مفجر نيويورك.. أخطر مطاردة جنائية

مقدمة
هناك جرائم تهز مدينة بأكملها.. ثم تنتهي باعتقال القاتل أو موته.. وهناك جرائم تتحول إلى معركة طويلة بين العقل والخوف.. لا يسقط فيها الضحايا برصاص قاتل مجهول.. بل يعيش ملايين البشر تحت تهديد دائم.. لا يعرفون متى وأين سيظهر الخطر.. يكفي أن يترك شخص حقيبة صغيرة في محطة قطار.. أو صندوقًا معدنيًا أسفل مقعد داخل مسرح.. حتى يتحول المكان كله إلى ساحة من الذعر..

لكن ماذا لو استمرت هذه الحالة سنوات طويلة؟.. ماذا لو عجزت شرطة إحدى أكبر مدن العالم عن الوصول إلى رجل واحد.. رغم أنه كان يرسل إليهم الرسائل بانتظام.. ويعلن مسؤوليته عن جرائمه دون خوف؟.. وماذا لو انتهت تلك المطاردة.. ليس بسبب شاهد عيان أو بصمة أصابع.. بل لأن طبيبًا نفسيًا استطاع أن يرسم صورة المجرم قبل أن تراه الشرطة؟..

إنها قصة جورج ميتسكي.. الرجل الذي أرعب نيويورك لأكثر من ستة عشر عامًا.. وكتب واحدة من أغرب صفحات التاريخ الجنائي الأمريكي.. القضية التي أصبحت فيما بعد حجر الأساس لما يُعرف اليوم بالتحليل السلوكي للمجرمين.. وأثبتت أن العقل البشري قد يكون أحيانًا أقوى من أي دليل مادي.

“شرارة الانتقام”

blank

في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي.. كان جورج ميتسكي يعيش حياة تبدو عادية إلى حد كبير.. فقد عمل سنوات في شركة الكهرباء العملاقة بمدينة نيويورك.. وكان معروفًا بين زملائه بأنه رجل هادئ.. قليل الكلام.. ملتزم بعمله.. ولم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك العامل البسيط يومًا إلى أكثر المطلوبين لدى شرطة المدينة.

لكن عام 1931 شهد الحادثة التي غيرت حياته إلى الأبد.. فبينما كان يؤدي عمله داخل أحد مرافق الشركة.. تعرض لانفجار مفاجئ أدى إلى إصابته بجروح خطيرة في الرئتين والصدر.. فأصبح غير قادر على العودة إلى عمله.. اعتقد ميتسكي أن الشركة ستقف إلى جانبه وتعوضه عن إصابته.. إلا أن طلباته قوبلت بالرفض.. ثم خسر معركته القانونية للحصول على التعويض الذي كان يراه مستحقًا.

كانت تلك الهزيمة.. في نظر الجميع.. نهاية قضية عمالية عادية.. أما في عقل جورج ميتسكي.. فقد كانت بداية حرب شخصية لن تنتهي إلا بعد سنوات طويلة.

شيئًا فشيئًا.. تحول شعوره بالظلم إلى هوس.. ثم إلى كراهية عميقة تجاه الشركة التي حملها مسؤولية ضياع صحته ومستقبله.. وأصبح مقتنعًا بأن العدالة قد خذلته.. وأن القانون لم ينصفه.. وأن عليه أن يسترد حقه بنفسه.

ولم يكن أحد يعلم أن تلك الأفكار كانت تنمو في صمت.. عامًا بعد عام.. حتى تحولت إلى رغبة عارمة في الانتقام.

لم يكن جورج ميتسكي خبيرًا عسكريًا.. ولا مهندس متفجرات.. لكنه قضى سنوات يعمل داخل المنشآت الصناعية.. واكتسب خلال تلك الفترة خبرة عملية في التعامل مع الأنابيب المعدنية.. والمواد الكيميائية.. والأدوات الميكانيكية.. كما كان مولعًا بالأعمال اليدوية.. ويقضي ساعات طويلة في القراءة والتجربة داخل منزله.. وتشير التحقيقات إلى أنه اعتمد على معارف هندسية بسيطة.. وعلى ما كان متاحًا آنذاك من كتب ومجلات تقنية تشرح المبادئ العامة للدوائر الكهربائية والمواد المستخدمة في التفجير.. ثم طور أسلوبه تدريجيًا عبر التجربة والخطأ.. حتى أصبحت قنابله أكثر إحكامًا وتعقيدًا مع مرور السنوات.. ورغم بدائيتها مقارنة بالمتفجرات العسكرية.. فإنها كانت مصنوعة بدقة لافتة.. وهو ما صعّب مهمة خبراء المتفجرات.. وأكد للمحققين أنهم لا يواجهون هاويًا متهورًا.. بل رجلًا صبورًا أمضى سنوات وهو يصقل مهارته في الخفاء.

“القنبلة الأولى”

blank

في صباح السادس عشر من نوفمبر عام 1940.. دخل رجل مجهول إلى أحد مباني شركة الكهرباء في نيويورك.. كان يسير بهدوء شديد.. ولم يثر وجوده أي شكوك.. وبعد دقائق قليلة غادر المكان كما دخل.. دون أن يلتفت إليه أحد.

وبعد وقت قصير.. عثر أحد الموظفين على جسم معدني غريب مخبأ داخل المبنى.. فاستدعت الشركة خبراء المتفجرات على الفور.. وبعد الفحص.. اتضح أن الجسم لم يكن سوى قنبلة أنبوبية بدائية الصنع.. لكنها صُممت بعناية لافتة.. وإلى جوارها وُجدت رسالة قصيرة كتب فيها صاحبها كلمات حملت الكثير من الغضب والوعيد..

“هذه لكم.”

ولحسن الحظ.. لم تنفجر القنبلة.. لكن الرسالة كانت أخطر من الانفجار نفسه.. فقد أدركت الشرطة أن من صنعها ليس هاويًا يبحث عن المزاح.. بل رجل يملك معرفة جيدة بالمتفجرات.. ويخطط لشيء أكبر بكثير.

بدأ المحققون رحلة البحث.. رفعوا البصمات.. واستجوبوا العاملين.. وراجعوا أسماء كل من دخل المبنى في ذلك اليوم.. لكن النتيجة كانت صادمة.. لا بصمات.. لا شهود.. ولا أي خيط يقود إلى الفاعل.

أُغلقت القضية مؤقتًا.. واعتقد الجميع أن الحادثة لم تكن سوى واقعة معزولة لن تتكرر.. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.. فالرجل الذي ترك تلك القنبلة لم يكن يختبر قدراته فحسب.. بل كان يعلن بداية حرب طويلة ضد مدينة كاملة.

“مدينة تعيش فوق قنبلة”

blank

(محطة غراند سنترال مزدحمة برجال الشرطة والجمهور أثناء التفتيش أو الإخلاء )

مر عام.. ثم عامان.. ثم انشغلت الولايات المتحدة بالحرب العالمية الثانية.. واختفت القنابل كما اختفى صاحبها.. حتى ظن المحققون أن الخطر قد انتهى.. لكنهم فوجئوا برسالة وصلت إلى الشرطة.. كتبها الرجل المجهول بخط يده.. أكد فيها أنه لن ينفذ أي تفجيرات طوال فترة الحرب.. احترامًا للجنود الأمريكيين الذين يقاتلون في الخارج.. لكنه تعهد بأنه سيستأنف حملته فور انتهاء الحرب.

بدت الرسالة غريبة إلى حد يصعب تصديقه.. رجل يزرع القنابل.. ثم يتحدث عن الوطنية.. لكن السنوات أثبتت أن كلماته لم تكن مجرد تهديدات.. فما إن وضعت الحرب أوزارها.. حتى عاد شبح القنابل من جديد.

وفي عام 1946.. عُثر على قنبلة أخرى داخل أحد مباني شركة الكهرباء.. ثم ظهرت قنبلة جديدة بعد أشهر.. وبعدها بدأت البلاغات تتوالى بوتيرة متزايدة.. حتى لم يعد أحد يعرف أين ستكون الضربة التالية.

في البداية.. كان هدفه واضحًا.. شركة الكهرباء التي كان يحملها مسؤولية تدمير حياته.. لكن مع مرور الوقت.. اتسعت دائرة الهجمات.

بدأت القنابل تظهر داخل محطات القطارات.. والمسارح.. ودورات المياه العامة.. والمكتبات.. والهواتف العمومية.. وحتى داخل خزائن حفظ الأمتعة.. ولم يكن اختياره لهذه الأماكن عشوائيًا.. بل كان ينتقي المواقع التي يمر بها آلاف الأشخاص كل يوم.. ليضمن أن يتصدر خبر كل قنبلة عناوين الصحف في صباح اليوم التالي.

ولم تكن جميع القنابل تنفجر.. فبعضها كان يُكتشف قبل انفجاره.. وبعضها الآخر كان ينفجر متسببًا في إصابات متفاوتة.. لكن الرسالة التي أراد إيصالها كانت واحدة..

أنا موجود.. ولن تستطيعوا إيقافي.

شيئًا فشيئًا.. تحول الخوف إلى جزء من الحياة اليومية في نيويورك.. فأصبح عمال النظافة يفتشون صناديق القمامة قبل إفراغها.. وصار موظفو المسارح يفتشون المقاعد قبل دخول الجمهور.. وأصبح أي جسم معدني مجهول كفيلًا بإخلاء مبنى كامل خلال دقائق.. وكانت المدينة بأكملها تعيش في حالة استنفار دائم.

“ثلاثة انفجارات هزت نيويورك”

لم تكن جميع قنابل جورج ميتسكي تنفجر.. فكثير منها اكتشفه خبراء المتفجرات قبل أن يؤدي مهمته.. لكن القليل الذي انفجر كان كافيًا ليجعل مدينة بأكملها تعيش في خوف دائم.. ولم يعد الرعب مجرد احتمال.. بل أصبح حقيقة يراها الناس بأعينهم.

في صباح التاسع عشر من مارس عام 1954.. دخل أحد المسافرين إلى دورة المياه بمحطة “غراند سنترال”.. ولم يلفت انتباهه شيء غير مألوف.. كانت المحطة تعج بالركاب كعادتها.. والقطارات تصل وتغادر في انتظام.. لكن بعد لحظات قليلة.. دوى انفجار عنيف داخل دورة المياه.. وتناثرت شظايا القنبلة الأنبوبية في المكان.. فأصيب ثلاثة أشخاص بجروح.. وتحولت المحطة خلال دقائق إلى ساحة تعج برجال الشرطة والإسعاف.. بينما هرع آلاف المسافرين نحو المخارج في مشهد من الفوضى.. ومنذ ذلك اليوم.. أصبحت محطات القطارات هدفًا لحملات تفتيش يومية لم تعهدها المدينة من قبل.

ولم يمض سوى أشهر قليلة.. حتى أثبت المفجر أن أحدًا لم يعد في مأمن.. ففي مساء السابع من نوفمبر عام 1954.. كانت قاعة “راديو سيتي ميوزيك هول” مكتظة بآلاف المتفرجين الذين حضروا لمشاهدة فيلم “وايت كريسماس”.. وبينما كانت الأنظار معلقة بالشاشة.. كانت قنبلة صغيرة مخبأة داخل أحد المقاعد تنتظر لحظة انفجارها.. وفجأة.. دوى صوت الانفجار وسط القاعة.. وتعالت صرخات المصابين.. وأصيب أربعة أشخاص بشظايا القنبلة.. لكن الغريب أن كثيرًا من الحضور لم يدركوا في البداية ما حدث.. واستمر العرض لبعض الوقت قبل أن تبدأ الشرطة عملية تفتيش شاملة للمسرح.. لتتأكد المدينة مرة أخرى أن الرعب أصبح قادرًا على الوصول حتى إلى أماكن الترفيه.

أما الضربة التي زادت الضغط على الشرطة إلى أقصى حد.. فجاءت في الثاني من ديسمبر عام 1956.. داخل “مسرح باراماونت” في بروكلين.. حيث انفجرت قنبلة جديدة أثناء وجود الجمهور داخل القاعة.. وأصيب ستة أشخاص.. كان أحدهم في حالة خطيرة.. وانتشرت صور الضحايا في الصحف صباح اليوم التالي.. وانهالت الانتقادات على شرطة نيويورك بعد ستة عشر عامًا من المطاردة دون القبض على الجاني.. عندها.. أدرك المسؤولون أن الطرق التقليدية استنفدت كل ما لديها.. وأن استمرار المطاردة بالأسلوب نفسه لن يؤدي إلا إلى ضحايا جدد.

وكانت تلك اللحظة هي التي دفعت الشرطة إلى اتخاذ القرار الذي غيّر مجرى القضية بأكملها.. الاستعانة بطبيب نفسي لقراءة عقل الرجل الذي حيّر المدينة.

“رسائل المفجر”

blank

لم يكن جورج ميتسكي يكتفي بزرع القنابل.. بل كان يرى أن رسائله جزءًا لا يتجزأ من حملته.. فكل قنبلة كانت تحمل رسالة.. وكل رسالة كانت تحمل تهديدًا جديدًا.. وكأنه لم يكن يريد إلحاق الأذى بالأماكن فحسب.. بل أراد أيضًا أن يخوض حربًا نفسية مع الشرطة وسكان نيويورك.. وأن يثبت للجميع أنه قادر على الوصول إلى أي مكان يريده.

كانت أولى رسائله قصيرة للغاية.. لكنها كشفت منذ البداية أن هدفه الحقيقي لم يكن المدينة.. بل شركة الكهرباء التي اتهمها بتحطيم حياته.. فعندما عثر الموظفون على أول قنبلة داخل أحد مباني الشركة عام 1940.. وجدوا إلى جوارها ورقة صغيرة كتب عليها:

“كون إديسون.. هذه لكم.”

كانت كلمات قليلة.. لكنها حملت من الكراهية ما يكفي لتدرك الشرطة أنها لا تواجه عابثًا يبحث عن الشهرة.. بل رجلًا يخوض حربًا شخصية.. ويؤمن بأنه ينفذ حكمًا أصدره بنفسه.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية.. واختفى المفجر فجأة.. حتى ظن الجميع أنه مات.. أو غادر المدينة.. لكن الحقيقة ظهرت في رسالة جديدة وصلت إلى الشرطة.. أعلن فيها أنه سيوقف حملته طوال فترة الحرب احترامًا للجنود الأمريكيين الذين يقاتلون في الخارج.. وجاء في رسالته ما معناه:

“لن أضع قنابل جديدة طوال فترة الحرب.. لكن عندما تنتهي.. سأستأنف مهمتي.. وسأجعل شركة كون إديسون تنال ما تستحقه.”

بدت الرسالة غريبة إلى حد يصعب تصديقه.. رجل يزرع القنابل.. ثم يتحدث عن الوطنية واحترام الجنود.. لكن الأعجب من ذلك.. أنه التزم بوعده بالفعل.. فلم تقع أي هجمات جديدة طوال سنوات الحرب.. وما إن انتهت.. حتى عاد شبح القنابل يجوب شوارع نيويورك من جديد.

ومع تصاعد التفجيرات.. ازدادت رسائله جرأة.. ولم تعد مجرد شكاوى من شركة الكهرباء.. بل تحولت إلى تهديدات صريحة تبث الرعب في المدينة.. ففي إحدى رسائله التي بعث بها إلى إحدى الصحف.. حذر سكان نيويورك من أن حملته لم تنته بعد.. وكتب بما معناه:

“هل لاحظتم القنابل في مدينتكم؟.. إذا كنتم خائفين فأنا آسف.. وإذا أصيب أحد.. فلا مفر من ذلك.. فالعدالة يجب أن تتحقق.. احذروا.. فسأضع المزيد من القنابل تحت مقاعد المسارح قريبًا.”

لم تكن تلك الكلمات مجرد تهديد أجوف.. فبعد فترة قصيرة.. وقع انفجار بالفعل داخل أحد المسارح.. وعندها أدركت الشرطة أن الرجل لا يرسل رسائله للتفاخر.. بل كان يعتبر رسائله جزءًا من جرائمه.. وإعلانات مسبقة عن هجماته المقبلة.

أما الصحافة.. فقد وجدت في القضية مادة لا تنضب.. فكانت كل قنبلة جديدة تتصدر الصفحات الأولى.. وكل رسالة تتحول إلى حديث المدينة.. ومع مرور السنوات.. أطلقت عليه لقبًا ظل يلازمه إلى الأبد..

مفجر نيويورك.

لم يعد رجلًا مجهولًا.. بل أصبح أسطورة مرعبة.. مجرمًا يتحدى الشرطة علنًا.. ويترك لهم الرسائل وكأنه يسخر من عجزها.

قرأ المحققون تلك الرسائل عشرات المرات.. وحللوا كل كلمة فيها.. ودرسوا أسلوبه في الكتابة.. وطريقة تفكيره.. لكنهم لم يجدوا ما يقود إلى هويته.. ورغم آلاف ساعات التحقيق.. ومئات البلاغات.. وعشرات المشتبه بهم.. ظل اسمه الحقيقي مجهولًا.. وبدأت الشرطة تدرك أنها تواجه خصمًا مختلفًا.. رجلًا لا يترك بصمة واحدة.. ولا يكرر أخطاءه.. ويخطط لكل خطوة بهدوء شديد.

وفي تلك اللحظة.. أدرك المحققون أن الأدلة التقليدية لم تعد كافية.. وأنهم بحاجة إلى شخص لا يقرأ مسرح الجريمة.. بل يقرأ عقل المجرم نفسه.. وهكذا.. اتخذوا قرارًا سيغيّر مستقبل التحقيقات الجنائية إلى الأبد.

“الرجل الذي قرأ عقل المجرم”

blank

(الدكتور النفسي جيمس بروسل الذي اكتشف الجاني )

بحلول عام 1956.. كانت نيويورك قد أنهكتها المطاردة.. فقد مرت أكثر من ستة عشر عامًا منذ العثور على أول قنبلة.. وظهرت عشرات العبوات الناسفة في أنحاء المدينة.. وأُنفقت ملايين الدولارات على التحقيقات.. لكن النتيجة بقيت واحدة.. لا اسم.. لا صورة.. ولا مشتبه به حقيقي.

تحولت القضية إلى كابوس لشرطة نيويورك.. فكلما انفجرت قنبلة جديدة.. تعالت عناوين الصحف متهمة الشرطة بالعجز.. وكلما مرت الأيام دون تقدم.. ازداد شعور الناس بأن المفجر يسبق رجال الأمن بخطوة دائمًا.

وأمام هذا المأزق.. قرر المحققون القيام بخطوة لم تكن مألوفة في ذلك الزمن.. فبدلًا من سؤال خبراء المتفجرات.. لجأوا إلى طبيب نفسي.. على أمل أن يعثر داخل عقل الجاني على ما عجزوا عن العثور عليه في مسرح الجريمة.

كان ذلك الطبيب هو الدكتور جيمس بروسل.. أحد أبرز الأطباء النفسيين الذين تعاونوا مع المؤسسات الأمنية الأمريكية.. وكان يؤمن بأن كل مجرم.. مهما بلغ حرصه.. يترك جزءًا من شخصيته في كل جريمة يرتكبها.. وفي كل رسالة يكتبها.. وفي كل قرار يتخذه.

جلس بروسل بين أكوام الملفات.. لم يبدأ بدراسة القنابل أولًا.. بل بدأ بدراسة صاحبها.. قرأ الرسائل كلمةً كلمة.. ولاحظ طريقة صياغتها.. وأسلوب الكتابة.. وترتيب الجمل.. ثم انتقل إلى صور القنابل.. فدرس طريقة تصنيعها.. ودقة تركيبها.. ونوعية المواد المستخدمة فيها.. ثم أعاد ترتيب جميع الحوادث زمنيًا.. وكأنه يحاول أن يعيش داخل عقل الرجل الذي صنعها.

وكان أول ما لفت انتباهه.. أن المفجر لم يكن يتحرك بدافع الفوضى.. بل بدافع النظام.. فالرجل يكتب رسائل مرتبة.. ويصنع قنابل متقنة.. ويختار أهدافه بعناية.. بل إنه أوقف تفجيراته طوال سنوات الحرب العالمية الثانية.. ثم عاد بعدها مباشرة كما وعد في إحدى رسائله.. وهي درجة من الانضباط لا تتفق مع شخصية مجرم متهور.. بل مع رجل شديد التنظيم.. أقرب إلى الشخصية الوسواسية.

ثم توقف بروسل أمام اللغة التي استخدمها المفجر في رسائله.. فقد كانت إنجليزيته صحيحة.. لكنها تميل إلى الأسلوب الرسمي القديم.. وتحتوي على تعبيرات كانت أكثر شيوعًا بين المهاجرين الأوروبيين في تلك الحقبة.. كما أن طريقته في التفكير.. وإصراره على المطالبة بما يراه “حقًا قانونيًا” رغم مرور السنوات.. جعلته يرجح أن الرجل من أصول أوروبية.. وربما تنتمي جذوره إلى شرق أوروبا.. حيث كانت قيم الانضباط والتمسك بالنظام جزءًا من التربية الاجتماعية لدى كثير من المهاجرين آنذاك.

ثم انتقل إلى حياته الخاصة.. فسأل نفسه سؤالًا بسيطًا.. كيف يستطيع رجل أن يحتفظ داخل منزله بالأنابيب المعدنية.. والأدوات.. والمواد الكيميائية.. ويقضي ساعات طويلة في تصنيع القنابل وكتابة الرسائل.. دون أن يبلغ عنه أحد؟.. رأى بروسل أن وجود زوجة أو أطفال داخل المنزل كان سيجعل إخفاء هذا النشاط بالغ الصعوبة.. ولذلك رجح أنه يعيش مع أحد أفراد عائلته.. ربما أخت أو قريب مقرب.. أشخاص اعتادوا وجوده ولم يشكوا في تصرفاته.

أما عمره.. فلم يكن تخمينًا أيضًا.. فالقنابل الأولى ظهرت عام 1940.. ثم استمرت تتطور في دقتها عامًا بعد عام.. وهو ما يعني أن صانعها اكتسب خبرته قبل ذلك بسنوات.. وأنه لم يعد شابًا في مقتبل العمر.. بل رجل تجاوز منتصف العمر.. يمتلك خبرة صناعية طويلة.. وصبرًا يسمح له بخوض حملة انتقام استمرت أكثر من ستة عشر عامًا دون أن يفقد هدفه.

وبعد ساعات طويلة من التحليل.. أغلق بروسل الملفات.. وقال للمحققين بهدوء.. إن الرجل الذي تبحثون عنه.. ليس مجنونًا بالمعنى الشائع.. بل شخص يعيش داخل عالم صنعه بنفسه.. مقتنع تمامًا بأنه ليس مجرمًا.. وإنما رجل حُرم من العدالة.. فقرر أن ينتزعها بيده.

ثم أضاف الجملة التي ستدخل كتب التاريخ..

“عندما تذهبون لاعتقاله.. ستجدونه هادئًا.. وسيطلب أن يرتدي ملابسه قبل أن يرافقكم.. وسوف يرتدي بدلة أنيقة.. ثم يغلق أزرار سترته حتى آخر زر.”

استغرب الضباط هذا التفصيل الغريب.. فسأله أحدهم كيف يمكن أن يعرف ذلك.. فأوضح أن الرجل الذي أظهر كل هذه الدقة في رسائله.. وكل هذا النظام في صناعة قنابله.. وكل هذا الالتزام بخطته سنوات طويلة.. لا يمكن إلا أن يكون شديد الحرص على مظهره أيضًا.. وأن شخصية بهذه الدرجة من الوسواس لا تحتمل أن تترك آخر زر في سترتها مفتوحًا.

لم يكن بروسل يدعي أنه يرى الغيب.. ولم يكن يمارس السحر.. بل كان يجمع عشرات التفاصيل الصغيرة التي تجاهلها الآخرون.. ثم يعيد تركيبها في صورة واحدة.. صورة لرجل لم يره في حياته.. لكنها كانت أقرب إلى الحقيقة بصورة أذهلت الجميع.

ولم يكن أحد داخل تلك الغرفة يعلم أن الأيام القليلة التالية ستثبت أن معظم ما قاله الطبيب كان صحيحًا بصورة تكاد تكون مخيفة.. وأن هذا التحليل النفسي سيقود الشرطة أخيرًا إلى الرجل الذي حيّرها أكثر من ستة عشر عامًا.

“رسالة صنعت النهاية”

بعد أن انتهى بروسل من تحليله.. أعاد المحققون قراءة الرسائل مرة أخرى.. لكن هذه المرة بعين مختلفة.. ولاحظوا أن المفجر يكرر شكواه من شركة الكهرباء في كل خطاب تقريبًا.

وكانت الشركة تحتفظ بملفات قديمة لآلاف الموظفين الذين تعرضوا لإصابات أثناء العمل.. أو دخلوا في نزاعات قانونية معها.. فبدأت الشرطة مراجعة تلك الملفات واحدًا تلو الآخر.

كانت المهمة شاقة.. لكنها كانت أفضل خيط ظهر منذ سنوات.

مرَّت أسماء كثيرة أمام أعين المحققين.. وكل ملف كان ينتهي إلى طريق مسدود.. حتى بقي ملف واحد فقط.. ملف بدا وكأنه يجيب عن كل الأسئلة التي حيّرتهم طوال ستة عشر عامًا.

وفجأة .. برز أسم واحد ..

عامل سابق تعرض لإصابة خطيرة أثناء العمل.. وخاض معركة طويلة مع شركة الكهرباء للحصول على تعويض.. ولم يتوقف عن إرسال رسائل احتجاج غاضبة لسنوات.
كان اسمه..

جورج ميتسكي.

عندما قرأ المحققون ملفه الشخصي.. شعروا بدهشة كبيرة.. فقد كان عمره يطابق تقريبًا ما توقعه الطبيب.. كما تطابقت أصوله الأوروبية مع التحليل.. وكانت إقامته مع أفراد من عائلته صحيحة.. وحتى طريقة كتابته للرسائل جاءت متطابقة مع الرسائل التي وصلت إلى الشرطة.

عندها.. أدرك الجميع أن رحلة المطاردة الطويلة أوشكت على نهايتها.

“ليلة سقوط مفجر نيويورك”

blank

(جورج ميتسكي بعد القبض عليه وخروجه برفقة رجال الشرطة)

في مساء الحادي والعشرين من يناير عام 1957.. انطلقت عدة سيارات تابعة لشرطة نيويورك في رحلة طويلة نحو بلدة صغيرة هادئة بولاية كونيتيكت.. لم تكن الأضواء الزرقاء تملأ الطريق.. ولم تكن صفارات الإنذار تشق سكون الشوارع.. فقد أراد المحققون أن تتم العملية في هدوء تام.. خشية أن يفلت الرجل الذي حيّرهم أكثر من ستة عشر عامًا.

كان العنوان واضحًا.. منزل متواضع يعيش فيه رجل يدعى جورج ميتسكي مع شقيقتيه.

وصل الضباط إلى المنزل قبيل المساء.. وطرقوا الباب بهدوء.. ففتحت إحدى شقيقتيه الباب.. وعندما أخبروها أنهم يرغبون في الحديث مع جورج.. لم تبدُ عليها أي علامات خوف أو ارتباك.. بل دعتهم إلى الدخول بكل هدوء.

كان جورج في الطابق العلوي.. وصعد الضباط درجات السلم ببطء.. وكان كل واحد منهم يتوقع أن يواجه رجلًا مسلحًا أو مضطربًا قد يقاوم حتى النهاية.

لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.

دخلوا غرفته.. فوجدوه مستلقيًا على سريره يقرأ مجلة في هدوء.. رفع رأسه نحوهم.. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.. وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.

عرّف الضابط بنفسه.. ثم سأله مباشرة..
“هل أنت جورج ميتسكي؟”
أجاب الرجل بهدوء..
“نعم.”
ثم أضاف.. قبل أن ينطق أحد بكلمة أخرى..
“أعتقد أنكم جئتم بسبب شركة إديسون.”

ساد الصمت للحظات.. ولم يحتاج الضباط إلى طرح المزيد من الأسئلة.. فقد اعترف دون أن يطلب منه أحد الاعتراف.

طلبوا منه أن يستعد لمرافقتهم إلى نيويورك.. فنهض من سريره في هدوء.. واتجه إلى خزانة ملابسه.. وأخرج بدلة داكنة اللون.. ثم ارتداها بعناية شديدة.. وبعد أن انتهى.. أغلق أزرار سترته حتى آخر زر.

نظر الضباط إلى بعضهم في ذهول.. فقد تحقق آخر تفصيل ذكره الدكتور جيمس بروسل قبل أيام.. ولم يكن الأمر مجرد تخمين ناجح.. بل كان واحدًا من أدق التحليلات النفسية في تاريخ الجريمة.

وخلال تفتيش المنزل.. عثر المحققون على أدوات ومواد تُستخدم في صناعة القنابل.. ورسومات.. وملاحظات احتفظ بها الرجل طوال سنوات حملته.

وعندما بدأ استجوابه.. لم يحاول الإنكار.. بل اعترف بهدوء بأنه هو من زرع جميع القنابل تقريبًا.. وكشف أثناء التحقيق أنه صنع أكثر من ثلاثين قنبلة خلال سنوات حملته.. عُثر على عدد منها قبل انفجاره.. بينما انفجر بعضها الآخر متسببًا في إصابة عدد من الأشخاص وإثارة موجات متكررة من الذعر داخل المدينة.. وقال إنه لم يكن يعتبر نفسه قاتلًا.. وإن هدفه لم يكن قتل الأبرياء.. بل إجبار شركة الكهرباء على الاعتراف بما ارتكبته في حقه.

لكن الواقع كان مختلفًا.. فالقنابل التي زرعها تسببت في إصابة عدد من الأشخاص بجروح متفاوتة.. وأشاعت الرعب في نيويورك سنوات طويلة.. وأرهقت الشرطة وأجهزة الطوارئ.. وأجبرت المدينة بأكملها على العيش في خوف دائم.

وهكذا.. انتهت أطول مطاردة لمفجر مجهول في تاريخ نيويورك.. لكن القضية لم تنته عند هذا الحد.. فالأسئلة التي أثارتها محاكمته كانت أكثر تعقيدًا من القنابل نفسها.. هل كان مجرمًا كامل المسؤولية عن أفعاله؟.. أم كان رجلًا التهمه المرض النفسي.. حتى لم يعد يرى الفرق بين الانتقام والعدالة؟..

“حين جلس الانتقام أمام المحكمة”

في صباح المحاكمة.. لم يكن جورج ميتسكي يشبه الصورة التي رسمها الناس له في خيالهم طوال سنوات المطاردة.. لم يكن وحشًا يصرخ.. ولا رجلًا فاقدًا السيطرة على أعصابه.. بل دخل قاعة المحكمة بهدوء لافت.. مرتديًا ملابس أنيقة ومرتبة.. ويتبادل التحية مع الحراس والمحامين كما لو كان يحضر اجتماعًا عاديًا.

ازدحمت القاعة بالصحفيين.. وامتلأت المقاعد بالمواطنين الذين أرادوا رؤية الرجل الذي شغل عناوين الصحف لأكثر من عقد ونصف.

وقف ميتسكي أمام القاضي بكل هدوء.. واعترف بأنه هو من صنع القنابل وزرعها في أنحاء المدينة.. لكنه ظل يكرر العبارة نفسها..
“لم أكن أريد قتل أحد.. كنت أريد العدالة.”

كانت تلك الجملة تتردد على لسانه في كل جلسة تقريبًا.

ولم يُظهر خلال المحاكمة أي شعور بالندم على ما فعل.. بل بدا مقتنعًا تمامًا بأن ما ارتكبه كان ردًا مشروعًا على ظلم وقع عليه.. وهو ما عزز قناعة الأطباء بأنه يعيش داخل منظومة فكرية منفصلة عن الواقع.

وعندما سأله أحد الأطباء النفسيين عن سبب استمراره في الانتقام طوال تلك السنوات.. أجاب بأن شركة الكهرباء لم تسلبه وظيفته فحسب.. بل سلبته صحته وكرامته ومستقبله.. وأنه لم يجد من ينصفه.. لذلك قرر أن يجعلها تشعر ببعض مما شعر به.

لكن المحكمة لم تنظر إلى مشاعر الغضب وحدها.. بل نظرت أيضًا إلى حالته العقلية.

وبعد سلسلة طويلة من الفحوص النفسية.. أجمع الأطباء على أن جورج ميتسكي كان يعاني من اضطراب نفسي شديد.. تسيطر عليه أوهام الاضطهاد.. وكان مقتنعًا اقتناعًا راسخًا بأن شركة الكهرباء تتآمر عليه.. وأن كل ما يفعله ليس سوى دفاع عن حقه.

ولذلك.. قررت المحكمة اعتباره غير صالح للمحاكمة الجنائية التقليدية.. وأمرت بإيداعه في مستشفى للأمراض النفسية بدلًا من السجن.

استقبل بعضهم القرار بالارتياح.. معتبرين أن الرجل كان مريضًا قبل أن يكون مجرمًا.. بينما رأى آخرون أن عشرات القنابل.. وسنوات الرعب التي عاشتها نيويورك.. كانت تستحق عقوبة أشد.
وهكذا.. أُغلقت القضية قانونيًا.. لكن تأثيرها الحقيقي كان قد بدأ للتو.

“القضية التي غيرت علم التحقيق”

لم يكن أهم ما خلفته قضية جورج ميتسكي هو القبض على مفجر مجهول.. بل إنها غيرت الطريقة التي تنظر بها أجهزة الأمن إلى المجرمين.

وللمرة الأولى.. أثبت التحليل النفسي أنه قادر على تقديم معلومات عملية تقود إلى الجاني.. حتى في غياب البصمات.. والشهود.. والأدلة المباشرة.

وأصبحت دراسة شخصية المجرم جزءًا أساسيًا من التحقيقات الكبرى.. ولم يكن ذلك يعني أن التحليل النفسي أصبح بديلًا عن الأدلة الجنائية.. لكنه تحول إلى أداة تساعد المحققين على تضييق دائرة الاشتباه.. وتوجيه التحقيق نحو الأشخاص الأكثر احتمالًا..

وبعد سنوات.. طورت أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية هذه الفكرة.. حتى ظهرت وحدات متخصصة في التحليل السلوكي.. تعتمد على دراسة الجرائم.. ورسائل الجناة.. واختيار الضحايا.. وطريقة التنفيذ.. لرسم صورة تقترب قدر الإمكان من شخصية المجرم قبل التعرف على اسمه.

وأصبحت قضية جورج ميتسكي تُدرَّس في كثير من الأكاديميات الشرطية وكليات علم النفس.. باعتبارها أول نجاح كبير لهذا الأسلوب.

أما جورج نفسه.. فقد أمضى سنوات طويلة داخل المستشفى النفسي يتلقى العلاج.. حتى رأت اللجان الطبية أنه لم يعد يشكل خطرًا على المجتمع.. فأُفرج عنه في أوائل سبعينيات القرن الماضي.. وعاد ليعيش حياة هادئة بعيدًا عن الأضواء.. حتى توفي عام 1994.. تاركًا وراءه واحدة من أكثر القضايا غرابة في التاريخ الجنائي الأمريكي.

أما الدكتور جيمس بروسل.. فقد تحول اسمه بعد هذه القضية إلى مرجع عالمي في التحليل النفسي الجنائي.. وأصبحت طريقته في قراءة شخصية المجرمين مصدر إلهام لأجيال من المحققين وعلماء السلوك.

في النهاية ..

لم يكن جورج ميتسكي أكثر المجرمين دموية في التاريخ.. ولم يكن أكثرهم شهرة.. لكنه كان واحدًا من أكثرهم تأثيرًا.

فالرجل الذي حمل ضغينة في قلبه سنوات طويلة.. استطاع أن يحول مدينة كاملة إلى رهينة للخوف.. دون أن يطلق رصاصة واحدة.

لكن المفارقة التي يصعب نسيانها.. أن الرجل الذي أفلت من رجال الشرطة ستة عشر عامًا.. لم يسقط بسبب بصمة.. ولا شاهد.. ولا اعتراف.. بل لأن طبيبًا نفسيًا استطاع أن يفكر بالطريقة نفسها التي كان يفكر بها المجرم.. قرأ رسائله.. وفهم طريقة تفكيره.. ثم رسم صورته قبل أن تقع عليه عين الشرطة.

وهكذا.. لم تكن نهاية مفجر نيويورك مجرد نهاية لمجرم خطير.. بل كانت بداية عصر جديد.. أدرك فيه المحققون أن الطريق إلى الجاني لا يبدأ دائمًا من مسرح الجريمة..
بل قد يبدأ من أعماق العقل البشري نفسه.

إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري

3 2 الأصوات
Article Rating
المصدر
The New York Times Archive – The Mad Bomber Case (1940–1957)Federal Bureau of Investigation (FBI) – Criminal Profiling: The George Metesky (Mad Bomber) CaseThe Crime Library – George Metesky: The Mad Bomber of New York

مقالات ذات صلة

guest
4 تعليقات
صاعد الكابوسي
صاعد الكابوسي
8 دقيقة

من المخيف أن تتعامل مع شخص لا تتوقع ردود فعله، يفهمك بالطريقة التي يريد، ثم يعاملك على هذا الأساس.

ذات مرة وصفت شخصا فقلت: يسمع خطأ، والذي يسمعه خطأ يفهمه بشكل خطأ أيضا.

شكرا باسم !

بنت بحرى
بنت بحرى
1 ساعة

اذا جاء يوم ووجدت نفسي رهن الاعتقال فسافعل كما فعل المفجر المجنون وساطلب من رجال الشرطة الانتظار قليلا حتى ارتدي ملابس تليق بالموقف🙂
مع انني اشك ان رجال الشرطة عندنا سيمنحونني رفاهية هذا الطلب فانا على دراية بهم بحكم تعاملي شبه اليومى معهم..خلقهم اضيق من ان ينتظروا تنسيق الاطلالة وبالكاد قد يسمحون لي بارتداء العباءة.
ولهذا ومن باب الاستعداد لمثل تلك المواقف الطارئة احرص دائما على تجهيز اكثر من طقم كامل بملحقاته بسلطاته واكسسواراته وكل ما يلزمه ليس لانني اتوقع الاعتقال بالطبع وانما لان المشاوير المفاجئة لا تستاذن احدا.

تعاطفت مع جورج ميتسكي رغما عني في البداية.. ان تفني عمرك وصحتك في العمل ثم يقال لك في نهاية المطاف “يلا مع السلامة… مش عاوزينك”. قمة القهر بصراحة.. تصرخ بكل ما فيك من قوة ولا يسمعك احد(انا مظلوم. انا صاحب حق) ترددها حتى يبح صوتك و لا مجيب💔
حين يعجز الانسان عن استرداد حقه يشعر وكأنه تعرض للخيانة .. يشعر ان كرامته وانسانيته لم يتبق منهما ما يستر عورته الآدمية! حولوه بظلمهم من انسان عادي الى مقاتل من اجل حقه ثم الى اسير لفكرة واحدة سيطرت على عقله وهي الانتقام.
تعاطفت معه… حتى حول نيران هذا الانتقام الى وجوه الجميع.
اتفهم حين كان يضع القنابل داخل شركة الكهرباء باعتبارها الجهة التي حملها مسؤولية ما حدث له.. لكنني اعجز عن تفسير زرع متفجرات في محطة قطار او داخل مسرح او في مكان عام لا ذنب لرواده سوى حظهم السئ للتواجد فى تلك اللحظة.
فهذه زوجة تقف في انتظار زوجها بعد غياب طويل.. وتلك ام تترقب عودة ابنها.. وهذا طفل خرج مع والده في نزهة لا يعرف من الدنيا سوى انها مكان آمن.. و هذا عامل بسيط لا يشغل باله سوى لقمة عيشه التى خرج باحثا عنها…ما ذنب كل هؤلاء؟
هنا تحول جورج ميتسكي من مظلوم وصاحب حق الى ظالم يصنع مظلومية جديدة هو بطلها..فالظلم لا يبرر الظلم. والجرح مهما كان عميقا لا يمنح صاحبه حق الامساك بسيف الظلم وغرسه فى قلوب الأبرياء.

اخطر ما اصاب جورج ليس الحادث نفسه بل الطريقة التى تعامل بها بعد الحادث…فالاصابات التى لحقت به كانت ستلتئم ذات يوم لكن ما جعلها تنزف لسنوات وتزداد قروحها هى الاحساس بالاهانة .. الإحساس بأنه (ولا حاجة)..ماذا كان سيحدث لو دفعت له شركة الكهرباء تعويضا عادلا جبرت به روحه قبل جروحه؟ماذا كان سيحدث لو شعر يومها ان هناك من انصفه؟ لو وجد من يجبر خاطره قبل ان يجبر كسوره؟ هل كانت نيويورك ستعرف يوما المفجر المجنون صاحب السترة الانيقة؟
اشك فى ذلك.

الشيء الوحيد الجميل الذي خرجت به من هذه القضية لم يكن القنابل ولا المطاردات ولا حتى التحليل النفسي الذي قاد الى القبض عليه.. بل ذلك القلم المبدع الذي روى تفاصيلها.. فقد نقل الاحداث بطريقة جعلتني اشعر وكأنني اسير في شوارع نيويورك اترقب الانفجار التالي واسمع دوي المتفجرات قبل ان يتصاعد دخانها.
بورك قلمك اخى باسم
سلام 🌹

وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
1 ساعة

كله من القهر والغبن فقد حوّلاه إلى قنبلة موقوته مجنونة .. هذا ليس مبررا بالتأكيد بل وقود غذّى انتقامه .. كاان يرى نفسه صاحب حق وليس مجرما حتى أنه أوقف التفجيرات وقت الحرب من باب الوطنية .. يال هذا التناااقض الغريب الذي يجمع بين حب الوطن مع ترويع أبناءه..!.
أما الطبيب النفسي فذكاءه لا يُصدق .. لقد استغرقت الشرطة سنين لجمع الأدلة ولم تصل إلى حل ثم جاء هذا الطبيب وبجلستين فقط استطاع أن يعرف حتى تفاصيل اللبس والجاكيت وأنه سيزرر اخر زرار ..!.
باختصار ميتسكي هو من وضع حبل المشنقة حول عنقه دون أن يشعر .. فرجل مثله مهووس بالنظام والكمال لن يجرأ أبدًا على مقابلة الشرطة إلا وهو في أبهى حلته .. مغلق الازرار حتى لحظة سقوطه ..

محمد عبد الرزاق ابراهيم
محمد عبد الرزاق ابراهيم
4 ساعة

طرح مميز لقضية من أهم القضايا في تاريخ التحقيق الجنائي، خاصة في إبراز دور التحليل النفسي في كشف المجرمين. السرد مشوق ومتصاعد بشكل يحافظ على اهتمام القارئ حتى النهاية، مع ربط ذكي بين الدوافع النفسية وتطور الجريمة. قصة ميتسكي تظل مثالًا واضحًا على أن فهم العقل قد يكون أحيانًا أقوى من أي دليل مادي.

زر الذهاب إلى الأعلى
4
0
Would love your thoughts, please comment.x