عائدة بعد 65 عاماً!

وُلدت غلاديس ديكون في الخامس والعشرين من يناير سنة ألف وتسعمائة، بمدينة ليستر الإنجليزية، لأب يعمل نجارا، في أسرة كاثوليكية متواضعة يغمرها الوقار الديني والتقاليد الصارمة. وكانت لها أخت وأخ، غير أن قلبها منذ نعومة أظفارها ظل مأخوذا باسم غريب عنها، اسم كانت تشعر نحوه بألفة لا تفسير لها: “مارغريت”. ولم تكن تعلم آنذاك أن والديها قد فكرا فعلاً في أن يمنحاها ذلك الاسم قبل أن يستقر رأيهما على “غلاديس”. وفي طفولتها المبكرة، كانت تعاني خوفا عجيبا من السقوط، خوفا عميقا يزلزل روحها كلما اقتربت من حافة أو منحدر، حتى وصف الأطباء حالتها بأنها “باسوفوبيا”؛ أي رهاب السقوط.

وحين بلغت الحادية عشرة من عمرها، اصطحبتها والدتها مع أخيها في رحلة شتوية من نورثهامبتونشاير إلى مقاطعة دورست، حيث كانوا يزورون بعض الأقارب خلال أعياد الميلاد. وهناك، وأثناء مرور القطار بالقرب من بلدة يوفيل في سومرست، توقف القطار برهةً قصيرة، فحدّقت غلاديس عبر النافذة، وإذا بالمشهد يهز أعماقها هزا؛ كان تل أخضر يمتد أمامها، تغمره سكينة الريف الإنجليزي، لكنه بالنسبة إليها لم يكن مشهدا جديدا، بل ذكرى دفينة تستيقظ من سبات طويل.

التفتت إلى أخيها وقالت بصوت مشوب بالدهشة: «حين كنتُ فتاة صغيرة جدا، كنت أعيش بالقرب من هنا. أتذكر أنني كنت أركض أسفل ذلك التل، بينما كان شخصان بالغان يمسكان بيدي، ثم تعثرنا جميعًا وسقطنا… وقد أُصيبت ساقي إصابة بالغة». وما إن أنهت كلماتها حتى قاطعتها أمها بحدة، ووبختها لأنها — في نظرها — تختلق أكاذيب لا أصل لها. لكن غلاديس كانت موقنة، على نحو غامض لا تستطيع تفسيره، أن ما رأته لم يكن خيالا ولا حلما، ثم أضافت بإصرار أشد: «كان اسمي حينها مارغريت… وكنت أرتدي فستانًا أبيض طويلا تزينه أوراق خضراء صغيرة، أما المرأة التي كانت تمسك بيدي فكانت ترتدي ثوبًا أزرق وأبيض ذا نقوش مربعة».

ومضت الأعوام، وظلّت تلك الذكرى الغريبة حبيسة قلبها، لغزًا يرافقها كظل صامت، حتى جاء عام 1928، وكانت قد بلغت الثامنة والعشرين. في ذلك العام، سافرت غلاديس عبر دورست برفقة صاحب عملها في سيارة قديمة تشق الطرق الريفية الضيقة. وفجأة، تعطّل أحد الإطارات، واضطرّا إلى التوقف لإصلاحه. وبينما كان الميكانيكي منشغلاً بإصلاح العطل، اقترح صاحب العمل أن يستريحا قليلاً في كوخ قريب تحوّل إلى غرفة شاي صغيرة.

دخلت غلاديس المكان في هدوء، وجلست تنتظر إعداد الشاي، غير أنّ عينيها وقعتا على لوحةٍ قديمة مرسومة على الزجاج ومعلقة على الجدار. وفي تلك اللحظة تجمد الزمن؛ حدّقت طويلاً، ثم ارتجفت أنفاسها، واتسعت عيناها في ذهولٍ عارم؛ لقد رأت نفسها! طفلة صغيرة تركض أسفل تلٍّ أخضر، بوجه جاد بريء، ترتدي فستانًا أبيض طويلاً مزينًا بأغصان خضراء دقيقة… الفستان ذاته الذي وصفته قبل سبعة عشر عاما، فصرخت دون وعي: «لكن… هذه أنا!».

فضحكت الشابة التي كانت تعدّ الشاي، كما ضحك صاحب عملها، وقالت الفتاة مبتسمة: «تلك الطفلة ماتت منذ زمن بعيد، لكن لا أنكر أنكِ تشبهينها كثيرا». ولمّا رأت الشابة اضطراب غلاديس وذهولها، استدعت والدتها العجوز، التي راحت تسرد قصة الطفلة المرسومة في اللوحة.

قالت العجوز إن اسمها كان مارغريت كيمبثورن، الابنة الوحيدة لأحد المزارعين في المنطقة. وكانت أمها قد عملت خادمة في مزرعتهم، تعرف الطفلة جيدًا، وتشهد تفاصيل حياتها. ثم تابعت بصوت خافت: «حين بلغت مارغريت الخامسة تقريبًا، كانت تركض أسفل التل ممسكةً بيدي شخصين بالغين. لكن أحدهما تعثر في جحر أرنب، فسقط الجميع أرضًا… وكانت الطفلة الصغيرة تحتهم». وأطرقت العجوز قليلاً قبل أن تكمل: «انكسرت ساقها بشكلٍ خطير، ولم تتعاف بعدها أبدًا… وبعد شهرين فقط ماتت».

شعرت غلاديس بأن قشعريرة باردة تسري في جسدها، فسألت العجوز عن تاريخ الحادثة. نزعت المرأة اللوحة عن الحائط، وقلبتها إلى الخلف، حيث كانت ورقة صغيرة ملصقة هناك. قرأت غلاديس الكلمات ببطء وارتعاش: «وُلدت مارغريت كيمبثورن في 25 يناير 1830، وتوفيت في 11 أكتوبر 1835».

توقفت أنفاسها؛ فهي أيضًا وُلدت في الخامس والعشرين من يناير… لكن بعد خمسة وستين عاما تماما من وفاة مارغريت!

ومنذ تلك اللحظة، لم تعد غلاديس ترى الأمر مجرد أوهام طفولة أو مصادفات عابرة؛ فقد وجدت أمامها صورة لطفلة تشبهها، ترتدي الثوب ذاته الذي رأته في ذاكرتها، وتموت بالطريقة نفسها التي زرعت في نفسها منذ الصغر خوفًا مرعبًا من السقوط. بل إن المصادفة الأعجب كانت أن السيارة لم تتوقف عند ذلك المنزل إلا بسبب إطار مثقوب، وكأن يدا خفية قادتها إلى هناك لتواجه ماضيا منسيا يعود من وراء الزمن.

وهكذا، تحولت تلك الحكاية في نظر كثيرين إلى واحدة من أغرب قصص التناسخ التي رُويت في إنجلترا؛ قصة طفلة ماتت تحت اسم مارغريت كيمبثورن، ثم ربما — كما آمنت غلاديس لاحقًا — عادت إلى الحياة من جديد في جسد فتاة أخرى تحمل ذكرى السقوط ذاته، والخوف ذاته، وحتى تاريخ الميلاد ذاته. ورغم نشأتها في أسرة كاثوليكية لا تؤمن بتناسخ الأرواح، فإن تلك التجربة العجيبة غيرت قناعاتها إلى الأبد، وجعلتها تؤمن أن الروح قد تعبر الموت وتعود مرة أخرى، حاملة معها شذرات باهتة من حياة مضت… لكنها لم تُنسَ تماما.

تحرير، تدقيق وإشراف: رنين

4.5 2 الأصوات
Article Rating
المصدر
European Cases of the Reincarnation Type

مقالات ذات صلة

guest
0 تعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x