مختلوا فينيا ديل مار
عندما يصبح "حاميها حراميها"

قبل أن أروي جريمة أخرى من أقصى بقاع العالم، دعوني أمر سريعا على المشهد العام في أمريكا اللاتينية تلك القارة الغنية بالمعادن والمحاصيل ومصادر الطاقة، و المميزة بطبيعة خلابة.
ولو كان هذا عالما تحكمه القوانين العادلة، لكانت شعوبها بين الأسعد على وجه الأرض.
لكن القارة، ومنذ أن وطأها المغامر البرتغالي كريستوفر كولومبوس وتبعه الغزاة الإسبان، لم تعرف سوى الإبادة والتطهير العرقي والاستعباد للسكان الأصليين ولأبناء القارة السمراء الذين جيء بهم قسرا.
منذ ذلك الحين تحولت مواردها إلى غنيمة: الفضة أولا، ثم الذهب والبن والكاكاو، وكل ما يمكن أن يُثري الأوروبيين الحالمين بالسيادة في “العالم الجديد”.
ثم جاءت الثورة الصناعية، تليها موجة حركات التحرر الوطني المطالبة بالاستقلال عن التاج الإسباني.
ومع دخول القرن العشرين، أصبحت الولايات المتحدة اللاعب الأبرز في المشهد، ومعها شركاتها العملاقة.
هكذا دخلت القارة فصلا جديدا من فصول العنف: انقلابات عسكرية دامية، حروب أهلية وعصابات، تهريب للمخدرات، واستغلال لا يفرق بين البشر والموارد.
ووسط كل قلاقل القارة، بدت تشيلي لوقتٍ طويل جزيرة من الهدوء النسبي.
ساعدتها طبيعتها الجغرافية على عزلة شبه محصنة عن محيطها المضطرب، كما سعت طوال القرن العشرين لترسيخ دولة المؤسسات وإن ظلت العدالة الاجتماعية حلما مؤجلا.
كانت أيضا من أولى الدول التي يصل إلى رئاستها زعيم يساري عبر صناديق الاقتراع: سلفادور أليندي.

لكن الولايات المتحدة لم تكن لترحب بكابوس شيوعي جديد على غرار فيدل كاسترو، فحاربت أليندي بالحصار الاقتصادي والضغوط السياسية والتحالفات الخفية مع اليمين المحافظ، حتى انتهى الأمر بانقلابٍ عسكري دموي قاده الجنرال أوغوستو بينوشيه.
وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 1973، دوّت الطائرات الحربية فوق سماء العاصمة سانتياغو، وهي تقصف قصر “لا مونيدا” الرئاسي. كان الرئيس سلفادور أليندي ما يزال في داخله، رافضا الاستسلام.
تباينت الروايات حول مصيره في الساعات الأخيرة: هل قُتل أثناء القصف، أم اختار الانتحار بسلاحه الشخصي كي لا يسقط أسيرا؟
المؤكد أن تلك اللحظة لم تكن فقط نهاية رجل، بل بداية زمن من الرعب.
في الأيام التي تلت الانقلاب، بدأت حملات التصفية الواسعة لكل من انتمى أو تعاطف مع اليسار.
امتلأت الملاعب والسجون بالمعتقلين، واختفى المئات دون أثر.
كان من بين الضحايا المغني الشهير فيكتور خارا، الذي اعتقل وعذب داخل ملعب “شيلي، قبل أن يُرمى جثمانه في الشارع.

تبنّى بينوشيه سياسة اقتصادية عُرفت باسم “أولاد شيكاغو”، نسبةإلى مجموعة من الاقتصاديين التشيليين
قامت هذه السياسة على خصخصة معظم القطاعات ورفع يد الدولة عن أي دعم مجاني في مجالات الصحة والتعليم، في إطار ما سُمّي آنذاك بـ”اقتصاد السوق الحر”.
لكن الحرية الاقتصادية جاءت مقترنةً بنظامٍ أمني خانق: تصفيات جسدية، وإخفاءات قسرية، ورقابة صارمة على الصحافة، وحظر تجوال يخنق ليل البلاد.
والآن، دعونا نترك أنحاء تشيلي الغارقة في الصمت والرعب ونذهب إلى واحدة من أجمل مدنها الساحلية فينا ديل مار والتي تتميز بالأناقة و النظام والمنتجعات السياحية الفارهة والحدائق الضخمة. كما أنها تستقبل مهرجانا دوليا كل سنة يجمع كل مغني امريكا اللاتينية.
ورغم جوها المسكر بالترف والجمال، فإنها كانت أيضا مكان مثالي للاختباء و قلة العيون وهو ما جعلها المسرح المثالي لارتكاب الجريمة
الشرارة الأولى:

استيقظ الناس في مدينة فينا ديل مار على خبر يبدو عادياً في للوهلة الأولي
نشرت صحيفة “لا إستريلا دي فالبارايسو”
في الخامس من أغسطس عام 1980 عن جريمة قتل جديدة، تضاف إلى سلسلة الجرائم الدموية التي كانت تتزايد وتيرتها باضطراد في تشيلي. هذه المرة، وقعت الجريمة في مدينة فينا ديل مار، وكان ضحيتها المدرس والفني الكهربائي إنريكي فاخاردو، البالغ من العمر خمسة وثلاثين عاما.”
عُثر أولاً على سيارته في ساحة بيلامار، على تل إسبيرانزا، لتكتشف جثته بعد يومين مصابة بطلق ناري في الصدر، بالقرب من الحديقة النباتية في المدينة.
وسرعان ما انتشر الخبر بين السكان، محولاً مقتل المدرس إلى لغزٍ أخذ الإعلام والصحف تتناوله على نطاق واسع. في خضم هذه الأجواء، تقدمت امرأة إلى مركز الشرطة وكشفت أنها كانت برفقة إنريكي ليلة مقتله، حين تعرضا لهجوم من رجلين أطلق أحدهما النار عليها، ثم اعتديا عليها. لكنها استغلت لحظة انشغالهما وتمكنت من الفرار. وأوضحت أنها لم تتقدم إلى الشرطة فوراً بسبب خوفها الشديد من أن يتم اتهامها بالجريمة، خاصة أنها لم تكن على علاقة بأحد سواه.
قدَّمت المرأة أوصافاً للجناة، ليباشر فريق “OS7” التابع للدرك والشرطة تتبع الخيوط الأولى في القضية، عسى أن يعثروا على أي أثرٍ للجاني.
غير أن التحقيقات لم تُسفر عن أي نتيجة، ولم يطفو على السطح أي دليل جديد.
بل على العكس، وفي منعطفٍ مفاجئ، وقعت جريمةٌ أخرى مشابهة أثناء سير التحقيق، مما زاد الأمر تعقيداً.”
ففي الثاني عشر من نوفمبر عام 1980، كان الطبيب ألفريدو سانشيز برفقة خطيبته الممرضة لويزا بوهلي باسو في منطقة لاجونا سوساليتو، يتبادلان أحاديثاً حميمة حول التخطيط لزفافهما المرتقب. وفجأة، تعرضا لهجوم من مجهولين مسلحين، حيث أخرج الطبيب من سيارته وأُطلقت رصاصتان اخترقتا صدره، ليرتطم جسده على الأرض مغموراً بدمائه بجوار سيارته من نوع رينو.
ثم انتقل الجناة إلى جريمة أكثر وحشية، حيث اعتدوا جنسياً على خطيبته قبل أن يفروا هاربين.

وفي خضم فشل الشرطة في العثور على أي خيط يقودهم للجناة، جاءت الأنباء عن جريمة ثالثة لتعقد التحقيق أكثر. ففي الثامن والعشرين من فبراير عام 1981، بينما كانت شوارع فينيا ديل مار تعج بالمواطنين والسياح المحتشدين للاحتفال بالمهرجان السنوي، كان رجل الأعمال فرناندو لاجونا حاضراً حتى انتهاء الاحتفالات.
قرر لاحقاً التوجه بسيارته برفقة بائعة هوى تدعى ديليا غونزاليس إلى مصب نهر مارغا لقضاء بعض الوقت هناك.
لكن بعد انقضاء فترة قصيرة سمع بعض المارة صراخ امرأة متقطّع تخللته أصوات طلقات نارية، بالقرب من النهر.
لتصل الشرطة وتجد مشهد دموي لرجل الأعمال فرناندو لاجونا وهو ملقى على الأرض غارقاً بدمه وتستلقي بجواره جثة ديليا غونزالي.
شرع المحققون في ربط أوجه التشابه بين أحداث الجرائم الثلاث، لكنهم واجهوا عقبة كبيرة بسبب شح الأدلة.
وازدادت التحديات صعوبةً نتيجة نقص الإمكانيات المادية، وعدم توفر عدد كافٍ من رجال الشرطة لمتابعة هذا النوع المعقد من الجرائم.
كما تفاقم الوضع بسبب تناوب جهتي التحقيق على إدارة القضية، وهما: قوة الشرطة الوطنية (OS7) التابعة للكارابينيروس، وشرطة التحقيقات التشيلية، حيث رفض الطرفان التعاون وسارعا إلى حجب المعلومات عن بعضهما البعض في سباق محموم لنيل الثناء.
الجريمة الرابعة – 26 مايو 1981
عاد المجرمون إلى هجومهم الدموي، لكن هذه المرة كان الهدف مختلفاً تماماً. فبخلاف الضحايا السابقين، لم يكن الرجل من ميسوري الحال، ولم تكن بجواره امرأة يتوقان للاعتداء عليها كما في الجرائم السابقة. إنما كان مجرد سائق تاكسي بسيط، يناضل من أجل كسب قوته اليومي في خضم أزمة اقتصادية طاحنة وفساد حكومي متجذر، ومدينة غارقة حتى أذنيها في مستنقع الفساد.”
أوقفه المجرمون متظاهرين برغبتهم في استقلال سيارة الأجرة، مدّعين حاجتهم للتوجه إلى مكان ما. وقد أبدى الضحية لويس موراليس 33 عاماً استعداداً لمرافقتهم،
لكن لسوء الحظ انتهى به المطاف قتيلاً داخل سيارته، ثم جرت جثته وأُلقي بها في مكب النفايات وكأنها عبوة تم التخلص منها بعد انتهاء مدة صلاحيتها.
وبالطبع، لم ينس الجناة سرقة سيارته!
العودة من جديد..

عادت يد الجريمة هذه المرة إلى النمط السابق، حيث استهدفت العامل خورخي إينوستروزا 31 عاماً وصديقته مارغريتا سانتيبانيز. أجبر الجناة الرجل على الركوع أرضاً، ثم أطلقوا النار على رأسه من مسافة قريبة، ثم اعتدوا على المرأة وانصرفوا تاركينها في حالة ذهول مرعب بجوار جثة حبيبها الملطخة بالدماء في وضعية تشبه السجود.
ولم يكد الجناة ينتهون من جريمتهم هذه، حتى استهدفوا سائق تاكسي آخر يدعى راؤول إيدو ليون، حيث أطلقوا رصاصتين على ظهره، ثم سرقوا سيارته وهربوا، تاركين إياه يواجه مصيره المحتوم بين الحياة والموت على قارعة الطريق.
ليعاود الجناة شن الهجوم مرة أخرى، واثقين من ضعف جهات التحقيق إلى درجة أنهم لن يتمكنوا من الوصول إليهم. واختاروا هذه المرة موظف البنك أوسكار نوغيرا الذي كان يسير برفقة صديقته، حتى توقفت أمامهما سيارة أجرة.
في البداية، ظنوا أن بداخلها رجال شرطة يقومون بتفتيش روتيني لكن عندما خرج الرجلان.
لم يبدوا كرجال شرطة، خاصةً وأنهما كانا ملثمين. وكعادتهم الدموية، اغتصبوا المرأة وقتلوا الرجل ..ثم عادوا من حيث أتوا كأن شيئاً لم يكن
لكن المختلف هذه المرة أنهم تركوا بجوار السيدة وجثة موظف البنك سيارة الأجرة التي أتت بها الشرطة وتعرَّفت عليها كسيارة راؤول إيدو ليون، الضحية المقتول حديثاً.”
جسر كابوتشينوس (الليلة الأخيرة)
الحادي والثلاثين من أكتوبر
في انحراف عن مسار الأحداث..
انطلق أحد المجرمين منفرداً في عملية صيد بشرية..مستهدفاً الشابة روكسانا فينيغاس 22 عاماً وصديقها خايمي فينتورا 17 عاماً.
حيث كان الاثنان يتبادلان حديثهما في سيارة متوقفة تحت الجسر، في مكاناً معزول بعيد عن أعين المارة، ظانين أنهما وحدهما في ذلك المكان الهادئ. لم يكونا يدركان أن هناك من يتربص بهما في الخفاء، مصمماً على تحويل ذلك الجو الساحر إلى كابوس لا يقظة منه أبدا ً.
فأخرج مسدسه واقترب من السيارة ببطء،
حتى وصل إلى مسافة قريبة. هذه المرة، لم يطالب من أحدا النزول من السيارة، بل صوب سلاحه مباشرة نحوهم وأمطرهم بوابل من الرصاص، حتى توقفت أجسادهم اليافعة عن الحركة، واغتسلت المقصورة الداخلية للسيارة بلون الدم القاني.
ثم استدار عائداً أدراجه بخطوات ثابتة، واثقاً من أن أحداً لن يجروء على الاقتراب من مكان طلقات الرصاص، متكئاً على الرعب والهلع اللذين ينتشران بين الناس كالنار في الهشيم.”
العريف
بينما كانت المدينة تغرق في دماء ضحاياها المتزايدين وفقد أهلها الأمل في كفاءة جهاز الشرطة المتخاذل بينما اكتفت الصحف بتحذير العشاق من الاختلاء في الأماكن المنعزلة.
وأصبح الجميع في ترقبٍ مستمر لخبر جديد عن جريمة أخرى: عاشقٍ مقتولٍ بجوار حبيبته التي انتهك حرمتها المعتدون، أو سائق تكسي مسلوبٍ أُزهقت روحه برصاصة غادرة.
في خضم هذه الأجواء المشحونة، كان العريف خوان كويجادا جالساً في مركز قوات “الكارابينيروس دي تشيلي” قوة الشرطة الرسمية للبلاد غارقاً في أفكاره، يتأمل في هوية مرتكبي تلك الجرائم المروعة التي أثارت ضجةً هائلة عبر البلاد.
لكنه، وبشكلٍ غريب، لم يفكر حتى في استقلال سيارة شرطة ليجوب شوارع المدينة باحثاً عن آثار الجناة.
لم يكن تردده نابعاً من أن القضية لم تُوكل إليه رسمياً، أو لوجود قضايا أخرى أكثر إلحاحاً، بل لأنه كان يحدق في أعين مرتكبي تلك الجرائم كل صباح، بعد أن يتبادل معهم التحيات والابتسامات!
ولكن، هل كان متأكداً من شكوكه؟ بالطبع لا. لكنه كان شكاً أقرب إلى اليقين، وشعوراً داخلياً لا يمكنه إنكاره.
فانتبه فجأة من شروده، وعاد يستمع إلى أحاديث زملائه رجال الشرطة في المكتب…”
خورخي ساغريدو بيزارو (المولود في 22 أغسطس 1955)
وكارلوس توب كولينز (المولود في 25 يناير 1950)

كانا يتحدثان عن جرائم فينتورا وفينيغاس المنتشرة كالوباء، بلهجة مشبعة بالابتهاج والزهو،
وبتفاصيل دقيقة لم ينشر مثلها في الصحف، أو لم تكتب أساساً بهذا القدر من التحديد والوضوح.
وبدأ يقارن بين أوصاف الرجلين التي ذكرتها الضحايا من النساء، وبين ملامح زميليه الشرطيين، فوجد تشابهاً مريباً. فقد وصفت النساء الرجل الأول بأنه طويل القامة، نحيل البنية، ذو بشرة بيضاء، وأسلوب متسلط وهي صفات تنطبق تماماً على ساجريدو بيزارو.
أما الرجل الثاني فكان قصيراً، بديناً، ويبدو في هيئته تابعاً للرجل الأول وهو وصف يتوافق مع كارلوس توب كولينز.
وبعد خمسة أيام من التأمل والتفكير المتواصل، تم توكيل مهمة إلى العريف خوان كويجادا بأداء دورية شرطية مع زميله ساجريدو بيزارو في منطقة كاليتا أباركا.
وبينما كانا يجولان داخل سيارة الدورية، باغته العريف خوان بسؤال مباشر ومفاجئ:
‘كيف قتلتَ هؤلاء الرجال؟!’
نظر إليه ساجريدو بنظرة مرتجفة غاضبة، لكن على عكس ما توقعه خوان، لم ينكر التهمة، بل اعترف بكل الجرائم بصوتٍ مليء بالانفعال وجسدٍ يرتجف، وكأنه كان ينتظر منذ فترة طويلة أن يوجه إليه أحد هذا السؤال.
ويخبره بعدها بكل شي عن تفاصيل جرائمه المروعة..
وبعد انتهاء الدورية، توجه العريف على الفور إلى رؤسائه وأبلغهم باعترافات ساجريدو الكاملة.
وما عزز موقفه لم يكن الاعترافات التي سمعها فحسب، بل أيضاً وثائق تحقيق قضية فرناندو لاجونا، الذي قتل برفقة بائعة الهوى ديليا غونزاليس أثناء احتفالات المهرجان.
حيث احتوى ملف القضية على شهادة شهود لم يولها أحد الاهتمام الكافي، مفادها أن الشهود سمعوا المرأة تصرخ قبل إطلاق الرصاص عليها قائلة:
“أنت شرطي… أعرفك يا شرطي! أعرفك يا شرطي!” قبل أن تسقط جثة هامدة.
ليترك العريف الأمر بعد أن أبدى شكوكه إلى رؤسائه، ليتولوا مهمة توقيف الشرطيين المشتبه بهم.
تصفيات الأعداء
بينما كان العقيد جالساً في مكتبه، مغتبطاً بحلّ أضخم قضية جنائية شهدتها تشيلي التي لم تعتد من قبل على وجود قتلة متسلسلين فوجئ بدخول ساغريدو بيزارو وتوب كولينز إلى القسم، حاملين أكواب قهوتهما المعتادة، يسيران بخطى واثقة لتلقي مهام اليوم، في عجلة واضحة لخدمة الوطن والمواطنين (كما يزعمان).
في تلك اللحظة وبالنسبة للعقيد خوان كويجادا
بدت كما لو أن شيطان الجحيم تركت كل بقاع الأرض وذهبت لتتقافز أمام عينيه.
لكنه كتم غيظه، مُبرراً ذلك بأن إجراءات توقيفهما قد تستغرق وقتاً، خاصةً كونهما من رجال الشرطة، فآثر الصمت والانتظار. لتصل إلى مسامعه بعد ثلاثة أيامٍ أنباء القبض على المشتبه به في سلسلة الجرائم
وهو لويس أوجينيو جوبلر دياز مدير البنك الوطني ومالك إحدى الشركات المرتبطة بالأسواق الأرجنتينية والهولندية والأمريكية، وشريك في شركة إنشاءات.
كما أن والده رئيساً لشركة بواخر في أمريكا الجنوبية،
مما منح هذه العائلة ثراءً فاحشاً ونفوذاً لا يستهان به داخل تشيلي وخارجها.
غير أن كل هذه الامتيازات تبددت كالدخان في الهواء أمام سطوة حاشية بينوشيه، حيث كان السبب الحقيقي لاختياره هو عداوة شخصية مع ضابط رفيع المستوى.
فتم اقتياده إلى مركز الشرطة وتعذيبه حتى اعترف مكرهاً بأنه ذلك المجرم السيكوباثي المكبوت الذي هاجم العشاق، واغتصب النساء، وقتل سائقي التاكسي بعد سرقة سياراتهم .
وفي خضم هذه الاعترافات
انطلق العريف خوان كويجادا إلى رؤسائه في قوات الدرك معبراً عن سخطه الشديد من إفلات المجرمين الحقيقيين من العقاب، واستغلال جرائم القتل البشعة في تصفية الحسابات الشخصية.
غير أنهم طالبوه بكتم الأمر والتوقف عن متابعة الموضوع، محذرين إياه من العواقب.
لكنه، بدلاً من الامتثال لأوامرهم، تجاوز رؤسائه مباشرةً وتقدّم بشكوى رسمية إلى وحدة الدرك رقم (7) التابعة للكارابينيروس.
ما دفع الوحدة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة أدت إلى توقيف المشتبه بهم الحقيقيين والتحقيق معهم في الثامن من مارس عام 1982،
في حين تم إطلاق سراح مدير البنك الوطني أوجينيو جوبلر دياز بعد أن قضى ستة أيام تحت التعذيب المبرح.
الاعتراف:

لم يحتاج المحققون إلى ممارسة أي ضغط لانتزاع الاعترافات من خورخي ساغريدو
فقد كان يروي وقائع جرائمه طوعاً لكل من يصغي إليه، مسرداً تفاصيلها المليئة بالمآسي والموت الوحشي والعبثية المروعة للجرائم المرتكبة .
لكن على النقيض تماماً التزم شريكه كارلوس توب كولينز بالصمت المطبق رافضاً النطق بأي كلمة ولم يدل باعترافه إلا قبل بضعة أشهر من النطق بالحكم النهائي عليهما.
وقد كشفت اعترافاتهما عن جرائم إضافية لم تكن في سجل الشرطة، منها محاولة فاشلة لقتل امرأتين كانتا تقودان سيارة على الطريق، ومحاولة أخرى لسرقة محطة وقود لكنها لم تنجح أيضاً.
وقد أطلقت الصحف على الجناة لقب “المختلّون عقلياً من فينيا ديل مار”، في وصفٍ يجسد حالة الرعب والذهول التي أصابت الرأي العام من وحشية جرائمهم.
وبعد انتهاء مرحلة أخذ الاعترافات، صدر حكم بالإعدام بحقهما من الدرجة الأولى في 8 يناير 1983.
ثمّ تم تأييد الحكم من قبل محكمة الاستئناف في المحكمة العليا بتاريخ 17 يناير 1985.
ولم ييأس محامي الشرطيين من محاولة تخفيف الحكم، فتقدم بطلب عفوٍ مباشر إلى الديكتاتور أوغستو بينوشيه، غير أن الطلب قوبل بالرفض القاطع.
الإعدام الاخير:

نقل المحكوم عليهما إلى سجن كويلوتا القديم في المدينة الريفية التي تحمل الاسم ذاته. في التاسع والعشرين من يناير عام 1985، بعد اثني عشر يوماً من مصادقة محكمة الاستئناف على الحكم
ليقتيد بعدها ضابطا الشرطة السابقان
خورخي ساغريدو بيزارو وكارلوس توب كولينز على يد فرقة الإعدام إلى ساحة السجن مع بزوغ الفجر، في الساعة الخامسة صباحاً.
حيث غطيت أرضية الساحة ببطاطين سميكة كي لا يميز ساغريدو وتوب كولينز اللحظة التي سيعدمون فيها. وعلق الجلادون قرصين برتقاليين على صدري الرجلين كي يتسنى للرماة الستة عشر التصويب عليهما بدقة من خلال رشاشاتهم.
وقبل لحظاتٍ من إطلاق النار، فقد كولينز توازنه وكاد أن يغمى عليه، حتى أن الحراس اضطروا إلى حمله لبضع دقائق في المقابل وقف ساغريدو منتصباً شامخاً يحدق في فرقة الإعدام بنظرة تتحدى الموت ذاته.
وما هي إلا بضع ثواني حتى امطرتهم الفرقة بوابل من الرصاص ليسقطوا جثث هامدة في نفس اللحظة.. بدون أن تجفل أجسادهم حتى..
فقط دفقات من الدماء تغرق الساحة
لتشي انه قبيل لحظات كانت هناك أنفاس حية وقفت هنا.
ليتم نقل جثتاهما لاحقاً إلى مقبرة بلايا أنشا للدفن، ليكونَا آخر شخصين تنفذ فيهما عقوبة الإعدام في تاريخ تشيلي، حيث ألغيت هذه العقوبة رسمياً عام 2001 خلال فترة حكم الرئيس ريكاردو لاغوس، واستبدلت بالسجن المؤبد الذي يلزم المحكوم عليه بقضاء أربعين عاماً على الأقل خلف القضبان .
واللافت أن عام إعدامهما تزامن مع سقوط نظام الديكتاتور أوغستو بينوشيه، وبداية بروز معارضة جريئة ضد الاستبداد.
إلا أن مع مرور الوقت بدأت الشكوك تزداد حول صحة الرواية الرسمية للقضية، نظراً لسرعة الإجراءات القضائية وطريقة انتزاع الاعترافات. فتعددت النظريات التي تروج لفكرة أن الضابطين لم يكونا سوى كبش فداء لجهات أكثر نفوذاً ونهماً
وأن هذه الجرائم ارتكبت بواسطة أيادٍ خفية نجت من العقاب ولم تمس بسوء
ختاما:
عندما هدأت عواصف تلك الجرائم المروعة ظلت الأسئلة الكبرى تطرق أبواب المجتمع المدني
عن كيف يتحول حامي القانون إلى قاتل؟
وكيف تنقلب الشرطة إلى عصابة يحكمها الخوف بدلاً من العدل ؟
وبالنظر إلى الضابط ساغريدو لا يمكنك سوي التعجب من ذلك المزيج الغريب من النرجسية الجريحة والعنف الممنهج. التي كان يستعرض بها قوته فوق جثث ضحاياه، كأن كل جريمة محاولة يائسة لملء فراغ وجودي لا قرار له
ناهيك عن أن برودته في السرد، وشراهته للاعتراف، تكشف عن روح سادية تحاول إخضاع الآخرين.
أما شريكه كولينز فكان كالظل المكسور لشريكه، صورة باهتة للولاء الأعمى حيث أن طاعته لم تكن شرفا بل عبودية..
لكن هذه الأحداث لم تكن تتعلق بوحشية هذان الرجلان فحسب بل بالنظام الشمولي الذي شجع على وجودهم.
حيث تعلم المنظومة أبناءها أن القوة تسبق العدالة، وأن الولاء أغلى من الحقيقة.
بل وحتى بعد سقوط الديكتاتور ظل إرثه يحوم كظل ثقيل فوق البلاد
حيث الخوف الموروث والصحف المكممة والمؤسسات الفاسده.
والأمهات اللواتي لم يجدن رفات أبنائهن بعد
كلا لم تنته حقبة بينوشيه بخروجه من القصر بل استمرت في النفوس في كل موظف يبرر الطاعة، وفي كل ضابط يرى في الشعب عدوه الطبيعي.
لتبقى هذه القصة مرآة مظلمة للطبيعة البشرية حين تنزع عنها ضميرها وتذكيرا مؤلماً بأن الشر لا يحتاج قرونا ولا مخالب فقط يكفيه أن يرتدي بزة رسمية ويحمل شارة الدولة
اولا من اكتشف امريكا هوا اميريكو فيسبوتشي
ثانيا كولومبوس ليس مغامر هوا مجرد ارهابي قتل 50 مليون من الهنود الحمر
مع الاسف مثل تلك جرائم الوحشيه موجوده حتى في بلدي لكن الله ينتقم من كل ظالم
والله المقال ذكرني بالوضع في بلدي
لكن لا اريد الدخول بالتفاصيل خشية مخالفة قوانين الموقع
الله يلعن الانقلابات الى رجعتنا مئة عام للوراء
الدول الغربيه ربما بعيده عن الدين والايمان
لكن صراحه هي اعطت الانسان حريته وكرامته
لا تتوقع خير من بشر يعيشون عيشة العبيد
اختي العزيزة كارميللا .. مقال رائع وغني بالمعلومات خصوصا عن امريكا الجنوبية وماضيها مع الانقلابات .. وهو امر بالطبع ليس بعيد عن بلداننا العربية والتي شهدت موجة انقلابات خصوصا في القرن المنصرم .. وكانت نتيجتها في الغالب : الى الخلف سر!
والانقلابات والانظمة الشمولية تجلب الفوضى معها عادة ، وتغول الاجهزة الامنية ، لذا ما فعله هذان الشرطيان ليس غريبا في دنيا الانقلابات ، فعندما تمنح الدولة شيك على بياض لشرطة والجيش والامن لقمع الناس تكون النتيجة جرائم وانتهاكات خارج نطاق القانون وبدون محاسبة.
من الجيد ان الشرطيان هنا تمت معاقبتهما ، لانهما ربما في دول اخرى لحصلوا على تكريم!
تقديري واحترامي
إن الانقلاب إذا قام بقيادته سلطة عسكرية يقتلع القانون من جذوره
ويهمش الديمقراطية ويدهس حق الفرد في العيش بكرامة
ناهيك عن تتضخم الأجهزة الأمنية لدرجة أنه تنسى وظيفتها في حماية المواطن لتتذكر فقط كيف تحمي السلطة ومن يقف معها
لك تحياتي وتقديري الكبير لك يا أستاذ إياد 🌺
نامت نواطير مصر عن ثعالبها
و قد بشمنا و ما فنت العناقيد
بيت جميل يستشهد به في الكناية..
شجاعة الرقيب مثيرة للاعجاب، في ظروفه من لا يخاف على نفسه يخاف على اهله من الثعاله و النواطير ..
بالمناسبة، اسلوبك مؤخرا تطورا بشكل ملحوظ، اما في هذه المقاله فهو اوضح..
مقال جميل، موضوع يثير الحسرة، لكنه يتكرر في كل زمان و مكان..
دمتي في هناء
و تصبحين على خير
شكراً على ذوقك ولطفك🌷 سعيدة جدا بأن الأسلوب راق لك
لكن الأمر لا يتعلق بالتطور بقدر ما يتعلق الي حد كبير بنوع الجرائم
ففي هذه المقالة كان من غير الممكن الكتابة عن احداث الجرائم دون التطرق إلى الخلفية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد
جميل 👋🏻 بالتوفيق
شكراً لك يا صديقي عبدالله تحياتي لك 🌷
حتى لا ابدي تفاجئي فامريكا الجنوبية اهلكتها العصبات و اغرقتها المخدرات حتى و صلت اطراف حدودها للعالم كله..انها افة اكلت الجميع فضهرت قسوة من بأس و اصبح الموت الشنيع خبرا لا يلقى اهتمام ….فمعاد تفرق الصالح من الطالح بزي او بدون زي .. اما كاسلوب لاخافة اعدائهم و السلطة و الهيمنة الواسعة فتنوا اسماء لها وزن و اخافوا قادة و صار الشعب مرعوبا من فقدان اهله فلمن سيلتجاء اذ صار المذنب جلاد … والكل كان يعرف ان انتقامهم بالقص و النشر و انواع مهينة للبشر لم تكن مجرد مزحة الى حد هذه الساعة شاهدت وثائقي و كانه فيلم من لخبطة امريكا الجنوبية …هل هذا مخطط شيوعي او هو هيمنة راسمالية …لا احد يعلم
ساعود لاول المقالة حيث ذكرتي امريكا العزيزة او المراهقة الشقية فهي بالكاد بلغت خمس قرون امام القارات الاخرى و مع ذلك قفزت تطورا و حكمت العالم لنكن صريحين كجيش او اقتصاد ..السر ان كل تلك الامم التي سافرت لها طوعا او قسرا اخذت علومها و مهنها و ادبها وفنها معها ..فكانت خلطة عالمية من كل امة و بلد و ديانة و لسان ..فبذلك قفزت المراهقة و نضجت لتربي الجميع بسرعة و مع توافر المعادن و الثروات البكر ..صارت الشقية غنية …
تحياتي للسرد الذي يجمع المقالة و ابداء الرأي و مزج الحقائق بالاحاسيس ..دمت بخير كرمللا
أن أمريكا الجنوبية عندما تراها للوهلة الأولى تجد شعوب جميلة تحب الموسيقى والمهرجانات الدائمة لكن خلف الستار يدور جحيم من مصالح العصابات وتجار المخدرات ورجال السلطة الفاسدون أصبحت دولة داخل الدولة، والمواطن لا يعرف من القاتل… الشرطي أم التاجر أم السياسي….
واعرف أنني ابتعد عن الموضوع لكن صدقاً من أين جلبت مصطلح
أمريكا المراهقة الشقية ذاك 😅
مرحبا كارميلا لوفانو
وأهلاً وسهلاً بعودتك ايتها المحققة الشهيرة
من المؤكد.ان مثل هذه الجرائم كلها عبثية تدل على سادية المجرم و قد استغل المجرمون والقتلة غياب القانون وفشل امني جاء نتيجة لنظام انقلابياً فاسد
فالانقلاب على الشرعية هو انقلاب على النظام والقانون وهذا ما نراه اليوم في كثيرٍ من بلداننا العربية وكم بينوشية في عالمنا العربي و التي حولها الانقلاب العسكري الى شبه بلدان محتلة و كأنك تعيش حقبة الاستعمار الاوروبي
اقتصاد مدمر وشعوب مضطهده وادارة عبثية فاشلة ونظام قمعي فاسد وسجون مكتضة بمئات الالاف من ابناء شعوبهم الابرياء كل هذا من اجل ان يثبتوا لعدوهم كل الولاء والسمع والطاعة
اصبحنا نعيش بأفواه مكممة في زمن اصبح الخائن رمزاً وطنيا واصبح المناضل خائناً
بل اصبح الانقلابيون يتفاخرون بخيانتهم وولائهم للعدو فلا يهمهم الا جيوبهم وامن وسلامة اعدائهم
فقد حولوا اوطانهم من دول كانت تفاخر بقوتها وهيبتها اقتصادياً وعسكرباً الى دول تعتمد على المعونات والقروض التي اغرقت بلدانهم في بحرٍ من الديون فما صار لحال الامة من ضعف هوان الا نتيجة لخيانة الانقلابيون لا اريد ان اسرد المزيد فالقلب يفيض غيضاً وألماً
وتقبلي خالص التحايا وجزيل الشكر
هذا التعليق يا صديقي محزن بقدر ما هو صادق كأنك كتبت مرثية لوطنٍ يرفض أن يموت رغم كل الطعنات ….
الكلام يلخص واقعاً نعيشه كل يوم حيث القمع لم يعد مجرد تجاوزات فردية بل أصبح منظومة كاملة
تحياتي لك اخي الكريم
ما بال المقالات الاخيرة في الموقع موضوعها الضباط و الشرطة ؟😅
على كل حال . مقالكِ اليوم اشبه ببوابة مخفية في كهف سري ، وتجعل القارئ امام خيار الولوج إليها او الابتعاد عنها . ان ابتعد فاتته رحلة مليئة بالاثارة و الرعب وان دخل إليها فحينها عليه ان يقاوم و يصارع للبقاء حياً وسط شوارع المدينة المضجرة بالدماء ..
اسلوب السرد فيه اسطر يبدو وكأنها هاربة من رواية لعبة الملاك بحيث ينتج لنا عمل مبدع يلذ القارئ و تجعله رغماً عنه يكمل رحلته التاريخية في فينيا ديل مار .. والمعلومات السياسية التاريخية بجانب الجريمة جعلني أشعر وكأنني استمع لوثائقي عرض بأسلوب مشوق . احسنتِ عملاً👏
اما عن موضوع المقال فبصراحة في بلد يعاني من نفوذ المافيا والمهربين، لا تُدهشني مثل هذه الجرائم المروعة . تساؤلكِ في الختام ” كيف يتحول حامي القانون إلى قاتل؟ ” فيه وجهة نظر ، ربما ذلك بسبب عوامل قد تبدو صغير الا انها تعتبر الاساس لمثل هذه الحوادث ، اولها هي حقيقة ان ليس كل الافراد يحملون المسؤولية التي تتطلبها وظيفتهم ، والاخرى هي البذور الفكرية التي تزرعها المجتمعات في عقول ابناءها و التي هي تماماً كما تناوليتها في ختام مقالكِ حول القوة تسبق العدالة و الولاء والطاعة العمياء اغلى من الحقيقة . ولا ننسى دور البيئة في المساهمة بتخليق كهذا مجرمين ..
استمري ، وأتطلع بشغف الى المزيد من مقالاتكِ .
شكراً لك على يا صديقتي فريدة على وقتك وتحليلك الرائع للمقال أظن أن السبب في
أن الموضوع نال هذا الاستحسان يكمن في أنه يتشابه مع ما يحدث في الوطن العربي
الاخت كارميللا لوفانو
تحية
المقالة تفتح جرحًا إنسانيًا غائرًا في الضمير البشري.. إذ تكشف كيف يمكن للإنسان حين يتجرد من وعيه الأخلاقي أن يتحول إلى آلة جافة تحكمها السلطة لا الرحمة.. والولاء لا الضمير.
إن ما جرى في «فينيا ديل مار» ليس مجرد سلسلة جرائم.. بل انعكاس لمعادلة وجودية أبدية: حين تُمنح القوة لمن لم يتصالح مع ذاته .. فإنها لا تخلق العدل.. بل تضاعف الشر.
من زاوية نفسية.. تتجسد في القتلة حالة “العدمية الأخلاقية”.. ذلك الفراغ الذي يدفع الفرد لتجريب السلطة على الآخرين كي يثبت أنه ما زال موجودًا.. بينما هو في الحقيقة يختبر مدى موته الداخلي.
أما من زاوية فلسفية. فالقصة تصرخ بسؤال قديم جديد: من يحمي الإنسان من حُماته؟
حين يصبح الشر مؤسسياً.. ويتحول الزي الرسمي إلى رخصة للبطش.. تصبح العدالة مجرد شعار يرفع لا قيمة تُمارس.
إن مأساة فينيا ديل مار لا تخص مدينة بعينها.. بل هي مرآة لكل مجتمع يُغلق فمه خوفًا.. ويُغلق ضميره طوعًا.. لأن الشر لا يولد من الجريمة فقط.. بل من الصمت الذي يبررها.
وتطبيق هذه الحكاية على أرض الواقع يبدأ من أبسط الأشياء: أن نعيد تعريف مفهوم “القوة” لا باعتبارها تسلطًا بل مسؤولية.. وأن نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن الزي الرسمي لا يصنع الشرف بل الضمير وحده هو من يمنحه هذا المعنى .
باسم
ان السلطة يا صديقي حين تفقد ضميرها لا تعود قوة نظام بل تتحول إلى مصنع خوف. المشكلة ليست في وجود قوانين، بل في من يطبقونها..
تحية وتقدير لك يا صديقي المبدع باسم
مقال رائع وفيه تشويق
شكراً لكي عزيزتي نور 💚
ما اشبه اليوم فى بلادنا العربية بالبارحة فى تشيلى!!
رجال شرطة يتلقون الرشاوى ويلفقون التهم بتغير الادلة..يتعسفون فى استخدام سلطتهم..يعاملون المواطن معاملة السيد للعبد..وبحكم عملى فى اقسام الشرطة والمحاكم رايت الكثير والكثير من التجاوزات تصل لحد الجرائم 💔
هذا مواطن يعمل كسائق اجرة نشب خلاف بينه وبين ظابط شرطة فى احد الشوارع..اقام الاخير الدنيا ولم يقعدها…لفق للسائق العديد من التهم وزج به فى الحبس وقام بتحريض المساجين ليقوموا بالاعتداء عليه..يستنجد ويصرخ ولا مجيب رغم وجود كاميرات بداخل الحبس ولكنها عطلت بفعل فاعل..حتى لفظ انفاسه الاخيرة متاثرا بجراحه..وكل ذنبه أنه تجرأ ورد على البيه الظابط ..ما ابكانى يومها هو صراخ امه عندما علمت..تصور ام تنتظر عودة ابنها من عمله يبلغوها ان ابنها قتل بصورة وحشية على يد حثالة البشر.. (كان نفسي افرح بيه) (كان نفسي اشيل ولادك يا بنى)(كنت حنين عليه)..جمل صرخت بها الام المكلومة لتخترق قلوب كل الواقفين..ماذا تستطيع ان تفعل لتخفف عن مثل تلك الام..مهما فعلت لتهون عليها بلا جدوى.
ابتلينا باوطان ليست اوطان ولا تمت للاوطان بصلة..هى اشبه بسجون عملاقة نحن ساكنيها..ادعوا الله ان ننعم ذات يوم بطعم الحرية .
شكرا عزيزتى على حسن الطرح رغم ان المقال اثار بداخلى ذكريات أليمة🌹
سلام
إن القصة التي تحكيها صديقتي ليست سوي قطرة ماء في بحر قصص مليئة بعنف رجال الشرطة داخل السجون والأقسام
اتمنى ان ياتي يوم نحصل فيه على وطن
يحمي أبناءه بدل أن يلتهمهم…
تحية طيبة أستاذة كارميللا لوفانو المقال جميل ومميز وفيه الكثير من الابداع والتشويق وطريقة كتابة المقال جميلة ومرتبة ورائعة شكرا أستاذة كارميللا تسلم يدك واتمنى لك دوام الصحة والعافية وفي انتظار مقالاتك وابداعاتك القادمة
شكراً لك أخي الكريم 🌷 مارتن يسعدني أن المقال أعجبك