سِمفونية الخراب

كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا في ذلك الفراغ الزمني حيث يتوقف نبض العالم، حيث يكون الناس في نومٍ عميق.
كان خالد جالسًا على كرسيه البالي يحدق في الساعة الرملية الموضوعة أمامه على المنضدة… تحفة زجاجية رفيعة تنساب رمالها ببطء لا يرحم.
أهدته إياها زوجته ليلى قبل تسع سنوات في عيد زواجهما الأول، كانت تقول: “كل حبة رمل تمثل لحظة سنعيشها سوياً، وعندما تقلب الساعة سنبدأ من جديد”.
لكن منذ ذلك الوقت لم يقلبها…
من وراء الجدار سمع خالد دويّ صوت مكتوم وارتطام زجاج بالأرض، ثم صمت كان أثقل من الكون.
ذلك الصوت أصبح مألوفًا وجزءًا من سمفونية الخراب التي تعزفها ليلى كل ليلة منذ أن بدأت صحوتها، كما كانت تسميها، وهي الصحوة من وهم خالد وهو يمثل الحب.
لم يتحرك من مكانه، وكلماته التي كانت جسراً يُبنى بينهما تحولت من جدران عالية وسميكة إلى صمتٍ قاسٍ يحتفظ به في صندوق عقله المغلق.
“اهدئي.. أنت تبالغين يا ليلى.. دائماً تبكين كالأطفال، هذا ليس وقت النقاش سنتكلم لاحقاً فأنا مشغول”.
يخرج كلماته القاسية دون أي رحمة ولا مبالاة، تسقط من شفتيه مثل حبات الرمل الجافة، لا وزن لها ولا معنى، كان يعلم في أعماقه أن الوقت الثمين يذهب بلا قيمة بسبب شجارهما.
تذكر اليوم الذي عادت فيه من المستشفى بعد عملية استئصال الورم الحميد.
بدت خائفة، شاحبة، متعبة، تمسك بيدين مرتجفتين تقريرها الطبي، كطفلة صغيرة تمسك بدميتها المكسورة، وبعينينِ دامعتين.
كان منهمكًا في إغلاق صفقة عبر الهاتف.
نظر إليها وقال وهو يهم بالانصراف: “سنحتفل بشفائكِ لاحقًا”.
ثم اختفى في مكتبه كعادته، دائم الهروب.
ما معنى الاحتفال بالنجاة إذا كان الناجي قد فقد روح الأمان في الطريق؟
في صباح اليوم التالي، وجد أرضية المطبخ نظيفة، الزجاج المكسور مُكنسًا بعناية.
ليلى واقفة أمام النافذة، كانت تسرحُ في عالمها الخاص، جاء وطبطب على كتفها قائلاً بكل برود: “سأسافر غدًا في مهمة عمل وسأعود بعد ثلاثة أيام”.
أومأت برأسها قليلًا في إيماءة لا تعني الموافقة ولا الرفض، بل الاستسلام لقدر منفرد.
هو رأى في صمتها هدنة، وهي رأت في تنحيه هروبًا آخر؛ فهي تعبت من المواجهة، لم تعد تملك الطاقة الكافية.
في المطار، وبينما كان ينتظر الطائرة، شاهد زوجين يودعان بعضهما، واحتضن الرجل المرأة قائلاً: “أنا بجانبك حتى لو ابتعدت، أنا أحبك”.
ارتسمت على وجهه ابتسامة سخرية خفيفة، فكم كانت تلك العبارة رخيصة وسهلة عندما تكون المسافة اختيارًا وليست قدرًا!
“أنا بجانبك” يجب أن تُقال وأنت تمسك بيدها وهي ترتجف أمام باب غرفة العمليات، وأنت ترسل لها وردة من مدينة أخرى مع بطاقة مكتوبٍ عليها “اشتقت إليكِ”، فالاشتياق كلمة فاخرة تأتي بعد تلبية الاحتياجات الأساسية وهي الحضور، والفهم، والقبول.
في المدينة البعيدة، وبين الاجتماعات، تلقى رسالة منها بكلمات جافة: “المطبخ انتهى، ولا تقلق كل شيء جاهز لعودتك”.
رد بـ: “ممتاز، وأشكرك”.
كان بإمكانه كتابة: “أفتقد رائحة قهوتك الصباحية”، لكنه لم يقل ذلك.
كان كبرياؤه يمنعه، ولغة الصفقات قد غزت لغة قلبه.
عاد إلى شقة صمتها ووجدها أكثر ترتيبًا وأكثر برودة من ذي قبل.
ليلى قد حولت الغرفة الزائدة إلى مرسم صغير، أنشأت عالمها الخاص بها.
وعلى الحائط لوحات معلقة بأنامل غاضبة لوجوه مشوهة وأفواه مفتوحة تدل على صرخات مكبوتة لسنين من الوجع، وعيون واسعة تنظر من خلف القضبان كأنها تنتظر الفرج أن يأتي من بعيد.
في إحدى اللوحات رسمت ساعة رملية، لكن الرمال في قاعدتها العلوية سوداء وفي السفلى بيضاء، وكانت العبارة مكتوبة بخط صغير في الأسفل: “ماذا تفعل حين يمر الوقت على روحٍ تصارع الوجع لوحدها؟”.
وقف يتأمل اللوحة، ولأول مرة شعر بوخزٍ في منطقة كان يعتقد أنها متصلبة، وهي منطقة اللامبالاة، سأل وهو يشير إلى اللوحة: “ما هذا؟”.
ردّت دون أن تنظر إلى عينيه: “الرمال السوداء في الأعلى تعني اللحظات الثقيلة تتراكم حتى يصعب تحملها، وهي تعني الضغوطات النفسية، ثم تأتي البيضاء لكنها تصل بعد فوات الأوان”.
صمت، ثم قال محاولًا كسر الجليد الذي بينهما: “أعجبتني، لديكِ موهبة”.
رفعت رأسها ونظرت إليه نظرة طويلة مليئة بكبتِ تلك السنوات: “ما فائدة ‘أعجبتني’ وأنت لم تسأل يومًا عن حالي؟ وما فائدة ‘لديك موهبة’ وأنت لم ترَ المعاناة التي ولدت هذه الموهبة؟ الموهبة ولدت من رحم المعاناة يا خالد وأنت كنت سبب معاناتي.. إني أخشى أنْ تفوحَ رائحةُ قلبي، فيعلم النَّاسُ أنهُ يحترق”.
كانت الكلمات كصفعة على خده.
شعر بالحرارة تعلو وجهه، لم تكن هذه ليلى الهادئة المطيعة، بل كانت شخصًا آخر.
رد قائلاً: “أنت تتكلمين كما لو أنني الجاني الوحيد”.
“لا أتحدث عن الجناية بل أتحدث عن الغياب، الإهمال.. كنت جسديًا حاضرًا لكن روحك كانت في مكان آخر، وكنت أصرخ في قفص صمتك الذي بنيته بيننا ‘أنا أحبك’.. كم مرة قلتها؟ مرة أو اثنتان، لكن حبك كان مشروطًا بأن أكون النسخة الهادئة المطيعة.. نسيت كيف أشعر؟”.
كانت كل كلمة منها تُسقط حبة رمل سوداء أخرى في كفة ميزان سنين ضائعة، وأدرك فجأة أنها لم تكن تجمع الشظايا لتصلح شيئًا، بل كانت تعدّها لتقذف بها في وجهه يومًا ما، وهذا اليوم قد جاء..
“ما الذي تريدينه الآن يا ليلى؟”.
“لا أريد كلمات، لا هدايا، لا ورود، بل أريد أن أعرف من أنا بالنسبة لك.. أريد منك أن تشاركني بوجعي.. لقد خاب ظني فيك يا خالد، منذ أن نمت باكيةً”.
انهارت على الأرض باكيةً، ثم أضافت: “لم أعرف كيف أصف مكان وجعي، إنه وجع الروح وأنا لا أعرف مكانها، إنها كُلّي، إنها أنا، أنا التي توجعني..”.
أمسك بيدها حاول مواساتها.. لكنها نهضت لوحدها، غادرت وهي تتمتم: “من يعيد إلى المريض صحته؟”.
دخل إلى المرسم بعد أن غادرت.. أنار ضوءًا خافتًا ثم نظر إلى لوحاتها المتقطعة التي تشبه جرحًا مفتوحًا.
ثم رأى في لوحة مرسومة لرجل وامرأة جالسين على كرسيين وظهر كل منهما للآخر، وفي الفراغ بينهما ساعة رملية عملاقة تبتلع كلا الشخصيتين في رمالها.
قرر أن يفعل شيئًا، وليس لأن إيمانه بالتغيير كان قويًا، بل لأن الخوف من الخسارة الكاملة بدأ يتبخر.
اشترى تذكرتين لدخول عرض عزف فني كانت قد تحدثت عنه ذات مرة، ووضعهما على طاولة الطعام مع زهرة.
جاءت ورأت التذاكر ونظرت إليه قائلة: “المعرض يبدأ بعد أسبوع”.
“أعلم، لهذا اشتريتهما حتى نتمكن من حضوره”.
“لماذا الآن؟”.
“لأنني أريد أن أرى ما ترينه، وأريد أن أصلح كل شيء”.
هزت رأسها بهدوء حزين وقالت: “خالد، محاولتك للفهم جاءت بعد أن صرخت كل خلاياي أنني محاصرة، وجاءت بعد أن بنيت جدارًا من اليأس بنيته بنفسك حولي”.
أخذت التذاكر ونظرت إليها ثم وضعتها جانبًا وقالت: “سأذهب وحدي وسيكون هذا أنسب”.
خرجت من الغرفة وهو بقي واقفاً، والتذاكر ترمقه كشاهد إثبات على فشله، حاول أن يصنع فعلًا لكن التوقيت جعله بلا قيمة، كمن يقدم المظلة لشخص تبلّلت ملابسه من المطر.
الأيام التالية تحولت إلى مراقبة صامتة.
راقب طريقة حملها لفنجان القهوة بيدين مرتعشتين قليلاً، وظلها الطويل المنعكس على الحائط عند الغروب منعزلاً ومنكمشًا، ولحظة توقفها أمام نافذة غرفتها وهي تحدق في العالم الخارجي بنظرة حالمة يملؤها اليأس والفراغ.
كان يرى تفاصيل جسدها المرهق ونفسها، للمرة الأولى يرى الشيب الخفيف والتجاعيد الصغيرة حول عينيها التي رسمتها ليالي الانتظار، وطريقة عضها لشفتها السفلى عندما تكون غارقة في التفكير.
ذات مساء، وبينما كان يغسل الصحون كمحاولة للاعتذار، سمع صوت انزلاق خلفه فالتف ووجدها قد سقطت على الأرض… تحاول النهوض.
ركض إليها وسأل: “ماذا حدث؟”.
“دوار فقط وسأكون بخير”.
لكن يديها كانتا ترتجفان وعيناها تبحثان عن نقطة ترتكز عليها، فحملها إلى الأريكة ولمس جبينها فكان باردًا متعرقًا وقال: “سأتصل بالطبيب”.
“لا حاجة… مجرد إرهاق وانتهى”.
لكنه لم يسمع واتصل محددًا موعدًا في الصباح، جلس بجانبها صامتًا ثم دون تفكير وضع يده على يدها، لم تسحب يدها، كانت يدها جامدة تحت يده كجسم غريب.
في عيادة الطبيب، عندما خرجت من غرفة الفحص، قال له الطبيب: “هي تعاني من إرهاق نفسي حاد وقلق متراكم، والجسد بدأ بالتمرد عندما تهمل الصرخات النفسية لفترة طويلة، إنها تحتاج إلى راحة ودعم حقيقي وليس مجرد كلمات عابرة، فالسرطان والجلسات الكيماوية أنهكت جسدها”.
“دعم حقيقي”، هذه العبارة لاحقته وتساءل ما معناها؟
كان يعتقد أن توفير الطعام والمأوى هو الدعم، ولكن الدعم الحقيقي كان يعني أن يتقاسما الوجع.
في طريق العودة، قاد السيارة بصمت وهي تحدق من النافذة، ثم فجأة قالت: “كنت أتمنى أن تسقط معي”.
نظر إليها مندهشًا فقالت: “ليس سقوطًا حرفيًا، ولكن على الأرض شعرت بوحدتي بشكل مؤلم، فلو كان بإمكانك مجازيًا أن تجلس على الأرض بجانبي لا أن تحملني إلى الأريكة، بدلاً من اتصالك بالطبيب فربما شعرت أننا في نفس المكان، فالطبيب يعالج الجسد ولكن من يعالج الذعر من السقوط وحيدًا؟”.
كانت تلك أكثر الكلمات وضوحًا التي سمعها منها، لقد رسمت له خريطة للوصول إليها: انسَ الحلول وتعاطف مع المشكلة.. التعاطف عضلة كانت قد ضمرت لديه من عدم الاستخدام.
جاءت أمه تزورهما، وفي أثناء تناول العشاء بدأت الأم بدون قصد، بل بعفوية الجيل القديم، تعدد محاسن خالد وكيف هو مكافح وكيف يتحمل المسؤولية وأنهم فخورون به جدًا، ثم التفتت إلى ليلى وقالت: “أنتِ محظوظة به”.
لم ترد ليلى، ولكن خالد رأى عينيها تتسعان قليلاً، وهو علامة العاصفة الداخلية التي يعرفها، وبعد أن ذهبت الأم إلى غرفتها انفجرت قائلة:
“فخورون به! نعم فخورون به لأنه وصل، ولكن هل شاركوه معاناة الوصول؟ وهل رأوا الليالي التي كان يعود فيها منهكًا ليفجر غضبه على أقرب شخص والذي كنتُ أنا؟ وهل يعرفون ثمن توفيره كل شيء؟ كان الثمن أن أتحول إلى قطعة أثاث في قصره وإلى ظل ينتظره، والفخر يجب أن يأتي ممن شارك المعركة لا ممن يجنون ثمار النصر فقط، وأنت لم تشركني في معركتك ثم تريدني أن أهتف لك عند خط النهاية؟”.
كانت تصرخ والدموع تغرق كلماتها، وهو وقف مذهولاً محاولًا تهدئتها قائلاً: “اخفضي صوتك، هذا ليس وقت العتاب”.
ردت قائلة: “ما فائدة ‘أنا بجانبك’ بعد التعافي؟ وكلمة ‘أنا أحبك’ وأنت لا تتقبل عيوبي وكل دقيقة تذكرني بها؟ ما فائدة ‘آسف’ بعد أسبوع أو أكثر من الخصام؟ وقتها يكون القلب قد عاف، وما فائدة ‘فخورٌ بكِ’ وأنتَ لم تشاركني معاناة الوصول؟ ما فائدة ‘لا تحزني’ بعد أن تركتني للحزن يأكلني بصمت؟”.
“لا فائدة؟ لا فائدة تأتي من كلمات باردة في غير وقتها..”.
حاول خالد أن يحضن ليلى لكنها أبعدته.. سمع منها هذه الكلمات القاسية وهي فعلاً محقة بكل كلمةٍ قالتها.. لقد عانت من بروده وأنانيته.. لكنه صرخ بها معاتباً: “ضغط العمل يا عزيزتي”.
دفعته قائلة: “لا بأس، إنها مجرد كدمة بسيطة في قلبي… وستتعافى، لا تحتاج لضماد أو مسكن ألم. سأكون بخيرٍ قريباً.. دائماً تضع اللوم على العمل.. وأنا في الليل والنهار وفي كل الوقت أعمل بصمتٍ ولا أشتكي.. لا يحق لي أصلاً أن أشتكي..”.
كانت تصرخ والدموع تغرق وجهها، وكلماتها تنزل عليه كالمطر وهو واقفٌ يحاول تهدئتها قائلاً: “اخفضي صوتك قليلاً، أمي في الغرفة المجاورة”.
ردت قائلة: “دعها تسمع صرخاتي، دع الجميع يسمع معاناتي.. لقد بكيتُ أياماً بل شهوراً وليالي وحدي بما يكفي لأبدو أمامك بكل هذا الثبات..”.
سكتت للحظة لأن كلامها لن يغير شيئاً ككل مرة.. فعندما يعجز الفم عن الكلام؛ فإن العين تفعل..
وضعت يدها على قلبها وقالت: “الفوضى كلها في قلبي وأنا هادئة.. لا أصرخ، لا أتكلم.. لأكون زوجة صالحة لشخص لا يستحق، فكل ضغط نفسي أخفيته يعتبر ضغطاً آخر.. لقد بان التعب على وجهي.. لقد أكل الحزن عيناي..”.
أمه خرجت من الغرفة ونظرت إلى ليلى تحاول مواساتها لكن دون جدوى.
بعد ذلك الانفجار دخلت ليلى في هدوء خطير، لم تعد ترسم ولم تعد تعزف أو تتكلم، كانت تتحرك كجسد بلا روح في البيت.
حاول الاقتراب قائلاً: “لنتحدث قليلاً، أعتذر عن كل شيء وأريد أن أصلح ما أفسدته..”.
تسمع ثم تذهب، وكلمات الاعتذار تأتي متأخرة جدًا وكأنها تصل بعد انتهاء الحرب إلى ساحة خالية مليئة بالجثث والدماء، كانت تأتي ولكن بعد فوات الأوان.
قرر فعلاً جذرياً وأخبر مكتبه أنه بحاجة إلى إجازة غير محددة، وكانت أول مرة يطلب فيها إجازة، ولكنه أصر، وكان يعلم أن كل محاولاته السابقة كانت ترقيعًا وهو بحاجة إلى هدم الجدار الذي بناه حجرًا حجرًا.
في صباح يوم مشمس، دخل غرفتها وكانت تجلس على حافة السرير تضع بعض الملابس في حقيبة صغيرة، فسأل وقلبه يرتجف: “إلى أين؟”.
فردت: “لا أدري.. ربما فندق وربما رحلة قصيرة، فأنا أحتاج أن أتنفس بعض الهواء، فالمكوث في هذا البيت يخنقني”.
“ابقِ وأنا سأخرج.. فهذا منزلكِ”.
“ليس منزلي.. لو كان منزلي لما شعرت بالوحدة وأنا معك”.
وقفت وأكملت كلامها: “لقد خاب ظني فيك، منذ أن نمت باكيةً.. قد ضاقت بي الأرض… أظن أن مكان الجُرحَ الذي كان ينزف قد بُتر الآن”.
تركته، حملتُ ما تبقى من كرامتي وخرجتُ دون أن أنطق بعدها بأي كلمة.. دون أن ألتفت ورائي كالعادة.. كل مرة كنت أصرخ.. أذرف الدموع وأخرج كل ما في قلبي..
لا يتذكرني إلا حين أسأل عنه.. ولا يتحدث إلا حين أحادثه.. ولا يهتم إلا حين أعاتبه.. فهل يستحق كل هذا الاهتمام؟ لقد بالغت بالاهتمام حتى تفتت قلبي بين يدي.. فما أبشع مِن الإهمال، غير اهتمام كاذب..
بعد أسبوع عاد إلى الشقة ووجدها كما هي، خالية من الروح.
كانت ليلى في المرسم الذي أعدته لنفسها، لكنها لم تكن ترسم عندما عاد، رآها تحدق في لوحة فارغة.
دخل بهدوء وجلس على الأرض بعيدًا عنها قليلاً وقال: “أنا لا أطلب الغفران ولا أتوقع أن تثقي بي فجأة، ولكني أريدكِ أن تعرفي أنني بدأت أرى، وأرى كم كنت غائبًا، وأرى أن كلماتي كانت دائمًا تصل متأخرة لأن قلبي كان متأخرًا، فكلمة آسف بعد أسبوع من الخصام لا فائدة منها لأن الألم حدث، وصراخ الصمت سُمع، والجرح بدأ بالنزيف، وأنا تركتك تنزفين لوحدك”.
لم تلتفت، لكنه رأى كتفها يرتعش قليلاً، وواصل وصوته يرتجف: “لا أعرف كيف أصلح هذا ولكني لن أهرب مرة أخرى، وحتى لو قررتِ الرحيل أريد أن أكون هنا لأسمع ولأرى ولأشعر بكل ما أخلفته، لأنكِ تستحقين على الأقل أن يرى أحدهم الدمار الذي سببته”.
ساد صمت طويل، ثم ببطء استدارت نحوه وكانت عيناها حمراوين ومنهكتين، وسألت بسخرية: “لماذا الآن؟ ولماذا بعد أن كسرت كل شيء؟ أظن أن الأوان قد فات على الإصلاح”.
فقال: “لأنني رأيت الساعة الرملية ورأيت الرمال السوداء كلها في الأعلى، وأدركت أن ما فعلته طوال هذه السنين هو إضافة المزيد من الرمال السوداء واللحظات الثقيلة من غيابي وصمتي وكلماتي القاسية، اعتقدت أنني أبني شيئًا لكنني كنت أجعل السقوط حتميًا، أنا لا أستطيع إزالة السواد لكن ربما يمكنني من الآن أن أبدأ بوضع حبات رمل بيضاء لتغطي على كل السواد الذي اجتاح عالمكِ”.
لم تستطع ليلى الرد.
مشت إلى الرف حيث كانت الساعة الرملية الحقيقية.. أخذتها ووضعتها بينهما على الأرض، ثم بحركة هادئة قلبتها.
بدأت الرمال بالانسياب من جديد وقالت: “هذه ليست بداية جديدة، والرمال السوداء ستظل في الأسفل للأبد ولكن.. يمكننا أن نقرر ماذا نفعل؟”.
لم تمسك بيده ولم تعانقه، ولكنها جلست على الأرض مقابل الساعة تشاهد الرمال وهي تنزل، وهو جلس مقابلها ولم يتكلما.
وللمرة الأولى منذ سنوات كانا يفعلان شيئًا سويًا.
ليس حبًا عظيمًا، بل مجرد مشاهدة الوقت يمر وهو حاضر وهي حاضرة، والكلمات كانت ستفسد تلك اللحظة؛ لأن بعض المشاعر أكبر من أن تحتويها الكلمات، وبعض الجروح تحتاج إلى صمت مشترك لكي تبدأ بالنبض من جديد كعلامة على الحياة.
النهاية لم تكن سعيدة ولا حزينة، وكان هناك جسر محطم ومياه جارفة تحته، إذا سقط أحدهما ستحاول ابتلاعه.
ولكنهما ولأول مرة وقفا على الحافتين المتقابلتين ينظران إلى نفس النهر، وربما لم يبنيا جسرًا مرة أخرى.. ربما سيبقى هذا النهر بينهما للأبد.
ولكن الاعتراف بوجود النهر كان بداية مختلفة عن إنكاره، فالفائدة تأتي من الأفعال في وقتها لا من الكلمات الباردة في غير وقتها.
والساعة الرملية استمرت في الانسياب حبة.. حبة.. تلو الأخرى.. وكل منهما يحاول إصلاح الآخر، فربما يعود القلب ينبض من جديد…
تحرير، تدقيق وإشراف: رنين.
قصة جميلة 🌷
تبرز ما يحدث في واقعنا ، عندما تكون المسافة المادية قريبة ، و لكن بعيدة في نفس الوقت ، الجميع يتمنى أن يكون مع الشخص الذي يحبه ، و لكن هل فكر بأن هذا الشخص يتمناه ؟! هل فكر بأنه يستحق حبه ، و دموعه ، و خوفه . حقا سلمت أناملك و زاد عطاء قلمك المميز .
تحبين الدراما الرومانسية ! لا يمكنني الوثوق في خيال امراة ابدا، هههه، النساء اصحاب الخيال الخصب مثلك سيوجهنه للدراما دوما، لديك عوالم اخري بخلاف عالم البشر النمطي والذي يتحدث دوما عن الحب بشروط، الحب امرا مستلهكا للغاية وغير موجود في عالم البشر، طبعا انت ابدعت، لا استطيع ان انكر انني طالعتها للنهاية دون ملل، لكنني شعرت بان لديك خيال فياضا دمويا للغاية يمكنك استغلاله في مواضيع قصصية اقوي، لهذا، يمكننا انا نراك عما قريب ببذلة فضاء! او في تابوت فامبير؟! هذا سؤال؟ هيا اجيبي، ههههه.. عمت مساءا صديقتي الموهوبة
هلا احمد 😂😂😂تعليقكك اضحكني والله حابب جرب بلكي تزبط قصص رعب ولا اكشن خايف ماتزبط معي فلهيك بتركها لاصحاب الخبرة بالنسبة للرومانسية والحزن والحب انا اقرب الها 😅😅خلينا اقرب للواقع مابدنا ندخل التين فالعجين زي مابقولو …مابوعدك ولكن بحاول
للعلم هذي القصة ارسلتها فشهر ٤ قبل شهرين مع القصة هل افرطت بالتفكير بك ولسا عندي قصة بشتغل عليها وتقريبا جاهزة 🤣🤣وخايف تقول عليها نفس الحكي خليها مخبية حالياً
صدقيني، كنت أفضل من يكتب تلك النوعية، لكن كسل الدببة لازمني، لا استطيع الخروج من كبوة كسلي علي الاقل حاليا ، فهي جميلة، ومريحة للغاية، ههههه..
لهذا اريد رؤية الامر، رجاءا، اعتنيت بالامور كثيرا، لمحت فيك الجزء الدموي، تستطيعن فعلها، انا واثق من ذلك، لديك جينات التميز، لكن حسنا، يمكنك المواصلة علي نفس تفكيرك الدرامي، انا عامة تعجبني قصصك تلك بالرغم من انها ليست من نوعي، تعلمين ان apex قممي، لا يكتب الا عن الرعب والاشلاء.. بالتوفيق يافتاة، سادعمك ايضا بغض النظر عن اي شيء.. عمت مساءا
سلام عليكم مساء الخير على الجميع
ومبروك العمل الجديد لي أختنا الكريمة أم الجود والنشر في الموقع الرائع
الله الله أختنا الكريمة رائعة جدا جدا جدا بصراحة هذا العمل من أجمل ما قرأت لحضرتك وأعتقد انه سيكون منعطف مهم في مسيرة حضرتك الأدبية
اسلوب السرد كان في قمة السلاسه والانسيابيه كان بكل تلقائية بكل طبيعية بكل واقعية بدون أي تكلف في غير موضعه
ومع انه اغلب خط ذلك السرد كان يقوم على مساحة كبيرة للحوارات بين الشخوص
الا انه كان توظيف تلك الحوارات كما ينبغي وبالجرعة المطلوبة دون إسترسال مبالغ فيه أو اقتضاب يضعف او يقلل من الوتيرة المطلوبة
سرد بصراحة نموذجي كما في الكتاب كما يقولون
أيضا بناء وإبعاد الشخصيات في الحكاية كان جدا منطقي واقعي يلامس روح وتشابه اي من تلك الموجودة في حياتنا اليوميه وتعيش منا وفينا وبيننا
أفعالها وردود أفعالها كانت وفق السياق المعاش كما نسمع ونرى في ايه اسر تحيط بها تلك الأحوال كما مع خالد وليلة
لم يكن هناك اوفره او تصنع لردود وافعال خارجة عن المنطق والسياق بأحداث استثنائية ولكن غير معقوله
وأيضا حافظت على رتم حيوي متحفز وقادح ابقى تلك الشخوص وحواراتها وافعالها وبالتالي مشاهدها
في ترقب حذدثي ودرامي منتظر ويحتمل كل المفاجآت إنما في إيقاع منضبط
ومن أجمل وأمتع وابهر ما كان في العمل ذلك التوظيف المبدع للمؤثرات التصويرية
تلك الرسائل المتبادلة الرائعة عن طريق رسومات ولوحات ليلة وفهم خالد لمغازيها بعد أن عجزت كل كلماتها ودموعها معه
دور الساعة الرملية الذي كان يشبه الموسيقى التصويرية من بداية العمل حتى الخاتمه
وكيف كان لكل مشهديه وحدث وحار في الحكايه ما يقابله في حركه ورمال تلك الساعة بل حتى في ألوانرمال وشكل تلك الرمال المنسابه في جوفها
خلفية سمعيا بصرية من أجمل و أشطر ما يمكن أختنا الكريمة أم الجود
وجعلت من العمل بصورة متكاملة ما بين السرد والكلمات والحوارات المعبرة والشجن الشعوري الحسي السينمائي الاخراجي مع تلك المؤثرات
ثم في النهاية لدينا رسالة إنسانية ذكية ومتوازنة من كل هذا العمل
المشاكل والمعضلات زوجية لا تحل بتدمير كل شيء وتفكيك الاسره وبنيتها وهدمها من الأساس
ولكن أيضا وكما رأينا في شخصية ليلى السكوت عن ذلك التعاطي هو سوف يكون مقبرة لكل حيوية وعاطفه وحنين ودفىء في تلك الأسرة
لذلك كان موقف وتعاطي ليلى مع واقعها وحالها مع خالد كما ينبغي وهو المطلوب وهو الحل الوحيد لتغيير ذلك التكدس والجمود الذي اجتاح سنوات حياتهما
والأجمل أنها لم تتراجع مع أول محاولة أو الثانية أو حتى الثالثة لاسترضاءها
باقية محافظة على ضرورة تغيير الأمر من جذوره وليس كسب لحظة من الحنان ودفء تعرف أنها لن تحصل عليها غدا إذا لم يتغير كل شيء من الجذور
كذلك كما في شخصية خالد الذي مثل اغلب الرجال يعتقد أنه طالما الزوجة لديها كل شيء من الذي تحتاجه فما هو المطلوب منه اكثر كزوج
وينسون في غمره السعي لتوفير كل هذا انه طالما لميحتضن شريكته وزوجته بما يكفي من العطف والاهتمام الروحي والنفسي قبل المادي فإنه الزوجة سوف تفقد أي شعور اتجاه أي حاجة مادية من قبله لأنها باتت بالنسبة لها مجرد بديل عن ضايع لا اكثر
لذلك بالفعل المكاشفه كما فعلت ليلا هو من أهم الحلول التي قد تردم تلك الهوه بين الزوجين وحبذا تكون حتى في البدايات قبل اتساع تلك الهوه وربما قد يصعب بعدها إيجاد ما يكفي من القواسم المشتركة لا تدارك الأموربينهما
في الحقيقة أختنا الكريمة عمل من أجمل ما يمكن وأمتع وأيضا ممتاز من النواحي الفنية والدرامية وبصراحة لا اجد أي ملاحظات استطيع ذكرها ما شاء الله عليكم
ربما لو كنت سوف اذكر حاجة تعتبر هامشية تماما وتبقى رؤية كاتب ووجهة نظر قارئ يعني ليس لها أي أهمية وهي
فقط وجه وبرستيج العمل أخذ وجه أقرب إلى الستايل الغربي عندما تحدثنا عن مرسم ولوحات وأيضا حفلات سيمفونية و تذاكرها
بينما الابطال في الحكاية من العالم العربي طبعا هنا لا مشكلة إذا كانت من واقع غربي اوعربي
أنا اتكلم هنا عن التوافق والانسجام ما بين البيئة المحيطة وأبطال الحكاية لا اكثر
فقط هذا الشيء البسيط الهامشية كما ذكرت بالتوفيق لكم أختنا الكريمة وأن شاء الله القادم من هذا المستوى وافضل تحياتي
اعتقد انه لن ينبض من جديد
لقد تلاشى
اريد عنوان إميل الموقع
ممكن
اعرفه
ممكن مساعدة
اريد ارسل مشاركة
نموذج الارسال لايعمل
يستمر في تكرار الحروف
وكلنها سلسلة غي منتهية
احذف حرف حرفين ثلاثه الحرف الاو الخير وهكذا
ممكن مساعدة
كيف ارسل مشاركة بقصة للنشر
اهلين فيك اخوي فيك تروح عند صفحة تواصل معنا و تكتب مشكلتك و راح يرد عليك المسؤولين انشاء الله
و علي فكرة ايميل الموقع موجود في صفحة تواصل معنا فيك تشوفه بنفسك
التواصل مع المدراء والحررين عبر ايميل الموقع :
kabbos.contact@gmail.com
ابدعت رااااائع
اهلا عبده علي الفهد
شكرا لقرائتكك القصةة