المدموغ

بقلم : عطعوط – اليمن
abdualialfahad@gmail.com

رعى الله من قرأ و أثاب من علق و أحسن إلى من نشر و دقق ، و سلم من سلم الناس لسانه و يده ، و غفر لمن سمى و أستسمى و على النبي صلى.

ذات مساء في الماضي البعيد امتد الجد على السرير
و أتى اليه حفيده الصغير : لن ندعك تنام يا جدي قبل أن تحكي لنا قصة .
رشف الشاي و استند و بعد أن صلى على محمد
قال : سأحكي لكم قصة حدثة لي ، في يوم من الأيام أيقظتني حرارة الشمس مرهق مُجهد
، نظرت إلى اقصى حد فلم أجد حولي أحد
أحس رأسي ثقيل و الدماء منه تسيل ، فلمحت عصى على بعد مرمى مغروزة في الصحراء
، ظننتها إشارة لمن ظل مساره ، اقتربت منها فإذ بها حية هاجمتني بشراسة ، قذفتها بحجر وقعت في فمها ، كانت قد سبقتني فضخت في جسدي سمها ، ابتعدت مسرعاً عن المكان ، استعر بدني و فقدت بصري ، خلعت ثيابي و النعال ومرغت نفسي بالرمال ، اشتدت حرارتي ففقدت وعيي
، سمعت نداء خفي يقول : إذ رشه ببوله عاد اليه نظره ، شعرت برذاذ ظنيته مطر ، أفقت و قد عاد إلي البصر ، كان قد ذهب النهار و حل الظلام
و زاد نهمي إلى الطعام ، مشيت في الصحراء تائه محتار لا ادري إلى أين المسار ، أنست نار فاستبشرت خير و نحوها حثيت السير
، إضاءة القمر فتلاشت النار و لم يعد لها أثر
، استمريت قريب بعيد ، فربما أجد في رمادها بعض الوقيد ، عثرت على صخرة كبيرة مبعوجة صماء ملساء ، مدورة من كل الأنحاء ،
متلونة بلون السماء ، درت حولها و بصعوبة صعدت إلى سطحها ، عثرت على بركة صغيرة مليئة بالماء ، شاهدت القمر من خلاله في كبد السماء ، شربت حتى ارتويت و ذهب عني الظماء.
جلست القرفصاء و بقيت أنظر في الماء مستنداً على ذراعي إلى الوراء ، حسيت تحت كفي بقطعة كالعصاء ، أخذتها فإذ بها خنجر يعتريها الصداء
، صقلتها بالصخر بحذر فتطايرت الشرر ، لمحت هامة قادمة كأنها مركبة على الرمال عائمة
، غادرت الصخرة بأقصى سرعة و تسلقت جذع شجرة سدر يابسة ، فإذا بنمر شم الماء دون أن يشرب ، فنزل و نحوي اقترب ، جلس تحت الشجرة ناظر إلي ، فسقطت أمامه مغشي علي
، كان يرن إلى مسامعي زمجرة و زئير كأنها رفس حمير ، عاد إلي وعيي ففتحت عيني
فشاهدت النمر يستقيم فوقي و أنا تحته يظلني بظله
و عدد من السباع تحوم حوله ، أيقنت بالهلاك بعد أن أوشك القمر على الغروب و استحالة الهروب
، زمجر أسد من قلب الصحراء فتراجعت السباع إلى الوراء ، و عند اقترابه كشر أنيابه فتلقاه النمر بمخالبه ، أشتد بينهما العراك ، فقدت رشدي وغبت عن وعيي ، صحيت الصباح على صرير الرياح
فشاهدت أشلاء الأسد متناثرة و رؤوس السباع متطايرة ، و آثار العراك على الرمال ظاهرة
شعرت برجفة كالزلزال ، بحثت حولي عليّ أجد ما استر به عورتي ، لم أجد لثيابي آثر عدا الخنجر ، فسلخت الجلود عن الأجساد و انتزعت القلوب والأكباد فكانت لي خير زاد ، ثم اتخذت من الجلود سترة ما بين الركبة والسرة ، نظرت إلى الصخرة فوجدتها صماء لا يوجد فيها بركة أو ماء
حملت ما تيسر من لحم السباع ، ثم حثيت في الهواء حفنة من الثراء ، و حيث غدى الغبار كان هو المسار ، و قبل الغروب حط بي الرحال على شاطئ بحار كثيف الأشجار كثير الأدغال ،
اشتد بي الظماء ، اغترفت من البحر حفنة ماء
، كان شديد الملوحة فزادني ظماء ، اغتسلت فذهب عني زهم البول ، تفحصت المكان عرضاً و طولاً
دبغت الجلود بماء البحر المالح فذهبت عنها الروائح ، أويت إلى خدر في جذع شجرة عملاقة
و أخرجت ما فيه من زواحف وعقارب ، و على الباب علقت رأس الأسد فاتح فاه بشكل مرعب.

لمحت غزالة ترضع صغيرها نفطة وفرة ، فهويت بالخنجر نحوها فعقرها فجثت على رجليها
، اقتربت فرضعت و احتجزت صغيرها كي أضمن عودتها تذهب وتعود قبل المغيب ممتلئ ضرعها بالحليب ، بقيت على هذ الحال أشارك الحمل حليب الغزال ، في الليل أردت أن أسن الخنجر بحجر
فشاهدت تطاير الشرر ، فجمعت العشب و أعواد الحطب ، فكررت حتى اشتعل اللهب
، هممت بذبح الحمل وعلى شعاع القمر لمحت سلحفاة خرجت من المياه ، وعلى بُعد خطوات توقفت و حفرت حُفرة وعليها جثة برهة
ثم دفنتها وعادة من حيث أتت ، في الصباح
نبشت التراب فعثرت على كوم بيض كبير الحجم مطاطي القشور في الحفرة محشور ، نقلتها إلى ظل غير بعيد و وضعت بعضها على الوقيد
، كانت لذيذة و كنت بها سعيد ، أوشك البيض على النفاذ ، جلست محتار و قذفت الأمواج إلى الساحل حوت جبار ، اقتطعت منه المزيد والمزيد وشويته على الوقيد فكان يوم عيد.
قررت البحث عن مصدر ماء ، فلم يكن حليب الغزال يدفع عني الظماء ، مشيت على الساحل حاف فنهشت قدماي حراشيف القواقع والأصداف
، شاهدت حطام قارب مركوم على احد الجوانب
، فتشته و عثرت فيه على خفين و منجل وعتلة
، انتعلت فمشيت ، شاهدت عشب أخضر في مكان متصحر ، أسرعت اليه و تفحصته فشممت رائحة الماء تفوح من جذور الأعشاب و الرطوبة ظاهرة على وجه التراب ، قررت الحفر قد يكون قريب
كان قد داهمني الظماء و دنت الشمس من المغيب
، عدت مخدعي بت ليلتي في خيال أتخيل أن الماء على وجه الأرض سال ، مع الأسحار ذهبت في نفس المسار ، أخذت المعول والعتلة فبدأت الحفر بهمة ، و كلما تعمقت في الحفر زاد الطين بِلة
، عملت عدة أيام مستدامة حتى صارت الحفرة في مستوى القامة ، يئست بعد أن تعمقت الحفرة و صار الحفر أكثر صعوبة ، بعد عدة أيام عدت
وجدت الغزالة ترعى قرب الحفرة
والماء يفيض و يسيل بغزارة ، شربت بشراهة
و أتيت بالأحجار و بنيت الجدار كي لا تنطمر الحفرة وتنهار .
كنت آتي مع الغزال واقض حولها معظم النهار
، شعرت بالاطمئنان ، مررت على القارب و عثرت على خطاطيف صيد ، حاولت عدة مرات و فشلت بإجحاف ، إلا اني نجت في نهاية المطاف
، عندما شاهدت السمك ينقاد خلف الخطاف ، أمسكته و هو يرف الزعانف ، فتخطيت المخاوف
و شعرت بسعادة لا تُضاهى بعد أن حصلت على الماء والغذاء ، بنيت كوخ قرب الماء استظل فيه من الحمى ، لم أعد أذهب إلى الخدر إلا في المساء
، ذات يوم شاهدت غزال إلى جوار الغزالة في المرعى قرب عين الماء ، حاولت أن اصطاده بالخنجر إلا انه فر .
بعد فترة تغيرت أحوال الغزال و قل حليبها تدريجياً إلى أن زال ، و بعد فترة نظرت زوج غربان يحلق فوق المكان ، ذهبت فوجدت الغزال قد ولدت تؤام
و هي حوله تلعقه و تهمهم ، حملتهما في حضني و أوصلتهما إلى خدري و الغزال تجري خلفي
، فتكاثرت حتى أضحت قطيع و كان أمرها فضيع
تنفط لتشعرني باقتراب الخطر و تحجل لتيقظني في البُكر.
تلتف حولي كالضأن و تبات جواري شاعرة بالأمان ، اتخذت من لحمها غذاء و حِكت من جلودها نعال و رداء و قِرب للماء ، أضحت حياتي نعيم دائم غير منتهي ، لحم طري و حليب هني و ماء مري ، ازداد جسمي نظارة و قوة و كمال ، شعري طال و تلون بلون الرمال.
مرة السنيين والآجال و انا باق على نفس المنوال
، حلمت في المنام أني طرت في الهواء و بقيت بلا مأوى .
ذات مساء جلست خارج الخدر استنشق الرذاذ
، كان موج البحر متلاطم ، لمحت قارب عائم
متحطمة صواريه و لا أحد يعتليه ، فجأة ظهرت من تحت الماء فتاة تصارع و تكابر حتى وضعت قدميها على البر ، عارية لم يسترها سوى شعرها ساتر ، جوهرة من الجواهر تبهج الخاطر وتسر الناظر ، آنسةً بالنار فحثت نحوي المسار ، ظهر مخلوق بشع خلفها تبعها يريد الإمساك بها ، عاري جلمود مقلوب الشفاه لا فرق بين وجهه وقفاه
، تلمع أسنانه و عيناه كأنها برد رُصعت على صخر أسود .
دخلت خدري استتر والنار أمامي تستعر
، اقتربت الفتاة من النار فأشحت طرفي عن جسدها العار ، فصرخت صرخة استغاثة بصوت مريع
بعد أن شد شعرها بإحدى يديه بشكل فضيع
و حملها في حضنه كالرضيع ، فلوحت بيدها نحوي و قالت: أجيروني يا سكان المكان.
تنفست الصعداء فلبيت النداء ، و قبل أن يخوض بها الماء صحت عليه بصوت لا إرادي
: توقف ! استمر ماشي و لم يكترث لأمري ،
اقتربت منه ناديته : دعها يا غريب.
لم يلتفت و لم يجيب ، انتفض جسمي فرميته بالخنجر ، انغرز في ظهره و غاص و لم يبق منه عدى مقبض الأخماس ، التفت نحوى فاتحاً فاه كأنها وقعت على ظهره حصاة ، عاد إلى البر فوضع الفتاة و الدم يسيل قفاه ، عض لسانه و برزت أنيابه و هجم علي بكل كيانه ، نفطة الغزال فتوقف ، دخلت وكري أتدبر أمري ، و عند وصوله الباب تصلب و تجمد بعد أن نظر إلى وجه الأسد
، دار نحو الفتاة و كان الدم ينزف بغزارة
، خرجت خلفه و قذفته بشرارة ، أثارت الجمرة غضبه و نحوي عاود الكرة ، خدعته فاختفيت و من خلف الأشجار لفيت حتى وصلت إلى الفتاة ،
اقتدتها دون أن يشعر بينما كان واقف إلى وجه الأسد ينظر ، التفت فلم يجدها فحل به الفزع ونحو الغزالة هرع ، أتيت بها إلى الوكر و أدخلتها و على جلود السباع أجلستها ، ثم خرجت فإذ به قد افترس الغزالة ماصاً للدم و هو يسيل ينهشها بأنياب كأنياب الفيل ، أظلمت الدنيا بوجهي فقد كانت الغزالة بمثابة إمي ، فقلت: تدور الدوائر على الباغ ، كريت عليه بعصاء فراغ و باشرني بركلة هوت بي فعلقت في فرع الشجرة ، حاول التسلق
و كلما صعد انتكس فتقوقع و جلس .
أمطرت السماء مصحوباً بالصواعق والبوارق
، انفجرت فيه صاعقة تصاعد إثرها الدخان وملاء المكان ، لم يعثر في مكانه إلا على الخنجر لا أقل ولا أكثر ، بقيت الخنجر تلمع ليس عليها أي أثر ،
ضمدت جروح الغزالة بعناية و كانت لا تزال فيها حياة ، عدت إلى الوكر متبلد فوجدت الفتاة جالسة و قد سترت عورتها بجلد .
سألتها بعد أن طمئنتها بهلاكه : هاتِ ما عندك ، أشرحي قصتك؟.
ردت : أنا من جبل القمر ، أبنة الملك الأشقر ،
خطفني هذ المارد و حملني على قارب متهالك
وإليك سلكت بنا المسالك.
– و ماذا كان يريد من وراء ذلك؟.
– يوصلني هدية لاحد ملوك الجان .
– كيف السبيل لإيصالك لأهلك؟.
ردت: علينا العثور على القارب ، ففيه النوادر والعجائب .
فنزلت بمفردها وغاصت و بعد برهة عادت
وقد ارتدت الثياب ، في يدها قلنسوة و في اليد الأخرى جلباب ، القت إلي بالقلنسوة ، بمجرد أن حطتها على رأسي فقدت حواسي فإذ أنا
بين بشر معلقين على فروع الشجر وجوههم في نحورهم ، حُفاة عراة لم أفهم لهم لغة ، عيون غائرة و أنياب بارزة ، للواحد منهم فرج رجل و فرج إمرأة .
سألتها : من هؤلاء ؟.
ردت: أنهم من سكان جزر الفلكان ، قيدهم والدي في هذا المكان ، فلا يستطيعون مغادرته على مر الزمان ، فالأشقر مصدر الشر يتغذى على دماء البشر و له خُدام يأتوه بالأخبار بلمح البصر.
جلسنا على حافة نهر جاري ، ملأت كفي وهممت أن اشرب.
أمسكت بيدي وقالت: أنظر هؤلاء الجامدون كالأصنام ، كانوا بشر تماماً بتمام و عندما شربوا
و أستقر في بطونهم الماء تجمدوا كما ترى ، أتبعني أصلك إلى الماء .
مشينا سهل كثيفة أشجاره ، ناضجة ثماره ، انتهينا إلى صنبور منحوت من الصخور و إلى جانبه كوب فضة مربوط بسلسلة ذهب ، أخذت الكوب و وضعته تحت الصنبور فصب ، شربت و هي لم تشرب .
سلكنا طريق متعرج نحو القمة ، دخلنا كهف نستظل فشممنا رمة ، فإذ به مليء بعظام و جماجم بشر ، و البعوض والسوس فيها تنخر.
قالت: هؤلاء من التهمهم البحر في مراكب المسافرين ، فاحضرهم الغواصين ليكونوا طعاماً لهم لعدة سنين.
صعدنا فوجدنا أشجار عملاقة تعشعش فيها النحل بكثافة ، فشاهدنا في أحد الفروع عسل مشروع
، اقتربنا فتدلى الفرع الينا فكان العسل في متناول أيدينا ، أكلت حتى اكتفيت فعاد الفرع في الارتفاع
ولم تأكل هي.
و في المساء أوينا إلى كهف محكم في أحد القمم
تلمع جوانبه و حيطانه كالزجاج ، قاعه مفروش بالحرير والديباج ، يُسمع للصوت داخله صدى
يستمر في التلاشي إلى أبعد مدى ، جلست و نويت الرقود ، فخرجت هي و لم تعود.
أتت الصباح في يدها عنقود بلح و حبة تفاح ، أكلت جُلهما و لم تأكل هي من أي منهما.
ثم صعدنا فدخلنا مغارة في نهايتها بوابة
، فيها صنمان واقفان متقابلان حارسان
فكان أمرهما عجيب لا يسمحان بدخول أي غريب.
رفعا السيفان فدخلت أمامي ثم أعادا السيفان بعد أن عبرت فمُنعت أنا من الدخول ، حاولت أن اقترب من الأصنام فتصلبت حواسي والأقدام ، عادت و دفعتني للوراء ، فسلكنا منحنى شاهدنا سور شاهق
أسفله باب صخري ضيق ، طرقت الباب ففُتح من ذات نفسه ، فدخلنا متلاصقين ، فاسرع الباب وحشرني بقوة ، لمست القلنسوة فعاد و أنفتح لتوه
، مشينا حتى وصلنا حافة التل ، فإذ به يقابلنا تل
و بينهما هاوية مهب تندفع من قعرها حمم والسنة لهب .

قلت : يا فتاة ربما نهلك ، هل لكِ أن تخبريني باسمك ؟.
ردت: اسمي بلق .
– بلق ، سبحان من خلق ! والآن كيف السبيل للعبور من هذا الفج المسعور ؟.
ردت: أنظر إلى الصقر الواقف على سور المدينة
، اذا وقع السهم في عينه أتى الينا الصرح في وقته وحينه ، حذاري أن يقع السهم في القدم حينها تلتهمنا النيران والحمم .
قلت: أما الرمح فليس لي به نصيب ، فقد أخطئ وقد أصيب ، سأقذف الخنجر وسيأتيني بالخبر
، لكن قبل العبور أريد أن تفتيني في عدة أمور ؟.

– لم أراكِ تشربي الماء أو تشكي الظماء ، لماذا فمك لا يبلع الطعام وعيناك لا تغط بالمنام ؟.

ردت : حرم جوفي الأدام و هجرت عينايً المنام
، إلا بعد أن أخلص الشارد و الوارد من ظلم المارد
، فعولت عليك في قتل والدي مزاحم لِما رأيته فيك من إقدام حاسم .
عندها أخرجت خنجري من غمدي و هويت به بقوة زندي
فانتشل الصقر من موضعه فأتانا الصرح بأقصى سرعة .
مشينا عليه حتى عبرنا فأنسحب خلفنا ، أخذت الخنجر بعجل و بقي الصقر مجندل.
قالت: أبقى أنت هنا متخفي ، سأذهب إلى أبي .
استقبلها الأشقر على رأسه عُرف الديك .
سألها: لماذا سلمت القلنسوة لأعاديك ؟ أين اللص الشارد الذي قتل المارد ؟.
ردت: المارد خان فاستجرت بسكان المكان
، فأجارني أنسان فأعطاني الأمان ، سلمته قلنسوة الجان .
رد: اذهبي قبل أن يحل عليك غضبي ، أحضرية أمامي ؟.
عادت إليً بلق عيناها تقدحان و قالت: آن الأوان الآن .
أوصلتني إلى الشقروان ، كان صائل جائل بين الأبراج ، هويت عليه بخنجري فمزقت الأوداج
، اشتعلت فيه النيران فصار رماد ،
شرد من كان حوله و بطل عمل الأرصاد
، أخذت بلق عُرف الديك و وضعته على رأسها
و نصبت نفسها ملكة على الجان خلفاً لآبيها
، فكت قيود المقيدين في السهول والجبال
، أوقفتني إلى جوارها يحفها خدمها.
سألتني : ما هو أسمك أيها الأنسي ؟.
لزمت الصمت فأنا لا ادري كيف أتيت و إلى الصحراء أويت ، فلم يناديني أحد غيرها و لم أرى سواها ، بعدها اصطحبتني إلى حافة الجبل .
فقالت: انظر منابع النيل كيف تسبح فوق هذا البحر النتن ؟.
فشاهدتها تمشي على سطح البحر خيوط أمشاج
ثم تدخل تحت الجبل لتخرج من الجانب الأخر سيل عجاج ، التفتت و قالت: لم تفصح عن اسمك يا هُمام ، فليس لك هُناء مقام ، عليك الذهاب قبل أن تعصف بي روح الثأر والانتقام ، فأنت من قتل أبي و لا يُجدر بي أن أبقيك إلى جانبي .
تقدمت و أخذت القلنسوة من على رأسي فوجدت نفسي في سهل بين تلال تعصف بي الرياح وتنهال على وجهي ذرات الرمال ، فضاق بي الحال
و شديت الرحال ، فوجدت في الفلاة خيل مسجاه ،
اقتربت منها فوجدت سهم مغروز في زندها ، استللت الخنجر فأخرجته بحذر ، حاول أن أجعلها تقف ، إلا أنها كانت تتعثر ، وجدت قربة ماء على ظهرها فشربتها ، اقتدتها إلى مكان معشب فرعت
، و في الصباح وجدتها قد تعافت ، امتطيتها و تركت لها العنان في سلك الطريق والمكان
، انطلقت تسابق الريح ، توغلت في وادي فسيح
أشجاره باسقة على فروعها و القرود متعلقة ،
أوصلتني إلى باب كهف تحت الجبل وعند وصوله صهلت ، فخرجت من الكهف فتاة مكشوفة الراس في يدها فآس ، مكتنزة قوية ، طائية ، مسلهمة ، مكلثمة ، مشربة ، ململمة ، دعجى بلجى فلجى و ضحى ، تتخذ من شعرها رداء.
صاحت: يا ويلتاه ! أين أبتاه ؟.
خرجت خلفها أمرأة فناحت وا مقتولاه ، وصوبت رمح نحوي وهمت بقتلي ، بقيت مذهول لا ادري ماذا أقول ، ترجلت و ربطت الخيل في جذع نخيل
، فكثر الصياح و زاد العويل ، بعد أن أنضم اليهن رجل عليل .
أمسكت الفتاة حول عنقي و نظرة إلى وجهي
و قالت: أنت قتلت أبي ؟.
رديت : لست أنا ، و لم آت من قبل إلى هُناء .
قالت : تريث و أخبرنا ماذا جرى؟.
شرحت القصة بالتفصيل .
قالت: أرني السهم الذي انتزعته علي أكشف هويته؟.
أبرزته ، تفحصته بإمعان ثم قالت: هذا هو سهم دعجان.
– و من هو ؟.
– عدو والدي من زمان .
بعد ذلك أعطوني الأمان و قدموا لي الطعام وحليب الضأن ، ثم أتزرت الفتاة بالرمح والسيف واعتلت جواد نحيف و طلبت مني اللحاق بها كي أدلها
، كانت تروغ في الكثبان بجواد براق و كنت أجاريها السباق ، وصلنا فمسحنا الموضع مسح ماشطة و لم ندع فيه شاردة ولا واردة ، لم نجد لوالدها أثر ، بقينا نصول ونجول ، نعق غراب من نهاية التل ، ذهبنا فوجدنا أباها في خندق مجندل
فاقد وعيه مضرج بدمه و سهم مغروز في ظهره
، انتشلناه و على الجواد حملناه ، أوصلناه فطبته أبنته بعد أن أخرجت السهم من ترقوته ، استيقظ
و سأل : من هذا الفارس الغاضب و كيف أهتدى إلى المضارب ؟.
ردت: هو من وجد الخيل مسجى ، امتطاها والينا أتى ، لولاه لم نكن نعلم ماذا جرى ، الأن أخبرنا يا أبي من عليك جنى ؟.
رد : طلبت الصيد في الفلاة ، فصادفت دعجان و من والآه ، اطلقوا علي الرماح و أصابتني بجراح
، أنطلق جوادي مع الرياح ، هنالك فقدت لُبي و هنا فتحت عيني.
سالته : ماهي مشكلتك مع دعجان؟.
رد: مسألة لا يختلف عليها اثنان ، رحيلي عن هذا المكان أو تعرضي للعدوان ، فقد رأى أننا ننازعه الصيد والمراعي و نصده فلا نجيب له داعي.
قالت الفتاة : الحقيقة أن دعجان ظالم جبار
و قد صار بيننا و بينه ثار ، مغرق الناس بشره
من لم يلبي طلبه لقي حتفه ، في جميع الأحوال
يغتصب المال و الحلال و يفتض الابكار قبل أن تُزف إلى الرجال ، عزم على أخذي عنوة حليلة و لم أكن به راضية ، ارسل إلى خيمتنا مرسال
طالباً إيصالي إليه في الحال ، رديت على استعجال : لن يطال مني مطال لو فني البشر وعدم الذكر
لن أرض به نعل قبل أن يكن لي بعل ، كانت عيني أبي لوجهي ناظرة و إذناه لحديثي سامعة ، نظر اليه المرسال محتار ، فقال: الجواب ما قالته نوار.
خرج غاضب بعد أن لف رداه بكل قواه و دار
و قد عجب أشد العجب ، فلم يسبق و أن رُفض لدعجان طلب ، كانت ليلة ظلماء.
و بعد العشاء أرسل الينا جلاديه حاملين في أيدهم مشاعل لهب ، اشعلوا خيمة القطعان فتصاعد السنة النار والدخان و تعالى ثُغاء الشاة والضأن .
أخبرت أمي و أبي و جدي قائلة : سأختفي ، لن ادعهم يأخذوكم بوزري .
ظلوا صامتين إلى السنة اللهب ناظرين ، آتزرت برمحي و سيفي و على خصري خنجري ، تسلقت جذع نخلة و راقبت ما يدور متخفية.
كانوا ثلاثة ، دخل اثنان الخيمة و بقي واحد على الباب مراقب ، امسكوا أبي وهموا بشد وثاقه
، كان سهمي سريع اخترق رقبته فخر صريع محدثاً صوت مريع ، هرع أحدهم اليه فباغته بسهم
وقع في صدره و خرج يلمع من ظهره فلقى حتفه
، أمسك الثالث بأمي و بقي خلفها و مشى وهي أمامه حتى خرج من الخيمة ، فغاص في الظلام
، نزلت مسرعة فوجدت أمي على الأرض ملقية ، اقتفيت أثره ، كان يوجد أطراف الديرة جيفة جمل
والكلاب عليها متجمعة ، وعند سماعها للمطاردة نبحت ، فترجل وغير المسار نحو الجبل
، لحقته بعجل ، ثبر فتعثر ، قلت : خذ سيفك قبل أن أقطع عنقك.
رد: من أنت ، أكشف عن وجهك الخمار ؟.
رديت: أنا نوار ، لن أقبل الذل والعار .
استهان بأمري فتمالك نفسه و أشهر سيفه ، ظن أنه سيكسب الجولة ، تبجح و ترنح محاولاً جري
، كانت تتلاقى السيوف فتقرع شرر في الظلام
، فتدافعنا بالسيوف فارس الفارس و كان خلفنا هاوية متارس ، فمكر فكنت أمكر ، كر علي بشدة
فخنست من أمامه فسقط على رأسه في الهاوية
و كان هلاكه .
عدت مسرعة و وجدت النار في الخيام مستعرة و الشرر متطايرة و أبي و أمي وجدي كلاهم مغلوب على أمره.
قال أبي : نوار أبنتي كيف نجوتي ؟ هل أوصلوك اليه ؟ أين كنتي ؟ من قتل هؤلاء ؟
رديت : الأن ليس وقت جدال ، علينا أن نشد الرحال في الحال قبل أن يصلهم خبر ما جرى بالرجال .
مشينا في الظلماء و خضنا الدهماء ، فنفذ ما بحوزتنا من مؤنة ، فصادفتنا قافلة أناخت للاستراحة حاملة تجارة ، كانوا ذو بشرة سوداء لم نفهم لهم لغة إلا بالإشارة ، تزودنا منهم و رافقناهم مسيرهم ، كان لنا ثلاثة خيول نتناوب الركوب عليها ، وعند وصولنا هذا السهل رأينا الماء الجاري و الكهف الدافئ ، فقبعنا و ودعنا القافلة
، هذه حكايتنا مع دعجان كاملة.

قلت : هذا معتدي و على عاتقنا يقع التصدي.
رد أباها : أبق لدينا ضيف ، سنسترد حقنا بحد السيف ، لكن ما هو أسمك يا أسد الغابة ؟.
رديت : ليس لدي على هذا السؤال إجابة.
احتاروا في أمري فلا هم و لا أنا قادرين على فهم لغزي .
في أحد الأيام دعتني الفتاة : يا نمر خذ حط على الجرح قطر الصبر .
اهتز كياني بمجرد سماع اسم النمر ، فهو من حماني و من سم الحية عافاني .
فقلت : نعم أنا نمر ، و من النمر و إلى النمر اهتديتي ، فأنتِ خير من سميتي.
تبسمت و قالت: ستكشف الأيام سرك و تأتيني الرياح بخبرك ، من أمك ، من أباك ، من جدك ، من أخاك ، أين مسقط رأسك و مثواك ؟.
رديت : أنا أبن الصحراء ، نمر الفلاة ، أمي غزالة و أختي ظباء .
أندمل جرح أباها فنادى : يا نوار حان وقت النزال.
شدت نوار الخيل بعد منتصف الليل ، صحوت أنا في الأسحار و امتطيت خيل نوار ، بينما اعتلت نوار خيل هزيل يكسف الأنظار ، استقام الرجل العليل متكئ على عصى فقال: يا بيرق أجعل سيفك قاطع ، لا تدع من الأعداء فاطم و لا مرضع.
و قالت العجوز: يا بني كن شديد ، ترهب القريب والبعيد ، حماكم الواحد القهار من كيد الكائدين وفُجر الفُجار .
اثرنا الوادي بغبار الجياد ، على حين غرة أخذناهم
و أحرقنا مخادعهم و خيامهم ، من استقام حصدناه و بمن سبق الحقناه ، دخلنا مقام دعجان برز لنا بسيفين ، هويت عليه بخنجري ، اخترق ترقوته و سكن في قلبه فانتهى أمره .
جمعت نوار النساء نائحات عائلات ، فبرزت عجوز على صدرها كهرمان و طلبت الستر والأمان ، نظرت إلي نظرة ثاقبة خشيت منها العاقبة .
فقالت: ابني كرار يا للعار ! أنت من غزى الديار و قتل العذاراء و الأبكار ، كنت زاهد متقي بار
، وها أنت أضحيت من أفجر الفجار .
خفق صدري فرديت: لعلك أشتبهتي ، أنا نمر الفلاة ، غاز الغُزاة ، مركع الطُغاة .
ردت: أنت ابني كرار لا غيره و لا سواه ، و لي فيك علامة توجد في ذكرك شامة.
و بلاشعور صحت : وأُماه ، ارتمت في حضني استنشقتني من قدمي حتى شعر رأسي .
قالت: سبحان من أحياك بعد أن أماتك ، أصفح عن أخوتك وخواتك و أبنا عشيرتك .
فصحت بصوت جسور أرعب الحضور : اذهبوا لإطفاء الحرائق فقد غدى البائق.
نظر إليً بيرق نظرة استهجان فغادر مع نوار المكان ، ردفت إمي خلفي على الجواد مقتفي أثر بيرق ونوار ، وصلنا فشاهدناهم عند باب كهفهم واقفين والينا ناظرين مترقبين ماذا نحن فاعلين.
ربطت الجواد وحملت أمي على الزناد ، ذهبت نوار فأحضرت السجاد ثم أتت أمها بالزاد ، أكلنا و بعد أن أكملنا اجتمعنا حول أمي جالسين واليها ناظرين و إلى ما تقوله سامعين.
فقالت: أعلم يا كرار أنه حدث بين دعجان و أباك شجار ، في هذا الشجار قتل دعجان أباك ، فبرزت أنت لدعجان في الميدان و أشتد بينكم النزال
، فأتى ابن دعجان فألقى حول خصرك حبال . و طعنك بسيفه فمال ، فهويت عليه بسيفك أطرت رأسه من فوق أكتافه ، غضب دعجان و أخذ حجر فرجمك ، وقعت في مؤخرة رأسك فدمغك ،
فوقعت على الأرض مغشياً بدمك ، فأستيقن الجميع من موتك ، فامر دعجان بالإسراع بحمل جثتك إلى احدى الصحاري تنهشها الضواري ، و من يومها و دعجان يمتهن بقية عشيرتك ، كان ذلك أثناء مرور قافلتنا بحثاً عن الماء و المرعى
، بقيت في حسرة أسأل عنك الطيور المهاجرة والقوافل المسافرة علي أعثر على خبرك في أمسي قبل بكرة ، هذه قصتك فهات ما عندك ؟.
سمع الجميع سيرة كرار ، ضحك بيرق و تبسمت نوار ، فقالت: أجتمع الأخيار و كُسرت شوكة الأشرار.
قُلت : أزلت دعجان من الديرة ، الأن أنا شيخ العشيرة ، و إلي يعود الأمر و تدبيره
، اعرض عليك يا بيرق الاتحاد و إصلاح ذات البين و شئون العباد ، و بهذا يكتمل القصد و المراد.
رد بيرق بالإيجاب و رأته نوار عين الصواب
، حملوا المتاع و ذادوا القطيع مع الجياد و في عشيرة كرار ضربوا الأوتاد .
حلت البهجة و السرور و تيسرت كل الأمور ،
ذهبت أم كرار إلى أم نوار ، فقالت: كل ما أتمناه أن أرى كرار و قد أكمل بناء الدار ، و هذ لن يكون إلا بزواج كرار من نوار.
تم القبول و ذُبحت الإبل والعجول و زُفت نوار إلى كرار تحت وقع الطبول.
قالت نوار: ألم أقلك أنه ستأتيني أخبارك و تُفك كل أسرارك؟.
ضحك حتى انحناء و قال في كبرياء: زفتني اليك الخيول قبل أن تزفك إلي الطبول ، تمتعي قبل أن يحل بك الودق و تسمعي بقصة بلق.

مرة الأيام و انقضت السنيين ، أجدبت المراعي و شحت الآبار ، مل كرار من البحث عن مرعى ليل نهار ، اطبق محتار تراوده الأفكار ، أتت نوار
و أعادت إلى الوقيد الحياة .
قالت: ما لي أرى نمر الفلاة ، غاز الغُزاة ، مركع الطُغاة ، يائس من الحياة ؟ ألم تجوب الفيافي والقفار ؟ ألست أنت من حفر الآبار و بلا وقيد أشعل النار ؟ هل انتابك العجز والهوان بعد أن استعان بك الجان .
بعد أن سمع من نوار هذا السياق استفاق و إلى ماضيه تاق ، فجمع الأخيار و بعد أن أوضح
حاجة العشيرة للماء والكلاء قال: سأغيب عدة أيام أبحث عن مقام ، ستجلس في مجلسي نوار ، نجمها ساطع و سيفها قاطع ، عليكم الإذعان صغار وكبار
عبيد و أحرار.
في الصباح الباكر تزود بزاد مسافر ، أطلق عنان الجواد و نحو المشرق كان المسار ، بعد مرور بضعة أيام انتشر التذمر بين العوام ، نفقت بعض المواشي بعد أن شحت المياه و جفت المراعي فانتهز من تبقى من آل دعجان ظرف الزمان ، فعزموا على الانتقام و أخذ المقام ، فنشروا الوساوس والأوهام و حرضوا العوام.
فقال كبيرهم سمعان : أنتم تعلمون كما نعلم أن كرار مات من زمان و أن من أتى مع نوار وهاجم الديار مارد من الجان متقمص شخصية كرار
، فها هو طار و من حيث أتى سار ، انقضى الميعاد فلا هو عاد و لا أمطرت البلاد ، كثر الضجيج و الهجيج و الزحام بعد أن اجتمع الجميع أمام المقام ، بوجوه شاحبة و أفواه صاخبة تقدمهم سمعان فقال : خيروا نوار بين بيع القطعان أو شد الرحال إلى أي مكان.
كان بيرق يقف باب الخيمة شاهراً سيفه واضعاً سمعان نصب عينه ، رأت نفسها بمحنة و لا بد من أخماد الفتنة ، ظهرت مئتزرة مختمرة
بارزة غير مستترة ، يمينها بيرق و شمالها صعصاع ، اسمعوها الخيار و إليها توجهت الأنظار.
قالت : أعلموا أن ما قاله سمعان محال
، هذا صعصاع كما ترون من خيرة الرجال
، في أحشائي حملته و من صلب كرار أنجبته ،
أتوجه اليكم بهذا السؤال : اذا كان كرار مارد من الجان هل كان سيترك أهله و عشيرته يكابدون العجف والهوان ؟.
هز معظمهم رؤوسهم بالنفي و أشاروا بالبنان
، قاطعهم سمعان قائلاً : لكنه عجز عن الحل وعن أهله رحل ، و أراه لن يعود إلى الأبد ، فهو لم يصحب معه أحد .
تغير وجه نوار وتلبد فقالت: للجان قدرة خارقة في اختراق الجدران و سرعة الانتقال من مكان إلى مكان ، فلو كان كرار من الجان لاستطاع في لحظ الأعيان أن يجد مكان الماء والمرعى دون أن يجهد نفسة و يكابد العناء ، اقتنع جُلهم بكلام نوار
و قرروا الانتظار ، بينما الأخرين بقوا على إصرارهم رافضين التزحزح من أماكنهم .
رأت نوار أن الدخول معهم في شجار بين الديار سيخلف الكثير من الأضرار و قد يتستر الغوغاء خلف الأبرياء ، فقالت: من كان لسمعان مطيع فليذهب خلفه و يأخذ من القطيع نصيبه ، و ليعلم أننا سنقتفي أثرة و يكون على أيدينا أجله .
انصرف المطيعين وبقي العاصين حول سمعان ملتفين ، اعد القافلة سمعان و ذاد و من معه القطعان ، في الصحراء تائهين لا يدرون إلى أي مكان ذاهبين ، رصدت نوار مسارهم فاقتفت أثرهم
، ينامون النهار ويسيرون الليل ، طريقهم شاق مجرى سيل ، و بعد مسيرة يومين اعتراهم الإرهاق ، فنصبوا الخيام و أناخوا فناموا .
أنقضت نوار عليهم آخر نهارهم ، بقي صعصاع في الميدان يتقاطر اليه الفرسان و كل من وقع في مدار خشبته فُصل رأسه عن رقبته .
كان صعصاع رغم صغر سنه فارس قعقاع كل من رآه انصاع ، لا يحمل سيف فسلاحه خشبة شوحط ، و عند النزال يحملها خلف رأسه على كتفيه واضعاً عليها ذراعيه ، فيدور كما تدور الرحى ، فمن وقع في دوامته لقى مصرعه واصطدم بصاحبه دون أن يصل إلى صعصاع سيفه.

برز سمعان لنوار فتناطحا كالأثوار ، سقط السيف من يده فوقع على ظهره ، فغرزت نوار السيف في حنجرته ، تظاهر بالاستسلام و قال : قُتل صعصاع .
التفتت نحو أبنها ، فدفع السيف عن عنقه
و أخذ سيفه و استقام بأقصى سرعة ، شعرت نوار بالخدعة ، باشرها بكرة أنتشل خمارها ، فتناثر شعرها فكسى جسدها و ستر وجهها ، استقامت مرتبكة ، استغل الفرصة فهوى بسيفة نحوها بالضربة القاتلة وهي واقفه تنظر اليه متصلبة ،
فلمحت خنجر اخترق صدره ، فطاح السيف من يده و لقي مصرعه ، التفتت فإذا بكرار يقف خلفها على الجدار ، شاهراً في يده سيفه البتار.
فقالت: سلمت يداك ، كنت قاب قوسين أو أدنى من الهلاك .
توقف صعصاع ينظر ماذا حدث بعد أن تراكمت حوله الجثث ، شاهد شعر أمه مكشوف دون حجاب
، فغشاء عيناه الضباب ، تخطى الجثث نحو أمه حاملاً خشبته على كتفه ، كاد أن يفتك باباه لولا تدارك نوار بصياحها : هذا كرار .
تفاجأ صعصاع و بادر أبيه بالاعتذار عما بدر و صار ، ثم تلفت باحثاً عن جده بيرق
، فوجده قد فارق الحياة و جسده ممزق
، قتل سمعان بيرق في بداية النزال ، كان مصاب نوار كبير فسبق و أن فقدت أمها قبله بأقل من عام على أكثر تقدير .
عادوا بمن استسلم ذليل مهان مع القطعان إلى الديار يتقدمهم كرار ، عمت البهجة و ظهر السرور على وجوه الحضور ، أُقيم الحداد على بيرق و ذُبحت الذبائح و ناحت النوائح .
مضت عدة أيام فجمع كرار الأخيار و أطلعهم على ما جرى و صار ، فقال: عثرت على ماء غزير سباح ، وعشب منتشر في المروج والضياح ،
سننتقل بكامل العشيرة وقرب عين الماء نبني الديرة.
قالت نوار: يا كرار حدثنا عما جرى في رحلتك الأخيرة ؟.
رد : هذا أمر يطول شرحه و لا يحتمل الحاضرين طرحه .
ردوا بصياح : جميعنا مشتاقين للسماع والشرح والإيضاح .
جلست نوار يمين بينما جلس صعصاع شمال .
، و بعد أن أشعلوا الشموع أنصتوا بخشوع .
فقال: بعد أن حددت المسار طويت البراري والقفار ، فطال بي المطال ، صادفت غزالة بين كثبان الرمال ، نفطت و إلي نظرت ، ثم دارت و مشت
، عجبت لأمرها فلم تشرد كغيرها ، أدرت لجام الجواد و مشيت خلفها ، كلما كادت أن تختفي توقفت حتى اذا اقتربت منها مشت .
اقتادتني إلى المكان المنشود ، هذا المكان عشت فيه شبابي أثناء ما كنت فاقداً لصوابي .
فشاهدت أسد فضيع مريع يجوب ، و جماجم وعظام الغزلان تملأ المكان ، عرفت أنه لم يبقى من قطيع الغزلان سوى هذه الغزالة .
كان الليل قد دنى ، فتوجهت إلى عين الماء
فوجدتها كما هي ، و قد نمت و تكاثرت الأعشاب و الأشجار حولها ، ربطت الجواد و أنزلت الزاد
، دخلت الكوخ و أكلت ثم استلقيت .
في الصباح تركت الخيل في المرعى و توجهت إلى الخدر ، قبعت فيه مستتر ، ظهر الأسد و صال و جال و غادر ، فمشيت مسرع و دخلت وكره ،
فوجدت اثنين من صغاره ، ذبحتهما و أبقيتهما في موضعهما ، أمضيت نصف النهار و أنا في نفس المكان .
فجأة سمعت سحب استرقت النظر فإذا بالأسد آتى يجر في فمه غزال ، وصل باب و كره فدار و دخل زحفاً بمؤخرته جاراً للغزال بفمه ، كانت المغارة ضيقة بالكاد تتسع لجسده ، بقيت جامد عن الحركة حتى اقترب ، فمسكت ذيله بقوة و بالخنجر طعنته في بطنه ، حاول أن يلتفت دون جدوى ، بقي محشور فالمكان ضيق لا يستطيع الالتواء .
استمريت في طعنه حتى أخرجت أحشائه من جوفه و يدي ممسكة ذيله ، لم أتركه إلا بعد أن صار جثة هامدة.
القيته في العراء و رميت خلفه الجراء ، ظهرت الغزال تهز ذيلها محتفلة بموت خصمها .
ذهبت إلى الجواد وعدت مسرعاً نحو الديار أزف اليكم الأخبار .
فوصلت في الميعاد المحتوم ، بلغتني أخبار سمعان و فراره بالقطعان و اقتفاء نوار لأثره ، فجديت المسير واليه كان المصير .
إلى هُنا انتهت كل التفاصيل ، استعدوا للرحيل .
رحلت العشيرة و أخلوا الديرة ، وصلوا المكان و شعروا بالأمان ، رعت القطعان و حُلبت الضأن
، فبنوا الأكواخ و نصبوا الخيام و عاشوا بسلام
، فأضافوا مهنة الصيد البحري إلى جانب الصيد البري و رعي القطعان ، و بدأوا بزرع الحبوب بعد أن استصلحوا الأراضي الزراعية ، فاستقروا
و انتقلوا من حياة البدو الرُحّل إلى مدن الحضر
، فأسسوا مدينة ساحلية و أقاموا الحضارة المدنية.

و في النهاية و الختام صلوا على خير الأنام.
اللهم صل و سلم عليه وعلى آله و أصحابه أجمعين ، و من تبعه بإحسان من اليوم إلى يوم الدين …آمين ..

0 0 الأصوات
Article Rating

الفهد

اليمن . للتواصل مع الكاتب : abdualialfahad@gmail.com

مقالات ذات صلة

29 تعليقات
طي الكتمان
طي الكتمان
4 سنوات

في البدايه قرأت المقدمه لاني كنت في عجله واعجبتني
لكن عدت وقرأت ما تبقى
اسلوب كتابتك جميل وبعض السطور شعرت انها ذات اسلوب الجزع
هناك من يقرأ التعليقات قبل القصه ليعرف ايقرا ام لا
انصحكم بقرائتها

الفهد
الفهد
2 سنوات
ردّ على  طي الكتمان

اشتقت اليك ياطي

القلم الذهبي
القلم الذهبي
4 سنوات

القصة قمة في الروعة وليس فيها أي أخطاء إملائية وانما هو أسلوب مختلف وعن طولها فهذه ليست قصة تقرأها وانت تصعد الدرج أو تقطع الطريق بل في المساء وانت مسترخي وحينها لن تراها طويلة بل وسترغب بالمزيد وانا عن نفسي لو وجدت قصة كهذه مكتوبة بتفاصيل أكثر في كتاب من ألف صفحة لاشتريته على الفور وان شاء الله المزيد من الابداع .

عطعوط
عطعوط
4 سنوات

القلم الذهبي
مرورك وتعليقك وثناك
اثلج صدري
انت المبدع دون ان تدري
فلديك فكر وحس مرهف ذهبي
تشرفت بوجودك وتشجيعك
✋✋✋😒

عطعوط
عطعوط
4 سنوات

حسين سالم عبشل
تسلم إستاذ حسين
لتحريرك وتدقيقك وتشجيعك
فانت منبر من منابر موقع كابوس
ادامك المولى وحفظك من كل مكروة
تقبل تحياتي ✋

سماح
سماح
4 سنوات

رغم طول القصه الى انها اعجبتني تشبه حكايا التراث

عطعوط
عطعوط
4 سنوات
ردّ على  سماح

سماح
مشكور تكرمك بالمرور
تسلم

عاشق الموقع
عاشق الموقع
4 سنوات

بقدر ما اشتقت إلى موقع كابوس اشتقت لك ياعزيزي عطعوط وقصصك الاسطورية الجميلة واسلوبك العربي الأصيل بالكتابة
امتعت وتحياتي لك

عطعوط
عطعوط
4 سنوات
ردّ على  عاشق الموقع

عاشق الموقع
ابادلك نفس الشعور
تقبل سلامي ✋

دره
دره
4 سنوات

اعجبتي القصه

عطعوط
عطعوط
4 سنوات
ردّ على  دره

دره
اشعر بالإرتياح عندما اجد من يعجب بما انشرة

عطعوط
عطعوط
4 سنوات
ردّ على  دره

دره
اشعر بالإرتياح عندما اجد من يعجب بما انشرة
شكرا لمرورك

F.m
F.m
4 سنوات

حاول أن تكتب روايات أقصر و أن تدقق الأغلاط الإملائية جيداً قبل النشر بالنسبة لأسلوبك فهو جيد جداً على ما أعتقد ستصبح كاتباً مميزاً في الموقع يوماً ما لذا إجتهد في كتابة المزيد من المقالات …
تحياتي و تقديري

عطعوط
عطعوط
4 سنوات
ردّ على  F.m

F.M
سأعمل بالنصيحة
مشكور
على تشجيعك
كلك ذوق ✋

سمر جوزيف
سمر جوزيف
4 سنوات

بس ردت افهم شلون كان بالصحراء وفجأة صار على شاطئ البحر 😐
القصة حلوة وبيها كلام مضحك بس طويلة ومخربطة وبيها أغلاط املائية وبالزور خلصتها وكان بمثابة انجاز لية لأن حسبتها ما راح تخلص هههه
انت كاتب مبدع ولغتك العربية قوية وصراحة أحسدك عليها وأريد أعرف من وين تعلمت هاي المصطلحات الغريبة العجيبة الي أول مرة أشوفها بالرغم اني قارية كتب وروايات وقصص ، اعتقد انك موهوب بالفطرة
بالحق تصير من أشهر كتاب العالم ، حاول تنشر كتاباتك وتستفاد منها ، أتمنالك كل التوفيق أيها الرفيق .

امجد( متابع من الصامتين)
امجد( متابع من الصامتين)
4 سنوات
ردّ على  سمر جوزيف

هلا سمر جوزيف …
شكو ماكو …

سمر جوزيف
سمر جوزيف
4 سنوات

هلا والله بالأخ والصديق العزيز أمجد البطل
آني كلشي ماكو انت شكو ماكو 😁

امجد( متابع من الصامتين)
امجد( متابع من الصامتين)
4 سنوات
ردّ على  سمر جوزيف

نلتقي بالمقهى …..وانا كلشي ماكو

سمر جوزيف
سمر جوزيف
4 سنوات

تدلل مجود بس خلي يجون بقية الأصدقاء وراح أدخل المقهى 😊

امجد( متابع من الصامتين)
امجد( متابع من الصامتين)
4 سنوات
ردّ على  سمر جوزيف

لقد اتو جميع الاصدقاء ماعدا انتي …….هيا لا تترددي …

سمر جوزيف
سمر جوزيف
4 سنوات

زائر من المستقبل وعلاء واستيل والقائد بعد ما كن رجعو ، بس يرجع واحد منهم راح أدخل
شكرا امجد انت نعم الصديق 💚

امجد( متابع من الصامتين)
امجد( متابع من الصامتين)
4 سنوات
ردّ على  سمر جوزيف

سمر ي سبحان الله عليك …زائر احيان يدخل المقهى ..وعلاء كمان احيان يتواجد بالمقهى …باقي فاكهة الموووقع تدخل تنورنا ع المقهى يلا ادخلي المقهى ….وإلا راح نصدر امر قهري بحظورك المقهى …بلا ي بنت احرجتينا امام الناس بكلامنا

سمر جوزيف
سمر جوزيف
4 سنوات

هههه امجد الورد أوعدك راح أدخل المقهى لأجلك بس مو هل أيام لأن ما مستعدة نفسيا
أشكرك على مشاعرك النبيلة تجاهي
أعتذر منك ومن الادارة هذا آخر رد لية لأن تعرف الدردشة ممنوعة بالمواضيع
اهتم بنفسك ، الى الملتقى💕

عطعوط
عطعوط
4 سنوات
ردّ على  سمر جوزيف

سمر جوزيف
سرني وجودك وتعليقك وتشجيعك
سلام انشاءالله يوصل سلامي ✋

سمر جوزيف
سمر جوزيف
4 سنوات
ردّ على  عطعوط

وصل سلامك يا أروع كاتب 🏵

وهج
وهج
4 سنوات

أولا اللهم صلي وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم ، هل تعلم ؟ طريقتك في رواية القصة ذكرتني بقصص الاجداد عن الجن وعالمهم وقوتهم فالطالما احببت قصص عن الجن وكل القصص الغريبة والعجيبة التي يقصونها، مشكور على القصة .

عطعوط
عطعوط
4 سنوات
ردّ على  وهج

وهج
ربنا يحفظك ويديمك
بصراحة هدفي الاول هو
امتاع القارئ
شكرآ لرفع روحي المعنوية

طي ابكتمام
طي ابكتمام
4 سنوات

أعجبتني المقدمه استمر

عطعوط
عطعوط
4 سنوات
ردّ على  طي ابكتمام

طي الكتمان
شكرآ لإعجابك
ولو بحرف من القصة .
شرفني مرورك الكريم 🙋

زر الذهاب إلى الأعلى