سفاح الدمى المرعبة

أفاقت الفتاة و هي تحس بألم مريع في كل أنحاء جسدها ، تشعر برعب كبير و أطرافها ترتجف هلعا . مقيدة بإحكام على كرسي و فمها مكمم بشريط ، المكان مظلم جدا و خبيث الرائحة ، هناك شخص أمامها لا يظهر بوضوح بسبب الإضاءة الخافتة . و فجأة بدأ يعزف لحنا مرعبا اقشعر منه جسمها و انتصبت بعض الشعيرات في مؤخرة رأسها .
بدأت تعتاد الإضاءة نوعا ما ، هذا الشخص المجهول لا شك أنه من اختطفها من مدرستها . إنه يجلس على بيانو و يعطيها بظهره . انتهى العزف و استدار نحوها و بدأ يقترب ببطء شديد نحوها كأنه يستمتع بإرعابها . إنها تراه الآن بوضوح ، عجوزا بشعة ، مجعدة البشرة بشدة كأنها تعاني مرضا جلديا ما . وجه غريب و مخيف ، بل هو أكثر وجه مفزع رأته تلك المسكينة في حياتها القصيرة التي لم تتجاوز السبعة عشر عاما .
لمع نصل سكين الذي تحمله تلك المجنونة ، كان طويلا حادا لو شئنا الدقة ، وكافيا لتقطيع بقرة . كانت تسير نحوها الهوينى و هي تبتسم بطريقة لا تصدر إلا من مختل . جمدت الدماء في عروقها و بدأ صدرها يعلو و يهبط بشدة . حاولت التحرك أو الصراخ دون جدوى ، ثم صوت طعن و تقطيع و دماء يرافقها صراخ أليم مكتوم و انتهى كل شيء .
**
واقفا في مسرح الجريمة أغلق أنفي و أمامي جثة مسجاة على الأرض قتلت صاحبتها بوحشية و شوهت تماما ، و لم يبق إلا وجهها سليما ، تفحصت المكان بدقة و أنا أقول في نفسي :
ــ هذه الجريمة غير عادية .
و هنا قال مساعدي :
ــ الضحية تلميذة عمرها سبعة عشر سنة . اختفت بعد خروجها من المدرسة مباشرة . وترك لنا القاتل هذا ..
و أشار إلى علبة كرتونية صغيرة بها دمية مشوهة .
إقرأ أيضا : لعنة الساحرة
شعرت بغثيان مرفوقا بالهلع و أنا أعاين كل هذا الخبل ، لم يكن بيدي حيلة إلا إصدار بعض التوجيهات له و الانصراف مسرعا .
شعرت بحزن شديد على تلك الشابة الصغيرة ، فرغم اعتيادي على الجرائم و منظر الجثث لكن هذا الشيء لم يمر بي من قبل و كان فوق احتمالي . من هو المجرم الذي بإمكانه تشويه جسد الى هذه الدرجة ؟! .عدت إلى البيت معكر المزاج و غير قادر على الأكل أو المزاح رغم محاولات ابنة أختي في إضحاكي أو الترويح عني . لكني لم أقدر على مجاراتها و لو مجاملة لها ، و ارتميت في فراشي . و أنا أتمنى أن يكون كل ما حدث اليوم كابوسا مقلقا سرعان ما سينتهي .
**
في الصباح الموالي كانت الحركة في مركز الشرطة على قدم و ساق ، الجميع يعملون بجدية كخلية نحل و هذا بسبب ما حصل ليلة أمس . عقد اجتماع للضباط من أجل التباحث في القضية و التحقيق فيها ، و قد كانت معظم الأراء ساذجة و سطحية .
تخلل الإجتماع إلقاء بعض النكت و المزاح رغم جدية الموقف و خطورته . و هذا طبيعي بالنسبة إلى رجال اعتادوا على تشغيل بطونهم و ألسنتهم أكثر من أدمغتهم ، و لا يهمهم إلا ما يحصلون عليه من رشوة و عمولات و هدايا غير شرعية .
ظهر لي أن المجتمعين شبه متفقين على أنها جريمة شرف و لا يعدو القاتل عن أب أو أخ منتقم كل هذا السيرك وسط صمت مطبق مني ، فلم أرد أن أدلي بدلوي في مستنقعهم الملوث . و هنا نطق أحد رجال الشرطة المسنين و الذي يتمتع ببطن ضخمة يحسد عليها ــ و عقل عصفور ــ ، قال موجها كلامه لرئيس المركز :
ــ سيدي ، لدي خبرة تفوق ثلاثين سنة في المجال و أقول لكم إنها جريمة شرف ، و أقترح استدعاء والد الضحية و مواجهته ، وإن اقتضى الأمر فبعض الضربات الخفيفة و سيعترف و تحل القضية في دقائق .
كدت أصرخ و ألطمه في وجهه من فكرته الغبية لكني تراجعت بعد أن سرت همهات مستحسنة للفكرة وسط الحضور .
تعرض بعدها الأب المكلوم لضرب و تعذيب شديدين كادا يوديان بحياته لكنه كان ثابتا كالطود و لم يقل شيئا . وفي وسط حفلة التعذيب تلك طلب مني المشاركة فرفضت بشدة ، وعندها تمت إحالتي إلى الرئيس ربما لتأديبي حسب البروتوكول المعمول به .
إقرأ أيضا : قلم الساحرات
في مكتب الرئيس كنت أقف بثبات أمامه ، لكنه و بعنجهية البشوات قال دون أن يرفع رأسه إلي :
ــ سيد (….) سمعت أنك عصيت أمرا مباشر من الضابط المسؤول عنك هل تعرف العواقب؟ .
قلت ببرود مقصود :
ــ أعرف أن تعذيب شخص فقد ابنته منذ ساعات خطأ .
ــ لم تكمل سنتك الأولى كمحقق و ها أنت بدأت في التذاكي .
ــ سيدي .. ليس الأب من نريد ، المجرم المنشود في هذه الجريمة شخصا ذكي جدا و مريض نفسيا و للدقة قاتل متسلسل .
_ ولماذا فعل هذا إن كان ذكيا كما تدعي؟ .
ــ هدفه إيصال رسالة ما عن طريق قتل عدد معين بطريقة مميزة و نمط واحد . إنه يتغدى على الخوف الذي يزرعه في المجتمع و يشعر بالمتعة من حالة الذعر العامة .
ــ و ماذا تقترح سيد شيرلوك هولمز ؟ .
ــ أول خطوة عدم تغطية الجرائم إعلاميا و التحفظ على الجثث التي ستصل لتفادي نشر حالة الذعر التي يطمح إليها .
ــ لدينا جريمة واحدة وجثة واحدة .
ــ ستصل أخرى حتما .
ــ أظن أنك تبالغ بسبب مشاهدتك الكثير من الأفلام ، يا بني لا تغتر بنفسك ، فلولا أن والدك صديق عزيز ما كنت هنا و الآن انصرف .
ــ سيدي ، أرجوك يجب اتخاذ الإجراءات و إلا ستكون كارثة .
ــ كلمة أخرى و ستعاقب ، غادر .
غادرت المكتب و أنا ألعن غباء هذا الأبله ، فلن يطول الأمر كثيرا حتى يدرك صحة ما قلت .
**
قررت عدم مناقضة هؤلاء الكهول ــ زملائي ــ كثيرا و مواصلة التحقيق بنفسي . و أول خطوة قمت بها هي تمشيط المدينة بحثا عن دمية مشابهة لتلك التي وجدناها بمسرح الجريمة ، لكن دون نتيجة . فكل المتاجر أكدت أن ذلك النوع قديم و توقف تصنيعه . إذن فهذا الطريق مسدود و ليس أمامي حل إلا انتظار الجثة الثانية التي قد يرتكب فيها السفاح المجنون خطأ ما .
و لم تطل المدة كثيرا ، فما هو إلا أسبوع حتى ظهرت جثة ثانية . شابة في الـسادسة عشر من العمر ، اختفت بعد نهاية دوام المدرسة كالعادة . لن أطيل الوصف ، سياج أمني ، أضواء ، كاميرات ، منظر بشع ، جثة مشوهة و الدماء تغطي كل شيء . ومثل المرة الأولى البصمات لا تتطابق مع أي شخص في البلاد . لا دليل و لا أي خطأ صغير . هذا السفاح يتقن عمله تماما ، فلم نجد إلا جهازا صغيرا غريبا في جيب الضحية لم أعرف ماهيته ، فوضعته في جيبي بإهمال .
بينما أنا متواجد بمسرح الجريمة أقوم بعملي كان عشرات الفضوليين يحومون حولنا . اقتربت مني عجوز غريبة الشكل و قالت بصوت هامس لكن خشن :
ــ ألم تمسكوا هذا القاتل بعد يا بني؟ .
ــ ليس بعد ، لكننا نبذل كل جهدنا .
ــ باركك الله يا بني .
ثم انسلت وسط الجمع بسلاسة و اختفت ، لم تكن بطيئة الحركة كعادة كبار السن . لا بد أنها تمارس رياضة ما ، وضحكت في سري و أنا اتحسس تلك الكرش الصغيرة التي نمت لي مؤخرا .
بعد دقيقة من الاستغراق في أفكاري ضربت كفا بكف و أنا أزمجر بغضب :
ــ كان يجب ان أحجزها ، فكيف لها أن تجزم بأن القاتل شخص واحد ؟ ، كان يجب .. ترى من تكون ؟ . لن يطول الأمر قبل أن أكتشف و أصدم بحقيقتها .
و هنا التقيت وجها بوجه برئيسي ، فنظر لي نظرة من طراز :
ــ لقد كنت على حق أيها المتذاكي .
فرددت عليه بأخرى من طراز :
ــ لم تر شيئا بعد أيها الأحمق .
لم يطل الأمر و أصدر أمرا بتعييني كمحقق رئيسي في هذه القضية ، وأعطاني كامل الصلاحيات . على الأقل لم يكن غبيا إلى تلك الدرجة التي تصورتها .
إقرأ أيضا :عهد الدماء
**
وجه تلك العجوز كان يطاردني و أصبح هاجسا ، لقد كان مألوفا لي ولست من الذين ينسون الوجوه بسرعة . أين رأيته من قبل ؟ ، آه تذكرت .
أسرعت إلى البيت للتأكد . هناك لدي غرفة مكتب مجهزة بأرشيف يحوي معلومات و صور أغلب المجرمين في البلاد و العالم . بحثت وقتا طويلا قبل أن أعثر على صورتها . إسمها ماري فرنانديز كانت تمارس ألعاب الخفة (ساحرة) وارتكبت في بيتها جريمة قتل ضد مراهقة بعد أن استدرجتها . بعدها ضبطت و سجنت مدى الحياة و ماتت بالسجن .
ماذا؟ ، انتصبت بعض الشعيرات في رأسي . هل ما ظهر لي كان شبحها ؟ .هذه القضية أعقد مما ظننت .
فتحت ابنة أختي باب غرفتي بصخب و جرت نحوي و على وجهها ابتسامة مشرقة رفعت معنوياتي بعض الشيء و أنستني هواجسي . فتاة مزعجة لكني أشفق وأعطف عليها بسبب أنها يتيمة الأبوين وتعيش معي .
قلت لها :
ــ ما رأيك أن نتناول الطعام في مطعم من اختيارك .
هللت للفكرة بصخب كعادتها و انطلقنا مباشرة .
وبينما نحن نتناول طعامنا في جو هادئ ضايقني الجهاز الذي عثرت عليه بالجثة وكنت أضعه في جيبي . فأخرجته ووضعته على الطاولة و هنا صرخت ابنة أختي بعد ان رأته :
ــ هل هذا هدية لي يا خالي العزيز ؟
ــ في الحقيقة لا إنه دليل .
فقالت متحسرة :
ــ أنا في حاجة إلى جهاز حديث مثله لتسجيل الدروس صوتيا
قلت بفرح :
ــ هل تقصدين أنه جهاز يسجل الأصوات .
ــ نعم ، ظننتك ذكيا .
احمرت أذناي قليلا من الخجل و قلت :
ــ هل تريني طريقة تشغليه ؟ .
**
بعد تفريغ الجهاز الغريب من ملفاته الصوتية خاب أملي . فبعدما كنت أظن أني سأعثر على رسالة استغاثة أو معلومات ما ، لم يكن هناك إلا بعض التسجيلات الصوتية للدروس ، ثم صوت لحن مرعب و صرخات مكتومة بعده و أصوات طعن لا بد أن الضحية الثانية سجلت آخر لحظاتها . لا أدري كيف يفيدني هذا اللحن لكنه الخيط الوحيد لإيقاف ذلك المجنون .
اتصلت بأحد أصدقائي الذي يعمل بالإذاعة و طلبت منه تشغيل تلك الموسيقى ، و أن يسأل الجمهور إذا ما كان هناك أحد سمعها من قبل و أين .
إقرأ أيضا : و رقصت على رفات الماضي
بعد عدة أيام من عرضه دون نتيجة اتصلت إحداهن و قالت أنها سمعته في حفلة أقامتها مدرستها . بسرعة البرق توجهت إلى تلك المدرسة و حصلت على نسخة من شريط الحفلة ، لقد كنت أشعر بالإثارة و أنا أشغله . بدا لي حفلا عاديا تخلله عروض متنوعة . و فجأة أظلمت القاعة و تم تشغيل ذلك اللحن المخيف و ظهرت عجوزا تسير ببطء على المسرح مبتسمة . ياه كدت أفقد الوعي .. إنها .. إنها هي ، ماري فرنانديز القاتلة و العجوز التي ظهرت في مسرح الجريمة ، و التي من المفترض أنها ميتة الآن . كيف حدث هذا ؟ .
**
قدمت الساحرة عرضا رهيبا أبهر الطلاب ثم نادت على إحداهن للمشاركة او مساعدتها . كانت الفتاة سعيدة و الساحرة تلاطفها ثم اقتربت منها أثناء العرض و همست شيئا في أذنها ، هنا وجمت و تغير لونها . لقد كانت الفتاة هي نفسها الضحية الأولى في جرائم السفاح . هل الساحرة التي من المفترض أنها ميتة هي نفسها السفاح ؟ . لن أقدر على الوصول إلى حل لهذه القضية أبدا .
طلبت بعدها نسخة من الحفلة الأخرى التي جرت بمدرسة الضحية الثانية و قد حدث نفس الشيء . لحن مرعب ، عرض سحري مبهر ، صعود فتاة إلى المسرح للمساعدة ، تهمس الساحرة في أذنها شيئا ما ثم بعد يومين تختطف الفتاة و تقتل ببشاعة .
في الأمر خدعة لكن كيف؟ ، كيف تخطفهم في مكان عام أمام الناس دون أي مشكل ؟ . لم أجد حلا غير أني قمت بتعميم صور الساحرة على جميع أقسام الشرطة .
بعد التحقيق تبين أن هناك حفلا أقيم بمدرسة أخرى من يومين ، أسرعت إلى هناك و شاهدت الشريط ، ثم سألت عن الفتاة التي شاركت في العرض فاخبروني أنها في قاعة الدرس . شعرت بسعادة كبيرة ، أخيرا ستنجو إحداهن .
طلبت استدعاءها لأمر مهم ، و جُل ما أخبرتها به أن تكون حذرة اليوم . و أعطيتها بطاقتي للإتصال بي في حال شعرت أنها مراقبة أو أحست بأي خطر . كانت مذعورة و لم تفهم شيئا ، لكني طمانتها أن كل شيء بخير .
شعرت براحة نفسية مباغتة كوني أنقذت المسكينة من
مصير مخيف ، رمقتها و هي تنصرف من أمامي ممتلئة حيوية و شبابا . من المفترض أنها ستخطف و تقتل اليوم إن كان القاتل دقيقا كعادته . سرت في جسدي رعشة و أنا أتخيلها جثة هامدة ، ثم قلت لنفسي :
ــ لا .. انتهى الأمر .
إقرأ أيضا : ابن الشجرة
**
فرضت رقابة على الفتاة و أمرت بتشكيل طوق أمني حول المدرسة من شرطة باللباس المدني . لن تفلت مني أيها السفاح اليوم .
بعد انتهاء الدوام كنا نسيطر على الوضع ، راقبنا المنطقة جيدا . و كنت أشرف بنفسي على مراقبة الفتاة ، كادت تصل إلى بيتها وأنا أسير قريبا منها . كانت تمشي مسرعة و تلتفت كل حين كأنها تضايقت مني ، أسرعت قليلا لألحق بها ، ثم قلت :
ــ لماذا تسرعين هكذا هل نسيت أننا تحدثنا منذ قليل بمدرستك منذ قليل؟ .
ــ عفوا يا سيد ، لم أرك من قبل ، لا بد أنك خلطت بيني و بين شقيقتي التوأم ، هذا يحدث دائما .
ــ ماذا ؟ .. ألست من شارك في العرض السحري منذ يومين ؟ .
ــ لا ، شقيقتي فعلت .
كأن صاعقة وقعت على رأسي . اتصلت بمساعدي الذي كان يرابط أمام المدرسة ، قال أن الامور سارت بخير . لا شيء يدل على حدوث عملية خطف . و بعدها جاء النبأ الصادم عن اختفاء تلك الفتاة بعد نهاية الدوام المدرسي .
رغم أني فرضت رقابة شديدة على كل المركبات التي سارت في محيط المدرسة اليوم ، و وزعت صور الساحرة على كل الدوريات . إلا أنها نجحت في خطف الفتاة أمامنا والخروج من الطوق الأمني المكثف .
لم تبق حفلة أخرى و الضحية القادمة قد تكون أي شخص . لقد انتهى الأمر و انتصرت السفاحة .
**
كنت في دوامة كبيرة من اليأس و الحزن بسبب عجزي عن العثور على أي خيط . و هنا جاءتني فكرة بدت في أول وهلة غبية . ذهبت إلى المحقق الذي كان مسؤولا عن قضية ماري فيرنانديز المرأة اللغز ، كان متقدما في السن و طيبا . رحب بي في بيته و استغرب أن أسأله عن قضية مضى عليها عشرون سنة ، ماتت صاحبتها منذ زمن طويل .
صارحته بكل شيء فدهش ، وأكد لي أنه حضر بنفسه لحظة دفن جثة ماري فرنانديز و قال أن في الأمر خدعة دون شك .
طلبت منه ان يلخص لي قضيتها ، فقال :
ــ كانت امرأة غريبة الأطوار ، و ساحرة عبقرية ، كل همها كان رعاية ابنها الوحيد كريستوفر ، و هو شاب منعزل يعاني من التنمر بسبب مرض جلدي يجعله يبدو عجوزا .
ــ ثم ماذا؟ .
ــ كان ابنها هو مصدر سعادتها ، وقد قامت بتعليمه كل فنون السحر و التنويم المغناطيسي التي تتقنها ببراعة ..
قاطعته :
ــ هل قلت أنها تجيد التنويم المغناطيسي؟ ، لهذا تمكنت من اختطافهن . لقد كانوا منومين! ، ثم ماذ حدث ؟ .
ارتشف قليلا من كوب القهوة أمامه و قال :
ــ كان كريستوفر وحيدا دون أي أصدقاء ، و ذات يوم التحقت بالمدرسة فتاة جديدة طيبة القلب . تصادقت معه و حاولت إخراجه من عزلته ، ربما كانت تشفق عليه ، لكنه فهم هذا خطا . ظن أنها تهيم به حبا ، و صارحها في رسالة بحبه . و هنا بدأت حفلة التنمر إذ مرت الرسالة على كل زملائه في القسم ، فأشبعوه سخرية و استهزاءًا و ضربوه و مزقوا ثيابه و هم يتضاحكون . اصيب بانهيار حاد و رفض العودة إلى الدراسة .
إقرأ أيضا : ليلتان و ليلى
_ كل هذا جميل ، لكن كيف حدثت الجريمة؟ .
ــ بطريقة ما استدرجت أمه الفتاة إلى بيتهم . وقامت بقتلها ببشاعة حسب اعترافها و ماتت في السجن .
ــ هل أنت متأكد أن الأم هي من قتلت ؟ .
ــ بصراحة لا أحد يعلم .
ــ ماذا حدث لكريستوفر بعدها ؟
ــ لا أعلم . تبخر ، اختفى .
بعد كل هذا عدنا إلى نقطة الصفر ، سألته عن بيت الساحرة فدلني عليه و قال :
ــ لا أرجح أنك ستجد شيئا هناك ، فالبيت مهجور . كما أن الشمس على وشك المغيب .
ــ لا يهم .
قلت له هذا وأعطيته نسخة من ملف القضية . ثم انصرفت شاكرا تعاونه و تركت له بطاقتي في حالة اكتشف شيئا .
**
قررت أني سانفذ عملية البحث وحدي دون جلبة ، فالسفاحة حذرة جدا و ذكية و رجالي اغبياء بعض الشيء . و سيعيقونني كثيرا في حالة استعنت بهم .
من بعيد ظهر ذلك البيت القديم وسط اللاشيء . لم أكن أعرف عما أبحث تحديدا ، لكن حافز ما جرني إلى الدخول إليه .
في الداخل كان البيت خاليا إلا من أثاث قليل متهالك . الغبار يغطي كل شيء ورائحة العطن كذلك ، لا أثر للحياة ، الهدوء يسيطر على الأجواء . شعرت ببعض الرعب و أنا أستحضر أن ساحرة مجنونة ارتكبت جريمة قتل في هذا المكان و فجأة .. ترررن ، لقد رن هاتفي بصوت قوي يُسمع الموتى .
نسيت إطفاءه ، سمعت جلبة أو صوت عند الرنين ، أطفأته بسرعة ، هل هي هنا ؟ .
بدأت بتتبع مصدر ذلك الصوت ، إنه قادم من وراء جدار ما في أحد الزوايا . ضربت الجدار بقبضة يدي ، كان مجرد قطعة خشب تخفي ممرا سريا الى قبو ما . لم أكن أعلم أنه يوجد قبو أصلا . أرجو ألا يكون ما أظنه حدث قد حدث .
حملت المسدس و نزلت الأدراج الى أسفل مسرعا . للأسف وصلت متأخرا ، لقد كان المنظر مقززا ، الدماء تسيل شلالا من الفتاة التي خطفت اليوم . يبدو أنها قتلت قبل ثوان فقط . صحت بأعلى صوتي :
ــ اللعنة ، لقد فرت القاتلة مجددا ! .
الضحية ذبحت للتو ، و اضطرت القاتلة إلى التخلص منها دون تنفيذ أي من فنونها المعروفة في القتل . أمام الجثة الساخنة كانت هناك تلك الدمية المشوهة ، لقد أصبح الامر إعتياديا و مملا . لكن ما تلك الورقة الموضوعة أمام الدمية؟ . إنها رسالة موجهة لي من السفاحة كتبت فيها : ” لم ينته الأمر بعد ” . ماذا تقصد هذه المعتوهة ؟ .
إقرأ أيضا : جسد بلا روح
**
اتصلت بالإسعاف و الشرطة من أجل القيام بالاجراءات ، و أعدت مهاتفة ذلك الأرعن الذي تسبب في عرقلة خطتي . لقد كان المتصل هو نفسه المحقق العجوز في قضية الساحرة .
لم يمهلني حتى ثانية و قال بحماس :
ــ وجدتها .. وجدتها ، هل رأيت صورة كريستوفر مع أمه ؟ . ألم تجد شيئا غريبا فيها؟ .
قلت بضيق :
ــ لا
فرد بحماس أكبر :
ــ كريستوفر لديه تشوه في يديه ، و عدد أصابع كل يد هو ستة و أمه لديها خمسة أصابع .
ــ ثم ماذا ؟ .
قال المحقق :
ــ لقد تابعت فيديو الساحرة التي أدت العرض و صدمت لما رأيت ، لديها ستة أصابع ! .
صحت بانتصار :
ــ إذن الساحرة هو كريستوفر متنكر بشكل أمه الميتة ! .
يا له من سفاح مجنون و يا لها من فكرة ! . الآن فقط أدركت كيف لم نقبض عليه ، لقد كان يختطف بهيئته الأصلية بينما نحن كالأغبياء نبحث عن العجوز التي تظهر في الفيديو .
اتصلت بجميع الوحدات و قمت بتعميم صور كريستوفر على الكل ، و أصدرت أوامر مشددة بإلقاء القبض عليه أو قتله فهو شخص خطير جدا .
**
ثم تذكرت شيء ما ، و كان الزمن قد توقف ، والأرض دارت حولي . تلك الورقة التي تركها تقول ” لم ينتهِ الأمر بعد ” .
انطلقت بالسيارة كالمجنون إلى البيت ، و أنا أتمني ألا يكون ظني صحيحا . لكني وجدت على المدخل الدمية المشوهة . ضربت الباب بكل قوتي .
لقد كان هناك أمامي مباشرة ، إنه هو ، كريستوفر .. سفاح الدمى المرعبة . بهيئته الأصلية يبدو كعجوز رغم أنه في الثلاثينات ، يمسك بابنة أختي و السكين على رقبتها . صحت فيه بجنون :
ــ كريستوفر انتهى الأمر ، لا تتهور أكثر .
ابتسم ببرود لم أر مثله في حياتي . و بحركة مسرحية استعراضية مرر سكينه على رقبتها برشاقة ليطلق شلال الدماء الساخنة ، و تسقط المسكينة تتلوى ممسكة بحنجرتها المقطوعة . بكل هدوء رمى السكين و جثا على ركبتيه واضعا يديه على رأسه مستسلما . عندها فقط كنت قد أصبحت مجنونا ربما أكثر منه . اقتربت .. اقتربت .. ثم أفرغت مسدسي في رأسه المخبول ، و انتهى كل شيء .
تمت ..
رووووعه وفي كل قصه تدهشني بمخيلتك ..
بس النهايه لم تعجبني استعجلت…
.يالله اللي بعدو اللي بعدو مافيني اصبر.
شكرا لك اخي
القصه الي كاتبها فيلم هندي حضرتو انا منتمي لافلام الجريمة ابحثوا عنو وشوفو رح تلاقو بجنن
بوعدكو رح ادور ع اسم الفيلم الهندي الجريمة الي الاخ ماخد القصه من الفيلم وكاتبها
مقال ممتع جدا ومخيف وفيه قصة رائعة اعتقد انك ستكون خليفة اجاثا كرستي لو عملت على تطوير اسلوبك اكثر
اتمنى ان تواصل مجهوداتك تحية اليك
شكرا لك اخت نور الهدى على التعليق الرائع تحياتي
الجزء الثاني من التعليق
كنت أقول أخي الكريم صحيح أن الحوارات جزء أساسي في الأعمال البوليسية ولكن هنا يأتي دور ما قلنا عنه توزيع الثقل المشهدي
ولذلك لابد من مراعاة مسألة تسارع والتاقفز غير المحسوبه بعناية مشهديةوسردية
أيضا أخي في باب الملاحظات ما زالت ذات الحدية في تعاطي ابطالك
وكذلك ذات النرجسية المبالغ فيها إلى حد التنفير
كما رأينا في هذه السخرية الحادة المجانية في شخصية البطل الرئيس غبي الزملاء أغبياء فريق العمل كلهم يحملون درجة الغباء وعلى هذا المنوال إلى درجة فقدت هذه الحالة بدورها وتحولت إلى هزل مجاني لاتوظيفي
والأهم من كل هذا تكرار لنفس العبارات والألفاظ والسخرية بطريقة مضجرة تخلوا من حسن التوظيف والتذويق
وبالتالي كانت المخرجات العودة على نمط من الابطال بالوجه النرجسي الذي يغرد وحيدادون حميميه مع القارى بل وربما أقرب إلى ال فوقية وخسارة هذه الكيمياء الضروريه مع ذهني القارئ
وبالعودة إلى مضمون العمل كحبكة
هنالك كسروشرخ في لعبة التشويق مع القارئ ومن البداية من العنوان الذي كشف الأوراق كلها تقريبا الا حالة المرض عند القاتل والحديث عنها مبكرا
إلى بعض الثغرات الأخرى وصول إلى ما كان أشبه في تسليم القاتل نفسه دون اللعبة البوليسية المطلوبة في عمل من هذا النوع
وباختصار كانت محاولة طيبة ومشكورة لكن كان ينقصها الكثير من التركيز والتحضير والتنفيذ الهادي ربما أخي الكريم أردتها قريبة مني ما يطرح في المحقق كونان مثلا أو الأعمال الأقرب إلى هذه الشريحة ولكن الامور لا تكون بهذه البساطة عندما تكون في نطاق قصة قصيرة او حتى متوسطة
وعلى العموم أخي الكاتب يفضل حضرتك ما تستعجل الآن في الكتابة عن المدارس الأدبية المعقدة مثل البوليسية حتى يصبح قلم حضرتك اكثر تمكين وخبره هنالك الكثير من الأدوات التي تحتاج إلى تطوير حتى يتم الانطلاق والانغماس في مدارس منوعة ومعقدة
خذ السلم أخي الكريم خطوة خطوة ودرجة درجة
وبإذن الله في القادم سوف تصل أنت موهوب وتملك المخيلة لكن لابد من تطوير أدوات الاستقبال لكل هذا والأهم هو الهدوء ثم الهدوء وعدم الاستعجال أما في التنفيذ أو الوصول وشكرا تحياتي في إنتظار الأعمال القادمة الجميلة بإذن الله
السلام عليكم اخي عبد الله
شكرا لك على تعليقك الجميل و المفيد
سعيد جدا به صراحة
و ساعمل على الافادة من ملاحظاتك
شكرا جزيلا
تحياتي
منذ أن ذكرت كريستوفر توقعت أن يكون هو القاتل
قصة جميلة ودموية
شكرا لكِ
سلام عليكم مساء الخير على الجميع
وتحية إلى الاخ الكريم الكاتب ومبروك العمل الجديد والنشر في الموقع الرائع
في البداية أخي الكريم كل التهاني على هذا المجهود والاجتهاد و غزارة الكتابة والزخم الادبي القصصي
وهو بالفعل أحد أهم أدوات تطوير إمكانيات الكاتب خاصة في مرحلة الخطوات الأولى لقلمه أولا ليحصل على الفرصة بين الزملاء الأكثر تمرس ومن هنا حتى يكسب ثقة ثم ليبدا تحسس صدى أعماله وما يطرحه بين الجمهور ولينبري في الاستفادة والتنقيح والتطوير عمل بعدعمل ومحاولة بعد أخرى المهم انه ياخذ بمايينفع من ملاحظات بكل تواضع وهذا موجود فيك أخي الكريم ما شاء الله تبارك الله
وكذلك يفترض من القراء والجمهور التحفيز والتشجيع نعم وإنما الإشارة إلى بعض ما يمكن من ملاحظات ولو كانت بسيطة حتى يستفيد منها الكاتب بقدر الإمكان
طيب بالعودة إلى مضمون هذا العمل الجيد في الواقع أخي الكريم سبق وتحدثت في تعليق سابق لاحداعمالك أجد نوعما من التحسن ولكن لا أراه جوهري
اذا ما زال الشكل الأقرب إلىالسردالمقالي هو الطاغي علىالقالب القصصي
هنالك عمل تقريبا بالكامل مبني على فعل الماضي من ناحية اللغة حتى في الحوارات ذاتها
هذا يجعل اللغة السردشديدة الرتابة وأحيانا الملل ناهيك انه يضعف خيط الاندماج مع ذهن القارئ وبالتالي يحوله إلى الحالة الإنشائية المقاليةلاالمشهدية التخيلية
لابد أخي الكريم من تطوير أدوات السرد بكل اشكالهالغةعبارات تصاوير موثرات الخ وليس السير على نمط ثابت لا يتبدل
وهذا بالتالي الثر على الشكل الدرامي في العمل اذنجد انه هناك تقافز وتسارع مزعج في الانتقال من لقطةلاخرى وعلى قلة ما ممكن أن يعتبر مشهد هذا أيضااكله هذاالتقافز
في عمل يقوم على الإثارة والتشويق والأكشن ومن المدرسة البوليسية لعبة المؤثرات التصويرية التي تؤخذ على هدوء ومهل تتقاسم في أهميتها ودورها مع لعبةالحبكة
يفترض الهدوء وتوزيع ما يسمى بالثقل المشهدي أي بمعنى مشهد يأخذ المزيد من التفصيل والتصوير والتركيب لانه يؤثر في الحالة التشويقيةللقارى وآخر لا بأس أن يكون أقرب إلىالومضة لانه هنالك من سوف ينوب عنه في القادم
إنما هنا لاحظنا أن الوقفات الحواريةفاقت في عرضها على المشاهد المصورة المشوقه وداد التأثير الذهني
صحيح الحوارات جزء أساسي وخاصة في الأعمال البوليسية
يتبع
السلام عليكم ..
حسنا ، بصفة عامة القصة جيدة . أعجبتني للأمانة ، أسلوبك يتطور عن ذي قبل . واصل أخي مصطفى .
تحياتي لك .
شكرا لك اختي وفاء على التعليق الجميل و التشجيع
ممتع شكرا لك
شكرا