنت وطني العزيز .. أقصد بنت بحري . تسلم أيدك
الأعزاء
مصطفى عراقى…. آية…… قاهر
سعيدة ان الموضوع اعجبكم وشكرا لكم على دعمكم ومروركم العطر
أخى علي
اكتب مواضيعى على الموبيل لذلك تجدني ارسلها على مرتين… فأنا اكره الكتابة على الكمبيوتر…. تعجبت من السؤال هل لى أن أعرف سببه؟
تحياتى للجميع
سلام
اهنيك لهذاء الروح الراقيه
مقال جميل جدا
هل لي ان اسالك باي جهاز تكتبين مقالاتك
ما أجمل طريقة سردك للموضوع..وما أروع قدرتك على انتقاء الكلمات ومزجها بتناغم لتولد لنا هذه الجمل الرائعة..أعجبني الأسلوب وانتقاء المعلومات إلى جانب حياكة الأحداث..فأنا أركز أكثر على الأسلوب وليس الأفكار والمعلومات مع العلم بأن الأفكار والمعلومات تضيف لي الكثير الكثير..شكراً عزيزتي على هذا المقال الرائع..
مقال جميل والاجمل طريقة سردك فهى مليئه بالمشاعر الموضوع نوعا ما يذكرنى بفيلم the hobbit بالنسبه للتقزم والاعاقه الجسديه والعقليه كل هذا امتحان من الخالق وأن هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار ؟! وكل ما في هذه الدنيا من نعَم ، ومتاع ، وزخارف ، وشهوات : لا شيء بالنسبة لنعيم الآخرة .
الأعزاء
شيماء… كهرمان….. شخصية مميزة…. كيان… غير معرف
روز (انا مثلك لطالما استغليت وجهى الطفولى البرئ… بصرة)
ابو على على…. هيبة….. Sham…. Shady.. A…
أسعدنى مروركم لا حرمنى الله منكم.
أخى Euronymous
الأنطواء ليس حلا بل سيزيد الطين بلة… حاول أن تتأقلم وأن تصاحب إناس في مثل قامتك…. ولا تفكر يوما فى الانتحار لأنك ستثبت حينها إنك إنسان ضعيف لم يستطع مجاراة ظروفه… انظر إلى غيرك لتدرك انك بنعمة مقارنة بهم… الرضاء بالقضاء والقدر من صفات المؤمن… دائما ردد الحمد لله على كل شئ…. تحياتي
سلام
صراحه انا ارى ان هذا تخلف و قله الاحترام لن تنهض الدول العربيه الى بعد انهاء العنصريه – ارض العنصريه رخوه – كم قال الشاعر يا ابن ادم خالفني و اختلف عني كن خليفه الله على الارض تفنن واحترف وفي اختلافك اعترف لا فرق بين اسود ابيض قصير طويل مسلم سني كان ام شيعي يهدي ..حتى ولو كنت بلا معتقد كلنا اخوه كلنا يد واحده تمحي الظلام وتنشر النور اكرر واقول واختم – ارض العنصريه رخوه –
نحن بشر فانين لكن أعمالنا وغبائنا كأننا سنخلد في الارض الله ماهدينا ياربي
شكر واحترام وتقدير لصاحبة الجهد الحثيث. مقال يعبق بالإنسانية الحقة
تحية للجميع
انا اشعر بكل كلمة في هذا المقال لاني قصير القامة فطولي 160_163 سم وهذا يؤرق حياتي بالكامل ويضعني في بؤس بلا نهاية علي جميع المستويات سواء الاجتماعية او العاطفية….انا الان شخص منطوي وغيراجتماعي بلا اصدقاء وارغب بالانتحار حرفيا فالموضوع ليس بسيط كما يتخيل البعض ان تشعر انك اقل من الجميع!
روعةةة••]
لاتعليق
مقال رائع,يعالج مشكلة لم يتطرق لها أحد من قبل, بتنسيق مذهل.