توهم فريجولي.. الواحد يساوي الجميع
بعد أن نجح فهد في ركوب السيارة، ومغالبة أنفاسه للإدلاء بعنوانه إلى السائق المسنّ، يبدو أنّ الأخير قد اعتراه شيءٌ من الفضول تجاه الراكب المذعور أثناء سيرهم، ليبدأ الحوار التالي:
الرجل المسنّ: هل يجب أن أزيد من سرعتي؟ يبدو أنّ لديك أمرٌ طارئ.
فهد: في مثل هذه الأجواء، فإنّ الأمر طارئٌ بالنسبة للجميع.
الرجل المسنّ: في مثل هذه الأجواء؟ ماذا تقصد؟
فهد (بشيءٍ من الهلع): ألا تدرك أنّ تساقط الأمطار قد يجلب معه أرتالًا من النيازك الضخمة التي تدمّر كلّ ما يمكن أن تقع عليه؟!
الرجل المسنّ: لقد عشتُ ثمانين حولًا في هذه الدنيا، ولم أسمع أو أشاهد قط ما تدّعي، ماذا عنك؟! هل رأيت أو سمعت شيئًا من ذلك؟!
فهد: لا، ولكنّي أعتقد أنّه يحدث.
الرجل المسنّ (بعد برهة من الصمت): نعم يا بني، الأمر يحدث بالفعل، ولكن في مخيّلتك فقط!
بشيءٍ من التأمّل في القصّة – المختلقة – أعلاه، سنجد أنّ فهد يعتقد جازمًا بما يفتقر إلى أدنى دعم من الأدلّة العلميّة أو الشواهد الواقعيّة، فلم يشهد تساقط النيازك مع الأمطار، ولم يسمع بشيءٍ من ذلك طوال حياته، لكنّه بالرغم من ذلك ما يزال يتشبّث باعتقاده متجاهلًا كلّ البراهين التي قد تنقضه، وهو ما يمكن تسميته في علم النفس بالتوهّم.
يوجد العديد من أنواع التوهّم المصنّفة في علم النفس، من بينها ما يُعرف بـ “توهّم فريجولي” (fregola delusion)، وهو محور حديثنا في هذه المقالة، فما هو هذا التوهّم؟ وما أصل التسمية؟ لنتابع..
توهّم فريجولي (fregola delusion)
![]() |
| يعتقد المصاب أنّ الشخص الذي يطارده يتمتّع بقدرة وبراعة فائقة على التخفّي |
توهّم فريجولي هو اضطراب نفسي نادر، يزرع في نفس المضطرب الاعتقاد بأنّ ثمّة شخصٌ – واحد في العادة، وقد يكون العدد أكثر- معروف بالنسبة له، يطارده ويترصّد له في كلِّ مكان.. لا، ما خطر ببالك إزاء ذلك النوع من المطاردة التقليديّة غير صحيح عزيزي القارئ..
يعتقد المصاب بذلك النوع من التوهّم أنّ الشخص الذي يطارده يتمتّع بقدرة وبراعة فائقة على التخفّي وانتحال الشخصيّات البعيدة أو المقرّبة من المتوهّم، فقد يبدو في مظهر موظّفة استقبال في أحد الفنادق، أو شخصٍ عابرٍ في الطريق يودّ الاستعلام عن شيءٍ ما، وربّما تقمّص شخصيّة الأخ أو الجار.
وفي حالة تقمّص شخصيّة أحد المقرّبين على وجه التحديد، يحدث شيءٌ من التداخل مع نوعٍ آخر من التوهّم يُعرف بـ “توهّم كابجراس” (Capgras delusion)، وهو الاعتقاد بوجود شخصٍ محترف ومخادعٍ قام باختطاف أحد الأقارب أو الأصدقاء ليتّخذ هيئته ويلعب دوره في حياة المتوهّم، وربّما ساعدت مشاهدة فيلم “the son” على تكوين صورة أوضح حول ذلك الاضطراب – مع اختلاف بعض تفاصيل الفيلم التي ستكتشفها بنفسك دون أن أضطر لإفساد متعة مشاهدتك له-.
بالنسبة إلى أصل النسبة، فإنّه يعود إلى شخصٍ يدعى “ليوبولدو فريجولي”، وهو ممثّل مسرحي إيطالي، اشتهر ببراعته في تغيير مظهره على المسرح أثناء التمثيل!
![]() |
| كل الاشخاص الآخرين هم عبارة عن شخص واحد متخفي |
وعادةً ما يكون لدى المصاب بهذا الاضطراب نوعًا من التضرّر المسبق في الدماغ نتيجة التعرض لاصطدام عنيف، أو نوبات الصرع، أو الإصابة بالزهايمر، إلى غير ذلك.
الحالة الأولى التي تم تشخصيها بهذا التوهّم كانت عام 1927 لامرأةٍ في السابعة والعشرين من عمرها.. اعتقدت تلك المرأة القابعة في لندن أنّها تتعرضّ للاضطهاد من قبل اثنين من الممثّلين الذين سبق وأن شاهدتهما على المسرح، من خلال استمرارهما في تجسيد الشخصيّات التي تصادفها في حياتها بغرض تعقّبها!
وبما أنّها ليست الحالة الوحيدة التي شُخّصت بهذا الاضطراب، فسوف نستعرض بعض الحالات المشابهة فيما يلي.
حالة الشاب روبرت
![]() |
| مازال يعتقد انها قريبة منه لكن متخفية |
روبرت هو شاب يبلغ من العمر 21 عامًا، دخل المصحّة النفسيّة ليتم تشخيص حالته بانفصام الشخصيّة في مرحلته الأولى، وإصابته بنوع من عمى التعرّف على الوجوه، وهو ما أوصله إلى أحد فروعه المسمّى “توهّم فريجولي”.
كان روبرت يستخدم نوعًا من “الكريمات” الخاصّة بالوجه قبل خروجه، ويعتقد أن الفتيات لا يملكن إلّا الافتتان به من أجل ذلك، وكأنّ ذلك “الكريم” قادر على تغيير مظهر الوجه بصورة جذريّة.. في الحقيقة، من هنا بدأت المشكلة أصلًا، إذ تطوّر ذلك الاعتقاد لدى روبرت إلى الجزم فعلًا بأنّ “الكريم” قادر على تغيير مظهر الوجه بصورة جذريّة!
فمن خلال موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، نشأت علاقة بين روبرت وإحدى الفتيات على تلك المنصّة، وكان روبرت متحمّسًا لأن تأخذ العلاقة خطواتٍ إلى الأمام، إلّا أنّ الفتاة تركته في نهاية الأمر وأعلنت رحيلها!
منذ ذلك الحين وروبرت يعتقد أنّ تلك الفتاة لم تهجره بالفعل، بل إنّها ما تزال قريبةً إليه من خلال تقمّصها للشخصيّات المحيطة به، وقد سُئل عن آليّة تقمّصها لتلك الشخصيّات، فأجاب بأنّها تفعل ذلك باستخدام “الكريم” نفسه الذي يستخدمه هو!
حالة الفتاة باسكال
![]() |
| تعتقد بأنها متزوجة من رجل .. لا وجود له اصلا! .. |
في عامها الثالث والعشرين، تم إدخال باسكال إلى المشفى من قبل أهلها الذين صرّحوا بأنّ ابنتهم أخبرتهم بدخول رجلٍ في حياتها منذ 6 أشهر، وقد أحبّته، وباتت تريد الزواج منه وتكوين أسرة سعيدة، بل إنّها قد تزوّجت منه منذ شهر مضى.
لعلّك تتساءل أيها القارئ الكريم: وهل يستحق الأمر إدخالها إلى المصحّة النفسيّة؟!
حسنًا، ربما سترى أن الأمر يستحقّ إذا أخبرتك بعدم وجود رجلٍ في حياتها أصلًا، فهي لا تملك أيّة معلومات عنه، وكل ما تعرفه هو أنّه يتنكّر في صورة المقرّبين منها ليراها ويتواصل معها!
من الجدير بالذكر، أنّ باسكال وعائلتها ليس لديهم أي تاريخ مرضي نفسي، ولم يسبق لها التعرّض لإصابة في الرأس أو نوبات من أي نوع، والتي من شأنها أن تعزز من ترجيح الاضطراب النفسي أو العصبي، مع العلم بأنّ الفحوصات البيولوجيّة أظهرت وجود بعض العلل مثل فقر الدم ونقص بعض الفيتامينات، وأُعطيت الأدوية اللازمة. مؤخرًا تم وصف حالتها بأنّها “على ما يرام”، وذلك بعد متابعة طبيّة استمرّت لشهور – على الأقل -.
في الختام..
بعيدًا عن التوهّم المَرَضي، وبعد التضرّع إلى الله تعالى بالشفاء التام والعاجل لجميع المرضى، أعتقد أنّ الإنسان بما يملك من قدرة على الخروج عن المنطق وإطلاق العنان لخياله الجامح، فلا بدّ أنّنا جميعًا قد وقعنا بطريقة أو بأخرى في التوهّم.. أتذكّر خلال طفولتي المبكّرة أنّني كنت أفكر أحيانًا فيما لو كان الناس من حولي عبارة عن ممثّلين، وليسوا بشرًا حقيقيّين – كما لو أنّني آخر قِطعة من سلالة آدم -، ماذا عنك؟!.. تكرّموا بإثراء المقال بآرائكم ومشاركاتكم حول الموضوع.. دمتم بخير.
المصادر :
– Fregoli delusion – Wikipedia
– A case of Fregoli syndrome and Erotomania associated with anemia
– A “Contemporary” Case of Frégoli Syndrome

فعلا انا صابتني هذي الحاله قبل ٤ سنين وكانت بعد ما تعرضت لصدمه والان كلما تذكرت الايام التي مررت بها اضحك على نفسي وزياده على ذلك كنت اعتقد ان جميع اسراري مكشوفه للناس وفعلا هذا التوهم خطير لانه ممكن ان يجعلك تقع في المشاكل
لفترة ليست ببعيدة تعرضت لخيانة من صديقاتي وكانت خياناتهم لي تظهر بعد كم سنة او شهر من الصداقة و كنت فقدت الثقة بكل الاشخاص حولي واعتقدت لفترة ان العالم كله متحد ضدي ويكرهونني ويدبرون لي الخطط من ورائي
لكن اكتشفت ان محد درا عني وعدت لصوابي
جميل جدا الحمدلله على كل حال الله يشفي الناس العندها المرض دا لان حيكون عايشين في خوف مستمر
مسكين من لديه هذه الحالة فهو يعيش أغلب حياته في خوف دائم.
انا في بعض الأحيان احس اني في شاشة كبيره وفي ناس قاعدين يدرسوني ويسوون فيني بحوثات ودراسات
في صغري كنت أظن أنني مختطفة و أن عائلتي الحقيقية تبحث عني أظن أن هذه التوهمات تجذرت في بسبب صدمة حدثت لي في الماضي
في صغري كنت أظن أنني مختطفة و أن عائلتي الحقيقية تبحث عني أظن أن هذه التوهمات تجذرت في بسبب صدمة حدثت لي في الماضي
كنت اعتقد ان الدنيا مسرحية والامر المضحك كنت اظن ان ابي ليس بأبي وانه سوف يخطفني يوماً ما . كنت اموت خوفاً عند الخروج معه لكن الحمد لله ليس بي شيء مما يذكر سبب ما حصل لي لأن علاقتي مع امي قوية ولا افارقها وابي يسافر دوماً للعمل وكنت طفل امي المدلل هههه
كنت اعتقد ان الدنيا مسرحية والامر المضحك كنت اظن ان ابي ليس بأبي وانه سوف يخطفني يوماً ما . كنت اموت خوفاً عند الخروج معه لكن الحمد لله ليس بي شيء مما يذكر سبب ما حصل لي لأن علاقتي مع امي قوية ولا افارقها وابي يسافر دوماً للعمل وكنت طفل امي المدلل هههه
والله انا ايضا كنت اظن ان حياتي كلها تمثيل عندما كنت صغيرا
احب هذا النوع من المواضيع
شي محزن فعلا
شكرا جزيلا لك على المعلومات المفيده
اعجبني المقال .رائع
فعلا الاوهام انواع كثيرة و لا حصر لها .و اكثرها هي تلك الاوهام التي تجعل الفتاة تظن ان شبحا او جنا يحبها بجنون او حتى شخصا لا وجود له مثلما حدث مع باسكال .و احزنني ما حدث مع روبرت و الذي تولد من الصدمة حيث لم يتقبل ان حبيبته تركته فحاول التخفيف عن نفسه بقناع الكريم.
واوووو مقال رائع..علم النفس كالبحر ملئ بالاسرار
اشكر الله لم اقابل احد هكذا في حياتي.أشعر باالاسف عليهم الله يشفيهم ويبعدهم عنا.لا اتمني مقابله احدهم الصراحه
..
مممممممم بالنسبه للتوهمات
عندما كنت طفله كنت التصور ان العابي والدمي تفهم كلامنا وترانا وكله بسبب فيلم”حكايه لعبه”اثر في جدا ههههه
لم أكن أعلم ان الوهم يصل إلى هذه الدرجة ، أحزنني حال الشاب روبيرت ، أما أصحاب حالات توهم الحب والعشق والغرام حيال الجن والإنس فهم كثير وأكثرهم من الفتيات لأنهن عاطفيات ، والفتاة باسكال تعاني نقص في الحديد يسبب لها توهمات وهلاوس وقد ذكرت هذا الأمر في كثير من تعليقاتي بأن الصحة تؤثر كثيرا على العقل والعقل السليم في الجسم السليم ، بعض الامراض النفسية سببها صحي
أما عن توهماتي فقد كنت اتوهم ان صوت الصواعق الرعدية سوف يفجر السماء
لكن هل مررتم بأشخاص يتوهمون أنك متفرغ لهم ولإيذائهم وأنك تقصدهم بكل كلمة تتفوه بها ، وانك تتكبر وتتعالى عليهم بمجرد ذكرك بعفوية لأي شيئ جميل يخصك ، فيتحسسون منك ويتآكلون من كلامك وأنت بريئ ههههه ، نعم انا مررت بشخص مريض بهذا الوهم
ياه مرض مخيف حقا ، تخيل أن تعيش حياتك وأنت في وهم كبير ، أشفق على المصابين به ، عالم الأمراض النفسية عالم واسع جدا وكل يوم نسمع أو نقرأ عن مرض جديد ..
شكرا على المقال وبإنتظار جديدك
اول مرة اسمع بموضوع عن الحالة هادي بجد شكرا عالمجهود والتعب هاد يا جماعة الخير
احب هذا النوع من المقالات هذه الحالة تنطبق على من يظن نفسه بأن الجميع يتآمر عليهيعيش في خوف وهلع من كل ما يراه.
و الله حالتهم تحزن .
وليد الشهري
شكرا لك على هذا المقال الجميل اول مرة اسمع بهذه المعلومات
سلمت يداك
كان ابن عمي يعاني من هذا المرض كنا تخرج انا و اخي معه كان يلتفت وراءه كالمجنون ويقول ان ذلك شخص يراقبنا منذ ان خرجنا من المنزل و انه يريد قتله و كان يجبرنا ان تتذوق طعامه قبله لأنه مسمم هههههههههه
مقال شيق و فعلا حقيقي انا شخصيا قابلت شخص عنده هذا المرض هو شخص ظاهريا طبيعي جدا لديه منزل و عمل جيد اخلاقه حسنه مع الجميع طيب يتصرف برصانة في ماعادا شي واحد دائما ما يدعي انه متزوج و عنده أطفال و عندما أقول يدعي يعني انه يحكي جديا بدون مزح هذاه القصة العجيبة و يحكي يومياته مع أطفاله و حسن أخلاق زوجته و عندما بسألونه الناس لماذا لا احد يراهم و لا يسمع عنهم شي يقول انهم غير مرئيين لبقية الناس و يعيشون في بعد اخر يستطيع هو وحده الوصول إليه و انهم احيانا يتنكرون في صورة أشخاص مقربين و يخرجون معه رغم ان الوحيدين اللذين يروون معه هم أخواته و امه لا غير
شكرا على المقال
وليد الشهري..يعطيك العافيه
الامراض العقليه والنفسيه من اصعب الامراض اللي ممكن المريض او اهله التكييف معها..
الله يشفي الجميع
أذكر أنني شاهدت فيلم أمريكي يناقش هذه الحالة النفسية الصعبة .. و بالنسبة للمقال فهو رائع و موضوعه غريب جداً ..
تسلم على المقال ومعلومات أول مره اطلع عليها
مقال متعوب علبه الصراحة شكرا للكاتب
هههه فكرتني بصاحبي عنده توهم تقريبا لانه يخاف يمشي في شارع مضلم بروحا هههه خايف من واحد صايع دايما يضرب فيه طرايح هههههه يقولي ممكن الصليع هذا يراقب فيا ههههه
و لم الضحك على شخص يعاني
شكرا علي هذا المقال الرائع
و الله معلومات اول مرة اعرفها