جريمة الأطفال الثلاثة .. المشهد الذي هز بريطانيا

مقدمة

هناك جرائم تمر عابرة في صفحات الجرائد .. وهناك جرائم تتحول إلى ظل طويل يمشي خلف مدينة كاملة .. لا يغادرها مهما تبدلت الوجوه وتعاقبت السنوات .. في ربيع عام 1973 كانت مدينة ووستر الإنجليزية تبدو كأي مدينة هادئة .. شوارع ضيقة .. حدائق صغيرة .. وأصوات أطفال تتردد بين البيوت .. لم يكن أحد يتصور أن بيتًا عاديًا في أحد أحيائها سيصبح خلال ساعات مسرحًا لمشهد سيصدم بريطانيا بأكملها .

في ذلك المساء لم تسقط البراءة وحدها .. بل سقط معها وهم الأمان البسيط الذي يمنح الناس الطمأنينة وهم يغلقون أبوابهم ليلًا .

“طفولة مضطربة وبدايات بلا ملامح”

وُلد ديفيد أنثوني ماكغريفي في مطلع خمسينات القرن العشرين في بريطانيا .. ونشأ في بيئة فقيرة ومضطربة .. لم تكن طفولته مستقرة أو مفعمة بالدفء .. بل طغت عليها علامات خلل مبكر ظهرت بوضوح منذ سنواته الأولى .
عانى من تأخر ذهني ملحوظ .. وصعوبات حادة في التعلم .. وكان سلوكه يميل أحيانًا إلى العدوانية المتقطعة .. لم يحقق نجاحًا دراسيًا يُذكر .. وغادر المدرسة مبكرًا دون مؤهلات .. ليبدأ حياة من التنقل بين أعمال بسيطة لا يستقر فيها طويلا .

التحق في مرحلة من شبابه بالجيش البريطاني .. بحثًا عن انضباط مفقود أو هوية صلبة .. لكن التجربة لم تدم .. خرج من الخدمة بعد فترة قصيرة وسط مشكلات سلوكية وعدم قدرة على التأقلم مع النظام العسكري الصارم .

كان انطوائيًا في معظم أوقاته .. يميل إلى العزلة .. يرافقه الإفراط في شرب الكحول ونوبات غضب غير مبررة .. في أواخر ستينات القرن العشرين كان يعيش حياة هامشية بلا استقرار حقيقي .. يتنقل بين مساكن مؤقتة وأعمال متقطعة .. حتى استقر به الحال في مدينة ووستر الإنجليزية .

هناك تعرّف على عائلة رالف .. أسرة بسيطة كانت تستعين به أحيانًا في بعض الأعمال الصغيرة .. ثم سمحت له بالإقامة لديهم مقابل مساهمة محدودة .. دخل البيت كضيف .. ومع الوقت أصبح وجوده أمرًا مألوفًا .

في ذلك المنزل كان الأطفال الثلاثة .. بول رالف ذو الأعوام الأربعة .. داون رالف ذات العامين .. والرضيعة سامانثا رالف ذات الأشهر التسعة .. يرونه وجهاً معتادًا في أروقة البيت .. لم يكن في نظرهم سوى شخص يعيش معهم تحت السقف ذاته .

blank

“الليلة التي سقط فيها القناع”

في مساء الثالث عشر من أبريل عام 1973 كان البيت هادئًا تمامًا .. لا شيء ينبئ بأن شيئًا سيحدث بعد دقائق قليلة .. خرج الوالدان لبعض الوقت .. تاركين أبناءهم في رعاية من ظنوه شخصًا مأمونًا ..
داخل هذا المنزل وفي غياب أي رقابة انهار ما تبقى من توازن ديفيد النفسي .. لا تزال الدوافع الدقيقة غير معروفة حتى اليوم .. لكن التحقيقات أشارت إلى احتمال وقوعه تحت تأثير اضطراب عقلي حاد تفاقم مع الكحول .. وفي لحظة مرعبة دخل في نوبة غضب عنيفة !.

بدأ الاعتداء على الأطفال الثلاثة بعنف شديد .. مستخدمًا قوة مفرطة لا تتناسب مع أي دافع عقلاني مفهوم .. لم تكن الجريمة خاطفة .. بل فعلاً دمويًا متتابعًا .. تصاعدت فيه القسوة تدريجيًا حتى انتهى بمقتل الأطفال الثلاثة داخل منزلهم ..
قُتل بول خنقًا ..
وذُبحت داون بجرح في الحلق ..
أما سامانثا الصغيرة فقد فارقت الحياة إثر كسر في جمجمتها .

ثم خرج إلى الحديقة الخلفية ووضع أجسادهم على سياج حديدي حاد في مشهد صادم تجاوز حدود الإدراك ..
حين عاد الأبوان كانت الصورة أمام المنزل كافية لتحطم ما تبقى من العقل .. لم يكن الأمر يحتاج إلى شرح .. المدينة بأكملها استيقظت على مشهد لا يشبه إلا الكوابيس .

blank

“الاعتراف والحكم”

أُلقي القبض عليه بسرعة .. ولم تكن هناك رواية معقدة أو محاولة إنكار طويلة .. اعترف بقتل الأطفال الثلاثة خلال جلسة محاكمة مختصرة نسبيًا عام 1973 .
حُكم عليه بالسجن المؤبد .. وقضى أكثر من خمسة وأربعين عامًا خلف القضبان .. كثير منها في حماية خاصة نظرًا لطبيعة جريمته وغضب السجناء من مرتكبي جرائم قتل الأطفال .

blank

“الجدل حول الإفراج”

في عام 2018 أعلنت لجنة الإفراج المشروط أنه لم يعد يمثل خطرًا كما كان في شبابه .. القرار أثار موجة غضب واسعة في المجتمع البريطاني .. إذ رأى كثيرون أن بعض الجرائم لا يطويها الزمن مهما طال ..وهكذا عادت الجريمة إلى الواجهة بعد خمسة وأربعين عامًا .. ليس بوصفها خبرًا جنائيًا .. بل كسؤال أخلاقي حول حدود العقاب والغفران .

blank

ختاما

جريمة الأطفال الثلاثة لم تكن مجرد حادث جنائي في سجل القضاء البريطاني .. بل لحظة انكسار في ثقة مجتمع كامل ..
هناك شرور لا تحتاج إلى تخطيط معقد .. يكفي أن ينهار إنسان من الداخل في لحظة مظلمة .. فتتحول حياة أبرياء إلى ذكرى دامية ..
في ووستر ما زال الثالث عشر من أبريل يحمل صدى صامت .. يهمس بأن الأمان ليس حقيقة ثابتة .. بل توازن هش قد يسقط إذا تصدع عقل واحد في غرفة مغلقة .

إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري

5 1 تصويت
Article Rating
بواسطة
WikipediaThe IndependentSky NewsITV News

باسم الصعيدي

باسم عبد المجيد : كاتب من صعيد مصر.. بدأ رحلته مع الكتابة في موقع كابوس عام 2012 تحت اسم "باسم الصعيدي".. يكتب بأسلوبه الذي يمزج بين الرعب الواقعي والتحليل النفسي والبحث التاريخي.. ليقدّم نصوصًا تحمل فكرًا أدبيًا عميقًا يكشف الجانب الخفي من الإنسان و الحياة. للتواصل : 12bassem22@gmail.com

مقالات ذات صلة

guest
0 تعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x