لعنة الانتقام والقربان 2

توقف مكانه دون أن ينظر خلفه، لتكمل هي بكلمات كالرصاص: “ليست حرباً ضد العالم، بل هي حربٌ مع نفسك.. تلك النفس التي انكسرت.”
ساد الصمتُ لثانية، قبل أن تتابع هي بمرارة، وكأنها تقرأ ما يدور في أعماقه: “حربٌ مع نفسك التي انكسرت، وحربٌ مع أعدائك الذين يتربصون بك وينتظرون لحظة سقوطك.. هي حتى حربٌ ضد الظروف، وضد هؤلاء الحمقى الذين وضعوك في هذه الظروف.”
التفتت إليه ببطء شديد، وعيناها مثبتتان عليه بحدة لا تلين، وأردفت بلهجة حاسمة: “أمامك خياران لا ثالث لهما: إما أن تحارب لتستعيد شتات ما تبقى منك، وإما أن تخون نفسك وتستسلم للعدم!”
حاول أن يقاطعها، لكنها رفعت سبابتها لتمنعه، قائلة بصرامة: “لا تجرؤ على القول بأن كل شيء قد انتهى.. ففي هذه النهاية، لا يملك أحدٌ في هذا العالم حق إعلان الهزيمة.. إلا أنت.”
هنا، هدأت ملامحها فجأة، واقتربت منه “إليانور” بخطوات وئيدة. وبصوتٍ ناعم يفيض بالطمأنينة التي يفتقدها، همست له: “خذ هذه البطاقة، فيها عنواني إذا غيرت رأيك.” وقبل أن يرفض، تابعت هامسة: “لا تتكلم، فكر فقط.”
فجأة، تحولت ملامحها إلى قناع من القلق المصطنع. مدت يدها الرقيقة، ووضعت كفها على جبينه وكأنها تتفقد حرارته، وقالت بنبرة يملؤها خوفٌ مزيف: “يا إلهي.. أنت شاحب جداً، وحرارتك مرتفعة! كيف غاب عني هذا؟ لقد استيقظت للتو ولم تتناول أي دواء بعد.”
فتح “سيباستيان” فمه ليعترض ويخبرها بأنه بخير، لكن الكلمات تلاشت حين رأى نظرتها الغريبة. تنهد وجلس على الأريكة قائلاً بصوت منهك: “لا أريد أن أتعبكِ معي.. يا حضرة الطبيبة.”
ابتسمت إليانور ابتسامة غامضة، ثم استدارت لتحضر حقنة من حقيبتها. لمعت عيناها بنظرة خبيثة لم يلحظها، واقتربت منه ببطء وثبات بعد أن استقر في جلسته.
ببرود، أزاحت سترة معطفه عن كتفه، وقبل أن يسألها عن ماهية هذا الدواء، شعرت بشرته بوخزة الإبرة الحادة. كانت تضغط على المكبس ببطء شديد.
بينما كانت تضغط على المكبس، بدأت الرؤية تتلاشى من أمامه، وفي تلك اللحظة الخاطفة، انفتح باب في ذاكرته لم يُطرق منذ سنوات.. مرت صورة من طفولته بسرعة خيالية؛ ذكرى قديمة لغرزة إبرة أخرى، وطبيبة غامضة لا يتذكر ملامح وجهها بوضوح.
تردد في أذنيه صوت ناعم من الماضي يسأل: “هل آلمتك؟”.
كان ينظر إليها في خياله كأنها سراب. وجه الطبيبة كان مألوفاً بشكل مريب، وكأن هناك شبهاً غامضاً بينها وبين إليانور التي تقف أمامه الآن، لكن ذاكرته كانت مشوشة، والملامح تتداخل مثل الخيال. هل هي حقيقة أم مجرد أوهام بدأت تسيطر عليه بفعل المادة التي تسري في عروقه؟
وعيناها مثبتتان في عينيه، همست بصوت ناعم يقطر مكراً: “هل آلمتك؟ هذه ستجعلك تتحسن.”
أعادت “إليانور” سترة معطفه إلى مكانها ببطء، وعيناها تلمعان بابتسامة خفيفة غامضة، ثم قالت بنبرة لا تقبل الجدل: “أنت لا تقدر على الذهاب إلى أي مكان في حالتك هذه.. أنا من سيوصلك.”
حاول سيباستيان المقاومة، ويده لا تزال تضغط بقوة على مكان وخزة الحقنة، وكأنه يحاول استعادة السيطرة على جسده المترنح، وتمتم بصوتٍ منهك: “لا.. لقد فعلتِ الكثير بالفعل، لا داعي…”
قاطعتها بحزم وهي تحدق في شحوبه: “سيباستيان، لن تستطيع القيادة بمفردك، لا تجادل.”
استسلم أخيراً لهدوئها المسيطر، واكتفى بإيماءة بسيطة. ركبا السيارة، وانطلقت بهما في عتمة الليل التي كانت تبتلع كل شيء سوى أضواء لوحة القيادة الخافتة.
كانت إليانور تختلس النظر إليه بين الحين والآخر؛ بدا متعباً جداً، يصارع أثر الدواء والهموم معاً. سألته بصوتٍ هادئ كسر صمت الطريق: “هل أنت بخير؟”
أجابها باختصار وعيناه مغلقتان: “نعم.. بخير.”
توقفت السيارة أخيراً بالقرب من بوابة قصره الكبير، حيث كانت أضواء الحرس تلوح من بعيد داخل أسوار البيت. ترجل “سيباستيان” بصعوبة، وقبل أن يخطو مبتعداً، التفت إليها بملامح يكسوها الامتنان المرهق: “شكراً لكِ.. على كل شيء.”
ابتسمت إليانور، ولم تكن ابتسامتها عادية هذه المرة، وقالت له: “فكر في الأمر يا سيباستيان.. ولا داعي لتشكرني، نحن أبعد من ذلك.”
نظر إليها طويلاً، وكأنه يحاول قراءة ما خلف كلماتها، ثم قال بصوتٍ خفيض: “حسناً، سأفكر.”
استدار متوجهاً نحو البوابة الضخمة، بينما بقيت هي في سيارتها، تراقب ظهره وهو يبتعد حتى اختفى خلف الأبواب، والغموض يلف خطواته القادمة.
ما إن اقترب من الباب الضخم حتى لمح ظلاً يركض نحوه بلهفة. كان “ماركوس”، رئيس الحرس الذي بدت على وجهه علامات الهلع. صرخ ماركوس وهو يمسك بكتفيه: “أين كنت يا بني؟ لقد بحثنا عنك في كل مكان! والدك ووالدتك قلقان عليك وغاضبان في نفس الوقت.”
كانت نبرة ماركوس المرتجفة تعكس حجم القلق الذي ساد القصر في غيابه، بينما وقف هو صامتاً، ينظر إلى القصر وكأنه يراه لأول مرة.
تنهد ماركوس بضيق وهمس له محذراً قبل أن يفتح الباب: “إنه في الداخل.. اسمعني يا سيباستيان، الجو مشحون جداً وغير محتمل، حاول أن تسيطر على أعصابك وتكون هادئاً، أرجوك.”
ما إن خطت قدماه الداخل حتى herعت إليه “بياتريس” بملامح وجه يملؤها الرعب، وصرخت بلهفة الأم: “ابني! ما هذا؟ ماذا حدث لك؟”
أجابها وهو يحاول تفادي نظراتها: “أمي.. أنا بخير، صدقيني.”
لكنها لم تقتنع، وبدأت تتفحص جراحه ويدها ترتجف، وقالت بنبرة عتاب حزينة: “كيف تفعل هذا بنا يا سيباستيان؟ كيف تتركنا في ليلة كهذه؟”
وفجأة، شق صمت المكان صدى خطوات ثقيلة.. كان “إدوارد”. اقترب منه وعيناه تشعان غضباً يتطاير منه الشرر، وزأر بصوت هز أرجاء القاعة: “أيها الأحمق!”
وبدون سابق إنذار، أبعد “بياتريس” عن طريقه بقسوة، ورفع يده لتهبط بقوة كف مدوٍّ على وجه سيباستيان، جعل رأسه يميل جانباً بينما ساد الصمت.
لم يكتفِ “إدوارد” بذلك الكف، بل انقض على سيباستيان يمسكه من كتفيه بقوة هزّت جسده المتعب، وصرخ في وجهه بصوت جهوري يملؤه الحقد والغضب: “لقد فضحتنا أمام الجميع! هل تدرك ما فعلته اليوم؟ لقد جعلتني أطأطئ رأسي أمام صديقي وليام وابنته ليلى!”
استمر إدوارد في هزه بعنف وكأنه يحاول إيقاظه من غيبوبته، والشرر يتطاير من عينيه: “بسبب طيشك وتصرفاتك الصبيانية، خسرت الشراكة التي كنت أنتظرها.. دمرت حفل الخطوبة وأفسدت كل شيء! الصفقة كانت قاب قوسين أو أدنى من الاكمل، لكنك حولتنا إلى مادة للسخرية وحديث الجميع!”
كانت كلمات والده تسقط عليه كالسياط، بينما كان سيباستيان يشعر بدوار الحقنة يزداد. وسط ضجيج الصراخ وصيحات الغضب، كان “سيباستيان” يقف كجسد بلا روح، عيناه تائهتان وكأنه لم يعد يسمع الكلمات التي تُلقى عليه، بل استسلم تماماً لما يحدث حوله.
جن جنون “إدوارد” من صمت ابنه، فزأر في وجهه: “أتصمت الآن؟ أجبني!”
وبقوة عمياء، وجه له ضربة أسقطته أرضاً. ارتطم جسد سيباستيان بالأرض وبدأ يرتجف بشكل غريب تحت تأثير الحقنة، بينما وقف إدوارد فوقه وهو يهزه بعنف محاولاً إرغامه على الوقوف.
في زاوية القصر الخارجية، كان ماركوس يسمع أصوات الشجار كأنها خناجر تمزق قلبه، لكنه لا يستطيع التدخل أمام سلطة والده، وعروق يديه تكاد تنفجر من شدة قبضه عليها.
وفي تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان التوتر قد وصل لأقصاه، اهتز هاتف ماركوس في جيبه.. أخرجه بسرعة ليجد اسماً واحداً يلمع على الشاشة: “إليانور”.
انسحب “ماركوس” بخطوات سريعة بعيداً عن صراخ “إدوارد”، وقف خلف أحد الأعمدة الضخمة وفتح الخط بيد ترتجف ليهمس بصوت مخنوق: “إليانور؟ لماذا تتصلين الآن؟ الوضع هنا كارثي!”
جاءه صوت إليانور عبر الهاتف، بارداً وهادئاً بشكل مستفز، وكأنها لا تكترث للحريق الذي أشعلته: “ماركوس، سيارة الإسعاف ستصل إلى باب القصر بعد دقائق قليلة.”
تجمد ماركوس في مكانه من الصدمة، لقد كانت تعلم ما يحدث في الداخل قبل أن يعرف هو، فهتف: “إليانور، ماذا فعلتِ؟!”
لم تجبه. وفي تلك اللحظة، اخترق هدوء الليل صراخ بياتريس المرعوب من داخل القصر وهي تنادي باسم ابنها. أدرك ماركوس أن كل شيء قد تم الترتيب له بدقة مرعبة، فركض إلى الداخل.
توسعت عينا ماركوس من الصدمة ونظر إلى سيباستيان الذي كان يرتجف. ودوت أصوات سيارات الإسعاف في أرجاء القصر، واقتحم المسعفون المكان لتقديم الإسعافات الأولية لسيباستيان الذي كان يصارع غيابه عن الوعي، وكانت الكلمات تتردد بحدة: “يجب نقله إلى المستشفى فوراً!”.
في هذه الأثناء، ومن بين ظلال الأشجار الكثيفة المحيطة بالقصر، كانت إليانور تقف كشبح تراقب المشهد ببرود. رأت “بياتريس” وهي تصرخ منهارة: “ابني! أنقذوا ابني!”، ورأت انكسار “إدوارد”.
ابتسمت إليانور ابتسامة النصر عندما انعكست أضواء الإسعاف الزرقاء والحمراء على وجهها. في تلك اللحظة، لم ترَ سيباستيان، بل رأت الماضي.. تذكرت اليوم الذي حملت فيه سيارة الإسعاف جثة والدها الهامدة.
كان “ماركوس” يتلفت حوله بعينين قلقتين، وكأن حواسه تخبره بأنها لا تزال هنا.. تراقبهم من خلف الستار.
همست إليانور لنفسها بصوت يقطر سماً: “الآن يا بياتريس.. ذوقي من نفس الكأس. ذوقي ألم الفقد والاحتراق الذي عشته لسنوات.”
عائلة تنهار، وجرح قديم بدأ ينزف من جديد.
التفت “إدوارد” فجأة نحو الحديقة، وكأن حواسه استشعرت وجود غريب يراقبهم وسط تلك الفوضى، لكن ماركوس كان أسرع؛ سحبه من خلفه مشتتاً انتباهه عن الظلال التي كانت تقبع هناك.
تحركت سيارة الإسعاف وخلفها سيارات العائلة، وفي تلك اللحظة الخاطفة، التقت نظرات “ماركوس” بعيني “إليانور” المتوارية في العتمة. كانت نظرات ماركوس تشتعل غضباً وتساؤلاً، بينما ظلت إليانور هادئة تراقبه بنظرة واثقة باردة، وكأن كل ما حدث لم يكن سوى البداية.
غادرت السيارات المكان تاركة خلفها صمتاً مخيفاً، وإليانور تقف في الظلام بابتسامة نصر لا تبشر بخير: “لقد بدأ اللعب بالأرواح الآن.. ومن يضحك أخيراً، يضحك كثيراً.”
تلاقت النظرات في العتمة كأنها نِصالٌ من نار. تراجع الضجيج من حولهما، ولم يتبقَّ سوى صوت أنفاسهما المتسارعة.
كان ماركوس يقبض على كفّه بقوة حتى ابيضّت المفاصل، وعروق عنقه بارزة، وعيناه تشتعلان بشيء يشبه الجنون والغضب المكبوت، ثم اندفع صوتُه خافتاً لكنه حاد كالشفرة: “أجيبيني فوراً.. هل أنتِ أم بياتريس؟!”
ثبّتت “إليانور” قامتتها، ولم ترمش لها عين. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة متغطرسة، لكن نظراتها تحولت في ثانية واحدة لتصبح حادة وقاسية. اقتربت منه ببطء، مفعمة بالثقة والكبرياء، وهَمست بنبرة تقطر سُمّاً: “كيف تجرؤ على نطق اسمها أمامي؟ كيف تجرؤ على مقارنتي بتلك الأفعى؟! أنا لست هي، ولن أكون يوماً مثلها.”
التفت ماركوس نحو الفراغ، ومسح وجهه بيده محاولاً السيطرة على ارتجاف أصابعه من فرط القهر، ثم التفت إليها مجدداً، وكانت ملامحه تنطق بالألم المر وهو يصرخ بجسدٍ متوتر: “هل تعمين عن الحقيقة؟! هذا الشاب البريء.. ألا تدركين ما الذي كان يعانيه طوال خمس سنوات؟! ألم يكفِ ما فعلناه به؟ جعلناه يدمن على تلك الأدوية المهدئة اللعينة، يتناولها مرغماً حتى تجمدت أحاسيسه، ويسري السم في عروقه يومياً حتى أصبح مدمناً عاجزاً عليها! والآن.. تأتين أنتِ لتكملي عليه؟!”
بقيت إليانور صامتة، لكن دقات قلبها كانت مسموعة في جوف الليل.
تقدم ماركوس نحوها وعواطفه محبوسة، واهتز جسده بالكامل وهو يمسك بذراعيها بقوة لكن دون أن يؤذيها، وهزّها خافضاً رأسه بنبرة متهدجة يملؤها القهر والقسم: “نعم! أقسم لكِ نعم.. نحن نريد الانتقام لوالدكِ! أقسم بكل ما أملك أننا سننتقم لدم والدكِ الراحل، ولن يذهب هباءً.. لكن ليس بدم هذا الفتى البريء يا إليانور! ليس هو من يجب أن يدفع الثمن! ثأرنا الحقيقي والدموي يجب أن يكون من إدوارد وبياتريس.. هما الجلادان الحقيقيان، هما من خططا ودبرا لكل شيء، فلا تلوثي يديكِ بدموع شخص لا ذنب له!”
نفضت “إليانور” يديه عنها بعنف وقسوة لم يعهدها فيها من قبل، وتراجعت خطوتين إلى الخلف، بينما تطايرت خصلات شعرها مع الهواء البارد. اشتدت ملامح وجهها حتى بدت كأنها تمثال من جليد، وصرخت بنبرة حادة مخيفة، وصوتٍ يرتجف بآلام سنوات العذاب: “كفى يا ماركوس! كفى!”
شخصت ببصرها نحو القصر الكبير القابع في الظلام، ونظرت إليه بحقدٍ أسود يكفي لإحراق مدينة كاملة، ثم التفتت إليه وعيناها تتسعان بجنون مستطرد: “أنا لا يهمني أي شيء بعد الآن! لا يهمني سوى أن أرى هذا البيت يحترق.. يحترق بالكامل حتى يتحول إلى رماد، ويحترق معه كل من يجرؤ على العيش فيه! هذا ليس مجرد قصر.. هذا بيت أبي! هذا المكان اللعين الذي شهد على تعذيبنا، وارتوت جدرانه بدموعنا، وشهد على إنكار أبي وتعذيبه وقهر سنواتنا الضائعة! كيف تطلب مني الرحمة والرماد يملأ صدري؟!”
حاولت خنق غصة البكاء التي تكاد تمزق حنجرتها.
في هذه الأثناء، انطفأت نيران غضب ماركوس فجأة، ليحل محلها خوفٌ عميق وشفقة على الروح التي تتدمر أمامه. خطى نحوها بخطوات بطيئة هادئة، كمن يقترب من طائر جريح يخشى أن يفزعه.
امتدت يده المرتجفة ببطء، ووضعها على كتفها برقة، محاولاً إعادتها إلى أرض الواقع وسحبها من وادي الانتقام المظلم. انخفض صوته ليصبح همساً دافئاً يملؤه الرجاء: “إليانور.. أرجوكِ، أجيبيني بصدق. أنتِ لم تؤذيه لدرجة الموت.. أليس كذلك؟ أرجوكِ يا إليانور، أخبرني أن قلبكِ النقي لا يزال حياً، وأنكِ لم تذهبي بعيداً في هذا الطريق المظلم.”
نزلت كلماتُه على صدرها المشحون، فتوقفت أنفاسها لثانية واحدة. التفتت برأسها ونظرت إلى عينيه الملتمعتين بالقلق تحت ضوء القمر الخافت، ثم نظرت إلى يده المستقرة على كتفها.
وبحركة هادئة، رفعت يدها الباردة ووضعتها فوق يده، وضغطت عليها برفق كأنها تواسيه، لكن ملامحها ظلت جامدة وقاسية كالموت. اقتربت من أذنه، وهمست بنبرة هادئة باردة: “اطمئن.. أنا لم أنتظر عشرين عاماً لأقتله الآن.”
توسعت عينا ماركوس بذهول، وهي تتابع بفحيح واثق: “الموت راحة يا ماركوس.. والراحة لا تليق بأعدائي.”
تأملت ملامح “ماركوس” المذعورة، ثم قالت بنبرة هادئة وصوتٍ يخلو من أي ندم: “كما وعدتك تماماً يا ماركوس.. أنا لا أخلف وعودي. أنا لم أقتل ابنهما كما قتلوا أبي.. لقد نفذتُ وعدي لك يا ماركوس. لكن سيباستيان.. سيكون ورقة انتقامي الأقوى. لقد عرضتُ عليه العلاج والترياق في البداية كما اتفقنا سابقاً.. لكنه كان عنيداً ومتهوراً! لم يترك لي أي خيار آخر.. لقد أجبرني عناده وعجزه على أن أحقنه بتلك المادة رغماً عنه!”
تابعت بنبرة حادة كالسيف: “لا تخف.. إياك أن تخاف! كما قلت لك، أنا لم أنتظر عشرين عاماً كاملة وسط العذاب والدموع حتى آتي اليوم وأقتله بهذه البساطة! الموت راحة له ولهم، وأنا لا أريد لهم الراحة.. لكن، هذا لا يعني أبداً أنني لن أستخدمه! سأستخدمه كأقوى وأبشع ورقة انتقام عرفتها البشرية.. سأكسر قلوبهم به، وأجعلهم يتجرعون العذاب وهم يرونه يتدمر أمام أعينهم دون أن يتمكنوا من إنقاذه.”
وقفت على مسافة ليست ببعيدة من ذلك الهيكل الحجري الذي كان يوماً ما مأواها الدافئ.. امتدت نظراتها المنكسرة نحو بيتها القديم، وشعرت بغصة حارقة تمزق حنجرتها. التفتت نحو “ماركوس” وعيناها تغرقان بالدموع التي رفضت أن تجف، وقالت بصوت متقطع يرتجف: “انظر يا ماركوس.. انظر إلى هذا البيت..”
توقفت فجأة، تحاول التقاط أنفاسها المخنوقة وكأن الهواء قد شح في صدرها، ثم تابعت بمرارة تكاد تفتت الصخر: “لقد خسرت أبي.. الرجل الوحيد الذي كان لي في هذه الدنيا. وأنت.. أنت كنت شاهداً على كل شيء!”
اقتربت منه خطوة واحدة، وصوت بكائها يعلو مستنجداً بالذكريات: “أم أنك نسيت؟ نسيت كيف أخرجتني من هناك؟ لقد أخرجتني مثل جثة هامدة من بيت أبي يا ماركوس.. ذلك البيت الذي شهد أجمل أيام حياتي، وهو نفسه الذي شهد على أبشع فصول تعذيبي!”
تراجعت خطوة إلى الوراء، وصرخت بوجع زلزل هدوء المكان: “إذا كنت تمنعني الآن من تحويل حياتهم إلى جحيم، فلماذا أنقذتني إذن يا ماركوس؟! أجبني! لِمَ لَمْ تتركني هناك أموت؟! لكن… هناك شيء واحد يبدو أنك لا تعرفه بعد..”
بحثت في عينيه عن إجابة، ثم همست بنبرة باردة كالموت: “أنا متُّ بالفعل يا ماركوس.. تلك الفتاة البريئة التي كنت تعرفها قد ماتت ودفنت تحت حطام ذلك البيت.”
ساد الصمت لثوان، ولم يتحمل ماركوس رؤية هذا الانكسار المستعر في عينيها. اقتربت منها ببطء، ومد يده المرتجفة ليضعها على كتفها بحنان يحاول احتواء غضبها، وقال بصوت خافت ومبحوح من أثر الذكريات: “وكيف أنسى..؟ كيف لي أن أنسى ما فعله إدوارد وبياتريس بك وبأبيك؟ النيران التي أشعلوها في صدري لم تنطفئ منذ ذلك اليوم الأسود يا إليانور.. إن أبيك هو بمثابة أبي أنا أيضاً!”
سألته: “هل تتذكر تلك المحاكمة يا ماركوس..؟ المحاكمة التي ظننتُ بغبائي أنها ستكون طوق النجاة لأبي؟”
أغلقت عينيها بقوة، وضغطت على جفونها وكأنها تحاول طرد الكوابيس من رأسها، وتابعت والدموع تجد طريقها مجدداً على وجنتيها: “كنتُ أقف هناك.. أنتظر اللحظة التي يخرج فيها أبي من وراء القضبان ويعود إلى حضني.. لم أكن أعلم.. لم أكن أعلم أبدًا أن هناك ما هو أسوأ بكثير من السجن ينتظره بالخارج!”
[الماضي – ذكريات المحاكمة]
في تلك اللحظة، اختفى صوت حفيف الأشجار من حولها، وبدأ رأسها يضج بأصوات الماضي.. تداخلت الأصوات في مسامعها؛ همسات الناس الخبيثة، صراخ المحامين، ووقع خُطى الحراس الباردة.. وفي وسط ذلك الضجيج المرعب، ارتفع فجأة صوت ضربة مطرقة القاضي القاسية وهي تهوي على الطاولة لتعلن الحكم الذي أعدم حياتها وحياة أبيها إلى الأبد.
كانت إليانور جالسة في القاعة، تشد على فستانها بقوة وهي تحاول التقاط أنفاسها. كانت تحاول أن تبدو قوية صامدة أمام الجميع، لكن قلبها كان يتمزق وهي ترى والدها، السيد ألبيرت، يقف شاحباً ومهزوماً في جلسة الاتهام، بعد أن لُفقت له قضية تجارة الأدوية غير المشروعة.
خلفها تماماً، كان يجلس إدوارد، سندها في هذه المحنة (كما كانت تظن)، وبجانبه كانت تقف بياتريس، الصديقة المقربة التي لم تتركها لحظة واحدة.
في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كانت عيون القاعة معلقة بالقاضي، التفتت بياتريس بنظرة خاطفة نحو إدوارد. التقت أعينهما لثوانٍ معدودة؛ نظرة لم تكن تحمل القلق على ألبيرت، بل كانت تفيض ببريق انتصار خفي، وتشابكت أصابعهما وراء ظهر إليانور للحظة واحدة، مستمتعين بنجاح الفخ الذي نصباها معاً بدم بارد.
وقف المحامي “بيتر” بثقة، ممسكاً بطرف سترته، ووجه نظراته الحادة نحو منصة القضاء قائلاً بنبرة جهورية: “سيدي القاضي، موكلي بريء تماماً من هذه التهمة.. إنه يعمل منذ ثلاثين سنة في هذه الشركة بكل نزاهة وأمانة، وتاريخه المهني الأبيض يشهد له بذلك!”
لم يكد بيتر ينهي جملته حتى انتفض محامي الادعاء من مقعده، وملامح السخرية والغضب ترتسم على وجهه ليردف مقاطعاً بصوت هز أرجاء القاعة: “اعتراض يا سيدي! هذا هراء.. السيد ألبيرت لم يكن نزيهاً يوماً، بل كان يتلاعب بأرواح وحياة الناس الأبرياء! لقد استغل الأدوية المهدئة، وبدأ يتلاعب بالخلايا والمركبات الكيميائية، ليحول تلك الأدوية الطبية إلى مواد شبيهة بالمخدرات الفتاكة!”
ساد الصمت وتعلقت أنظار الجميع بمحامي الهجوم الذي تقدم خطوات نحو منصة الشهود، مشيراً بإصبعه باتهام مباشر.
كانت “إليانور” تنظر إلى أبيها “ألبيرت” بقلب مكسور، كأنها ترى كل الشقاء والتعب الذي بذله لأجلها ولأجل رفعة اسمها يتهاوى أمام عينيها في لحظة واحدة. لم تحتمل المشهد، فأنزلت رأسها بقلة حيلة، وبدأت دموعها تنساب وتبكي بصمت مرير.
في تلك الأثناء، كانت “بياتريس” تجلس على مقربة منها، تمد يدها لتطبطب على كتف إليانور وتواسيها بخبث وتصنع، وفي الخفاء، كانت تبتسم ابتسامة النصر المظلمة. رفعت بياتريس عينيها نحو “إدوارد” الجالس في جانب القاعة، ليلتقيا في نظرة متبادلة صامتة ومليئة بالمؤامرة.. كانت خطتهما الشيطانية تسير بدقة، تماماً كما أراداها أن تكون.
تقدم المحامي “بيتر” بخطوات واثقة نحو المنتصف، ورفع صوته ليتجاوز همسات الحاضرين قائلاً: “أليس هناك أدلة كافية تثبت المؤامرة؟ ربما هناك من خطط لكل هذا للإيقاع بموكلي!”
التفت إليه محامي الهجوم، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يجيب ببرود وثقة: “مؤامرة؟ هناك أدلة دامغة تؤكد أنه كان يتاجر بالأدوية غير الشرعية. السيد ألبيرت مذنب تماماً.. وعليه أن يقضي بقية حياته خلف قضبان السجن.”
شعر بيتر بالخطر، فالتفت سريعاً نحو منصة الحكم، وهتف بنبرة قوية ومستنجدة: “هذا غير عادل! الأدلة لم تُجمع بالكامل بعد يا سيدي القاضي!”
تغيرت نبرة صوت المحامي “بيتر” لتصبح أكثر رجاءً وجدية، وهو يرفع بعض المستندات الطبية بيده: “سيدي القاضي، موكلي ليس بخير.. إنه يعاني من مرض خطير في القلب، وهذه التحاليل تثبت أنه دخل المستشفى مرتين مؤخراً. أطلب أن يتم محاكمته خارج السجن بسبب حالته الصحية الحرجة.”
تقدم بيتر وسلم الأوراق إلى كاتب المحكمة ليرفعها إلى القاضي. تفحص القاضي الأوراق من خلف نظارته الطبية وعم الصمت أرجاء القاعة للحظات حبست فيها إليانور أنفاسها.
ضرب القاضي بمطرقته الخشبية معلناً القرار: “حكمت المحكمة.. نظراً للحالة الصحية للمتهم ألبيرت، تقرر المحكمة أن يُحاكم خارج السجن تحت شروط وإجراءات مشددة، وذلك حتى موعد الجلسة الأخيرة… رُفعت الجلسة.”
ما إن ضرب القاضي مطرقته، حتى ركضت “إليانور” بلهفة نحو أبيها وارتمت في حضنه وهي تبكي بدموع الفرح والراحة. في تلك اللحظة، ركض “ماركوس” نحوهم وعلامات الارتياح واضحة على وجهه، ليردف بنبرة صادقة: “الحمد لله على سلامتك يا سيد ألبيرت.”
التفت ألبيرت والتقت عيناه بعيني ماركوس، ثم تقدم نحو الشاب وضمه بدفء وامتنان قائلاً: “شكراً لك يا ابني.. شكراً لوقوفك معنا.”
وسط هذه الأجواء العاطفية، تقدم “إدوارد” بخطوات هادئة، يرتدي قناع البراءة المزيف، وقال بصوت هادئ: “مرت الأمور على خير ما يرام…”
التفت ألبيرت إليه بقلب طيب غير مدرك للأفعى التي تقف أمامه، وأجاب بامتنان: “شكراً لك يا إدوارد.. ممتن لمشاعرك.”
لم تضيع “بياتريس” اللحظة، فتقدمت بخبث مرسوم على شكل ابتسامة حنونة، واندفعت لتحضن إليانور بقوة، ثم التفتت لتحضن ألبيرت قائلة بصوت متصنع: “أنا أشعر بالارتياح الآن.”
التفتت إليانور فوراً إلى إدوارد وحضنته باكية وهي تقول: “إدوارد.. أبي سيعود للمنزل!”، بينما تبادل إدوارد وبياتريس ابتسامة خبيثة خلف ظهرها.
حرر بجهود مشكورة للمحررة والمدققة: Be happy.
تدقيق، مراجعة وإشراف: رنين.