فولفغانغ أبيل وماركو فورلان:النازين الجدد

قد يظن الجميع أن الأفكار النازية أختفت مع إنتحار هتلر المثير للجدل و الشكوك حتى يومنا هذا، لكن الحقيقة أنها لم تنتهي ابداً مع موت هتلر، بل ظلت قابعة فى الظلام تطل برأسها من حين لآخر فى صورة جرائم مروعة ومنظمات سرية مثل منظمة لودفيغ التي سنتحدث اليوم عنها.

حيث أثارت رعب أوروبا وقتذاك، بينما لو وقعت في أيامنا الحالية، لباتت حدث أقل إثاره للدهشة، بسبب تفشي العنصرية في طول القارة العجوز و عرضها، و لأ النازية لم تعد تطبق على يد المسيحيين الشقر من أوربا الشرقية بل باتت تطبق من قبل أصحاب ملامح وجوه مختلفة وعقيدة مختلفة، ولكن طريقه التفكير العنصرية التي تشيطن و تنبذ الآخر لدرجة لا يصلح معها للحياة و بالتالي لابد من محوه تبقى واحده.

فولفجانج أبيل من مواليد 25 مارس عام 1959 فى مدينة ميونخ الألمانية لعائلة ميسورة الحال بالنسبة للوضع الإقتصادي لألمانيا فى ذلك الوقت؛ فوالده رئيس لأحد شركات التأمين ووالدته ربة منزل.

ترتيبه الثاني بين ثلاثة أطفال، و كان معروف عنه في المدرسة بين المدرسين أنه صبي ذكي وأجتماعي للغاية، ولم يلاحظوا أي شئ يدل على عكس ذلك؛ فقد كان عند حسن ظن الجميع به، والحياة تمشي معه بسلاسة حتى أتى ذلك اليوم الذي مرضت فيه أخته الصغرى سابين ذات الأحدى عشرة عاماً، والتي كان شديد التعلق بها، ولم يكد يمضي وقت طويل حتى توفيت، بينما كان يعتني بها. هنا أنقلبت الأمور فى عينيه إلى ثمانين درجة، فقد اصابه الهذيان بفكرة الموت، وبدأت خطوات قدميه تأخذه إلى الكنيسة يوماً بعد يوم ليبحث عن اجابات لما يدور داخل رأسه.

و تدريجيا، أصبحت الصلبان والصور الدينية تغطي غرفته، وفي المدرسة أصبح دائم الصمت وباهت الحضور، حتى أستحال إلى طيف أكثر منه بشراً.

في عيون زملاءه و معلميه، و قد بقى داخل جدران قوقعته تلك فترة من الزمن، حتى قرر أحدهم أن يسحبه منها و يعيد أطلاق سراحه في العالم من جديد..

كان هذا الشخص يدعى ماركو فورلان، المولود في16 يناير عام 1956، وهو من أصول إيطالية، طالب متفوق أنتقل حديثاً إلى مدرسة جيرولامو فراكاستورو الثانوية، من طبقة تعتبر من الأثرياء، والده هو سيلفانو فورلان رئيس الأطباء في مركز الحروق، و والدته ربة منزل تربي أطفالها تربية دينية.

بإختصار، ثمة روابط عديدة مشتركة بين هاتين العائلتين، لكن الصداقة التي ستنشأ بين فولفغانغ وماركو، لم تنشأ بفضل هذا التقارب الاجتماعي، بل بسبب التعلق المرضي لكل منهما بالآخر فأصبحا لا ينفصلا عن صحبة بعضهما البعض.

فكان فولفغانغ يناقش ماركو عن كيفية جعل هذا العالم مكان نظيف بلا دنس ولا كفر و لا شهوات، مثلما حلم أبناء العالم القديم

حين بحثوا عن الرب كي يفسحوا مجالاً لنور يتسرب من بين أرواحهم المتعبة
في تشجيع من الأخير على التشبث بذلك الحلم حتى يصبح حقيقة لا مفر منها تبدد حتى أحلك الظلمات غشاوة.

و أمتدت صداقتهما، التي كان ماركو يأخذ فيها دور المهيمن على صديقه المضطرب من موت شقيقته و تتلاطم الأفكار في رأسه مثل تلاطم موجات بحر عاتٍ وقت العاصفة، إلى مرحلة ما بعد الثانوية حيث تخرج الإثنين منها بتفوق.

لتأخذ منحى أكثر تطرفاً و خطورة مع هوسهما بالأفكار النازية، التي رأيا فيها الطريقة الأنجح في تنظيف العالم من ما هو عفن، بدء من بشر ضعفاء كحال المشردين ساكني الشوارع والأرصفة الذين فشلوا فى توفير حتي سقف ينامون تحته وصولاً إلى متعاطي المخدرات والمثليين جنسياً الذين بدأوا بالظهور علنا وبوقاحة داخل المجتمع.

او بائعات الهوى المتبعثرات على الطرقات، مثل قمامة في غير محلها..

بل هناك أيضاً الكهنة الذين لا يطبقون تعاليم الدين بحذافيره، و يشجعون على التماهي مع قيم العالم الجديد المشوه والمنحط بتساهلهم الدبق.

وأؤلئك الشيوعيين الأوغاد الذين يطالبون بتساوي جميع الرؤس: أي أن يتساوى السيد القوي مع العبد الخانغ

‏ونبيل الأصل مع وضيع النسب وأبناء القصور مع أبناء المعدمين المكدسين داخل جدران حقيرة لا تصلح حتى غرفة لكلب!

و أخذا بقضاء جل وقتهما، برفع أصابعهما ونعت أي شخص لا يروق لهما بالوضيع، متمنيان في دواخلهما لو عادت معسكرات الموت القديمة لتكنس اؤلئك عن الوجود برمته بحرقهم داخلها!

هكذا كان يفكر أبني الطبقة البرجوازية الثرية الذين يظنا بفضل أموال ذويهما أن حق الوجود لهم و لأمثالهم حصرا ودوناً عن بقية البشر.

وبما أن تلك الفترة كانت تعم بالاضطرابات في كل مكان بألمانيا، حيث كان اليمين ضد اليسار، والسود ضد من يحاول أن يضعهم تحت وطأة العنصرية والتهميش من جديد، والأحزاب السياسية و النقابات في حالة إضراب ..

فقد وجد الصديقان المخبولان أنه قد حان الوقت لحملة التطهير الخاصة بهما التي سوف تأسس إلى نظام شامل من النازية الجديدة.

وبدوا بإنشاء منظمة خاصة بهما تدعي لودفيغ شعارها كان:

“إيماننا هو النازية، وعدالتنا هي الموت، وديمقراطيتنا هي الإبادة”.

بدايات الهجمات


في25 أغسطس عام 1977، بدأ ولفغانغ أبيل وماركو فورلان للاستعداد إلى الهجوم الأول. فقاما بتحضير قنابل المولوتوف الحارقة، والأسلحة النارية والسكاكين والفؤوس، وسوف يستخدما كل سلاح على حدا.
و سرعان ما عثروا على ضالتهم المنشودة أخيراً، تتمثل في زوجين خسرا أموالهما و يعيش كل منهما داخل سيارة منفصلة في طريق تاورمينا يوقفاها دائما وراء بعضهما مع وجود مسافة بسيطة ثم يناما بهدوء.

و لكن بالنسبة لهذين المخبولين، كان هذا أكثر من كاف ٍ للحكم بعدم أحقيتهما في الحياة، و أشعلوا قنابل المولوتوف و رموا بها على سيارة الزوج


غيرينو سبينيلي البالغ من العمر تسعة وثلاثين عاماً، الذي تفاجأ بسيارته تحترق، فركض خارجها مسرعاً بعد أن أمسكت فيه النيران، بينما كانت زوجته هي الأخرى قد خرجت عن سيارتها و قد أصيبت بحروق طفيفة.
نُقل غيرينو إلى قسم معالجة الحروق في مدينة فيرونا حيث أشرف على علاجه سيلفانو فورلان رئس القسم ووالد ماركو فورلان المتسبب فى إصابته وقد توفي الرجل بعد بضعة أيام فقط على الحادث!

الهجوم الثاني :

في 19 ديسمبر عام 1979، كان هناك ساقياً يدعي بادوفالوتشيانو ستيفاناتو يعمل فى أحدى الحانات. وعندما ينتهي من عمله يأخذ سيارته إلى أحد الشوارع سيئة الصيت حيث يعمل فى مجال الدعارة للمثليين.
و بينما هو يقف باحثاً عن زبائن، وجد شابين وسيمي الطلة يقتربا منه، أحدهم أشقر بعينين زرقاوتين، و الآخر ذو شعر أسود ولحية خفيفة، وقد عرض عليهما تقديم خدماته، وحالما اتفقوا على السعر، ذهب معهما إلى أحدى المناطق الهادئة داخل سيارته، وهنا هاجماه بعصا وراحا يضرباه في كل أنحاء جسده، ثم اخرجا سكاكين ذات مقابض برتقالية كلها من نفس النوع،وسددا له طعنات قوية حتى أن بعضها علق في جسده ورقبته، إلى أن تحول ضحيتهما إلى جثة هامدة تغطيه الدماء، فغادرا مسرح الجريمة.

blank

عثرت الشرطة على جثته في اليوم التالي، ووجدوا هناك بعض الشعر الأشقر العالق في جسده، و استدلوا على أن مرتكبي الجريمة شخصين ولا شئ غير ذلك.

و ما لبث أن مضى وقت قصير حتى جلبا سكاكينهم و ذهبا لشن هجوماً أخر ضحيته هذه المرة مدمن للمخدرات و الحشيش يدعى كلاوديو كوستا، يبلغ من العمر أثنين وعشرين عاماً في مدينة البندقية حيث تربصاً به بينما كان يمشي في مكان خال فتجسدا أمامه كالغربان.

و أمسكا رأسه وضربوها بالحائط عدة مرات حتى سقط على الأرض يسبح في دماءه ثم عالجاه أخيرا ً بعدة طعنات من سكاكينهما التي اخرجاها من سترتيهما، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، و سحبا جثته بعدها و ألقيا بها في قناة كورتي لتغوص إلى أعماق ظلام البحر، حيث أن الجسد الذي يحوى على ثقوب كثيرة في البطن، عادة لا يطفو على السطح.

هذا المشهد المروع كان يشاهده أربعة أشخاص وهما الضحية والصبيان مع أسلحتهم ذات النصل الحد.

وتعيسة الحظ السيدة جيما ليز شيوشيت التي نظرت من النافذة بعد سماعها صوت شجار عنيف وشاهدت مقتل كلاوديو التي اعتادت على وجوده الدائم فى الزقاق المظلم ليدخن الحشيش ويتعاطى المخدرات.

لتتصل بالشرطة وتقص عليهم ما رأته.

ليتم الترجيح إن ما حدث كان تصفية حسابات بين مدمني مخدرات، وذهبت لاعتقال اثنين من أصدقاء الضحية، جياني زاناتا وسلفاتوري سيدا ثم أطلقت سراحهما فيما بعد.

وفي العشرين من ديسمبر عام 1980 فى مدينة البندقية، كان الحظ السيء من نصيب أليس ماريا بيريتا، التي كانت تتجول فى المدينة، كحال القاتلين، اللذان قررا السفر على نفقة أسرتهما، لينفذا حملة التطهير في كل مكان تدب فيه أرجلهما.

و لما رأيا، السيدة أليس العرجاء المُسنة تقف لعرض نفسها في منتصف الشارع، علها تحظى بزبون ما، تقدما منها ببطء و أشباعها ضرباً بفأسين حتى الموت.

blank

و لكن، بدا لهما ذلك أيضاً غير كافياً، و أنه حان وقت أعلانهما عن أنفسهما و عن منظمتهما السرية.فبعثا برسالة إلى الشرطة بالرابع من نوفمبر عام 1980، تلقاها المدعي العام فرانشيسكو بافوني الذي سوف يتولي القضية من الآن فصاعدا، يعلنان فيها عن مسؤولية منظمتهما السرية LUDWIGفى شن هجوماً على غيرينو سبينيلي و لوتشيانو ستيفاناتو و كلاوديو كوستا، مع وصف كامل للمكان وسلاح الجريمة. و اعقبا خطابهما بخطاب أخر عن تفاصيل مقتل أليس.

لكن لم تثر هذه الأحداث الكثير من الفزع فى ايطاليا التي كانت تمر بما يسمى سنوات الرصاص، وذروة انتشار الإرهاب السياسي لليمين المتطرف واليسار المتطرف. ‏

هجوم الحصن

في24 مايو عام 1981 واستكمالا فى نشر العنف ببلد يعاني الأمرين من المافيا والأحزاب المتطرفة وتصفيات الحسابات و شوارع تجري فيها الدماء أنهارا، أضرما النيران في برج سان جورجيو، وهو حصن من أحد الحصون النمساوية الموجودة داخل ايطاليا، كان يستخدم كمأوى للمشردين ومدمني المخدرات وبعض الطلبة المعوزين الذين لا يجدون مكان ليمكثوا به.

و واحد من هؤلاء، كان الطالب لوكا مارينوتي البالغ من العمر تسعة عشر عاماً الذي توفي جراء الحريق هناك،
و بالطبع لم ينسيا إرسال رساله إلى الشرطة يعلنان فيها مسئوليتهما عن هذا الهجوم الإرهابي..

الهجوم الديني:

و رغم جهودهما الجبارة في الوقوف للخطاة و الخطايا بالمرصاد، فإن التبرم و الضجر قد نال منهما إزاء حقيقة إن الحِمل فوق أكتافهما مازال ثقيلا جداً، لأن المجتمع مازال على تخاذله و تحلله و انحطاطه، لدرجة جعلت نيران السخط و الحقد تطال كل من تسول له نفسه في الوقوف في وجه عقابهما العادل ضد هؤلاء الخطاة الذين يعيثون فسادا في المجتمع، حتى لو كان من بينهم رجال يكرسون أنفسهم لخدمة الله !

لهذا، وضعوا أعينهم على منظمة للرهبان مكرسة لإنقاذ الإرواح الضائعة من المعوزين و البؤساء، و تقديم كل ما يمكن من مساعدة لهم، و أسوأ مافي هذا الأمر بالنسبة لهم كان أن هذه المنظمة، قد غضت الطرف عن أن بعض متلقي المساعدة أؤلئك هم من مثلي الجنس!

blank

هنا أخذا الهراوات و الفؤوس و ذهبا، لتتبع اثنين من الرهبان الأشقاء، و كالعادة، أنهالا بوحشية شديدة عليهما بالضرب أولا في الشارع، ثم ذبحوهما جزاء على عدم التزامهما الديني. و أعقبا ذلك الهجوم بهجوم آخر في السادس والعشرين شباط/ فبراير عام 1983

على الأب أرماندو بيسون البالغ من العمر واحد و سبعين عاماً ، في طريق العودة إلى بيته تحت راذذ المطر بعد الإنتهاء من شئون الدير فإذا به يفاجأ بشابين ينقضا عليه بالضرب في جنح الظلام؛ على إثر وصول إشاعة غير أكيدة إلى اسماعهم أنه بصدد الإستقالة من منصبه إثر علاقة عاطفية بأحد الشباب !

و في أثناء الهجوم، مر جامباتو أحد كهنة دير فنتوريني، و لمح ظلال لأشخاص تركض و تختفي في أحد الأزقة المعتمة، ليجد أمامه الاب أرماندو يحتضر على الأسفلت، وهناك صليب مغروس فى رأسه وجسده مملوء بالجراح الغائرة التي لم تستطيع الأمطار إزالة آثار الدماء عنه ليتوفي بعد أيام في المستشفى حيث تم نقله.

قتل جماعي.

وبعد أن تأكد الصبيان من براعتهما التي تصل بهم إلى حد الانغمس الكامل فى القتل.

رأيا أن التطهير لابد أن يكون بوتيرة أسرع، حتى يتحقق هدفهما أمام اعينهم، و من هنا يبدأ فصلا جديدا عنوانه القتل الجماعي!

سينما الضوء الأحمر

فى14 من مايو عام 1983، كانت ميلانو تضج بنوع من السينمات تدعي السينما غير الأخلاقية، وكانت إحدى هذه السينمات هي سينما إيروس التي تعرض هذه الأفلام في الساعة التاسعة مساء،
هذا بخلاف وجود بعض التصرفات الغير أخلاقية داخل قاعة العرض.

وبالطبع بات معروفاً ما سوف يحدث: شابان بسترتين سوداوتين يبدأ بالحوام حول المكان مع حقائب وأكياس لن يعرف أحد ما بداخلها ابداً

يدلفا إلى الداخل على عجل كما لو أنهما يريدان اللحاق بالعرض، و ما أن تنطفئ الانوار حتى تشب ألسنة اللهب بسرعة مخيفة و يتصاعد الدخان داكناً و كثيفاً، لينتهي العرض بحرق سته رجال، واحد منهم هو رجل من فرقة الإنقاذ.

العودة الي ميونيخ،

بعد أن الأنتهاء من نشر إجرامهما داخل الحدود الإيطالية، باتت هناك حاجة لتفقد أحوال الوطن الأم، والتي أذهلهما أن تكون أسوأ حالا و أشد أنحطاطا، مع زحف التحرر بوتيرة أسرع، و رغبة الجميع أن ينتفضوا ضد العادات القديمة والسياسيات القديمة، و محو ذكري الجدار، كما سقطت النازية بسرعة وبعنف.

وهذا التمرد شمل أيضاً عدم الالتزام بقوانين الاخلاق العامة فأصبح من الصعب أن تعبر زقاق مظلم دون الإصطدام بأحد العشاق في الزوايا، و كثُرت الأماكن المشبوهة

نادي ليفربول

في7 يناير عام 1984 انتقل الشابان في مغامرة تطهير جديدة مستهدفين هذه المرة نادي ليفربول الجنسي، فجلبا عبوتين مملؤتن بالبنزين وأشعلوها داخل النادي وما هي إلا لحظات بسيطة حتى بدأت الصرخات تعلو من أنحاء متفرقة داخله مع انتشار الحريق، مخلفا سبعة جرحى وضحية واحدة وهي
كورين تارتاروتي ذات الواحد وعشرين عاماً والتي تعمل نادلة بالمكان.

ليتم إجراء تحقيقات مكثفة فى مكان الحادث لكن لم يعثروا على آثار تدلهم على الفاعل جل ما هنالك أنه تم العثور على حقيبتين باللون الازرق وساعة منبهة!

الهجوم الأخير

فى الرابعة من مارس عام 1984، كان ملهى ميلامارا الليل في مقاطعة مانتوا يقيم أحد الكرنفالات ذات الازياء المزركشة والاقنعة التنكرية وقد حضر هذا الاحتفال أكثر من ثلاثمائة شاب على الأقل.

ولكن كان هناك اثنين فقط جاءا بنوايا مختلفة عن الآخرين، مكثا يراقبان الاحتفال بصمت مع حقائبهما الزرقاء التي بداخلها عبوة البنزين، التي بدأت تقطر على الأرض.
و بسبب صغر المكان مقارنة مع حجم الأشخاص الهائل، بدأ الرواد الأقرب ملاحظة رائحة البنزين النفاذة، و لكن فى تلك اللحظة يقرر الشابان وولفغانغ أبيل وماركو فورلان الهجوم على أي حال ويخرجان حاملين الاكياس نحو منتصف الحلبة

وقد لاحظ حارس يدعي فالتر مافيزيوني الامر وركض في أعقابهما لإيقافهما الإ أنهما رميا فورا علبة بنزين على الأرض مع القاء شعلة قداحة لتشتعل لكن لم يحدث شئ، ليجرهما الحارس خارجاً حتى تصل الشرطة.

والسؤال هو لما لم يشتعل المكان؟

حسنا دعونا نرجع بالزمن عاماً واحداً فقط، إلى الثالث عشر من فبراير عام 1983، حين أندلع حريق كبير في تورينو في Cinema Statuto بعد ماس كهربائي راح ضحيته أربعة وستون شخصًا، ففُرض بعدها قانون جديد ينص على وجود عدد محدد من طفايات الحريق واستخدام أشياء غير قابلة للإشتعال من ضمنها السجاجيد الموجودة على الأرض، لذلك لم تشتعل حين سكبا البنزين عليها؛ لإن المكان ألتزم بالاجراءات المفروضة، وهكذا تخلى الحظ عنهما تلك المرة، و سُلما إلى الشرطة

التحقيقات

عندما أعتقلتهما الشرطة، أظهرا اللامبالاة، وعندما تم استجوابهما عن سبب محاولة اشعل النيران داخل الملهي، كانت إجابتهما إن ما حدث كان مجرد مزحة للإنتقام من فتاة تدعى دانييلا. لكن وتحت وطاءة الضغط، سرعان ما أعترف فولفغانغ أنهما تعمدا إشعال النار قائلاً

أنه يكره الملاهي الليلية فهي أماكن للهلاك !

ومن هذه الطريقة بالحديث، بدأ المحققين يشكون في وجود رابط بين هذين الشابين ومنظمة لودفيج، كما أن ما حدث يشابه إلى حد كبير ملابسات حادثة ملهى ليفربول.

فأخذوا بطرح مزيد من الأسئلة، وخصوصاً على فولفغانغ الذي بدا هيسترياً مفرط العصبية وميال للثرثرة، بعكس ماركو الذي ظل هادئاً يفكر بطريقة يخرج بها نفسه من الأمر برمته.

و أثناء التحقيقات، تم تفتيش منزل الأثنين، فعثروا بادئ ذي بدء على حزمة أوراق بها شعار المنظمة، مع وجود بعض مطالبات هذه المنظمة فى منزل فولفغانغ.

ونص مكتوب لمسرحية إيطالية تدعى “مغامرة مسيحي متواضع” للكاتب إجنازيو سيلون داخل غرفة فولفغانغ. تتحدث عن كاهن يقطع دربا نحو الإنتقام يدعي لودڤيكو بعد أن غادر الجبل الذي يعيش فيه وذهب إلى المدينة ليجد الفساد مستشرٍ فى الابراشية، من بذخ و أنغماس في الشهوات و صراع على السلطة.

وقد عرض عليهما المحققين الورقة المرسوم عليها الشعار؛ لكنهما كانا مصرين أن تلك الورقة مزحة هي الأخرى، الإ أن والدة فولفغانغ تعرفت على المنبه الذي عثر عليه قبلاً في حادث ليفربول.

و أمام تراكم الأدلة و ضغط المحققين عليهما،حاول فولفغانغ الذي يعاني من الذهان وجنون العظمة والشخصية الهستيرية أن ينتحر مرتين؛ بينما قام ماركو بفعل نفس الشيء مرة واحدة فقط، محاولة منهما للتخلص من التحقيقات المرهقة التي تدفعهما للوشاية ببعضهما.

و بينما التحقيقات ما تزال مستمرة، كان الاثنين قد تحولا إلى مادة دسمة للصحف، ليتلقفها الجمهور بالصدمة و الأندهاش من أن هذين الشابين اليافعين هما منفذي هذه الجرائم الخطيرة.

وراجت نظرية تقول بأن ثمة شركاء آخرين لهما وهي لاتزال مثار جدل وموجودة إلى يومنا هذا

‏أيضا ألمحت بعض التكهنات إلى غرابة و ريبة علاقة هذين الاثنين ببعضهما؛ إذ أن معظم ثنائيات القتل التي عادةً تكون بتلك القوة من الترابط غالباً ما تتكون من رجل وامرأة

المحكمة

بدأت محاكمتهما في 1 ديسمبر عام 1986 فى فيرونا، و تمت إدانتهما بإرتكاب عشرة جرائم قتل والتسبب بأربعين إصابة، بالرغم أن عدد الضحايا الفعلي لجرائمهما حوالي ثمانية وعشرين شخصاً، لكن تم إسقاط التهم بسبب عدم كفاية الأدلة.

و في عام 1987، حُكم على الإثنين بالسجن لمدة ثلاثين عامًا، ليخفف عقب الاستئناف إلى سبعة وعشرين، بسبب التقرير النفسى الذي أثبت أن كلاهما يعانيان من مرض الإضطراب العقلي والفصام و أنهما مختلين جزئيًا.

blank

وفي عام 1991، تمكن فورلان وحده من الهرب قبل وقت قصير من نطق محكمة النقض بالحكم النهائي، إلى الحدود السلوفينية، و غير اسمه إلى الييورلاني، لكن ألقي القبض عليه بعد‏
أربع سنوات في جزيرة كريت فى اليونان، التي عمل بها مدرساً إيطالياً ومرشداً سياحياً، و تم ترحيله لإستكمال عقوبته، ليطلق سراحه عام 2009، و قد أنهى دراسته داخل السجن وتخرج مع مرتبة الشرف في هندسة الكمبيوتر وذهب للعيش في ميلانو.

بينما أطلق سراح فولفغانغ أبيل في عام 2006؛ أي قبل شريكه بثلاث سنوات، ولكنه ظل يخضع للمراقبة لأن الأطباء النفسيين أفادوا أن سلوكه لايزال خطرا على المجتمع،

حتى عام 2021 حيث أصيب بحادث سقوط داخل منزله ودخل في غيبوبة قيل إنه لن يستيقظ منها مرة أخرى.

وقد انقطعت العلاقة بين الاثنين منذ القبض عليهما، لاسيما أن ڤولفغانغ أبيل شعر بالخيانة بعد تلقيه خبر هروب صديقه تاركاً إياه يواجه مصيره وحده.

ولاحقا طلب ماركو العفو من البابا فرنسيس، لكن الرجل حالما سمع ذلك وضع يديه على رأسه وبكى، وبرغم من طلبه المغفرة إلى أنه ظل يصر على براءته وكذلك ڤولفغانغ أبيل.

ختاما:

أريد أن اقول أن تلك الندوب الغائرة في قلب وولفغانغ أبيل والتي جعلته يفكر فى إيذاء الآخرين لدرجة القتل، هي نفسها التي دفعت شخص ليفشل فى إيجاد طريقه و ينتهي به المطاف نائما داخل سيارته في الشارع، و لأخر إلى لتدمير نفسه بالمخدرات وأخرى كي تبيع نفسها على ناصية طريق، و لآخرين أن يناموا داخل حصن مهترئ كي تقي عظامهم برودة الشتاء الذي لا يرحم .

و كان من الممكن جدا أن يكون في مكان أي واحد من أولئك بتغيير بعض التفاصيل في سيناريو حياته الإ أنه أعتبر حياته الرغيدة حق مقدس مُنح له عن استحقاق و جدارة.

بينما حرم منها الأشخاص الأدنى منهم
الذين لا يحظون بنفس العيشة الكريمة التي تغنيهم عن كل انواع السقوط و التردي، و سولت له نفسه أن ينتقم منهم لضعفهم و قلة حيلتهم بدلا من أن يمد لهم يد العون حتى ولو بكلمة طيبة تعيد لهم انسانيتهم التي ضاعت تحت وطاءة عالم متسارع لا يعرف سوى مبدئي الربح و الخسارة.

ويبقى هذين الاثنين لغزا غامض لكل من قرأ قصتهما أو كتب عنهم حتى الآن.

0 0 الأصوات
Article Rating
المصدر
Wikimapia

مقالات ذات صلة

3 تعليقات
Farida
Farida
1 سنة

موضوع جميل و مشوق و يدعو للتأمل و التفكر لاسيما و نحن نعيش أكثر لحظات العالم إضطرابا حيث الكل ضد الكل و ثمة أستقطاب و كره من كل شكل ولون ينبئ بإن نرى أيام حالكة كتلك التي شهدها العالم أثناء رواج النازية و الفاشية و أهلكت ملايين البشر في حروب عبثية ..أسلوب الكتابة جيد جدا و مع بعض الاهتمام بالأخطاء اللغوية والنحوية كان ليكون أفضل.

و كل التوفيق للكاتبة 👏✨

Last edited 1 سنة by Farida
صوصو
صوصو
1 سنة

أما بالنسبة لحال المشردين أو مدمني المخدرات.
بالنسبة للمشردين لا أتعاطف سوى مع الأطفال.
أما برؤيتي لرجل ذا طول وعرض ويفترش الشارع،، بالنسبة لي استحقره.
أما مدمني المخدرات لا أتعاطف معهم نهائيا،، فهم يتسببوا في مشاكل أسرية كبيرة،، وأعتقد دائما أن من ينوي اللجوء لهذه المخدرات،، أن يلجأ إلى طبيب نفسي،، حيث يتناول المخدر تحت إشراف طبي.
المثليين وبائعات الجنس.
لا أتعاطف مع المثليين بل وأتقزز منهم، ولابد من تحجيمهم وعدم إعطاءهم امتيازات.
بائعات الجنس المرغمات على ذلك وليس لاكتناز المال وغُرر بها،، أو تم استضعافها…. أتعاطف معهم.

صوصو
صوصو
1 سنة

حكاية رائعة جدا وأسلوب وتحليل رائع من كارميلا.
طبعا سنهم صغير جدا،، بدأوا بارتكاب جرائمهم بعد إنهاء المرحلة الثانوية،، أي في عمر الـ ١٨ عام،، وفي مثل حالتهم (سنهم الصغير) يكون التأثر بأفكار متشددة بأحد الوالدين أو كلاهما،، لكن الفارق أن الوالدين يتحدثا فقط بدون تنفيذ،، لكن للأسف الأبناء في هذا العمر الصغير،، يصدقوا ويؤمنوا بما يقوله آباءهم فيكونوا أكثر تعصبا.
ولفت انتباهي أن أحدهما درس برمجة الكمبيوتر،، وللأسف مع ميوله الإجرامية،، إذا لم يتم وضعه تحت المراقبة،، فسينضم للمافيا والعصابات الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى